هل تقصم العقوبات الأمريكية ظهر النظام الإيراني المنهك؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
7860
عدد القراءات

2018-11-04

مع دخول العقوبات الأمريكية الاقتصادية الجديدة ضدّ القيادة الإيرانية حيّز التنفيذ، هذا الأسبوع، وجوهرها وقف تصدير النفط الايراني، الذي يشكّل المورد الأساس للدخل الإيراني، ورغم الاستثناءات المحدودة لدول بمواصلة استيراد النفط الإيراني، تدخل إيران محطة جديدة في الصراع مع أمريكا، عنوانها المزيد من الضغوط التي تتعرض لها، في إطار تنفيذ الإستراتيجية الأمريكية الهادفة إلى تعديل سلوك القيادة الإيرانية، وفق ما تعلنه أمريكا، بهدف إجبار القيادة الإيرانية على إعادة التفاوض، لإنجاز اتفاق جديد يلبّي المطالب الأمريكية، فيما تعني الإستراتيجية، وفق فهم القيادة الإيرانية؛ "إسقاط النظام الإيراني".

اقرأ أيضاً: كيف أدارت طهران الأسبوع الأول من العقوبات الأمريكية على إيران؟

الحكومة الإيرانية استعدت لهذه العقوبات الجديدة؛ من خلال سلسلة من التغييرات في الطاقم الحكومي الاقتصادي قبل أسابيع، وزيادة مخصصات الفقراء، البالغ عددهم أكثر من عشرين مليون نسمة، وهو ما يشكّل حوالي ربع سكان إيران، فيما يواصل المرشد الأعلى "خامنئي"، ومعه التيار المتشدّد، الإعلان عن تحقيق إنجازات في الصناعات الصاروخية والطائرات المسيّرة، لإرسال رسائل باستمرار قوة إيران، وفق مقاربات تصدير الأزمة، وتسويق شعارات استهداف الثورة الإسلامية، لاستقطاب الرأي العام الإيراني؛ بهدف تنمية وتوسيع الشعور القومي الإيراني، في محاولة لتحقيق التفاف حول القيادة الإيرانية والثورة، وهناك شكوك في تحقيق هذا الهدف، في ظلّ تجربة قيادة الثورة، منذ أربعين عاماً، والموقف من "الإنجازات" التي تحققت، والتي يتمّ التعبير عنها بمظاهرات شملت كافة المدن على مساحة الجمهورية الإسلامية، وانتقلت إلى العراق، في مناطق محسوبة مذهبياً على إيران.

لم يتوقف التيار المتشدّد بتحميل روحاني وفريقه مسؤولية فشل الاتفاق النووي

ورغم حالة الشدّ والاستقطاب التي شهدتها المرحلة التي أعلن فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نواياه بالانسحاب من الاتفاق النووي، وحتى الإعلان عن ذلك، بين تيار الحكومة "الإصلاحي"، والتيار المتشدّد بقيادة روحاني، ومحاولات تبادل الأدوار، واتخاذ رئيس الجمهورية روحاني موقفاً متشدداً؛ بإطلاق تصريحات حول إغلاق مضيق هرمز، ووقف إمدادات النفط من خلاله، ثم ظهوره وكأنّه أحد قادة الحرس الثوري، إلا أنّ ذلك لم يخفِ استمرار التيار المتشدّد بتحميل روحاني وفريقه مسؤولية فشل الاتفاق النووي.

احتمالات قيام إيران بعمليات استفزاز في مضيق هرمز وفي ساحات الصراع بسوريا والعراق واليمن واردة خاصّة من قبل الحرس الثوري

ويبدو اليوم، مع العقوبات الجديدة، أنّ حالة الظهور بالالتزام بـ "التوافق" بين التيارين، ستبدو أحد أبرز مرتكزات الإستراتيجية الإيرانية بمواجهتها، إلا أنّ نتائجها غير مضمونة، وستكون رهناً، في الدرجة الأولى، بتداعيات العقوبات من جهة، وحجم ردود الفعل الشعبية ومستواها من جهة أخرى، ولا يستبعد معها أن تعود أجواء التلاوم داخل أوساط القيادة الايرانية.

الرهانات الإيرانية بموقف أوروبي متمايز عن الموقف الأمريكي، يمكن أن يسهم في إنقاذ الاتفاق النووي، ذهبت أدراج الرياح، في ظلّ موقف أوروبي لا يمكن أن يخرج في خطوطه العريضة عن الموقف الأمريكي، رغم الخلافات الأمريكية – الأوروبية تجاه العديد من القضايا، خاصة الإجراءات التي اتخذها الرئيس ترامب ضدّ دول الاتحاد الأوروبي، بخصوص التجارة البينية بين الجانبين، فيما سيشكل ما أعلنته دول أوروبية حول أدوار "إرهابية" للأجهزة الأمنية الإيرانية، من خلال بعثاتها الدبلوماسية في العواصم الأوروبية، وآخرها في الدنمارك؛ بالكشف عن مخطط لاغتيال أحد رموز المعارضة الأحوازية العربية هناك، والتعاون بين وكالات الاستخبارات الأوروبية، في فرنسا وألمانيا وبلجيكا، كلّ ذلك سيشكّل ملفاً ضاغطاً على ايران في أيّة مفاوضات قادمة.

يبدو أن رهان إيران على موقف أوروبا لإنقاذ الاتفاق النووي ذهب أدراج الرياح

وتبدو قدرة إيران على التعامل مع العقوبات الجديدة، وإمكانية احتوائها، محطّ شكوك عميقة، رغم مزاعم إيرانية بأنّها تمكنت من التعايش مع عقوبات اقتصادية، أمريكية وغربية، منذ أربعين عاماً؛ إذ إنّه من المرجّح، أن يتمّ استئناف المسيرات الشعبية ضدّ سياسات القيادة الإيرانية؛ الداخلية والخارجية، في ظلّ ضغوط تطال الطبقات الشعبية وحتى التجار، وفي ظل أرقام اقتصادية، في إطار قيمة العملة الوطنية والتضخم، وهبوط الدخول، وضعف القدرة على تأمين العملات الصعبة، كلّها تشير إلى أنّ إيران تتجه نحو كارثة اقتصادية، تتجاوز قدرات القيادة الإيرانية، بشقّيها؛ المتشدّد والإصلاحي، على حلّها أو إمكانية التعامل معها واحتوائها، ومع ذلك؛ فإنّ إمكانية قدرة القيادة الإيرانية على تأمين مداخيل تمكّنها من القيام بإدارة شؤونها في أطر ضيقة، ستبقى قائمة، لكنّها لا تكفي لحمايتها من ثورة شعبية.

الرهانات الإيرانية بموقف أوروبي متمايز عن الموقف الأمريكي، يمكن أن يسهم في إنقاذ الاتفاق النووي، ذهبت أدراج الرياح

لا شكّ في أنّ العقوبات الأمريكية، منذ إعلان الرئيس ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي، في أيار (مايو) الماضي، إضافة إلى الإنجاز الذي تحقق مع كوريا الشمالية، حول تفكيك أسلحتها النووية والصاروخية، سيدفع ترامب إلى ممارسة مزيد من الضغوط على القيادة الإيرانية، خاصة أنّ نتائج تلك العقوبات بدأت بالظهور في تراجع الدور الإقليمي لإيران؛ حيث تقلّص الوجود الإيراني في سوريا، وأصبح إنهاء وجودها العسكري مطلباً تتوافق عليه القوى الفاعلة في سوريا، خاصة بعد التعاطي الروسي والتركي مع هذا المطلب، في إطار حساباتهما وسياساتهما في سوريا.

وفي العراق؛ لم يكن تشكيل حكومة عراقية برئاسة عادل عبد المهدي، إلا تنازلاً إيرانياً لأمريكا، حتى إن ظهر بشكل "توافق" بين الجانبين، هذا إضافة إلى تغييب إيران عن قمّتين مهمّتين عقدهما الرئيس التركي مع الرئيس الروسي، ولاحقاً مع القادة الأوروبيين، وكلتاهما حول مستقبل سوريا، التي تعدّ إيران أحد أبرز الفاعلين فيها.

إنّ احتمالات قيام إيران بعمليات استفزاز في مضيق هرمز تبقى واردة

ومع ذلك؛ فإنّ احتمالات قيام إيران بعمليات استفزاز في مضيق هرمز، وفي ساحات الصراع بسوريا والعراق واليمن، تبقى واردة، خاصّة من قبل الحرس الثوري الإيراني، وربما تصل حدّ استهداف وكلاء إيران لتشكيلات عسكرية أمريكية وحليفة؛ في العراق وسوريا وربما اليمن، إلا أنّها لن تسهم في التغطية على ما يتوقع أن يجري داخل إيران من احتجاجات شعبية واسعة، ومؤكد أنّها ستبقى احتمالات ضعيفة، لإدراك القيادة الايرانية أنّ الردّ الأمريكي لن يكون متساهلاً معها.

اقرأ المزيد...

الوسوم: