هل يحل الخطاب الدرامي مكان الإعلامي في تنوير الرأي العام؟

هل يحل الخطاب الدرامي مكان الإعلامي في تنوير الرأي العام؟

مشاهدة

20/05/2021

أحمد حافظ

قررت شركة الإنتاج الفني الحكومية في مصر “سينرجي” تقديم أجزاء جديدة من مسلسلات أمنية وسياسية، ما يعكس طبيعة الدور الذي تقوم به ما تسمّى بـ”الدراما الإعلامية” التي نجحت في توصيل رسائل عديدة وأسهمت في تنوير الرأي العام بشأن خفايا الكثير من الأحداث، مقابل إخفاق الإعلام التقليدي على مدى سنوات في إقناع الجمهور بأهميته.

وناقشت بعض المسلسلات الدرامية في رمضان الماضي، مثل “الاختيار 2″، و”هجمة مرتدة”، و”القاهرة كابول”، قضايا تتعلق بجرائم جماعة الإخوان والإرهاب والمؤامرات الخارجية، ونجحت في تقديم صورة قريبة للرأي العام وتحقيق الاصطفاف الوطني وتغيير قناعات الشارع حيال التحديات التي تواجه الدولة المصرية، وهي ملفات لم يستطع الإعلام مناقشتها بحرفية.

وأقنعت الأحداث الدرامية شريحة من الجمهور بأن التضييق على الإعلام المصري لم يكن عشوائيا، لكنه بدا كعنصر ضروري لدى النظام وله مبرراته الأمنية، وأن المؤامرة التي تردّدت في وسائل الإعلام ليست وهما روّجت له مؤسسات حكومية في حينه، لكنها موجودة بالوثائق، وهي موضوعات جاهد الإعلام في إقناع الناس بها وفشل أمام سطحية المعالجة.

وطوال السنوات التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011، وحتى ثورة 30 يونيو 2013 التي أسقطت حكم الإخوان في مصر، كانت المناقشات الإعلامية دون المستوى المهني. وبالرغم من الهيمنة الحكومية على أغلب الصحف والقنوات والمواقع، إلا أن الشارع انفض من حولها نظرا لغياب المصداقية في ما كان يتم طرحه من أفكار.

ويشير خبراء الإعلام إلى أن المشكلة تأتي من التداخل بين السرد الفني والمعلوماتي والتاريخي، حيث حفل مسلسل “الاختيار 2” بصور حقيقية اعتبرها داعمة للعمل، ورأى آخرون أن توظيفها بدا مخلا ببعض السياقات، واحتوى على معانيَ إعلامية متداخلة.

وأدركت الحكومة المصرية خلال العامين الماضيين أن مواجهة الإرهاب بالسلاح لن تكون كافية، ولا بديل عن توسيع دائرة الاهتمام بمعركة الفكر والكلمة. وأمام الإخفاقات في المسارين وعدم القدرة على مجاراة الآلة الإعلامية للإخوان والأنظمة الداعمة لهم، لم يكن أمامها من خيار سوى اللجوء إلى الخطاب الدرامي ليحل مكان الإعلامي.

وحقق مسلسل “الاختيار” العام الماضي نجاحات كبيرة في فضح التنظيمات الإرهابية، ونجح في أن يترك نفس التأثير في الجزء الثاني هذا العام، بتسليط الضوء على جرائم الإخوان وأنصارهم ورسم صورة حقيقية عن المتطرفين، وكيف يفكرون ويعيشون وبأي طريقة يتم استقطابهم من قبل القيادات، في حين كان الإعلام يناقش قضايا بعيدة عن طموحات السلطة والشارع بداعي سقف الحرية.

وأغرقت الكثير من المنابر الإعلامية نفسها في الدفاع عن الحكومة وإظهار إنجازاتها فقط وجعلتها البطل الوحيد في المشهد مع ترهيب خصومها، بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية والسياسية والدينية، وأفسحت المجال لإذاعة تسريبات أضعفت موقفها في تثبيت نظرية المؤامرة وتجييش الشارع خلف مؤسسات الدولة، حتى وجد إعلام الإخوان ضالته في استقطاب الناقمين على عشوائية وفوضى المنابر الرسمية.

وقال صفوت العالم أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة إن الفرق الجوهري بين الدراما والإعلام في التأثير، يكمن في أن الكثير من المنابر لم تغيّر من جلدها وفق متطلبات المرحلة، واستمر بعضها في الاعتماد على وجوه إعلامية منبوذة من قطاعات عدة. وبالرغم من صدق ما كانت تسوّق له من رسائل ومعلومات وفق ما يتاح لها من جهات حكومية، إلا أن الجمهور لم يصدقها أو يتفاعل معها، لأنه كان ناقما على المنبر ووجوهه وسياساته وأسلوبه.

