هل فشل الإسلام السياسي في غزة.. ولماذا؟

5400
عدد القراءات

2018-12-27

لا يأتي في التاريخ الفلسطيني ذكر أي صراع مذهبي أو طائفي على حد سواء؛ إذ يعيش الجميع بسلام ووئام طوال العصور الماضية، بروح من التعاون والمشاركة، دون أي شحن أو استقطاب طائفي. والإسلام بالنسبة لغالبية الفلسطينيين دين سماوي بمعزل عن الطائفية والأيديولوجية والعمل الحزبي.

خبير في الإسلام السياسي: الشعب الفلسطيني مسلم بالفطر، ولا يحتاج إلى وسيط سياسي كي يفقّهه في أمور دينه

ولكن الصراعات الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي والنكبة الفلسطينية عام 1948، وما تبعها بعد ذلك من أحداث مثل نكسة عام 1967، وانتفاضة الحجارة عام 1987، أدت في مجملها إلى ظهور حركات المقاومة والإسلام السياسي، لفرض الأيديولوجيات والأجندة السياسية، في إطار مواجهة الاحتلال.
ويقول في هذا الشأن الخبير في شؤون الإسلام السياسي والحركات الإسلامية د. خالد صافي في تصريح لـ"حفريات" إنّ الإسلام السياسي في فلسطين ظهر من خلال العديد من الحركات "التي فهمت أنّ الإسلام دين ودولة، وليس في سياق الإطار العلماني، وهي (حماس وحزب التحرير والجهاد الإسلامي)، علماً بأنّ حزب التحرير أقدم تلك الحركات، فقد ظهر عام 1950، ومن ثم حركة حماس عام 1987 التي خرجت من رحم الإخوان المسلمين".

 

الدين والدولة
هذه الحركات تنطلق، بحسب صافي، من مبدأ الدين والدولة "وليس من الجانب الدعوي، وهناك اختلاف فيما بينها؛ فحركة حماس تنتمي إلى فكر الإخوان المسلمين، الذي ينطلق من أسفل إلى أعلى، بمعنى أنها تنطلق من الدعوي إلى المجتمع، ويرمي ذلك إلى المشاركة في الانتخابات وأسلمة المجتمع والوصول إلى السلطة، بعكس حزب التحرير الذي ينطلق من أعلى إلى أسفل".

اقرأ أيضاً: حماس تناصر أردوغان في معركته المفتعلة مع نتنياهو
ولم ينجح الإسلام السياسي في قطاع غزة بالشكل المراد تحقيقه، كما يرى الخبير في حركات الإسلام السياسي، "بفعل إشكاليات فلسطينية وعربية، أو إشكاليات في بنيتها فهي جماعات تتنافس وتختلف فيما بينها، فحماس تختلف مع حزب التحرير وتهاجمه على الصعيد الفكري، والجهاد الإسلامي التي خرجت من رحم الإخوان المسلمين أيضاً تختلف عن حماس؛ لأنّ الأخيرة لديها مشروع إسلامي، ولكن الجهاد تعتبر القدس مركز المشروع الإسلامي في قلب الوطن العربي وفلسطين".
وفي حال كان لحركة الجهاد الإسلامي رؤية للحكم والوصول إلى رأس السلطة، فهناك احتمالية، كما يتوقع صافي باندلاع خلافات بين الجانبين "لأن حماس لا تريد أن يكون أحد أعلى منها".
السيطرة على المشروع الوطني الفلسطيني
ويبين الخبير في الإسلام السياسي أنّ حركة حماس تطمح عملياً للسيطرة على المشروع الوطني الفلسطيني، وتطرح نفسها بديلاً لمنظمة التحرير، ومسيّرة المشروع الوطني، فهي تشكل تجربة إسلامية ممتدة، ولكن محدودية القطاع جعل تجربتها غير ناجحة، "كما أنّ فشل الإخوان المسلمين انعكس على حماس وجعلها حركة متقوقعة فقط في غزة".
وعلى الجانب الآخر، يرى صافي أنّ حماس تعتبر وجود الجماعات السلفية في غزة طرحاً بديلاً عنها، وهي لا تريد ترك غزة. وداعش كذلك لديها استعدادات للارتباط الخارجي، والسيطرة على غزة وتعتبرها "دولة غزة" لذلك فحماس تحاربها وتمنع تمددها في القطاع.

حماس هي أقوى حركات الإسلام السياسي بغزة بحكم سيطرتها عليها
ويرجع صافي التنافس بين هذه الحركات وعدم توحيد جهودها، إلى عدم تحقيقها إنجازاتها بشكل كامل، إضافة إلى الاحتلال الإسرائيلي وملاحقته لهذه الجماعات.

اقرأ أيضاً: لماذا تصر أجهزة حماس في غزة على الإعدام خارج القانون؟
وفي سياق متصل، يرى الخبير في الحركات الإسلامية المحلل السياسي طلال عوكل في حديث لـ "حفريات" أنّ حركات الإسلام السياسي في غزة وفيما بينها حماس التي تعد أكبرها، "تتبنى منهج المقاومة ولديها أسلحة؛ ولكنّ أداءها في التعامل مع المجتمع يتطلب حواراً كبيراً عملياً، فحركة حماس لا تدير مجتمعاً بل جماعة وواجباتها تجاه المجتمع ضعيفة، وتكاد لا ترى في مجال المقاومة، فهي تحصل على حقوقها من الناس ولا تقوم بواجباتها تجاههم".
فشل أسلمة المجتمع
ويتابع؛ حماس هي أقوى حركات الإسلام السياسي بغزة بحكم سيطرتها عليها، لكنها "لم تستطع، خلال الاثني عشر عاماً التي حكمت خلالها القطاع، أسلمة المجتمع كما حاولت في البدايات، فالموضوع كبير لأنه يعني مواجهة إرث اجتماعي وعادات وتقاليد، فلم تستطع التغلب على ذلك، إضافة إلى صعوبة الظروف التي لم تمكّن حماس من فرض رؤيتها الإسلامية الأيديولوجية على المجتمع بالكامل".

محلل سياسي: رفض حماس وجود جماعات إسلامية أخرى من أهم أسباب ضعف وفشل الإسلام السياسي في غزة

وشدد على أنه "بالرغم من نجاح حماس في محور المقاومة، إلا أنّ مقاومتها لم تحرر البلاد حتى الآن. والجميع يقول "سواء بالمساومة أو بالمقاومة لم يتم تحقيق الإنجازات المطلوبة، كمشروع منفصل طالما لا يوجد وحدة وطنية".
ولفت إلى أنّ حركة حماس لم تنجح في صياغة رؤية وطنية أوسع من برنامجها السياسي، "فهي بعيدة كل البعد عن الوحدة الوطنية والمشاركة الأوسع وإعطاء المجتمع دوره عبر الانتخابات، وغيرها".

اقرأ أيضاً: بالفيديو.. لماذا رشق الفلسطينيون في غزة السفير القطري بالحجارة؟
ويؤكد عوكل أنّ "الجمع بين السياسة والأيديولوجيا غير ناجح حتى في الاتحاد السوفييتي الذي طال حكمه لأكثر من 70 عاماً، اعتماداً على فكرة الجمع بين الاشتراكية وبناء المجتمع، حيث انهار وتفكك. وفي حالة الإسلام السياسي فإنّ الجمع يعني أنّ السياسة تفسد الأيدولوجيا، وبالعكس. وينتج عن ذلك أخطاء كبيرة، لذلك فشلت حماس في تجربتها في قطاع غزة ونشر الإسلام السياسي".
من يمثل الإسلام السياسي؟
ويشير إلى أنّ هناك خلافاً في غزة على من يمثل الإسلام السياسي، فحماس تعتقد أنها طالما تتبنى العقيدة الإسلامية، فإنها تستطيع نشر الإسلام السياسي، موضحاً أنّ "رفض حماس وجود جماعات إسلامية أخرى تنافسها، وعدم توافقها معها من أهم أسباب ضعف وفشل الإسلام السياسي في قطاع غزة، على الرغم من المظهر العام، وموضوع المقاومة الذي يغطي على هذه الخلافات إلا أنّ المشروع الوطني الحمساوي عملياً فشل".
ويعزو عوكل سبب العداء بين حركة حماس وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" إلى أنّ الأخيرة "كفّرت حماس واعتبرتها خارجة عن الإسلام، لأنها لا تعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية في المكان التي تحكمه، وهذا الخلاف في صلبه إنما هو صراع على الأدوار السياسية".

 

توظف الدين في الصراع السياسي
من جانبه، ينبّه الكاتب المحلل السياسي الفلسطيني والمختص بالحركات الإسلامية د.إبراهيم أبراش في حديثه لـ"حفريات" إلى إنّ "حماس توظف الدين في الصراع مع إسرائيل، لحشد أكبر عدد من الحلفاء لمواجهتها، وهذا التوظيف خرج عن متطلبات المشروع الوطني الذي تمثله منظمة التحرير، مما أدى لحالة انقسام حاد لا زالت تداعياته قائمة حتى يومنا هذا".

اقرأ أيضاً: "لن يسكتوا أصواتنا": صرخة مثقفي غزة ضد طائرات ترعبها القصائد
ويلفت إلى أنّ حركة حماس تسعى من خلال سيطرتها على قطاع غزة، ومحاربة الحركات الإسلامية الأخرى إلى "تأسيس المشروع الإسلامي، الذي تحلم به جماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها، ولم تستطع تحقيقه في أية دولة عربية أو إسلامية، واستغلوا الأوضاع السياسية لقطاع غزة، لتجربة الأيديولوجيات والسياسيات الخاصة بهم وتنفيذ مخططاتهم".
ويعتقد أبراش بأنّ فكرة الإسلام السياسي وأسلمة الدولة لنشر وتعزيز الدين الإسلامي كأيدولوجيا، وهذا أساس منهج الإخوان المسلمين المنبثقة عنها حماس، لم ينجح في غزة ولن ينجح؛ "لأن الشعب الفلسطيني مسلم بالفطرة، وهو على يقين بمفاهيم وتعاليم والدين الإسلامي، ولا يقبل بهذه الأفكار المؤدلجة، ولا يحتاج إلى وسيط سياسي كي يفقّهه في أمور دينه".

اقرأ المزيد...

الوسوم: