هل سنكون أمام تركيا جديدة بعد "صفقة" مفترضة مع أمريكا؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
934
عدد القراءات

2018-12-26

رغم أنّ قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بسحب قواته من سوريا، ينسجم مع تأكيدات سابقة له، منذ حملته الانتخابية، وتكراره، غير مرّة، بعد تسلّمه الرئاسة، لأسباب مرتبطة بحسابات ترامب، الخاصة بالكلف المالية الباهظة لتلك القوات، إلا أنّ هذا الانسحاب يلقي ظلالاً من الشكوك العميقة؛ بأنّ "صفقة" ما تمّ عقدها مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، خاصة أنّ مؤشرات تصاعد الدفء في العلاقة الأمريكية التركية تتزايد، وبتسارع ملحوظ؛ إذ يفترض أن تشهد الأيام القليلة القادمة زيارات متبادلة، على المستويين؛ السياسي والعسكري، لتنسيق عمليات انسحاب القوات الأمريكية، بما فيها من مناطق كانت موضع خلافات بين الجانبين، في منبج ومحيطها.

الصفقة المفترضة تشير إلى أنّها أنجزت من قبل جناح أمريكي ينادي بضرورة الاحتفاظ بعلاقات إيجابية مع تركيا

ولعل السؤال المطروح اليوم في الأوساط التي تتابع الشأن التركي، وتطورات العلاقة مع أمريكا، هو: ما هي حدود ومضامين الصفقة المفترضة بين الجانبين، وفيما إذا كانت هناك تنازلات متبادلة، ضمنت المصالح الإستراتيجية للجانبين؟ خاصة أنّ الصفقة المفترضة تشير إلى أنّها أنجزت من قبل جناح أمريكي ينادي بضرورة الاحتفاظ بعلاقات إيجابية مع تركيا، باعتبارها دولة محورية في الشرق الأوسط، وجزءاً من حلف الأطلسي، مقابل جناح متشدّد كان يرى ضرورة معاقبة تركيا، وتحديداً على خلفية ذهابها بعيداً في علاقاتها مع روسيا.

اقرأ أيضاً: الجيش الليبي يوجه الاتهام لتركيا في هذا الأمر

لا يتحدث الرئيس الأمريكي عن مستقبل العلاقات الأمريكية مع حلفائه الأكراد، بعد سحب قواته من سوريا، ويؤكد أنّ تركيا ستقوم بدورها في محاربة الإرهاب وداعش في الشمال السوري، في إشارة إلى أنّ تركيا ستكون بديلاً للأكراد في هذا الملف، وهو ما يدركه الأكراد عندما أكدوا أنّ انسحاب القوات الأمريكية والهجوم التركي المتوقع على الأكراد، سيؤثر على مواجهة تنظيم داعش، بما في ذلك اضطرار الأكراد لإطلاق سراح المئات من عناصر وقيادات التنظيم في سجون قوات سوريا الديمقراطية.

اقرأ أيضاً: بالأرقام.. إفلاس شركات تركية تفاقم الأزمة الاقتصادية

تتعدّد احتمالات مضامين الصفقة المفترضة بين الجانبين، إلا أنّ المرجّح أنّ التنازلات من الجانب الأمريكي كانت محدودة، وترتبط بإعادة الدفء للعلاقات بين الجانبين، والاعتراف بالدور الإقليمي لتركيا، والتراجع عن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها أمريكا على تركيا، أما من الجانب التركي؛ فتطول قائمة الاحتمالات، وربما تشمل ملفات إقليمية مهمة، ستنعكس بتغييرات متوقعة في اتجاهات السياسة التركية وتعاملها مع تلك الملفات الإقليمية، هذه التغيرات المتوقعة، يبدو أنها دفعت الرئيس الإيراني لاستكشافها، باللقاء العاجل الذي عقده الأسبوع الماضي مع الرئيس أردوغان، واللقاء المتوقع  قريباً لأردوغان مع الرئيس الروسي "بوتين".

اقرأ أيضاً: عملية عسكرية تركية ضد الأكراد.. وأمريكا تحذر من المساس بحلفائها

إنّ انتشار الجيش التركي في المناطق التي انسحبت منها القوات الأمريكية، شرق الفرات، يعني أنّ تركيا ستتولى مهمة إفشال المخطط الإيراني، بتأمين الطريق الإستراتيجي من طهران إلى بيروت، مروراً ببغداد ودمشق، وهو ما يعني إمكانية حدوث صدامات، أو على الأقل احتكاكات، بين القوات الإيرانية والتركية، خاصة أنّ قوات سورية وإيرانية بدأت بالتحرك لملء الفراغ الذي سيخلفه الأمريكيون، كما يبرز احتمال أنّ تركيا قدمت تنازلات بخصوص التصعيد بقضية مقتل الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، الذي يلاحظ انخفاض منسوب الحملة الإعلامية التركية حوله، بالتزامن مع تصريحات جديدة لترامب، بخصوص الدور السعودي القادم في إعادة الأعمار بسوريا، وهو ما يلقي الضوء على شكل الدور السعودي والمصري القادم في سوريا.

تتعدّد احتمالات مضامين الصفقة المفترضة بين الجانبين، إلا أنّ المرجّح أنّ التنازلات من الجانب الأمريكي كانت محدودة

غير أنّ الأهم في ملفات الصفقة المحتملة؛ هو الموقف التركي من صفقة القرن، التي ربما يؤجل طرحها، على ضوء الانتخابات الإسرائيلية المبكرة التي اتخذ القرار بخصوصها قبل أيام، خاصة أنّ تركيا تعدّ أحد أبرز المؤثرين الإقليميين في قرارات حركة حماس، الطرف الأقوى في تحديد مستقبل صفقة القرن، كما أنّ دخول تركيا على ملف صفقة القرن، يمكن أن يحقق ما يتطلع إليه ترامب؛ بالحصول على تنازلات إسرائيلية يرفضها اليمين الإسرائيلي الذي يسيطر على مقاليد الأمور في إسرائيل.

وفي الخلاصة؛ فإنّ تطورات الأسابيع القادمة ستوضح ملامح هذه الصفقة، التي يرجح أنها ستقدم تركيا جديدة مختلفة، ربما تتغير معها تحالفاتها القائمة والسابقة، غير أنّ القاسم المشترك فيما بينها سيكون المزيد من الانسجام وتوثيق العلاقات مع أمريكا، وتحولات عميقة في العلاقات التركية الإيرانية، وتغييرات في العلاقة مع روسيا أقل عمقاً.

اقرأ المزيد...

الوسوم: