هل تونس حقاً بخير بعد الثورة؟

هل تونس حقاً بخير بعد الثورة؟

مشاهدة

18/01/2021

بسبب وباء كورونا، وما فرضه من حظر صحّي شامل، ومنع المسيرات والتظاهرات، احتفل التونسيون بالذكرى العاشرة للثورة، هذا العام، على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث اختلفت التدوينات بين من يمجّد الثورة، عبر وسم "تونس بعد الثورة خير" (تونس بعد الثورة أفضل)، مؤكدين أنّ حرّية التعبير تعدّ أحد أهم إنجازات الثورة، وأنّ وضع الحقوق والحريات صار أفضل بكثير مما كان عليه قبل الثورة.

تشهد نسب البطالة في تونس ارتفاعاً كبيراً؛ حيث تجاوزت 18٪ خلال الثلث الثاني من العام 2020، قبل أن تتراجع إلى 16.2٪

في المقابل؛ ردّ عدد مهمّ من النشطاء على هذه التدوينة بمنشورات حول سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أيضاً، وحول تراجع الطبقة الوسطى للتونسيين، وتراجع مستوى العيش والمقدرة الشرائية، فضلاً عن منشورات تنتقد الثورة، وما خلّفته من أزمات خانقة للبلاد.

مكاسب ثمينة

وسم "تونس بعد الثورة خير" أطلقه كتّاب وشعراء وصحفيّون وناشطون، كردّ على ما يروّج له مؤيدو النظام السابق حول الجوانب السلبية التي أنتجتها الثورة التونسية، ويشدّد هؤلاء الناشطون على أنّ "تونس الغد أفضل ممّا كانت عليه زمن نظام المخلوع، زين العابدين بن علي"، وعلى أنّ "أوضاعها الآن أفضل مما كانت عليه زمن الدكتاتورية"، معدّدين الجوانب المشرقة لبلادهم على كافة الأصعدة، في مقدّمتها: الإنجازات الأمنيّة والسياسيّة، وحرّية الرأي والتعبير، والتداول السّلمي للسلطة.

ويتّفق عدد كبير من التونسيين في أنّ التخلص من حكم بن علي، أحدث حالةً غير مسبوقة من الانفراج في مجال الحرّيات، وأنّ المواطن التونسيّ يعيش منذ الثورة حالة من الحرية السياسية، لم يعرفها من قبل، ولا يعرفها أيّ مواطن عربيّ في الجوار الإقليمي.

اقرأ أيضاً: هدوء حذر في الشارع التونسي.. هل يطوي صفحة الاضطرابات؟

ويعتقد مؤيدو الثورة أنّ نجاح التجربة التونسيّة، في وقت فشلت فيه كلّ تجارب "الربيع العربي"، يعدّ انتصاراً، وأنّ ما تمرّ به البلاد من مصاعب اقتصادية واجتماعية، وتناحرٍ سياسيّ، شيء طبيعي، في أعقاب كلّ الثورات، مبدين أملاً كبيراً في أن يكون مستقبل تونس أفضل بكثير مما كان عليه خلال فترة حكم بن علي.

ويرى في هذا السياق، الأمين العام للحزب الجمهوريّ، عصام الشابي، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ "تونس حقّقت مكاسب ثمينة جدّاً، ونجحت في إرساء الانتقال الديمقراطيّ، والتداول السّلمي للسلطة، وإرجاع السلطة إلى الشعب، إلى جانب نجاحها في تنظيم انتخابات ديمقراطية، وكتابة دستور وُصف بالأكثر انفتاحاً في المنطقة، وقد رافقته مجموعة من القوانين التقدمية، من بينها تجريم التمييز".

الأمين العام للحزب الجمهوريّ، عصام الشابي

وشدّد الشابي على أنّ تونس بعد الثورة، أفضل بكثير مما كانت عليه قبلها، وأنّها ستكون غداً أفضل، بفضل المكاسب الديمقراطية التي حققتها؛ كالحقّ في الاحتجاج، والضغط على السلطات من أجل الإصلاح، إلى جانب حرية الرأي والتعبير، لافتاً إلى أنّ من يرون أنّ تونس زمن بن علي كانت أفضل هم في الحقيقة يريدون العودة إلى تلك الأوضاع.

اقرأ أيضاً: أراد التونسيون حواراً فهددهم الغنوشي بالحرب.. هل يؤمن الإخوان بغير العنف؟

وقال الشابي؛ إنّ الأطراف السياسيّة، التي نجحت بعد الثورة في الوصول إلى الحكم، وفي مقدّمتها حركة النّهضة، لم يكونوا في مستوى تسيير الدولة، ولم ينجحوا في تحقيق طموحات التونسيين، بل أعطوا أولوية للتمكّن من مفاصل الدولة، ومؤسساتها، والسيطرة عليها، معتبراً أنّ الثورة تعثّرت، لكنّ "خيط السير ثابت وتونس قادرة على التدارك".

دوامة من الأزمات

ويرى شقّ آخر من التونسيين؛ أنّ البلاد تئنّ خلال السنوات العشر التي تلت الثورة، تحت واقع اقتصاديّ متردٍّ، فشلت في علاجه عدة حكومات متتالية؛ حيث تتوقع الحكومة الحالية أن يبلغ عجز الميزانية 14 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وهي نسبة تعدّ الأعلى منذ حوالي 40 عاماً.

