هل توسع الغزالي في باب التكفير بالقياس؟

هل توسع الغزالي في باب التكفير بالقياس؟

مشاهدة

22/09/2021

التكفير هو حكم بالكفر على شخص أو جماعة أو فكرة ما، وردت كلمة "كفر" بمشتقاتها في القرآن الكريم حوالي 424 مرة، إلا أنّ الآيات التي صرحت بتكفير أشخاص أو جماعات معينة قليلة نادرة للغاية، وكان من المفترض أن يكون التكفير منحصراً فيها وحدها؛ لكنه صار سلاحاً تم استخدامه من فرق عديدة في التاريخ الإسلامي، ومن فقهاء وعلماء كلام ضد خصومهم، لإخراج هؤلاء من الملّة، وممارسة الإقصاء تجاههم، وتأليب الجمهور ضدهم وضد ما نادوا به من أفكار، حتى وصل الأمر إلى تكفير المجتمعات المسلمة كلّها على يد جماعات الإسلام السياسي، متبعةً في ذلك أبا الأعلى المودودي وسيد قطب، إذا لم تستجب هذه المجتمعات لما فرضه عليها الإسلام السياسي من أيديولوجيا.

اقرأ أيضاً: 10 محطات في حياة ابن سينا الذي كفّره الغزالي
ولأنّ الفئات التي تم تكفيرها بعد نزول القرآن الكريم لم تكن معروفة وقت نزوله، فقد تم توسيع دلالة الكفر كي يستطيع المُكفِّر ضم تلك الفئات بمعتقداتها وأفكارها إلى مقولة الكفر، وتمت ممارسة التكفير بالقياس، لا بالنص المباشر الصريح من قرآن كريم أو حديث نبوي شريف. والقياس هو الآلية الذهنية التي استخدمها الفقهاء لإنزال حكم مثبت في القرآن أو الحديث على حالة مستجدة لم تُذكَر في النص، وذلك بقياس الحالة المستجدة على حالة شبيهة بها أو قريبة منها في النص.

مثلما أدى القياس إلى توسيع مجال الفتوى وتضخم الأحكام فقد حدث المثل مع التكفير

ومثلما أدى القياس إلى توسيع مجال الفتوى وتضخم في الأحكام التي تم النظر إليها على أنّها "شرعية"، فقد حدث المثل مع التكفير؛ إذ عملت آلية القياس على توسيعه وتم فتح باب الاجتهاد في التكفير؛ لكن المفارقة هنا هي أنّ الذي يمارس التكفير لا يقدمه على أنه حكم بالقياس أو على أنه اجتهاد شخصي له - والقياس هو في النهاية اجتهاد ورأي لكن لا يقدمه القائم به على أنه كذلك – بل على أنه هو "حكم الشرع" أو "الحكم الشرعي"، واضعاً نفسه مكان الله تعالى في إصدار أحكام التكفير.
عندما أقر أبو حامد الغزالي في كتابيه "الاقتصاد في الاعتقاد" (ص 303) و"فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة" (ص 55) بأنّ التكفير نوعان، تكفير بالنص وتكفير بالقياس، فقد كان يصف بدقة ممارسات التكفير السابقة عليه، والمعاصرة له؛ إذ ينتمي أغلبها إلى التكفير بالقياس؛ فكل تكفير لشخص أو جماعة أو فكرة لم ترد في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية هو تكفير بالقياس.

اقرأ أيضاً: شكري مصطفى: الشاعر الرقيق والقاتل المتوحش الذي أنجب التكفير والهجرة
ونظراً لندرة ومحدودية النصوص القرآنية التي تصرح بالتكفير، فقد اضطر كل من مارس التكفير إلى توسيع دلالة الكفر ومن ثم تطبيق التكفير بالقياس، ذلك القياس الذي كان الآلية الذهنية الأساسية للتفكير الفقهي، ويظهر اتساع دلالة الكفر في أنّ الكفر كان اتهاماً متبادلاً بين الفرق الإسلامية كلها، وطال الخوارج والشيعة والمعتزلة والأشاعرة والفلاسفة والصوفية، بل وأهل الكتاب كذلك.
يقول الغزالي في "الاقتصاد في الاعتقاد" إنّ التكفير مسألة فقهية (ص 302)، وهو يقصد بذلك أن تكفير شخص أو جماعة أو فكرة يجب أن يكون منضبطاً حسب أصول وقواعد الفقه، لكن بدلاً من أن يتجه الغزالي إلى اعتبار حكم التكفير اجتهاداً من الفقهاء، وفي حكم المظنون؛ أي اللايقيني، فإنّه يضفي عليه صفة القطع والإلزام، كعادة أغلب الشافعية في اعتبار كل حكم فقهي مبني على القياس يتصف بنفس الإلزام والقطعية التي للنص المقاس عليه.

ممارس التكفير لا يقدمه على أنه حكم بالقياس أو اجتهاد شخصي بل باعتباره "حكم الشرع"

كان الأجدر بالغزالي أن يقيم تراتباً في درجات إلزام وقطعية الحكم، بحيث يكون الحكم المصرح به في القرآن الكريم متصفاً بأعلى درجات القطعية؛ يليه الحكم الوارد في الأحاديث، لكون معظمها أحاديث آحاد وكلها ظنية الثبوت؛ يليه الحكم بالإجماع، الذي ليس في حقيقته إلا إجماع أصحاب المذهب الواحد في زمان واحد وربما مكان واحد، وليس إجماع الأمة كلها في كل زمان ومكان؛ يليه الحكم بالقياس، الذي هو في حقيقته اجتهاد ورأي يخفي نفسه في صورة التزام بنص أصلي، بحيث يصبح الحكم بالقياس هو أضعفها وأقلها إلزاماً وقطعية؛ لكنه كأشعري شافعي عامل كل مستويات الحكم السابقة على أنّها متساوية في الإلزام والقطعية.

اقرأ أيضاً: التكفير بالاعتقاد.. الصحوة وعلم الكلام
ومن المفارقات أنّ الغزالي يعلن أنّ التكفير بالقياس اجتهاد (الاقتصاد في الاعتقاد، ص 302)، وقوله هذا يتبعه ضرورة أن الاجتهاد يدخل فيه الرأي والظن، مما يمكن أن يؤدي إلى القول بأن التكفير لما كان حكماً بالقياس والقياس اجتهاد، فالتكفير رأي وظن وليس حكماً شرعياً قطعياً، لكن لم يعترف الغزالي بذلك. وفي حين أنه كان على وعي تام في "المستصفى من علم الأصول" بالخلافات الفقهية حول مشروعية القياس في إنتاج الأحكام الشرعية، وذكر بنفسه الفرق والمذاهب التي تنكر القياس مثل المعتزلة وأهل الظاهر والشيعة (المستصفى، ص 494)، مما يعني أنه كان يعلم بعدم وجود إجماع على مشروعية القياس، إلا أنه يضفي على أحكام التكفير بالقياس قطعية وإلزاماً ويقيناً.

كان الغزالي يعلم بعدم وجود إجماع على مشروعية القياس إلا أنه يضفي على أحكام التكفير بالقياس قطعية وإلزاماً ويقيناً

يضع الغزالي للتكفير أصلاً واحداً يبدو في ظاهره أنه بسيط ومباشر وواضح بذاته، وهو ليس كذلك في الحقيقة؛ ينص هذا الأصل على أنّ "كل من يكذّب الرسول فهو كافر" (الاقتصاد في الاعتقاد 303/ فيصل التفرقة 55). ففي مقابل البساطة التي يظهر بها هذا الأصل، إلا أن تطبيق الغزالي له، وتطبيق كل الفقهاء من بعده وخاصة ابن تيمية، يوسع دلالة الكفر للغاية. والشحنة العاطفية والإيمانية التي في هذه العبارة تجعل أي مسلم يقبله تسليماً دون تفكير.
إنّ أخطر ما في هذا الأصل أنه ينقل دلالة الكفر والإيمان من الله تعالى إلى الرسول عليه السلام، فبدلاً من أن يكون الإيمان هو الإيمان بالله وتوحيده، والكفر هو كفر بالله والشرك به، يصير الإيمان هو تصديق الرسول والكفر هو تكذيب الرسول. وتترتب نتائج في غاية الخطورة على هذا الأصل، منها أنّ المسلم مطالب بتصديق كل الأحاديث المنسوبة  للرسول الكريم باعتبار هذا التصديق فعلاً إيمانياً، مما يعني أن مجرد مناقشة الأحاديث من حيث سندها أو متنها يصير تكذيباً للرسول، عليه السلام، ومن ثم كفراً.

اقرأ أيضاً: تكفير التفكير.. الصحوة والفلسفة
وقد وسع الغزالي من تطبيق هذا المبدأ، ومعه الفقه المتأخر وخاصة عند ابن تيمية، عندما ذهب كل هؤلاء إلى أن تأويل أحاديث النبي باعتبارها مجازاً هو تكذيب للنبي ومن ثم كفر، وبالتالي حكم أئمة السلف في العصور المتأخرة بالكفر على كل من ينظر إلى بعض ما روي من مشاهد رحلة الإسراء والمعراج، ومشاهد القيامة والجنة والنار وعذاب القبر مما ورد في الأحاديث باعتبارها مجازات وليست مقصودة بحرفيتها. 

لندرة النصوص القرآنية المصرحة بالتكفير اضطر كل من مارسه إلى توسيع دلالة الكفر والأخذ بالقياس

ويبدو أن دلالة التعامل القرآني الكريم مع أصحاب الأديان السابقة على الإسلام تشير إلى اتجاهين: الأول اعتبارهم مؤمنين وضمهم إلى فئة من "لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"، والثاني هو السكوت عنهم وإرجاء الحكم عليهم ليوم القيامة، حتى ولو كان من بينهم مجوس ومشركين: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (الحج 17)، مما يعني التوقف عن الحكم فيهم. وكان جدير بفقهاء التكفير إذا عقلوا هذه الآية أن يستخدموا تصريحها بالتوقف عن الحكم والسكوت المقصود المصرح به في الآية أصلاً يقيسون عليه وجوب السكوت والتوقف عن تكفير أي فئة أخرى أو معتقد أو فكرة، لكنهم بتوسيعهم لدلالة الكفر وممارستهم للتكفير بقياس أنشأوه على أصل من عند أنفسهم، خالفوا الممارسة القرآنية ذاتها في السكوت والتوقف عن الحكم والإرجاء ليوم القيامة والتفويض إلى الله وحده.

اقرأ أيضاً: "تاريخ التكفير في تونس" إذ تكتبه السلطتان الدينية والسياسية
إن انحصار الحكم بالكفر في القرآن الكريم على حالات بعينها كان جديراً بأن تنضم ما عداها من الحالات إلى مجال المسكوت عنه الذي لم يرد فيه حكم، وهو ما يُعرف بالمتروك، وكان السكوت عن المتروك أحرى بالتوقف عن تكفير كل ما سكتت النصوص القرآنية عنه. لكن الصراعات السياسية والمذهبية بين الفرق جعلت التكفير بالقياس آلية ذهنية معتادة تُمارس بتلقائية. ولما كان الفقه كله قد تم بناؤه في منطقة المسكوت عنه في القرآن الكريم، فإن الحكم بتكفير ما سكت عنه القرآن الكريم يدخل في باب الظن، في حين يقدمه القائم بالتكفير على أنّه حكم شرعي يقيني قطعي، وهو ليس إلا نوعاً من الإيهام.

الصفحة الرئيسية