هل كانت التيارات السياسية العربية جزءاً من مشروع النهضة يوماً؟

5380
عدد القراءات

2019-01-02

الصراع على سبلِ النهضة العربية وأسئلتها لم ينتهِ، ولو أنّ الكثير من بقاع العالم باتت مشغولة بنتائج أفعالها الاقتصادية والحضارية والتكنولوجية كإجابةٍ عمليةٍ وإشارةٍ واضحةٍ على نهضتها، بينما يحتدم الصراع في الفكر العربي بين التاريخ ومفسّريه سواء أكانوا إسلاميين أو حداثيين أو شيوعيين، وغيرهم.

اقرأ أيضاً: في غياب السؤال النظري لدى الإسلام السياسي

وغالباً ما فسر البعض الحداثةَ على أنها سيرٌ في ركب الاستعمار أو على خطاه، بينما رأى آخرون أنّه لا بد من تجاوز الرؤية التاريخية الأحادية للعرب بصفتهم مسلمين فقط، والانفتاح على العالم من خلال الإسلام، للحاق بركب التطور والتقدم، إن صح التعبير. فبقيت اللحظة الحاضرة المسمّاة (نهضة)، والتي تفصل بين تراجع أي أمة أو تقدمها، مفقودةً بين مثقفين ومفكرين وسياسيين ينتمون إلى مشاريع سياسية كمدافعين عن القومية أو التراث أو الدين في مواجهة الاستعمار وما بعده، دون الاستناد إلى تاريخٍ ذاتي؛ لأن التاريخ مات فعلياً، وجميع هؤلاء يتصارعون على إرثه، فماذا حل بالنهضة العربية في ظل هذا الصراع؟

النهضة المتسرعة

وفقاً للباحث والكاتب الفلسطيني أحمد برقاوي في كتابه "الفكر العربي الحديث والمعاصر"، الصادر عن المركز الثقافي العربي في 2015، فإنّ آخر شكلٍ للدولة العربية الإسلامية "تمثل في الدولة العثمانية، وإنّ تمزقها في النهاية، كما يقول الباحث وجيه كوثراني، تمخّض عن صعود أشكالٍ مختلفةٍ من تياراتٍ قومية وإسلامية وأحزاب ومفكرين". وهو ما يحيل بالتالي إلى تصنيف كل هؤلاء، كردةِ فعلٍ سياسيةٍ على الاستعمار الذي أخذت تتضح معالمه مطلع القرن التاسع عشر.

من جهته، ربط المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، صعود هذه التيارات تقريباً، بما سمّي بـ "وعي الاستشراق"، فكأنّ الغرب عَرفَ الشرق أكاديمياً من خلال الاستعمار، فظهرت مصطلحاتٌ عديدة، كالفن الإسلامي، والثقافة الإسلامية، ونظام السلطة الإسلامية والعربية، وغيرها الكثير، مما كانت تتم ممارسته، دون أن يتم تصنيفه وفصله عن العالم كأنه متصلب ومستقل تماماً أو منغلق. غير أنّ رغبة الاكتشاف وصنع خطابٍ يليق بالمركزية الأوروبية، كما يرى سعيد في كتابه "الاستشراق"، كان أحد أهداف المستشرقين عموماً. ووجد العرب أنفسهم فجأةً أمام خياراتٍ لا بد أن تنتج عن الوعي بوجود الاحتلال والاستعمار، المتفوق عسكرياً وربما علمياً، واقتصادياً. فكان لا بد للخيارات جميعها أن تصب في مصلحة مواجهته.

تحدث سعيد عن الوعي الذي فرضه الاستشراق على الشرق حول ذاته

وهكذا، ووفقاً لبرقاوي في كتابه ذاته: "تم وضع مشروع النهضة العربية أمام هدفه  من أجل النهوض بالأمة العربية وفكرها ومجتمعاتها". وكان الاستعجال في زمن الاستعمار الذي يحاول تغيير كل شيءٍ صفةً عامةً من أجل تحقيق هذه المهمة، وهو ما فسرَ ظهورَ تياراتٍ قوميةٍ وأخرى إسلامويةٍ على وجه السرعة، دون أن تكون لها أي أسسٍ على أرض الواقع، فالمجتمعات العربية كانت ومنذ قرون، ترفل في حدها الأقصى للبدونة أو للعصبيات القبليةِ والطائفيات، وسواء كانت تتعايش مع بعضها البعض، أو تتنافر وتختلف في بعض الأحيان، فإنها بطبيعةِ الحال، لم تكن مؤهلةً للانخراط في حياةٍ سياسية، قوميةٍ بهويةٍ إسلامية، أو تعدديةٍ مدنية، هدفها رفع مستوى التجانس بين كل أفراد المجتمع، والتحول إلى الإنتاج الاقتصادي والفكري من أجل تفعيل النهضة.

وجد العرب أنفسهم فجأةً أمام خيارات لا بد أن تنتج عن الوعي بوجود الاحتلال والاستعمار وأن تصب الخيارات بمصلحة مواجهته

وفي هذا السياق، يقول الباحث الأردني المتخصص في الفكر والحضارة  والفلسفة زهير توفيق: "حاول الإسلام الذي بنى حضارةً نوعية وأمة جديدة على أساس العقيدة الدينية، ومن خلال المساواة والأخوة، تجاوز القبلية والعصبيات، لكن دون جدوى".

ويشرح وجهة نظره هذه توفيق في كتابه "النهضة المهدورة"، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بالقول "قامت السلطة السياسية بإذكاء العصبية القبلية وزيادة وتيرتها منذ العصر الأموي، مما أدى لتمكين الإسلام السياسي، وارتباطه لاحقاً بالإسلام تاريخياً، ثم تم تحويله من دينٍ أممي (كوني) إلى دينٍ يخص عصبياتٍ قبلية عربية".

غلاف كتاب "الفكر العربي الحديث والمعاصر" لأحمد برقاوي

ويستمر توفيق بقوله، إنّ الوحدة الإسلامية كانت مفهوماً مضاداً للعصبيات القبلية، وليست مفهوماً مضاداً للعروبة التي لم تكن قد تشكلت بعد في زمن ظهور الإسلام وامتداده جغرافياً. وبسؤاله عن مشروع النهضة العربية، ودور التيارات الإسلامية الحديثة مطلع القرن العشرين فيه، أوضح توفيق: "ربما كانت التيارات الإسلامية تمثل قوى سلفية، تعلي من قيم التراث والسلف والماضوية، فقد تطلعت على الدوام للماضي ورفعته لمستوى السلطة المرجعية والمعيارية ،على حساب الحاضر والمستقبل، وبالتالي؛ فالنهضة في المفهوم السلفي، وأحياناً الإخواني، تتمثل  في الانكفاء عن الحاضر إلى الماضي وجعل مستقبلنا خلفنا، والاكتفاء بتراثنا وخاصة التراث الميت الذي تجاوزه العصر، واستنفد طاقته على الاستمرار، وهذا عكس القوانين الاجتماعية للنهضة والتقدم التي تتطلع والتقدم التي تتطلع دائما إلى الأمام".

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي.. وتمثيلات خطاب الهوية

وأضاف الباحث في تصريح خاص بـ"حفريات": "ومن جهة أخرى فيما إذا اعترفنا بالتعددية الفكرية وحق الجميع بالتعبير عن أفكارهم، نشير إلى أنّ هذا الحق لا ينفي الصراع الفكري؛ بل يتطلبه في العلاقات البينية بين الاتجاهات الفكرية والسياسية للوصول للحقيقة والنهضة، لكن توحيد الاتجاه السلفي  لنفسه - قبل الإخوان وبعدهم  - والحقيقة الدينية المقدسة في مجتمع محافظ مسلم إسلاماً تقليدياً أوهمهم بامتلاك الحقيقة المطلقة فكرياً وسياسياً، وبالتالي كانوا اللاعب الوحيد لفترة طويلة في الساحة بدعم سياسي ومجتمعي".

يرى توفيق أنّ إسلام العدل والمساواة تعرض لتغوّل من السلطة منذ العصر الأموي

ويميل توفيق في النهاية للقول بأنّ حاملي مشعل التغيير السياسي والاجتماعي والنهضوي من خلال الإسلام، هم "أكثر براغماتيةً في من ناحية السياسة"، فهم، برأيه، لهم تحالفاتهم مع قوى محلية ودولية، خصوصاً منذ الحرب الباردة، إضافةً إلى محاولاتهم حسم الصراع الفكري والسياسي لصالحهم، من خلال الاعتماد على قاعدةٍ مجتمعية تم تشكيلها منذ قرون بفضل الإسلام، بغض النظر عن التغيرات التي طرأت على تطبيقاته في السياسة بسبب السلطة والعوامل الخارجية كالحروب وغيرها. وهو ما جعل الصراع إذن، يبدو غير نزيهٍ أبداً، في مواجهة مفكرين سواء أكانوا قوميين أو ليبراليين، فلكلّ نزعة مشكلاتها، وهو ما يقود إلى رأي آخر مختلف، من وجهة نظرٍ أخرى.

الإسلاميون هم المجتمع

من مظاهر الأمة العربية الأساسية، الإسلام، كدينٍ وتدين، فيما تعاليمه جميعها ابتداءً من القرآن الكريم مكتوبةٌ باللغة العربية، أما حياة المواطنين العرب في الوطن العربي، فمشمولةٌ في معظمها بما يفرضه الإسلام من آليات عامة للأخلاق والتفكير والممارسة في الحياة اليومية، غير أنّ هذه المقولة تبدو مثاليةً في ظل ما يشدد عليه الإسلاميون عادةً في أحزابهم وتياراتهم من وجود انحلالٍ ما أو (جاهليةٍ) ما، تعيق المجتمعات عن النهضة، والحل يكمن غالباً في التنازل عن هذا الحاضر من أجل الماضي.

توفيق: حاول الإسلام المبني على أساس العقيدة الدينية تجاوز القبلية لكن دون جدوى لأن السلطة رسختها منذ العصر الأموي

الباحث والكاتب المصري محمد درديري يعترض على هذه المقولة ولا يعد حل التمسك بالتراث الإسلامي حلاً رجعياً، وقد أبدى، في تصريحه الخاص بـ"حفريات"، تحفظه على أنّ النهضة يمكن لها أن تحصل وتتقدم بالمجتمعات دون أسس إسلامية وتراثية عربية.

يقول درديري: "بدايةً، يجب التأكيد على أنّ المجال العام يجب أن يكون مفتوحاً لكل جماعةٍ أو حزب أو تيار حتى يعرض برامجه الفكرية والسياسية في النور وأمام المجتمع، فيحدث ما يستطيعه من تأثير بصورةٍ حرة. وأود الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين، كمثال، وهي المعروف تأسيسها على يد الراحل حسن البنا، وبرأيي فدلالة تأسيسها مفهومة؛ لأنه على  مدى أكثر من  1300عام منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن المسلم يرى نفسه إلا عضواً أو فرداً في أمة واحدة، أي إنه كانت على الدوام توجد مظلةٌ واحدة تظل المسلمين والعرب أسفلها حتى لو كانت تعاني بعض الخلافات والاختلافات".

اقرأ أيضاً: الشعبوية ويمين الإسلام السياسي

ويؤكد الباحث درديري على رأيه باستحضار الدولة العثمانية "لقد كانت نهاية الحقبة العثمانية صعبةً بما فيها من احتلالٍ وسواه، لكن المسلمين تحديداً كانوا مطمئنين لوجود سلطة تمثلهم حتى لو لم تكن تحميهم، فالمهم وجودها على الأقل، وهو ما قاد المسلمين للشعور بالظلم واليتم بعد أن تمزقت الدولة العثمانية، وهو ذات الشعور الذي انتاب حسن البنا، فكان شعاره الشهير: الفرد المسلم فالأسرة المسلمة فالجماعة المسلمة فالدولة المسلمة فالخلافة الاسلامية فأستاذية العالم".

يرى درديري أنّ البنا أهمل الفرد لجعله مجرد وسيلةً للوصول إلى الحكم

وقبل استطراده يعلق "لست علمانياً، أنا ضد العلمانية، وأعتقد أنّ الإسلام لا ينفصل عن السياسة، لكن الخلل بدأ حين ركز البنا على الفرد بصفته أداةً أو وسيلةً لغايةٍ هي السلطة، وتحقيق ما رآه خلافة إسلامية من خلال توظيف الأفراد، وهذا خلل رغم مقصد البنا الذي ربما كان خيراً".

اقرأ أيضاً: الصراع على السلطة من دولة الخلافة إلى واقعنا المعاصر

وبسؤاله عن أثر الجماعة في النهضة كمثال على تيارٍ إسلامي منخرط في السياسة والمجتمع العربي، أجاب درديري "لا يمكن إنكار أثر جماعة الإخوان في مصر وسوريا ودولٍ عربيةٍ عديدة منذ تأسيسها، لكني أظن أنّ لحظة انحراف الإخوان عن مسارهم الدعوي وبالتالي المشروع النهضوي الذي أرادوه على طريقتهم بدأت حين تحالفوا مع الضباط الأحرار عام 1952 قبل أن تدب الخلافات بينهم وبين الضباط، وبين بعض قياداتهم منذ ذلك الحين".

ويعتقد درديري أنّ الجماعة أخذت تنحرف عن مسارها كجزءٍ من المجتمع، "لتنفصل عنه وتبدأ رحلة مظلوميتها ودعوات الابتلاء والمحنة وغيرها، إلى أن عادت أيام السادات لترى في نفسها أنها والدين، قرينان لا ينفصلان".

 

 

 

وحول رأي الباحث في علاقة الإخوان بالمظاهر الدينية والثقافة العامة في مصر والدول العربية علق بقوله: "بالنسبة لي أنطلق من الشريعة، وأرى فضلاً للإخوان في الحجاب، وفي التأثير على مشاهير ومؤثرين مصريين وعرب من فنانين وأدباء، إضافةً لتفعيلهم لوجود فنٍ وأدبٍ إسلاميين، وكل هذا في إطار تثقيف شبابهم، والشباب عامةً، لكن مصر مثلاً؛ هي بلاد نجيب محفوظ وعبد الرحمن بدوي وغيرهم الكثير، لذا فإن حصر فكرة التثقيف من أجل النهضة في إطارها الأيديولوجي هي فكرة لا يعول عليها".ونوّه درديري، في ختام حديثه، إلى أنّ الإسلام "جزء أساسي من نهضة الأمة العربية الإسلامية".

مآزق الليبرالية والشيوعية

رغم اختلاف رأي الباحث درديري عن رأي الباحث توفيق، إلا أنه فتح باباً آخر في العلاقة بين القوى والتيارات الفكرية والسياسية العربية من جهة، والنهضة التي تسعى إليها من جهة أخرى؛ إذ يبدو، بحسب رأيه، أن الجماعات والتيارت ذاتها تعاني، وهي تحتاج إلى الإصلاح بدورها وربما توسيع الرؤية والتجديد خارج أطرها الأيديلوجية والمصلحية. وهو ما ينطبق على النموذج الشيوعي مثلاً، الذي يقال إنه لا يلتقي مع أرضية المجتمعات العربية الإسلامية فكرياً وتقليدياً.

تحارب التيارات السياسية العربية لتكتسب شرعيتها من إرثها التاريخي أيا كانت دون أن تقترب من مشروع النهضة الحاضر والمستقبلي

وفي هذا السياق يرى الباحث والكاتب رعد سليم في دراسةٍ له نشرت على موقع الحوار المتمدن والمنشورة في 11 أيار (مايو) 2009 أنّ: "الماركسيين ينادون بالحرية بدلاً عن الديموقراطية ولا يلتقون مع الغرب في كل ما يتعلق بالديموقراطية". ومن خلال هذه المقولة، يحاول رعد تفضيل الماركسية على المشروع الغربي المتمثل في الديموقراطية والديموقراطية الليبرالية، على أساس أنّ للماركسية "مفهوماً أوسع عن الحرية" وهو أكثر فاعلية وليس محصوراً في إطار محدد من التاريخ.

وربما يتناسى رعد معضلة اصطدام الشيوعيين في هذا الوقت مع الليبراليين، وركون كل من الفريقين إلى مفاهيمه حول الفرد وحريته وملكيته وغيرها في المجتمع، فيكون خلافاً عقيماً حول خلاص الفرد ليبرالياً، أو خلاص الطبقة ماركسياً. بينما أظهرت الدولة القُطرية العربية، القومية تحديداً، أنّ أي تطبيقٍ ماركسي أو يساري أو بعثي، تكشف خلال فترة ما سمي (الربيع العربي) عن دكتاتورية مقنعةٍ بقناعٍ أيديولوجي تمت تجربته في الاتحاد السوفييتي ذاته إلى أن سقط عام 1990، أيديولوجياً على الأقل. وفيما تعجب رواية السقوط هذه بعض الإسلاميين والليبراليين، فإن القيم الليبرالية السياسية والفردية بقيت مقتضبةً أو محاربةً من قبل قوى لييبرالية نفعية يهمها خصخصة وتأميم الاقتصاد في المجال العام دون أي أرضياتٍ خدمية وتعليمية وثقافية تتيح للأفراد التنافس المتساوي أو العادل أقله لصنع الطموحات والثروات، كما في تجربة مصر مطلع التسعينيات.

بينما يعمل الإسلاميون في البرلمانات العربية قبل الربيع العربي وبعده، على بعض القضايا المطلبية، ويحاولون الإبقاء على ضمانات لمشاركتهم في الحكم، مع سعيهم لعقد أي تحالفٍ مع الليبرالية النفعية أحياناً، لأنها تضمن أسلمة العديد من مظاهر المجتمع مقابل تأمين منافذ لرأس المال والمصالح الخاصة. فيما الأحزاب اليسارية الأيديولوجية أصبحت مجرد أفرادٍ ممثلين في بعض البرلمانات دون فاعلية. ولعل تجربة مصر تشهد على هذا بعد العام 2012. بينما في تونس لم تنجح الترويكا الإسلامية والليبرالية التي حكمت بعد الثورة من تحقيق أي تقدم اقتصادي أو سياسيٍ واسع المدى بقدر ما حاول كل طرفٍ تحقيق مكاسب أيديولوجية!

يعمل الإسلاميون في البرلمانات العربية على القضايا المطلبية للإبقاء على ضمانات لمشاركتهم في الحكم

وفي هذا الإطار، يعلق باحثون من أمثال؛ آصف بيات، على ما حل بمشروع النهضة العربية من خلال اتخاذه (الإسلام السياسي) كمثال، فيرى في أطروحته "ما بعد الإسلاموية: الأوجه المتغيرة للإسلام السياسي" أن: "البحث عن إسلام معتدل متنوّر وبقيمٍ فردية في المجمل شكّل أحد المظاهر الأساسية لما بعد الإسلاموية، وبات اللجوء إلى المجتمع في الجمعيات الخيرية والمساجد والنماذج الدعوية المتنوعة وإضفاء المظهر الإسلامي على التجارة والثقافة والخ مطلباً أساياً في مواجهة تياراتٍ عنيفة ومتشددة". وبالتالي، يعمق بيات من جرح التيار الإسلامي الأساسي الذي بدأ يتضح مطلع القرن الماضي، والذي قبل أن يخوض ما يمكن تسميته حوار وصراع النهضة، بحسب رؤيته، بات يواجه ذاته المتشظية بين القيم الفردية والجماعية، وبين العنف واللين، والنجاح الفردي، أو الجماعي المتمثل بما يسميه (دولة إسلامية).

اقرأ أيضاً: كيف خرجت السلفية من رحم الإصلاح الديني؟

وهو ما لا ينفصل كمثال، عن التيار الشيوعي الذي انتهى إلى حلقاتٍ فكرية لم تعد قادرةً على محاكاة الواقع ولا تطوير نظريات خاصة بالتقدم والنهضة، فيما يبقى التيار الليبرالي متهماً أساسياً وفقاً لمعايير الليبرالية الجديدة، فالعالم سوق كبير مفتوح، لا تهم صبغته الدينية ولا ثقافاته ولا قضاياه الحقوقية التي تتم المناداة بها حسب الحاجة، بقدر ما يهم تسليع كل شيء مهما كان غلافه الخارجي.

وفي النهاية، يتضح أن هناك إرثاً كبيراً للنهضة العربية، غير ممثلٍ فقط بالتراث الإسلامي، والمقولات التي تعتبر جزءاً كبيراً منه رجعياً، بل إن تراثاً شيوعياً يريد أنصاره العودة إليه كذلك، ويوجد تراث تنويري وليبرالي أحياناً، يريد أنصاره أن يعودوا إليه، فيبدو أن كل تيار أو حزب أو مفكر في بعض الأحيان، يحاول أن يمتلك السلطة، بأن يكون ممثلاً ووريثاً لإرث تياره فقط ومرجعيته. أما النهضة العربية فربما هي متروكةٌ إلى أجلٍ غير مسمّى.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



هل كانت التيارات السياسية العربية جزءاً من مشروع النهضة يوماً؟

عدد القراءات

2019-01-02

الصراع على سبلِ النهضة العربية وأسئلتها لم ينتهِ، ولو أنّ الكثير من بقاع العالم باتت مشغولة بنتائج أفعالها الاقتصادية والحضارية والتكنولوجية كإجابةٍ عمليةٍ وإشارةٍ واضحةٍ على نهضتها، بينما يحتدم الصراع في الفكر العربي بين التاريخ ومفسّريه سواء أكانوا إسلاميين أو حداثيين أو شيوعيين، وغيرهم.

اقرأ أيضاً: في غياب السؤال النظري لدى الإسلام السياسي

وغالباً ما فسر البعض الحداثةَ على أنها سيرٌ في ركب الاستعمار أو على خطاه، بينما رأى آخرون أنّه لا بد من تجاوز الرؤية التاريخية الأحادية للعرب بصفتهم مسلمين فقط، والانفتاح على العالم من خلال الإسلام، للحاق بركب التطور والتقدم، إن صح التعبير. فبقيت اللحظة الحاضرة المسمّاة (نهضة)، والتي تفصل بين تراجع أي أمة أو تقدمها، مفقودةً بين مثقفين ومفكرين وسياسيين ينتمون إلى مشاريع سياسية كمدافعين عن القومية أو التراث أو الدين في مواجهة الاستعمار وما بعده، دون الاستناد إلى تاريخٍ ذاتي؛ لأن التاريخ مات فعلياً، وجميع هؤلاء يتصارعون على إرثه، فماذا حل بالنهضة العربية في ظل هذا الصراع؟

النهضة المتسرعة

وفقاً للباحث والكاتب الفلسطيني أحمد برقاوي في كتابه "الفكر العربي الحديث والمعاصر"، الصادر عن المركز الثقافي العربي في 2015، فإنّ آخر شكلٍ للدولة العربية الإسلامية "تمثل في الدولة العثمانية، وإنّ تمزقها في النهاية، كما يقول الباحث وجيه كوثراني، تمخّض عن صعود أشكالٍ مختلفةٍ من تياراتٍ قومية وإسلامية وأحزاب ومفكرين". وهو ما يحيل بالتالي إلى تصنيف كل هؤلاء، كردةِ فعلٍ سياسيةٍ على الاستعمار الذي أخذت تتضح معالمه مطلع القرن التاسع عشر.

من جهته، ربط المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، صعود هذه التيارات تقريباً، بما سمّي بـ "وعي الاستشراق"، فكأنّ الغرب عَرفَ الشرق أكاديمياً من خلال الاستعمار، فظهرت مصطلحاتٌ عديدة، كالفن الإسلامي، والثقافة الإسلامية، ونظام السلطة الإسلامية والعربية، وغيرها الكثير، مما كانت تتم ممارسته، دون أن يتم تصنيفه وفصله عن العالم كأنه متصلب ومستقل تماماً أو منغلق. غير أنّ رغبة الاكتشاف وصنع خطابٍ يليق بالمركزية الأوروبية، كما يرى سعيد في كتابه "الاستشراق"، كان أحد أهداف المستشرقين عموماً. ووجد العرب أنفسهم فجأةً أمام خياراتٍ لا بد أن تنتج عن الوعي بوجود الاحتلال والاستعمار، المتفوق عسكرياً وربما علمياً، واقتصادياً. فكان لا بد للخيارات جميعها أن تصب في مصلحة مواجهته.

تحدث سعيد عن الوعي الذي فرضه الاستشراق على الشرق حول ذاته

وهكذا، ووفقاً لبرقاوي في كتابه ذاته: "تم وضع مشروع النهضة العربية أمام هدفه  من أجل النهوض بالأمة العربية وفكرها ومجتمعاتها". وكان الاستعجال في زمن الاستعمار الذي يحاول تغيير كل شيءٍ صفةً عامةً من أجل تحقيق هذه المهمة، وهو ما فسرَ ظهورَ تياراتٍ قوميةٍ وأخرى إسلامويةٍ على وجه السرعة، دون أن تكون لها أي أسسٍ على أرض الواقع، فالمجتمعات العربية كانت ومنذ قرون، ترفل في حدها الأقصى للبدونة أو للعصبيات القبليةِ والطائفيات، وسواء كانت تتعايش مع بعضها البعض، أو تتنافر وتختلف في بعض الأحيان، فإنها بطبيعةِ الحال، لم تكن مؤهلةً للانخراط في حياةٍ سياسية، قوميةٍ بهويةٍ إسلامية، أو تعدديةٍ مدنية، هدفها رفع مستوى التجانس بين كل أفراد المجتمع، والتحول إلى الإنتاج الاقتصادي والفكري من أجل تفعيل النهضة.

وجد العرب أنفسهم فجأةً أمام خيارات لا بد أن تنتج عن الوعي بوجود الاحتلال والاستعمار وأن تصب الخيارات بمصلحة مواجهته

وفي هذا السياق، يقول الباحث الأردني المتخصص في الفكر والحضارة  والفلسفة زهير توفيق: "حاول الإسلام الذي بنى حضارةً نوعية وأمة جديدة على أساس العقيدة الدينية، ومن خلال المساواة والأخوة، تجاوز القبلية والعصبيات، لكن دون جدوى".

ويشرح وجهة نظره هذه توفيق في كتابه "النهضة المهدورة"، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بالقول "قامت السلطة السياسية بإذكاء العصبية القبلية وزيادة وتيرتها منذ العصر الأموي، مما أدى لتمكين الإسلام السياسي، وارتباطه لاحقاً بالإسلام تاريخياً، ثم تم تحويله من دينٍ أممي (كوني) إلى دينٍ يخص عصبياتٍ قبلية عربية".

غلاف كتاب "الفكر العربي الحديث والمعاصر" لأحمد برقاوي

ويستمر توفيق بقوله، إنّ الوحدة الإسلامية كانت مفهوماً مضاداً للعصبيات القبلية، وليست مفهوماً مضاداً للعروبة التي لم تكن قد تشكلت بعد في زمن ظهور الإسلام وامتداده جغرافياً. وبسؤاله عن مشروع النهضة العربية، ودور التيارات الإسلامية الحديثة مطلع القرن العشرين فيه، أوضح توفيق: "ربما كانت التيارات الإسلامية تمثل قوى سلفية، تعلي من قيم التراث والسلف والماضوية، فقد تطلعت على الدوام للماضي ورفعته لمستوى السلطة المرجعية والمعيارية ،على حساب الحاضر والمستقبل، وبالتالي؛ فالنهضة في المفهوم السلفي، وأحياناً الإخواني، تتمثل  في الانكفاء عن الحاضر إلى الماضي وجعل مستقبلنا خلفنا، والاكتفاء بتراثنا وخاصة التراث الميت الذي تجاوزه العصر، واستنفد طاقته على الاستمرار، وهذا عكس القوانين الاجتماعية للنهضة والتقدم التي تتطلع والتقدم التي تتطلع دائما إلى الأمام".

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي.. وتمثيلات خطاب الهوية

وأضاف الباحث في تصريح خاص بـ"حفريات": "ومن جهة أخرى فيما إذا اعترفنا بالتعددية الفكرية وحق الجميع بالتعبير عن أفكارهم، نشير إلى أنّ هذا الحق لا ينفي الصراع الفكري؛ بل يتطلبه في العلاقات البينية بين الاتجاهات الفكرية والسياسية للوصول للحقيقة والنهضة، لكن توحيد الاتجاه السلفي  لنفسه - قبل الإخوان وبعدهم  - والحقيقة الدينية المقدسة في مجتمع محافظ مسلم إسلاماً تقليدياً أوهمهم بامتلاك الحقيقة المطلقة فكرياً وسياسياً، وبالتالي كانوا اللاعب الوحيد لفترة طويلة في الساحة بدعم سياسي ومجتمعي".

يرى توفيق أنّ إسلام العدل والمساواة تعرض لتغوّل من السلطة منذ العصر الأموي

ويميل توفيق في النهاية للقول بأنّ حاملي مشعل التغيير السياسي والاجتماعي والنهضوي من خلال الإسلام، هم "أكثر براغماتيةً في من ناحية السياسة"، فهم، برأيه، لهم تحالفاتهم مع قوى محلية ودولية، خصوصاً منذ الحرب الباردة، إضافةً إلى محاولاتهم حسم الصراع الفكري والسياسي لصالحهم، من خلال الاعتماد على قاعدةٍ مجتمعية تم تشكيلها منذ قرون بفضل الإسلام، بغض النظر عن التغيرات التي طرأت على تطبيقاته في السياسة بسبب السلطة والعوامل الخارجية كالحروب وغيرها. وهو ما جعل الصراع إذن، يبدو غير نزيهٍ أبداً، في مواجهة مفكرين سواء أكانوا قوميين أو ليبراليين، فلكلّ نزعة مشكلاتها، وهو ما يقود إلى رأي آخر مختلف، من وجهة نظرٍ أخرى.

الإسلاميون هم المجتمع

من مظاهر الأمة العربية الأساسية، الإسلام، كدينٍ وتدين، فيما تعاليمه جميعها ابتداءً من القرآن الكريم مكتوبةٌ باللغة العربية، أما حياة المواطنين العرب في الوطن العربي، فمشمولةٌ في معظمها بما يفرضه الإسلام من آليات عامة للأخلاق والتفكير والممارسة في الحياة اليومية، غير أنّ هذه المقولة تبدو مثاليةً في ظل ما يشدد عليه الإسلاميون عادةً في أحزابهم وتياراتهم من وجود انحلالٍ ما أو (جاهليةٍ) ما، تعيق المجتمعات عن النهضة، والحل يكمن غالباً في التنازل عن هذا الحاضر من أجل الماضي.

توفيق: حاول الإسلام المبني على أساس العقيدة الدينية تجاوز القبلية لكن دون جدوى لأن السلطة رسختها منذ العصر الأموي

الباحث والكاتب المصري محمد درديري يعترض على هذه المقولة ولا يعد حل التمسك بالتراث الإسلامي حلاً رجعياً، وقد أبدى، في تصريحه الخاص بـ"حفريات"، تحفظه على أنّ النهضة يمكن لها أن تحصل وتتقدم بالمجتمعات دون أسس إسلامية وتراثية عربية.

يقول درديري: "بدايةً، يجب التأكيد على أنّ المجال العام يجب أن يكون مفتوحاً لكل جماعةٍ أو حزب أو تيار حتى يعرض برامجه الفكرية والسياسية في النور وأمام المجتمع، فيحدث ما يستطيعه من تأثير بصورةٍ حرة. وأود الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين، كمثال، وهي المعروف تأسيسها على يد الراحل حسن البنا، وبرأيي فدلالة تأسيسها مفهومة؛ لأنه على  مدى أكثر من  1300عام منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن المسلم يرى نفسه إلا عضواً أو فرداً في أمة واحدة، أي إنه كانت على الدوام توجد مظلةٌ واحدة تظل المسلمين والعرب أسفلها حتى لو كانت تعاني بعض الخلافات والاختلافات".

اقرأ أيضاً: الشعبوية ويمين الإسلام السياسي

ويؤكد الباحث درديري على رأيه باستحضار الدولة العثمانية "لقد كانت نهاية الحقبة العثمانية صعبةً بما فيها من احتلالٍ وسواه، لكن المسلمين تحديداً كانوا مطمئنين لوجود سلطة تمثلهم حتى لو لم تكن تحميهم، فالمهم وجودها على الأقل، وهو ما قاد المسلمين للشعور بالظلم واليتم بعد أن تمزقت الدولة العثمانية، وهو ذات الشعور الذي انتاب حسن البنا، فكان شعاره الشهير: الفرد المسلم فالأسرة المسلمة فالجماعة المسلمة فالدولة المسلمة فالخلافة الاسلامية فأستاذية العالم".

يرى درديري أنّ البنا أهمل الفرد لجعله مجرد وسيلةً للوصول إلى الحكم

وقبل استطراده يعلق "لست علمانياً، أنا ضد العلمانية، وأعتقد أنّ الإسلام لا ينفصل عن السياسة، لكن الخلل بدأ حين ركز البنا على الفرد بصفته أداةً أو وسيلةً لغايةٍ هي السلطة، وتحقيق ما رآه خلافة إسلامية من خلال توظيف الأفراد، وهذا خلل رغم مقصد البنا الذي ربما كان خيراً".

اقرأ أيضاً: الصراع على السلطة من دولة الخلافة إلى واقعنا المعاصر

وبسؤاله عن أثر الجماعة في النهضة كمثال على تيارٍ إسلامي منخرط في السياسة والمجتمع العربي، أجاب درديري "لا يمكن إنكار أثر جماعة الإخوان في مصر وسوريا ودولٍ عربيةٍ عديدة منذ تأسيسها، لكني أظن أنّ لحظة انحراف الإخوان عن مسارهم الدعوي وبالتالي المشروع النهضوي الذي أرادوه على طريقتهم بدأت حين تحالفوا مع الضباط الأحرار عام 1952 قبل أن تدب الخلافات بينهم وبين الضباط، وبين بعض قياداتهم منذ ذلك الحين".

ويعتقد درديري أنّ الجماعة أخذت تنحرف عن مسارها كجزءٍ من المجتمع، "لتنفصل عنه وتبدأ رحلة مظلوميتها ودعوات الابتلاء والمحنة وغيرها، إلى أن عادت أيام السادات لترى في نفسها أنها والدين، قرينان لا ينفصلان".

 

 

 

وحول رأي الباحث في علاقة الإخوان بالمظاهر الدينية والثقافة العامة في مصر والدول العربية علق بقوله: "بالنسبة لي أنطلق من الشريعة، وأرى فضلاً للإخوان في الحجاب، وفي التأثير على مشاهير ومؤثرين مصريين وعرب من فنانين وأدباء، إضافةً لتفعيلهم لوجود فنٍ وأدبٍ إسلاميين، وكل هذا في إطار تثقيف شبابهم، والشباب عامةً، لكن مصر مثلاً؛ هي بلاد نجيب محفوظ وعبد الرحمن بدوي وغيرهم الكثير، لذا فإن حصر فكرة التثقيف من أجل النهضة في إطارها الأيديولوجي هي فكرة لا يعول عليها".ونوّه درديري، في ختام حديثه، إلى أنّ الإسلام "جزء أساسي من نهضة الأمة العربية الإسلامية".

مآزق الليبرالية والشيوعية

رغم اختلاف رأي الباحث درديري عن رأي الباحث توفيق، إلا أنه فتح باباً آخر في العلاقة بين القوى والتيارات الفكرية والسياسية العربية من جهة، والنهضة التي تسعى إليها من جهة أخرى؛ إذ يبدو، بحسب رأيه، أن الجماعات والتيارت ذاتها تعاني، وهي تحتاج إلى الإصلاح بدورها وربما توسيع الرؤية والتجديد خارج أطرها الأيديلوجية والمصلحية. وهو ما ينطبق على النموذج الشيوعي مثلاً، الذي يقال إنه لا يلتقي مع أرضية المجتمعات العربية الإسلامية فكرياً وتقليدياً.

تحارب التيارات السياسية العربية لتكتسب شرعيتها من إرثها التاريخي أيا كانت دون أن تقترب من مشروع النهضة الحاضر والمستقبلي

وفي هذا السياق يرى الباحث والكاتب رعد سليم في دراسةٍ له نشرت على موقع الحوار المتمدن والمنشورة في 11 أيار (مايو) 2009 أنّ: "الماركسيين ينادون بالحرية بدلاً عن الديموقراطية ولا يلتقون مع الغرب في كل ما يتعلق بالديموقراطية". ومن خلال هذه المقولة، يحاول رعد تفضيل الماركسية على المشروع الغربي المتمثل في الديموقراطية والديموقراطية الليبرالية، على أساس أنّ للماركسية "مفهوماً أوسع عن الحرية" وهو أكثر فاعلية وليس محصوراً في إطار محدد من التاريخ.