كما عاشت البلاد، خلال العشرية الماضية، أوضاعاً اجتماعية متردية، تواصلت على إثرها الاحتجاجات الاجتماعية والاعتصامات، التي أدّت إلى إغلاق مواقع إنتاج الفوسفات والبترول، ورفعت في مجملها المطالب نفسها التي رُفعت قبل عشر سنوات، دون أن تجد تجاوباً.

الدبلوماسي أحمد ونيس لـ"حفريات": تونس سجّلت تطوراً عميقاً جدّاً على مستوى حرية التعبير، التي صارت حقيقةً لا يستطيع أيّ كان الطعن فيها

من جهةٍ أخرى، ما يزال البرلمان عاجزاً، منذ خمس سنوات، على استكمال اختيار أعضاء المحكمة الدستورية، بالرغم من تجاوز الآجال الدستورية، كما تأخّر في استكمال أعضاء الهيئة المستقلة لمقاومة الفساد وللهيئة المستقلة للاتصال السمعيّ والبصريّ.

وتشهد نسب البطالة ارتفاعاً كبيراً؛ حيث تجاوزت 18٪ خلال الثلث الثاني من العام 2020، قبل أن تتراجع إلى 16.2٪، فضلاً عن اتساع دائرة الفقر في ظلّ تطوّر الخلافات داخل البرلمان إلى تبادل العنف بين النواب، إلى جانب تدهور المقدرة الشرائية للمواطن، وارتفاع نسب التضخّم، وهو ما يفسّره الناشط السياسيّ مصطفى بن أحمد بـ"انحراف الثورة عن مسارها الطبيعيّ".

الناشط السياسي مصطفى بن أحمد

ويرى بن أحمد، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ الثورة التي قامت في عمقها لأجل مطالب اجتماعية تعثّرت، وتعمّدت بعض الأطراف السياسية تغيير اتجاهها نحو معارك أيديولوجية وسياسية، وأخرى ما تزال تناقش قضية الهويّة، وهي الأطراف التي كانت تصطفّ في المعارضة خلال فترة حكم بن علي، وأنّ ذلك أحدث فجوة واسعة بينها وبين القوى التي فجّرت الثورة، والمتمثلة أساساً في الطلبة والشباب المهمّش والعاطل عن العمل.

اقرأ أيضاً: أزمة تونس: حلول تصطدم بالاستقطاب والمناكفات

ويشير بن أحمد إلى أنّ الدولة "ضعفت جدّاً، وفقدت القدرة تماماً على الرقابة، ورعاية هذا الشباب الثائر، ولم تعد تكترث بواقع القضايا الاجتماعية، كالبطالة، حتى أنّها باتت تتعامل معها كأرقام ليس أكثر".

محطات ناجحة وأزمات مستمرة

تقييم إنجازات الثورة وإخفاقاتها اختلف حوله التونسيون، لكنّ النخب السياسية تجمع على وجود محطات ناجحة وأزمات مستمرّة؛ إذ يعتقد الدبلوماسيّ السابق، أحمد ونيس، أنّ الثورة لم تستطع تحقيق كلّ الأهداف الإستراتيجية المرجوّة منها، لكنّها ناجحة، رغم ذلك، معرباً عن أمله في أن تتغلّب تونس عن كلّ التعثرات التي عاشتها.

الدبلوماسيّ السابق، أحمد ونيس

ويؤكد ونيس أنّ تونس سجّلت تطوراً عميقاً جدّاً على مستوى حرية التعبير، التي صارت حقيقةً لا يستطيع أيّ كان الطعن فيها، وأنّها مكسب عظيم سيكون له دور مهمّ في بناء تونس الجديدة، معتبراً أنّ هذا المكسب نجح في تغيير طريقة الحكم في تونس، عبر التظاهر والمشاركة في اختيار الحكام.

الدبلوماسي السابق يرى، في المقابل، أنّ الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية تراجعت كثيراً، واصفاً ذلك بأنّه ثمن الثورة، وهو قابل للتغيير في قادم السنوات؛ لأنّ اليأس غير وارد في التجربة التونسيّة، وفق تقديره.

اقرأ أيضاً: في ظل الإقصاء السياسي: هل ينجح الحوار الوطني في تونس؟

من جانبه، قال المحلّل السياسيّ، باسل ترجمان، إنّ إحياء الذكرى العاشرة للثورة، طغى عليه الإحساس بالغبن والضغينة، نتيجة الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية، التي عمّقتها جائحة كورونا وعجز التصدّي لها، والفشل في تأمين لقاح قد يخفّف حدّتها.

المحلّل السياسيّ، باسل ترجمان

ولفت ترجمان، في تصريحه لـ "حفريات"، إلى الاعتصام المتواصل لجرحى الثورة، وعائلات الشهداء، للمطالبة بنشر القائمة الرسمية للشهداء والجرحى، بغاية الحصول على حقوقهم، متسائلاً عن أيّة ثورة نتحدّث، ومن فجّروها لم ينالوا حقوقهم بعد؟

المحلّل السياسيّ حذّر أيضاً من تواصل إحساس القلق لدى أغلب التونسيين تجاه الواقع الذي يعيشونه والمستقبل، في ظلّ قوى الفساد، التي باتت تتحكم بالمشهد السياسيّ، وتهدّد مستقبل البلد.

الصفحة الرئيسية