هل تلجأ "النهضة" لجهازها الأمني في صراعها مع الرئيس التونسي؟

هل تلجأ "النهضة" لجهازها الأمني في صراعها مع الرئيس التونسي؟

مشاهدة

16/05/2022

واقع مأزوم تعيشه حركة النهضة دفع إلى سطح المشهد التونسي العديد من التساؤلات عن آخر أسلحة الحركة قبل السقوط، فهل تلجأ لجهازها الأمني حماية لوجودها؟

افتراضية ربما غير مقبولة في الواقع التونسي الرافض للمواجهة المسلحة، بيد أنّ تصريحات القيادي بحركة النهضة، رفيق عبد السلام، مهّدت للسؤال، إثر تغريدة أطلقها قبل أيام قال فيها: "من واجب الشعب بكلّ فئاته التصدي لهؤلاء العابثين والضرب على أيديهم حماية لأمن تونس واستقرارها"، في إشارة إلى معارضي حركة النهضة.

وعرفت جماعة الإخوان المسلمين، بجميع أفرعها الدولية، بالنظام الخاص أو الجناح العسكري المسلح للجماعة، سواء في مصر أو سوريا أو السودان، وبرز دور النظام الخاص في مصر بعد ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، على خلفية مواجهات المؤسسة العسكرية المصرية مع الخلايا المتطرفة للجماعة، والتي عرفت بأسماء مختلفة منها: "المقاومة الشعبية"، أو "كتائب الشرعية"، أو "سواعد مصر/ حسم"، أو "لواء الثورة".

مشروع التمكين الأمني

المشهد التونسي غير بعيد عن جماعات الإخوان في الدول الأخرى، بحسب الباحث في الإسلام السياسي، أحمد نظيف الذي يشير، في دراسة بعنوان "الإسلاميون في تونس ومشروع التمكين الأمني: من المجموعة الأمنية إلى الجهاز السرّي" إلى حقيقة الجهاز الأمني للإخوان في تونس، قائلاً: "لم يكن فرع جماعة الإخوان المسلمين في تونس نسيجاً مختلفاً عن بقية فروع الجماعة أو عن الجماعة الأم، فقد اشتغل منذ تأسيسه في نهاية ستينات القرن الماضي تحت اسم "الجماعة الإسلامية" ثم "حركة الاتجاه الإسلامي"، بين عامي 1981 و1988، ولاحقاً "حركة النهضة"، بداية من عام 1988 وحتى اليوم، على بناء أجهزة "قمعية" للتنظيم حالها حال الأجهزة الأيديولوجية المعلنة والعاملة في مجالات الدعوة والثقافة والتعليم والعمل الخيري".

وبحسب دراسة نظيف؛ بدأ الفرع الإخواني التونسي في تشكيل جهازه الأمني – العسكري منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، حيث تشير الوثائق الأمنية الرسمية إلى أنّ النواة الأولى التي تشكّل منها هذا الجهاز كانت أساساً من العناصر العسكرية، وهي نواة ضباط الصف، انخرطت عناصرها في الجماعة بعد مرورها بحلقات مَسْجِدِية أدارها راشد الغنوشي أو كانت في بعض الأحيان من بين تلاميذه.

وصول إخوان تونس إلى الحكم بعد أحداث ما عرف بالربيع العربي، كانون الثاني (يناير) 2011، دفع حركة النهضة إلى التأكيد على ترك العنف والاشتغال السياسي فقط، غير أنّ تحقيقات المحكمة التونسية في قضية اغتيال شكري بلعيد والبراهمي كشفت عكس ذلك.

النهضة والاغتيالات السياسية

قدمت هيئة الدفاع عن شكري بلعيد والبراهمي ما يثبت تورط الجهاز الأمني التونسي في عمليات الاغتيال، لكنّ اللافت للانتباه ما قدمته هيئة الدفاع الأوراق التي تشير إلى كشف الأجهزة الأمنية التونسية هذا الجهاز بالصدفة، في كانون الأول (ديسمبر) 2013، عندما ألقي القبض على منسقه مصطفى خضر، وهو ضابط سابق في الجيش التونسي تورّط في المحاولة الانقلابية الثانية للحركة في 1991.

المحلل السياسي التونسي نزار الجليدي لـ"حفريات": النهضة تستعد لمعركة مع الدولة بعد أن أهدرت كلّ الوسائل في الشارع؛ إذ لفظها الشعب التونسي، ولفظتها المنظومة، وصارت منعزلة

وتبين، من خلال الوثائق التي حجزت لدى خضر؛ أنّ من مهام الجهاز: "بناء جهاز أمن موازٍ، وقد تضمّنت الوثائق قوائم بمئات الأمنيين وتقارير صادرة عن الأمنيين، واقتراح ترقيات لأمنيين، وإجراء أبحاث وتحريات أمنية بقصد استقطابهم لحركة النهضة، ومتابعة العسكريين والمؤسسة العسكرية وكتابة التقارير حولها، وإطلاع حركة النهضة على التفاصيل الحياتية الدقيقة للقيادة العسكرية، وكذلك الإشراف على دورات حول التنصت والاستخبارات وبناء الجهاز الأمني السري وكتابة التقارير".

على الرغم مما سبق، يظلّ الحديث عن جهاز أمني تابع لحركة النهضة ربّما يتم توظيفه في الصدام بينها والرئيس التونسي، قيس سعيّد، مجرد فرضية تبحث عن إجابات

النهضة فقدت القدرة على تحريك الشارع

الإعلامي والحقوقي التونسي أنس بن مالك لا يعتقد أنّ ما يحدث هو مقدمات للحركة لاستخدام جهازها الأمني، مضيفاً: "هذا مستبعد جداً، إن لم نقل مستحيل".

ويوضح بن مالك، في تصريح لـ"حفريات": "حركة النهضة استعملت العنف أكثر من مرة في زمن بورقيبة وزمن بن علي، واستعملته كذلك عند توليها الحكم تحت مسمى "لجان حماية الثورة"، وفي كلّ مرة تستعمل الحركة فيها العنف كان ذلك وبالاً عليها".

ولا يرى بن مالك أنّ لجوء حركة النهضة لاستعمال العنف مسألة مستبعدة، لافتاً إلى وجود بشائر أمام النهضة لإمكانية عودتهم إلى الحكم، مستدركاً: "لكن بطريقة غير كاملة".

ويشير بن مالك إلى أنّ الدّين معطى مشترك بين قيس سعيّد والنهضة: "كلاهما ينتميان لفكر محافظ؛ فالنهضة مع الإسلام السياسي، وقيس سعيّد محافظ متديّن، لذلك نجد تشاركات عديدة بين ناخبي ومناصري قيس سعيّد ومناصري حركة النهضة، حتى إنّ هناك ضمن مناصري قيس سعيّد مَن كانوا من ناخبي النهضة أو المتعاطفين معها، فهم ينتمون للفكر نفسه والرقعة الأيديولوجية نفسها".

النهضة مع الإسلام السياسي، وقيس سعيّد محافظ متديّن، لذلك نجد تشاركات عديدة بين ناخبي ومناصري قيس سعيّد ومناصري حركة النهضة

ويرفض بن مالك المقارنة بين المشهد المصري والتونسي في مسألة توظيف العنف ضدّ الشعب والدولة: "المشهد التونسي يأبى المواجهة المسلحة، وكلّ من يستعمل المواجهة المسلحة يفقد شعبيته"، مضيفاً: "حقيقة الأمر؛ حركة النهضة لا يمكنها أن تقوم بأعمال ضدّ المواطنين التونسيين أو الدولة التونسية، لسببين؛ الأول: أنّها لم تعد تمتلك قواعد كبيرة، حتى قواعدها لم تعد راضية عن أدائها، والحركة مؤخراً عجزت عن تجييش أتباعها في المظاهرات التي دعا إليها الغنوشي، وهو ما يعطي دليلاً واضحاً على أنّ هذه الحركة لا تملك القدرة حالياً على تحريك الشارع.

 الأمر الثاني؛ أنّ حركة النهضة تعتمد على ضعف المنافس، وهو في تلك الحالة قيس سعيّد، صاحب الأداء السياسي والاقتصادي الضعيف، بالتالي، تنتظر الحركة قطف ثمار عدم الكفاءة السياسية والاقتصادية لقيس سعيّد؛ فالعديد من التونسيين يعتقدون أنّ حكم قيس سعيّد لن يطول كثيراً؛ لأنّه غير قادر على حكم البلاد".

مقدّمات المواجهة مع سعيّد

الباحث والمحلل السياسي نزار الجليدي يشير إلى أنّ القيادي في حركة النهضة، رفيق عبد السلام، هو الواجهة الإعلامية و"اليافطة" التي يتكلم من خلالها التنظيم الدولي للإخوان فرع تونس، وأنّه يمثّل لحظة التفكير العلنية والمباشرة التي من خلالها يقع التجييش ضدّ الرئيس وضدّ الدولة.

يوضح نزار الجليدي، في تصريح لـ "حفريات"؛ أن ما يجري "مقدّمة من الحركة حتى تدخل في مواجهة مع الدولة، نحن نعلم أنّه، منذ 25 تموز (يوليو)، هناك تجيش يمرّ عن طريق الملاعب وكرة القدم، وعن طريق الرياضة، وعن طريق تحريض الشارع والصفحات، ولعلّ أهم دليل على ذلك ما وقع منذ أيام من إيقاف نهائي تونس لكرة اليد؛ حيث انطلق اللقاء منذ البداية من خلال مندسّين بشعارات سياسية، وهذا يعود بنا إلى نهاية سنة 2010 وبداية سنة 2011، عندما استغلت الملاعب للجدل السياسي".

يؤكد نزار الجليدي: "نعم حركة النهضة تستعد لمعركة مع الدولة بعد أن أهدرت كلّ الوسائل في الشارع؛ إذ لفظها الشعب التونسي، ولفظتها المنظومة، وبعد أن أصبحت منعزلة، وهي الآن تريد أن تتحرك من خلال توريط أجهزة الأمن في كمائن، ومن خلال تشويه ومحاولة زعزعة صورة الأمن التونسي".

يرى الجليدي؛ أنّ السيناريو التونسي ليس ببعيد عن السيناريو المصري، مستدركاً: "لكن بخلاف ذلك ظلّت تونس، في كلّ مراحلها، بتعاملها مع منظمة الإخوان والاتجاه الإسلامي والحركات السياسية، دولة بعيدة عن المواجهة، لكن يبدو أنّهم الآن يستدعون الدولة إلى المواجهة.

ويُنظر إلى حركة النهضة على أنها انتهت، سياسياً وتنظيمياً، وانتهت شعبياً، ولها اليوم طريق واحد، بحسب الجليدي، هو الذهاب إلى المحاكم والمحاسبة، "أو كما قال الرفيق شكري بلعيد: (كلّما ضاق عليهم الحال لجأوا إلى العنف)، أعتقد أنّهم الآن يريدون هذه المواجهة وهي آتية كورقة أخيرة يستخدمونها".

مواضيع ذات صلة:

الاتحاد التونسي للشغل في مواجهة حركة النهضة الإخوانية

الجمهورية الجديدة في تونس تسقط حركة النهضة الإخوانية من حساباتها

هل تنجح حركة النهضة في كسر طوق الحصار؟

الصفحة الرئيسية