وربما يتناسى رعد معضلة اصطدام الشيوعيين في هذا الوقت مع الليبراليين، وركون كل من الفريقين إلى مفاهيمه حول الفرد وحريته وملكيته وغيرها في المجتمع، فيكون خلافاً عقيماً حول خلاص الفرد ليبرالياً، أو خلاص الطبقة ماركسياً. بينما أظهرت الدولة القُطرية العربية، القومية تحديداً، أنّ أي تطبيقٍ ماركسي أو يساري أو بعثي، تكشف خلال فترة ما سمي (الربيع العربي) عن دكتاتورية مقنعةٍ بقناعٍ أيديولوجي تمت تجربته في الاتحاد السوفييتي ذاته إلى أن سقط عام 1990، أيديولوجياً على الأقل. وفيما تعجب رواية السقوط هذه بعض الإسلاميين والليبراليين، فإن القيم الليبرالية السياسية والفردية بقيت مقتضبةً أو محاربةً من قبل قوى لييبرالية نفعية يهمها خصخصة وتأميم الاقتصاد في المجال العام دون أي أرضياتٍ خدمية وتعليمية وثقافية تتيح للأفراد التنافس المتساوي أو العادل أقله لصنع الطموحات والثروات، كما في تجربة مصر مطلع التسعينيات.

بينما يعمل الإسلاميون في البرلمانات العربية قبل الربيع العربي وبعده، على بعض القضايا المطلبية، ويحاولون الإبقاء على ضمانات لمشاركتهم في الحكم، مع سعيهم لعقد أي تحالفٍ مع الليبرالية النفعية أحياناً، لأنها تضمن أسلمة العديد من مظاهر المجتمع مقابل تأمين منافذ لرأس المال والمصالح الخاصة. فيما الأحزاب اليسارية الأيديولوجية أصبحت مجرد أفرادٍ ممثلين في بعض البرلمانات دون فاعلية. ولعل تجربة مصر تشهد على هذا بعد العام 2012. بينما في تونس لم تنجح الترويكا الإسلامية والليبرالية التي حكمت بعد الثورة من تحقيق أي تقدم اقتصادي أو سياسيٍ واسع المدى بقدر ما حاول كل طرفٍ تحقيق مكاسب أيديولوجية!

يعمل الإسلاميون في البرلمانات العربية على القضايا المطلبية للإبقاء على ضمانات لمشاركتهم في الحكم

وفي هذا الإطار، يعلق باحثون من أمثال؛ آصف بيات، على ما حل بمشروع النهضة العربية من خلال اتخاذه (الإسلام السياسي) كمثال، فيرى في أطروحته "ما بعد الإسلاموية: الأوجه المتغيرة للإسلام السياسي" أن: "البحث عن إسلام معتدل متنوّر وبقيمٍ فردية في المجمل شكّل أحد المظاهر الأساسية لما بعد الإسلاموية، وبات اللجوء إلى المجتمع في الجمعيات الخيرية والمساجد والنماذج الدعوية المتنوعة وإضفاء المظهر الإسلامي على التجارة والثقافة والخ مطلباً أساياً في مواجهة تياراتٍ عنيفة ومتشددة". وبالتالي، يعمق بيات من جرح التيار الإسلامي الأساسي الذي بدأ يتضح مطلع القرن الماضي، والذي قبل أن يخوض ما يمكن تسميته حوار وصراع النهضة، بحسب رؤيته، بات يواجه ذاته المتشظية بين القيم الفردية والجماعية، وبين العنف واللين، والنجاح الفردي، أو الجماعي المتمثل بما يسميه (دولة إسلامية).

اقرأ أيضاً: كيف خرجت السلفية من رحم الإصلاح الديني؟

وهو ما لا ينفصل كمثال، عن التيار الشيوعي الذي انتهى إلى حلقاتٍ فكرية لم تعد قادرةً على محاكاة الواقع ولا تطوير نظريات خاصة بالتقدم والنهضة، فيما يبقى التيار الليبرالي متهماً أساسياً وفقاً لمعايير الليبرالية الجديدة، فالعالم سوق كبير مفتوح، لا تهم صبغته الدينية ولا ثقافاته ولا قضاياه الحقوقية التي تتم المناداة بها حسب الحاجة، بقدر ما يهم تسليع كل شيء مهما كان غلافه الخارجي.

وفي النهاية، يتضح أن هناك إرثاً كبيراً للنهضة العربية، غير ممثلٍ فقط بالتراث الإسلامي، والمقولات التي تعتبر جزءاً كبيراً منه رجعياً، بل إن تراثاً شيوعياً يريد أنصاره العودة إليه كذلك، ويوجد تراث تنويري وليبرالي أحياناً، يريد أنصاره أن يعودوا إليه، فيبدو أن كل تيار أو حزب أو مفكر في بعض الأحيان، يحاول أن يمتلك السلطة، بأن يكون ممثلاً ووريثاً لإرث تياره فقط ومرجعيته. أما النهضة العربية فربما هي متروكةٌ إلى أجلٍ غير مسمّى.