وأضاف العالم في تصريحات لـ”العرب”، أمام هذا النفور، كان للدراما مفعول السحر في إقناع الناس بذات الرسائل عبر أسلوب شيّق وممتع ومعلوماتي استهداف المشاعر والوجدان، فنجح في المهمة من خلال حبكات فنية قدمت الواقع بطريقة أجبرت الكثيرين على التفاعل والتأثر والتماس الأعذار للحكومة وأجهزتها الأمنية، ومراجعة حساباتهم في ما سبق ولم يصدقوه من الإعلام أو يمنحوا أنفسهم الفرصة في التفكير بصحته.

ويرى متابعون أن ميزة الدراما الإعلامية أنها رفعت حاجز السرية عن معلومات كان يفتقدها رجل الشارع والنخبة نفسها، وكانت النتيجة أن المجتمع صار يشعر بأن عليه واجب المشاركة في معركة المواجهة مع الحكومة ضد الإرهاب والمساعدة في عبور التحديات بعد فترة طويلة من رفع الحكومة شعار “ليس كل ما يعرف يُقال”.

والعُذر الوحيد للإعلام في هذه النقطة أنه كان يتشدق بالمعلومة التي يستطيع من خلالها زيادة جماهيريته وإقناع الناس بأن هناك مشكلات تستوجب التلاحم، وحتى الوجوه الإعلامية التي تستطيع الوصول إلى بعض المعلومات كانت تقدمها في صورة تحليلية أو الإيحاء بأنها تكهنات خشية أن تخسر مصادرها أو تقحم نفسها في أزمة مع دوائر صناعة القرار، وصارت أغلب البرامج عبارة عن جلسات للفضفضة.

وأشار العالم إلى أن معضلة الكثير من المنابر الإعلامية أنها تعمل دون استراتيجية واضحة لتوعية الجمهور بالمخاطر، مقابل اهتمامها بقضايا مثيرة بعيدة عن صميم احتياجات الشارع، بعكس بعض المسلسلات التي كان خطها واضحا منذ البداية بأنها تستهدف تفكيك الأفكار الخاطئة التي كرّسها المتطرفون في أذهان الناس، بطريقة سلسة وبسيطة وخطاب تنويري موجّه إلى كل فئات المجتمع.

وظهرت النجاحات التي حققتها الدراما الإعلامية في تغيير قناعات شريحة كبيرة من المجتمع على مستوى حجم التحديات ومعارك الدولة الخفية لتثبيت الأمن والاستقرار، وأكدت أن الإعلام يسير في الطريق الخطأ على صعيد الإدارة والفكر والتوجه والقضايا التي يناقشها، لأنه عندما يحقق أحد المسلسلات نتائج كبيرة عجز الإعلام التقليدي عن أيّ منها في 30 حلقة فقط، فإن ذلك يكرّس الإخفاق.

ويعتقد خبراء الإعلام أن التفاف الناس حول شاشات الدراما والنفور من الإعلام التقليدي يتطلب إعادة تقييم الموقف من الجهات المسؤولة عن إدارة المشهد، لأن المشكلة صارت في طبيعة الخطاب الموجه للشارع والوجوه التي تحمل رسائل الحكومة للجمهور المتلقي، كما أن الرأي العام مستعد للتعاطي مع هذه الرسائل شريطة إقناعه بها، لا فرضها عليه.

ويقول هؤلاء إن اعتماد الحكومة على الدراما كبديل عن الإعلام في مخاطبة الشارع له تداعيات سلبية مهما عظمت النتائج الراهنة، لأن الرسائل الفنية موسمية، ومع كل نجاح لها قد يترتب عليه السحب من رصيد المنابر الإعلامية، باعتبار أن الناس وجدت ضالتها في الدراما التي استطاعت ملء الفراغ الذي تركه الإعلام لسنوات.

وما يلفت الانتباه، أن الشركة الحكومية المنتجة لهذا النوع من الدراما، هي ذاتها المهيمنة على النسبة الأكبر من المؤسسات الإعلامية. وما يمكن البناء عليه هو أن نجاح الإعلام في مهمته وانتشاله من أزماته يتطلب وجود المتخصصين، فرسائل الدراما وصلت للناس لأنها من صنيعة محترفين في المهنة ويدركون كيفية إدارتها وبأي طريقة يمكن أن تؤثر في الجمهور وتجعله يلتف حولها.

وإذا كانت الحكومة ترغب في تجييش الشارع خلفها والنجاح في معركة الوعي الفكري والدراية بالمخاطر، فعليها التحرك نحو تصويب مسار الإعلام ليكون موازيا للدراما، لأن الاعتماد على الفن ليكون خطابه أكثر تأثيرا في معركة الكلمة وتوصيل الرسائل المهمة يوسع دائرة الفراغ التي تتأسس على خروج الإعلام من معادلة التنوير.

عن "العرب" اللندنية

الصفحة الرئيسية