هل يبحث حزب الله حقاً عن حل؟

هل يبحث حزب الله حقاً عن حل؟

مشاهدة

26/10/2021

حزب الله يتعامل مع اللبنانيين على أساس أنه هو الدولة، ومع لبنان على أساس أنّه مجرد تأطير جغرافي له ولوجوده ولحركته ولأتباعه وأنصاره؛ فلبنان بالنسبة إليه ليس دولة، ما استفز سمير جعجع الذي وصفه بأنه يتصرف فوق القانون.

في لبنان لا قانون بمعنى الكلمة، بل أحزاب وسياسيون وسماسرة وتجار أزمات يستقوون بسطوة "حزب الله"، وهذا لا يعني أبداً أنّه الكيان الوحيد الذي يمارس دوره بعقلية السمسار أو التاجر أو السياسي الذي تتضخم فيه ذاته لمستوى لا يرى معها دولة أو قانون أو مواطنين؛ ثمة آخرون، لكن الأنا لديهم لم تصل بعد إلى مستوى حزب الله ونصرالله.

 يعمل حزب الله سياسياً على نسق معقد من التوتير والتأزيم وتوظيف أطراف بصناعة مشهد يستعصي على أي حل

حزب الله لا يكترث بلبنان ولا باللبنانيين بتاتاً، يعني ذلك أنه من الممكن توظيف مائة ألف مقاتل لأي غرض، غير غرض حماية الدولة وحماية مواطنيها، وأساساً، لماذا يوجد هذا العدد الهائل من المقاتلين خارج وصاية الدولة وجيشها الرسمي، إلا إذا كان هؤلاء المقاتلون ينتمون إلى كيان لا يعترف بالدولة الوطنية؟

خطورة حزب الله على لبنان أكثر بكثير من أي تهديد آخر، وربما العكس هو الصحيح، إنّ حزب الله هو التهديد الوحيد الذي يمكن أن يسحق الدولة ويدخل المجتمع في حرب مجنونة، وإن كانت حرباً بلا رصاص أو مدافع أو بارود.

اقرأ أيضاً: حزب الله يهدّد بإشعال لبنان: لدينا 100 ألف مقاتل

المجتمع والكيانات المختلفة في الزمن الصعب تلجأ إلى دولتها ومواطنيها، تعيد إنتاج ولائها لها وانتمائها، إلا في لبنان، المجتمع كله أو أغلبه، والكيانات كلها أو أغلبها، وعلى رأسها أكبر قوة، وأكثر قوة لا تنتمي للوطن "حزب الله" بإمكانها أن تحول لبنان إلى خراب أو تفعل ما تشاء مقابل أن تنتصر هي وينهزم لبنان.

في لحظة ما كانت أهداف حزب الله وضع حد لأي كيان استعماري على أرض لبنان، وتقديم المتورطين مع الخارج إلى ما سمّاه الحزب في أدبياته بـ"السلطة العادلة" وتقديمهم للعدالة "للجرائم التي ارتكبوها ضد المسلمين والمسيحيين"، والسماح للبنانيين باختيار شكل الحكومة التي يريدونها، ذهب تلك الأهداف واستعمر حزب الله البلاد، وتورط هو ذاته مع الخارج، بل تورط لبنان به وبانتمائه الخارجي كوكيل لإيران، وما كان يسميه الجرائم ضد المسلمين والمسيحيين، يعيدها اليوم للأذهان بالتحشيد في "الطيونة" المنطقة الفاصلة بين المسيحيين والمسلمين، والتي انطلقت منها شرارة الحرب الأهلية، مهدداً ومتوعداً.

 

اقرأ أيضاً: عن مشكلة "حزب الله" مع العدالة...

وما كان يسميه حق اللبنانيين باختيار شكل حكومتهم، حوّل هذا الحق إلى كابوس، كان دائماً يتبنى دور المعطل لأي تشكيل حكومي، حتى لا يستقر لبنان، ولا تستقر السلطة ولا تقوى، لأنّها حين ذاك ستلتفت إليه وإلى سلاحه وجيشه وولائه وارتباطاته الأيديولوجية والسياسية.

ليست مشكلة حزب الله مع القاضي "طارق البيطار" أساسية لذاتها ولذات البيطار نفسه، بل مع الحقائق، وليست مشكلته مع الحكومات والكيانات، بل مع الاستقرار والقوة والسلطة التي إن تحققت وتمكنت، فإنه سيكون مضطراً أن يخضع لها ويتنازل لصالح دولة وقانون وسلطة.

حزب الله التهديد الوحيد الذي يمكن أن يسحق الدولة ويدخل المجتمع في حرب مجنونة

كل ما حدث في لبنان، من حرب وأزمات واغتيالات، وتفجيرات واستعصاءات سياسية حادة ومربكة وفساد ونهب، ليس بسهولة وضعه في زاوية معتمة من ذكريات المواطنين اللبنانيين وذاكرة الدولة اللبنانية، لأنها مازالت مستمرة، ومستمرة لأنها ببساطة مايزال هنا "حزب الله"، قادراً على خلط الأوراق وإعادة إنتاج المشهد اللبناني كما يحب، وكما تتطلب القوة التي يتمتع بها والمنحازة دائماً، أو المرتبطة برباط عقائدي وثيق بإيران.

حين لا تريد أن تقول شيئاً مباشراً، قد تتهم به غيرك أنّه يقوله، تماماً مثلما فعل حسن نصرالله بحديثه عن الحرب الأهلية في لبنان، حين يقول إنّ حزب القوات اللبنانية يريد جرّنا وجر لبنان إلى حرب أهلية، لا أحد في بيروت يريد فوق إرادة حزب الله، فهو الحزب الذي ولد ليرى نفسه دولة وحكومة وسلطة ومجتمعاً ومقاومة، كل ذلك في واحد هو الحزب الذي لا يعدو أن يكون ميليشيا سياسية أو ميليشيا دينية أو ميليشيا اقتصادية، لكنه تضخم وتورم بتواطؤ أو عن حالة ضعف أو خوف أو مصلحة، فحين يكون الجميع متورطين في فساد أو تفجير مرفأ، يمكن تطويعهم أو إخضاعهم وإشراكهم في الخدعة.

 

اقرأ أيضاً: تحقيقات المرفأ: هل تسعى الحكومة لحل لا يغضب حزب الله؟

يعمل حزب الله سياسياً على نسق معقد من التوتير والتأزيم، وتوظيف أطراف سلطوية وغير سلطوية في صناعة مشهد داخلي في لبنان يستعصي على أي حل، قد يريد الحزب في لحظة ما تهدئة من نوع ما، أو تخفيض حدة التوتر، لكنه لا يريد حلاً، مهما كان هذا الحل مرضياً له أو للبنان واللبنانيين، باختصار "حزب الله" حاضر بقوة ما دامت هنالك حلول ضعيفة.




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية