هل يساعد "أصدقاء السودان" على تجاوزه تحديات السياسة والأمن والاقتصاد؟

هل يساعد "أصدقاء السودان" على تجاوزه تحديات السياسة والأمن والاقتصاد؟
3380
عدد القراءات

2019-09-09

تتزايد المؤشرات الدالة على دعميْن؛ إقليمي ودولي، متنامييْن ومتسارعين لحكومة رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، وهما دعمان يتراوحان بين جانب سياسي أساسي؛ يتمثل في إعادة إدماج السودان في المنظومة الإقليمية والدولية، بما يتضمنه ذلك من رفع اسمه من قائمة الإرهاب، والجانب الثاني اقتصادي، وله علاقة بالأول بالطبع، في ظل دين خارجي سوداني بعشرات مليارات الدولارات.

من بين التحديات التي ستواجه حكومة حمدوك التفاوض على إزالة السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب

في هذا السياق، أنهى الاتحاد الإفريقي، الجمعة الماضي، تعليق عضوية السودان في هذا التكتل، بعد تجميدها لثلاثة أشهر لحين تشكيل حكومة مدنية بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير. وفي إطار الدعم الأوروبي وصل وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، الخرطوم، الثلاثاء الماضي، وهو أول وزير خارجية أوروبي يزور السودان منذ الإطاحة بالبشير في نيسان (أبريل) الماضي. وتلقى حمدوك، الأربعاء الماضي، دعوة من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لزيارة باريس؛ لبحث التعاون بين البلدين. وكان حمدوك التقى في مكتبه السفيرة الفرنسية في الخرطوم، إيمانويل بلاتمان، وذلك بحضور وكيل وزارة الخارجية السودانية السفير، عمر دهب.
وقد دعا ولي عهد أبوظبي، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الوزراء السوداني حمدوك، إلى زيارة دولة الإمارات، لتبادل وجهات النظر ومناقشة المصالح المشتركة التي تهم البلدين الشقيقين. وذكرت وكالة السودان للأنباء، أنّ الدكتور حمدوك تسلّم رسالة خطية من الشيخ محمد بن زايد، خلال لقائه الثلاثاء الماضي سفير الإمارات لدى السودان، حمد محمد الجنيبي.

 رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك
من جانب آخر ذي صلة، أكد ولي عهد أبوظبي وقوف دولة الإمارات إلى جانب السودان الشقيق في جهوده الرامية إلى الحفاظ على وحدته وأمنه واستقراره، وذلك خلال اتصال هاتفي، أول من أمس، مع الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس السيادي في السودان.

اقرأ أيضاً: السودان: الخارجية بين أيدي الدبلوماسية "الناعمة".. فهل المشاركة النسائية منصفة؟
وهنأ الشيخ محمد الشعب السوداني بالخطوات المهمة التي تم اتخاذها أخيراً، وأسفرت عن توافق على تشكيل الحكومة، متمنياً لها دوام التوفيق بما يحقق تطلعات الشعب السوداني في الاستقرار والتنمية والازدهار.
دعم الحكومة المدنية في المنابر الدولية
وتأتي الخطوة الإماراتية في سياق متناغم مع الجهود الأوروبية الساعية إلى بحث سبل دعم الخرطوم اقتصادياً، وذلك عبر تفعيل عمل مجموعة أصدقاء السودان التي تشكلت حديثاً من قبل دول أوروبية، وستبحث قضية إعفاء ديون السودان الخارجية التي تجاوزت 51 مليار دولار، بجانب دعم حكومة حمدوك في المنابر الدولية، وتمهيد الطريق لإنجاح الانتقال السلمي للسلطة، وإجراء انتخابات بعد ثلاث سنوات، تكرّس السلام والتنمية والاستقرار. والمؤكد أنّ الموقف الأمريكي جوهريٌّ في تحقيق هذا النجاح ودعمه.

اقرأ أيضاً: الحكومة السودانية تؤدّي اليمين الدستورية
ومع إعلان رئيس الوزراء السوداني، عبدالله حمدوك، الخميس الماضي، عن تشكيلة أول حكومة في السودان منذ إطاحة الرئيس السابق عمر البشير في نيسان (أبريل) 2019، يكون السودان قد اتجه بسلاسة نسبية إلى مرحلة رئيسية في العملية الانتقالية التي يفترض أن تؤدي الى حكم مدني.
وقال حمدوك في مؤتمر صحافي "أعلن تشكيل الحكومة، (ومعها) نبدأ مرحلة جديدة من تاريخنا"، مؤكداً أنّ "أهم أولويات الفترة الانتقالية إيقاف الحرب وبناء السلام". وتابع قائلاً "نسعى لقيام مشروع وطني وإعادة هيكلة الدولة السودانية".
 الرئيس السابق عمر البشير

تحديات أمام الحكومة الوليدة
وحسب ما أوردت وكالة "رويترز" للأنباء فإنّ من بين التحديات التي ستواجه حكومة حمدوك ما يلي:
1.  العثور على مصدر لتمويل فاتورة استيراد السلع الأساسية مثل؛ الطحين والوقود، والتي تقدر بمليارات الدولارات.
2.  التفاوض على إزالة السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.

اقرأ أيضاً: مؤسسة خليفة بن زايد تغيث السودانيين
3. خفض مخصصات الجيش السوداني، التي تستقطع ما يقدر بنحو 70 بالمئة من الميزانية.
4. بسط الأمن وحفظ السلام في المناطق التي تضررت من أثر صراع مع حركات التمرد وتحديات أخرى .
وقد تسلم رئيس مجلس السيادة في السودان، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رسالة خطية من رئيس جمهورية جنوب السودان، سلفاكير ميارديت، تتعلق بالمفاوضات بين حكومة السودان والحركات المسلحة تحت رعاية وإشراف الرئيس سلفاكير.

 رئيس جمهورية جنوب السودان سلفاكير ميارديت
من جانبه، أشارالناطق الرسمي باسم مجلس السيادة في السودان، محمد الفكي سليمان، إلى "ضعف الوثيقة الدستورية في الجانب الخاص بحكومات الولايات التي لم تشكل بعد".

أكد ولي عهد أبوظبي وقوف الإمارات إلى جانب السودان الشقيق في جهوده الرامية إلى الحفاظ على وحدته وأمنه واستقراره

ولفت موقع "سلايت أفريك"، الذي يعنى بالشأن الإفريقي، إلى أنّ من بين التحديات التي ستواجه هذه الحكومة الجديدة، وستكون المهمة الأكثر صعوبة ربما، بحسب الموقع، والمتمثلة بتفكيك الدولة العميقة التي أنشأها الإسلاميون الذين دعموا انقلاب عمر البشير أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، وفقاً للموقع أيضاً.
ومن الاختبارات الأخرى الملحّة، بحسب ما يرى الأكاديمي خطار أبو ذياب، في مقال نشرته صحيفة "العرب" اللندنية، تشكيل مفوضية السلام من أجل التفاوض مع الحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وذكر أنّ من المؤشرات الإيجابية في هذا الصدد إعلان "الحركة الشعبية لتحرير السودان/ شمال"، بقيادة عبدالعزيز الحلو، عزمها على الدخول في مفاوضات مع الحكومة الانتقالية للوصول إلى "اتفاق عادل يخاطب جذور المشكلة، ويضع نهاية منطقية للحرب في البلاد". واعتبر أبو ذياب أنّ "التوقيع على الإعلان السياسي والدستوري، وتكوين هياكل السلطة، يمثلان خطوة مهمة ويمكن أن يقودا إلى السلام"، على حدّ قوله.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



تطوير مقاربة لاحتواء التهديد الناجم عن التطرف العنيف

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

بالرغم من العدد المتزايد لأنشطة المراقبة ومشاريع مكافحة الإرهاب، إلا أنّ التهديدات المحلية للتطرف العنيف تتصاعد وتتجه نحو فضاءات عابرة للحدود. يثير هذا التوجه سؤالاً حاسماً: كيف تعمَّقت الأصولية المتطرفة للصراعات المحلية وأصبحت عالمية الانتشار؟

في تقرير لمركز "CSIS" حمل عنوان "تطور التهديد السلفي الجهادي"، تم تسليط الضوء على الأعداد المتزايدة من "الجهاديين" عالمياً

وفي تقرير حديث لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "CSIS" والذي حمل عنوان "تطور التهديد السلفي الجهادي"، تم تسليط الضوء على الأعداد المتزايدة من "الجهاديين" عالمياً. حيث يشير التقرير بشكل خاص إلى وجود ما يقارب أربعة أضعاف عدد المقاتلين الإسلاميين السُّنة اليوم بالمقارنة مع الحال في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، حسبما يقول الكاتب بارق محادين، الباحث في معهد غرب آسيا وشمال أفريقيا، والمتخصص في الأمن الإنساني ومجابهة التطرف العنيف.
وعلى الرغم من اللبس الحاصل في استخدام كلمة "الجهاديين" في التقرير إلا أنه ما يزال ذا أهمية في إشارته إلى ما يأتي: بينما يعمل عدد كبير من المتطرفين العنيفين على مستوى محلي، ما زالوا قادرين على إقامة روابط عابرة للحدود المادية مع جماعات أخرى، متجمعين في نهاية المطاف داخل بوتقة ما أصبح يعرف بالجماعات المتطرفة العنيفة العالمية. وتؤكد الإستراتيجية العملياتية لما يُعرف بتنظيم الدولة، أو داعش، هذا الانتقال من المحلية إلى العالمية.

مجالات الاهتمام
هناك ثلاثة محاور رئيسية تستحق تسليط الضوء عليها. أولاً: استعمال التكنولوجيا والاستعارة بالأصول الخارجية عبر العالم بغية تكريس ونشر التهديدات الإرهابية، تكريساً لما يعرف بظاهرة "تفويض الجماهير". نجحت هذه الاستعارة في زيادة قدرة الجماعات المتطرفة على جذب المتطوعين بالاعتماد على وسائل الإعلام البصري والهويات التنظيمية الجديدة. بالتالي، فإنّ معالجتها تتطلب حواراً واعياً ومتعدد الاختصاصات؛ يطرح إشكاليات أمن الشبكات والأمن السيبراني، ويقدم دراسة دقيقة لاستغلال هذه الجماعات الإرهابية للوسائل والمنصات الحديثة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن تأخذ هذه النقاشات بضرورة الموازنة بين دعم قطاع التكنولوجيا في مكافحة استغلال الإرهاب مع ضمان عدم المساس بمسائل الخصوصية وحريات الإنسان الأساسية في آن.

اقرأ أيضاً: عقيل حبيب: الإرهاب يختبئ تحت الغطاء السميك للتطرف
ثانياً: الانتقال من نموذج تراتبي عمودي متصاعد إلى آخر أفقي؛ حيث أصبحت اللامركزية أساساً للتفكير والعمليات لدى العديد من هذه الجماعات. ويُدلل على هذا الانتقال عبر النظر في تنشيط هذه الجماعات لشبكات واسعة من الخلايا النائمة، وتوظيف ملف المقاتلين العائدين والذئاب المنفردة لتنفيذ هجمات خارج المسارح الكلاسيكية والسيناريوهات المعتادة.
نظرة أقرب لتفجيرات الكاتدرائية التي حصلت في الفلبين عام 2019 وتفجيرات عيد الفصح في سريلانكا تقدم حالتين تثبتان كيفية تحول مسرح الأحداث وتوسعه جغرافياً. كذلك، فإنّ الاتجاه الملحوظ حول تصاعد عدد النساء والفتيات الانتحاريين في مناطق كحوض بحيرة تشاد في شمال نيجيريا يوضح إضافة فاعلين جدد لهذه المعادلة. على سبيل المثال، كشف تقرير CTC للمؤلفين وارنر وهيلاري ماتفيس (2017) أنّ ما يشكل 56% من مجمل انتحاريي بوكو حرام – 434 على الأقل – من بين نيسان 2010 وتموز 2017 كانوا من النساء.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية عزّزت الفوضى وشجعت التطرف في المجتمعات
ثالثاً: توسع نطاق التطرف العنيف ليشمل قادمين جدداً منضمين تحت هذه المظلة، على شاكلة الإرهاب "الشعبوي" و"اليمين المتطرف" و"تفوق ذي العرق الأبيض" القادم من مجتمعات ديمقراطية مستقرة، لا تتوافر فيها الشروط التقليدية للتطرف العنيف. على سبيل المثال، الاستعمال المستمر للخطاب العنصري وكراهية الأجانب وكراهية الإسلام في فرنسا، والذي يلقى صدى متصاعداً وحواضن قوية على امتداد القارة العجوز كهنغاريا، نيوزيلندا، المملكة المتحدة وغيرها من الدول. عليه، يتجلى للمراقبين رؤية أنّ التهديد الإرهابي لـ "الشعبوية" و"اليمين المتطرف" أصبح يحمل سمة انتشارٍ عابر للحدود يتجاوز الإطار المحلي.
الجدير بالملاحظة أيضاً حول هذا الانتقال هو اشتراك هؤلاء القادمين الجدد مع الجماعات المتطرفة العنيفة في استعمال وسائل متعددة لبناء السردية المتطرفة المناط بها صياغة وتوضيح الرؤى التي يتبنونها، ويبدو أنّ الخطاب الثنائي المبني على اللونين الأبيض والأسود هو إحدى هذه الوسائل.

مسارات متوازية
مع احتساب هذه التحولات، تصبح الإجابة عن تعمق دور الأصولية المتطرفة وعالمية انتشارها أوضح، كما أنّها تتطلب فحص مسارين متوازيين.
الأول: مسار المظالم غير المعالجة التي استخدمت من قبل هذه الجماعات لاستهداف المتبنّين المحتملين لأهدافها. يتسع نطاق هذه المظالم ليشمل قضايا الظلم الاجتماعي، التهميش، سياسات الهوية، الحوكمة الضعيفة، والمعيقات الاقتصادية. وجميعها عوامل تشير إلى الحاجة لفحص دور السياسات الوطنية في ردع تهديد التطرف العابر للحدود، والتي ما زالت مسألة تحتاج إلى الكثير من الأبحاث السياساتية المختصة.

توسّعَ نطاق التطرف العنيف ليشمل قادمين جدداً على شاكلة الإرهاب "الشعبوي" و"اليمين المتطرف" و"تفوق ذي العرق الأبيض"

ثانياً: تأثير سياسات الأمن التقليدية على لامركزية التطرف لدى الأفراد. فالشكوك قائمة حول نجاعة هذه السياسات في إطار الاحتواء الفعال للتطرف العنيف العابر للحدود. وقد أسهمت ورقة بيضاء أعدّها معهد غرب آسيا وشمال أفريقيا حديثاً في دراسة هذا الأثر من منظور إقليمي، واتَّضَحَ أنّ هناك حاجة حقيقية لإنتاج المزيد من المعرفة حول هذا المسار؛ ذلك أنّ السياسات الأمنية التقليدية التي تأتي بمعزل عن إطار شمولي أوسع يعالج المظالم السياقية ليست كافية في التصدي لهذا التهديد العابر للحدود.
وعلى الرغم من أنّ قطاعات الأمن المختلفة تبذل جهوداً لتجسير انطباع إيجابي لدى المواطنين، فإنّ المجيبين ينظرون عموماً إلى هذه التدابير في اتجاه سلبي. إنّ ميل المجيبين إلى انتقاد التدابير الأمنية يتطلب طريقة جديدة للتفكير في وسائل تنفيذ السياسات الأمنية وطرحها وتأطيرها.
عند إسقاط هذين المسارين على المشهد العالمي، يتضح في الواقع، كما يرى محادين، أنّ مواطن الخلل القائمة في الاستراتيجيات المتبعة قد أنتجت صراعات أكثر وليس أقل، وأفضت إلى مستويات أعلى من التطرف العنيف. للدلالة، لا عجب في ملاحظة أنّ بؤر الصراعات الـ 25 الرئيسة التي أطّرها مركز تعقب الصراعات العالمي التابع لمجلس العلاقات الخارجية، لم يُظهر صراع واحد منها حالة من التحسن، في حين أنّ 17 حالة من حالات الصراع الرئيسة في العالم بقيت مستمرة على حالها، و8 منها قد اتجهت نحو التدهور.

المضيّ قدماً
لا يقتصر إخفاق السياسات الأمنية الحالية على عدم إدراك الأبعاد المعيارية للأمن الإنساني، ولكنها أيضاً لا تتناول الطابع المتداخل وغير المحدود للتهديدات الأمنية الناشئة، بما في ذلك تلك الناجمة عن التحركات العابرة للحدود. ولذلك، فإنّ إستراتيجيات الاحتواء الفعّالة العابرة للحدود تتطلب استكشافاً أميناً لهذا المتغير بشكل خاص، كما ينبغي – خلال هذه العملية – بيان أثر الافتقار إلى المعرفة على هذه السياسات، وآلية انعكاس ذلك على المستوى المحلي.

اقرأ أيضاً: المغرب: لماذا يلوم الشباب ضحايا التطرف شيوخَهم التائبين؟
للمضيّ قدماً، يجب تطوير المقاربة المتبعة لاحتواء التهديد العابر للحدود المتمثل في التطرف العنيف. يبدأ ذلك بكسر حالة التوازي بين المسارين المذكورين أعلاه. كما أنّه ليس من الحكمة الاستمرار في إجراء محادثات أحادية الجانب بين الأطراف الفاعلة التقليدية على الجانب الأمني، وبين الممارسين على جانب مجال الأمن الإنساني. ومن شأن إبقاء هذه الحالة من التوازي أن يسفر عن تدخلات أحادية الجانب. بيد أنّ التحولات الواقعة على المشهد تحتم إدراك حقيقة أنّ الحلول الفعّالة توجد في الدوائر المتعددة المتقاطعة بين هذين المسارين، وليس على حدة منها.

للمشاركة:

دروس مجانية من روما: كيف تعود حدائق الحيوانات العربية للصدارة؟

2020-01-26

أقدم حديقة حيوان في أفريقيا، والأشهر من نوعها في الشرق الأوسط؛ حيث تشاركت أجيال وراء أجيال من محافظات مصر المختلفة لحظات بهجتها الأولى في الحياة، أمام الأسود والزرافات وفرسان النهر؛ حيث اجتمع عشاق شكلوا فيما بعد أسراً ممتدة، لكنّهم لم يشاركوا حينها سرّ عشقهم إلا أمام حيوانات كتومة، وحيث جلس الطلاب الفقراء يحفظون كلمات دروس اللغة الإنجليزية في المدرسة القريبة، يرددونها على مسامع القردة أمامهم ليثبت الحفظ، سيصيرون فيما بعد أطباء ومهندسين وقادة وزعماء ومناضلين.


إنّها حديقة الحيوانات المصرية في الجيزة، التي تمّ استبعادها من عضوية الاتحاد الدولي العام لحدائق الحيوان (waza) عام 2004، بعد اتهامات بتجاهل توصيات الاتحاد فيما يخصّ معاملة الحيوانات، بسبب تفاقم مشكلات عدّة فيها، وانبعاث الروائح الكريهة، وإهمال النظافة، والأعطال المتكررة في موتورات ضخّ المياه في البحيرات الصناعيّة، وإهمال تغذية الحيوانات على النحو المقبول، وقد وصل الأمر إلى حدّ إقدام بعض الحيوانات في الحديقة في الأعوام الماضية على الانتحار، هذا كلّه إلى جانب الإهمال الطبي، والحالة الرديئة لدورات المياه.

اقرأ أيضاً: كيف تساعد الحيوانات الأليفة المسنين على تخفيف آلامهم؟
بشكل عام؛ حين يبدأ الحديث، على استحياء، عن ضرورة تطوير حدائق الحيوان في البلدان العربية، يتجه التفكير مباشرة إلى أنّ هذه ليست أولوية في مجتمعات فقيرة تعاني من مشكلات لا حصر لها في قطاعات أهم كثيراً من حدائق الحيوان، ثم تتحول دفّة الحديث مباشرة إلى أنّ هذا الأمر يتطلب أموالاً كثيرة، وفكراً استثمارياً، بل وأن يوكل الأمر برمّته إلى رجال المال والأعمال بعيداً عن الدول، حتى تتحول تلك المشروعات إلى مشروعات استثمارية نافعة، تفيد زائر الحديقة والدولة والمستثمر في ذات الوقت.


ثمة مجموعة حلول مجانية قد تستطيع تبديل حال حدائق الحيوان العربية من حال إلى حال، دون الحاجة إلى المستثمر، بل بالأحرى مع ضرورة عدم التوجه إلى هذا الحلّ.

هناك حاجة إلى استبدال الأقفاص الكئيبة التي تؤدي ببعض الحيوانات إلى الانتحار بأخرى زجاجية ومساحات أوسع

الهدف هنا ليست الرغبة في رؤية حدائق الحيوانات العربية تتصدر المؤشرات العالمية الخاصة بتصنيف هذا النوع من الحدائق، وليس تطويرها على النحو الذي يجذب السياحة ويحقق عوائد للمجتمعات والدول العربية، هذه كلّها فوائد مهمة بالطبع تنتج عن تطوير حدائق الحيوان، لكنّ الحديث سيكون عن شيء مختلف عن ذلك، والصدارة التي يبتغيها لحدائق الحيوان العربية، ليست في تصنيف كلّ عام على موقع "trip advisor"؛ فحدائق الحيوان العربية مهما ارتقت لن تلبي طموحات تلك المؤشرات التي تحتاج تلبيتها إلى ملايين الدولارات.

لا السياحة ولا السياح.. الأهمية الحقيقية لحدائق الحيوان
عادة حين يكتب الناشطون في الغرب، سواء هؤلاء المؤيدون لما تسمى حقوق البيئة وحقوق الحيوان، أو أولئك اليمينيون الذين لا يعيرون قضية البيئة والتغير المناخي والأجيال القادمة أيّ انتباه، فهؤلاء لا يقتربون من الاتفاق إلا في أمر واحد؛ وهو أنّ حدائق الحيوان، ويشددون هنا على الحديث عن الحدائق المتحضرة لا تلك المفتقدة لأدنى درجة من المعايير في الدول النامية، تلعب دوراً مهماً كمخزن للحيوانات المهددة بالانقراض في البرية، فتلك الأنواع تزداد قوة وقدرة على البقاء في حدائق الحيوان بالأرقام والإحصاءات، رغم كلّ الدعوات التي يرفعها البيئيون حول حقّ الحيوان في الحرية.

اقرأ أيضاً: حيوانات مختلفة استخدمت في عمليات التجسس.. تعرف إليها
يأتي هذا التشديد على دور حدائق الحيوان في ظلّ الهجوم البشري الشرس من أجل الانتفاع الاقتصادي، أو نتيجة للزحف السكاني باتجاه الغابات ومواطن الحيوان، على أعداد مهولة من الحيوانات؛ إذ أصبح من الصعب أن تسمع عن حيوان في برامج التلفاز أو في إحدى المطبوعات دون أن تتوقع جملة "لكنّ هذا النوع شهد نقصاً كبيراً في أعداده في الأعوام الأخيرة". 


يجادل آخرون من علماء الحيوان والناشطين في العالم الغربي أيضاً بأنّ هناك فائدة أكبر، غير مباشرة، من حدائق الحيوان، تحمي هي الأخرى الحيوانات من الانقراض، هذه الفائدة بحسبهم أنّ الناس لن تهتم بخبر في التلفاز حول احتمالية انقراض الدب القطبي إذا لم يدخلوا في تجربة حقيقية مع هذا الدب، ويشاهدوه وهو يلعب على بعد أمتار قليلة منهم، وهو يقوم بحركاته المدهشة، وأنّه بهذا النحو فقط يمكن تشكيل وعي لدى زائر الحديقة يجعله يهتمّ حين يختار مرشحاً سياسياً إن كان هذا المرشّح سيساهم بسياساته في قتل هذا الدب أم إنّه سيحميه.

اقرأ أيضاً: مشاعر مشتركة بين الإنسان وبعض الحيوانات.. هل تعرفها؟
في الواقع؛ كلّ ما سبق نقاشه مقبول ومتفهم في السياق الغربي، لكن على مستوى دولنا العربية فإنّ حدائق الحيوان، لها دور أكبر لتلعبه في تشكيل الأمة، دور لا علاقة له في الأساس بالحفاظ على البيئة أو حماية أكبر أعداد ممكنة من الشمبانزي كي تحيا، فهذه الأدوار البيئية ربما يكون من الإجحاف بمكان مطالبة فقراء العالم بالقيام بها.


قال الفيلسوف اليوناني كزينوفانيس، قبل ميلاد المسيح بأربعة قرون: إنّك لو أعطيت الخيول قلماً لترسم الإله كما تتخيله لرسمته فرساً عظيماً، والأسود لرسمته أعظم القساور، أما في منطقتنا العربية فنحن حين عرفنا الإله وأردنا أن نتعبده تعبدناه عبر الحيوانات، فالمصريون القدماء تخيلوا الآلهة حيوانات، وحين جاءت الرسالات الإبراهيمية وبزغت في منطقتنا ودعت لعبادة إله واحد فوق القدرة على التخيل، ضربت القصص والعبر دوماً بالحيوانات، ولا تكاد تخلو قصة رجل صالح أو نبي في القرآن، دون إشارة إلى حيوان يلعب دوراً أساسياً في قصته، ويكون وسيطاً لفهم الرموز الإلهية من خلاله؛ فمن حوت يونس إلى ناقة صالح، وصولاً إلى ذئب يوسف وكلب أهل الكهف، كانت الحيوانات دوماً وسيطاً بين الإنسان وطلب الحكمة في الدنيا.


فهم المتصوفة ذلك بشدة، فكان بعضهم يقول "لا نقبل مريداً لم يصاحب حيواناً"! وبشكل عام كُتبت بالإنجليزية، قبل العربية، كتابات كثيرة، أشارت إلى أنّ الحضارة الإسلامية في عمومها كانت تولي معاملة أرقى للحيوانات من تلك التي كانت تلقاها في الحضارة المسيحية بالقرون الوسطى؛ إذ إنّ الوصايا في الإسلام على مراعاة الحيوان قد وصلت إلى حدّ قول الرسول ﷺ ذات مرة؛ إنّ امرأة بغياً من بني إسرائيل قد غفر الله لها كلّ ذنوبها لأنّها سقت ذات يوم كلباً.

اقرأ أيضاً: 7 حيوانات حظيت بمكانة خاصّة في الأديان والثقافات.. تعرّف عليها
بالنسبة إلى كاتب هذه السطور؛ فإنّه لم يكن ليكتب هذه السطور، أو أيّة سطور، لولا زيارة أسبوعية على مدار أعوام الطفولة، ولّدت العديد من الأسئلة حول الطبيعة والوجود والحق والخير والعدل، استعصت على الإجابة لكنّها كانت تلين حين تتحول إلى كتابة على ورق.


حديقة الحيوانات هي، باختصار، مكان مثالي، إذا ما تم تنظيمه على النحو التثقيفي الأمثل، لتوليد الأسئلة الكبرى في عقول النشء بطريقة سلسة، ولتفجير طاقات الخيال والرحمة ومقاربة القضايا الكبرى في العالم في آن واحد، على سبيل المثال؛ تعرض الآن شبكة "نتفليكس" على شاشتها سلسلة أخطر 72 حيواناً في قارة آسيا، وفي الواقع، إضافة إلى المتعة والاحترافية والمعلومات المهمة التثقيفية التي تطرحها السلسلة والتي تناسب الصغار والكبار، فإنّها لو عُرضت على أطفالنا في الصفوف الابتدائية ستكون درساً أكثر إثارة عن التنوع وتقبل الاختلاف والتعددية، من محاضرات مطولة تقليدية ينام في أثنائها الطلاب عن الموضوعات نفسها، حينها لن يتسابق الطلبة على الهروب من الدروس، إنما سيتسابقون على الحضور من أجل المتعة أولاً، ومن بعد المتعة يأتي كلّ شيء.
إذاً، ما هي دروس روما المجانية؟  
اتفقنا إذاً في أنّ حديقة الحيوان، خاصة في بلداننا الفقيرة، قبل كلّ شيء، هي وسيلة تعليمية وتثقيفية يسيرة، بإمكانها أن تفجر داخل العقول الصغيرة أسئلة اندهاش قد تقود فيما بعد لأسئلة أكبر فأكبر، ثم إجابات لعلّها تغير مستقبل أمتنا وتمنحها غداً أفضل من أمسها، لكن هل يحتاج تحقيق ذلك إلى أموال كثيرة واستثمارات ضخمة؟ الإجابة مدعومة بالصور، وهي "لا" لحسن الحظ، كلّ المطلوب هو رغبة حقيقية في التطوير بأقل الإمكانات وتحقيق الهدف المرجو.

اقرأ أيضاً: تعرّف على أشهر 8 حيوانات أصبحت رموزاً لدول

بإمكاننا هنا أن نتخذ من حديقة حيوانات روما، وهي بالمناسبة ليست مصنفة وفق المؤشرات العالمية ضمن العشرة الكبار في عالم حدائق الحيوانات، لكنّها تعدّ نموذجاً فريداً في ربط التسلية عند الطفل بالمتعة، أنموذجاً جيداً ندرسه ونطوره.


كما هو موضح بالصور؛ فإنّ كلّ بيت لحيوان ما حوله مجموعة كبيرة وبديعة من الصور التثقيفية الشيقة، وكما هو موضح، فكلّ لوحة من اللوحات قد صممت بإتقان فنّي ليكون عامل الجذب فيها على أعلى درجة ممكنة لتتمكن من جذب الأطفال، كلّ لوحة تتضمّن معلومات جذابة ومهمة عن حياة الحيوان، والأماكن التي يعيش فيها بخرائط تفاعلية، ودرجة تعرضه لخطر الانقراض، ومعلومات عن سلوكه وأطعمته المفضلة.

كُتبت بالإنجليزية، قبل العربية، كتابات كثيرة، أشارت إلى أنّ الحضارة الإسلامية في عمومها كانت تولي معاملة أرقى للحيوانات

هذه اللوحات الجذابة التي تتضمن في بعضها أيضاً قصصاً قصيرة يكون بطلها هو الحيوان محلّ الزيارة نفسه، لا تضمن فقط تعريف الطفل على معلومات جديدة تنشط خياله، وإنّما هي وسيلة فعّالة لربط الطفل بالقراءة، ولك أن تتخيل تأثير قراءة هذا الكمّ من اللوحات والقصص الميسرة على قدرات الطفل اللغوية، في زمن يشكو فيه كلّ الآباء من أنّ أطفالهم لا يقرؤون. هذه اللوحات غير مكلفة بالطبع، ويمكن ببساطة أن يصنعها، على هذا النحو التفاعلي والجذاب، طلاب الكليات العربية من أقسام الآداب والفنون الجميلة وعلوم الحيوان ومعهد السينما، على نحو يكون هذا الأمر فيه هو مشروع تخرجهم تحت رعاية الدولة، وبذلك سيكون النفع العائد على الدولة والطلاب والأطفال أكبر بكثير مما يمكن تخيله، ولن يحتاج إلى مستثمر غني يشتري حدائق الحيوان العربية ليطورها، أو شيء من هذا القبيل، هو فقط يحتاج إلى تخطيط يمكّنك، كفرد، من تحقيق أكبر استفادة ممكنة من القدرات الكامنة في شباب وطنك، وغني عن القول إنّ هذه اللوحات ستكون أفضل بكثير من تلك الأوراق الخضراء القاتمة التي عهدناها بجوار أقفاص الحيوانات في حدائقنا، والتي لا تتضمّن إلا معلومات قصيرة مملة عن الحيوان.


على جانب آخر؛ هناك ألعاب تفاعلية أيضاً لا تحتاج إلى إنفاق سوى اليسير جداً من المال، أمام بيت كلّ حيوان، فإذا ذهبت أمام الذئب وجدت مجسماً على هيئة رأس ذئب، وإذا فتح فمه يجد معلومة عن الأطعمة المفضلة لهذا الذئب، على سبيل المثال، وإذا وقف أمام بيت النمر يجد مجسمات على شكل أعضاء جسم النمر، كتِبت على كلّ عضو عبارات عن الاستفادة الطبية التي تتحقق منه، إلى جانب الأساطير التي يعتقدها الناس فيه والحقائق العلمية، كذلك تستغل الحديقة بيت القرد لتحكي للأطفال بشكل مبسط عن نظرية التطور، وتوفر معلقاً صوتياً أمام هذا البيت المهم، ليحكي قصصاً شيقة عن هذا الكائن الذي يتشارك معنا في العديد من الصفات.
أما على صعيد الاتهامات التي توجه دوماً لحدائق الحيوان العربية بسوء معاملة الحيوان، فالحلّ هنا أيضاً لا يحتاج إلى الكثير من المال، فقط يحتاج إلى استبدال الأقفاص الكئيبة التي تؤدي ببعض الحيوانات إلى الانتحار، بأخرى زجاجية، ومساحات أوسع جغرافياً للحيوان ليمارس حياته الطبيعية بحرية، مع إضافة ألعاب زهيدة السعر لكلّ حيوان في بيته الزجاجي الواسع، بما يتلاءم مع طبيعة تكوينه المتفردة.

للمشاركة:

هكذا عزّزت شركة "سادات" التركية القدرات العسكرية لحماس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

تغريد علي

في محاولة لإيجاد موطئ قدم له على الساحة العربية؛ يسعى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى استغلال القضية الفلسطينية سياسياً، على أمل تحقيق الوهم باستعادة الخلافة الإسلامية والإمبراطورية العثمانية الزائلة؛ حيث تتلاعب حماس وتركيا بالقضية الفلسطينية باعتبارها من القضايا التي تشغل العالم الإسلامي والدولي، لتحقيق مكاسب ذاتية على حساب الشعب الفلسطيني.

اقرأ أيضاً: ماذا تعني حماس بإعادة جدولة "مسيرات العودة"؟
وترتبط حركة حماس بعلاقات وثيقة مع تركيا، في ظلّ الزيارات المتبادلة، التي كانت آخرها زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، في 8 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، والتي تعدّ الأولى من نوعها منذ انتخابه رئيساً للحركة في عام 2017، إضافة إلى تقديمها ملاذاً آمناً لبعض قياداتها السياسيين والعسكريين، رغم اعتبار حركة حماس من قبل بعض دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا بأنّها منظمة إرهابية.

يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى استغلال القضية الفلسطينية سياسياً
وتعدّ تركيا أحد أبرز الداعمين لحركة حماس، منذ تولّي حزب العدالة والتنمية السلطة في تركيا، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2002؛ حيث انتقدت أنقرة القرار الأمريكي بإدراج رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، على لائحتها السوداء لـ "الإرهابيين"، وبات الدعم التركي مهماً للغاية لحركة حماس، بعد أن تحطمت آمال أنقرة بالاعتماد على جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي أطيح بها بعد ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013.

المحلل السياسي تيسير الريماوي: عدم جدية السلطة الفلسطينية في معالجة الانقسام يعطي الذريعة لحماس للاستمرار في ذلك

واتّهمت إسرائيل، في 12 شباط (فبراير) 2018، "مقربين" من الحكومة التركية بمساعدة حركة حماس، بعد اعتقال وطرد مواطن تركي من إسرائيل، في أعقاب تحقيق أجراه جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "الشين بيت" عن الأنشطة العسكرية والاقتصادية واسعة النطاق التي تقوم بها حماس في تركيا دون أيّة معوقات، متهماً السلطات التركية بغض الطرف عنها بمساعدة مواطنين أتراك بعضهم مقربون من الحكومة التركية لحركة حماس.

وأفادت تحقيقات "الشين بيت"؛ بأنّ تركيا تساهم في تعزيز قدرات حماس العسكرية من خلال الكشف عن نشاط واسع النطاق تقوم به حركة حماس لغسيل الأموال في تركيا، يقدَّر بملايين الدولارات، وتمّ نقل هذه الأموال إلى الضفة الغربية المحتلة، وساعدت في تجنيد مواطنين عرب، إضافة لمساهمة تركيا في القدرات العسكرية لحماس عبر شركة "سادات" التي أنشأت "بتوصية من عدنان باشا، وهو مستشار قريب من مسؤولي الإدارة التركية".

اقرأ أيضاً: هل أساء ولاء حماس لإيران وتركيا للقضية الفلسطينية؟

وبحسب ما هو منشور على موقعها على الإنترنت؛ فإنّ "سادات" هي شركة لاستشارات في الدفاع الدولي، وأنّها "الشركة الأولى والوحيدة في تركيا التي تقدّم خدمات الاستشارات والتدريب العسكري على المستوى الدولي في قطاع الدفاع والأمن الداخلي، وتأسست تحت رئاسة العميد المتقاعد، والمقرَّب من أردوغان، عدنان فردي، وبدأت أنشطتها، في شباط (فبراير) 2012.

وتقول الشركة؛ إنّ هدفها "تأسيس تعاون بين الدول الإسلامية في مجال الصناعات العسكرية والدفاعية"، فيما يتضح من أنشطتها، داخل تركيا وخارجها، إنّها إحدى أذرع أردوغان لتحقيق حلم الخلافة الإسلامية، الذي يأمل تنفيذه من خلال الهيمنة على الدول العربية والتلاعب كذلك بالقضية الفلسطينية.

اقرأ أيضاً: إيران وحماس.. حبل لن ينقطع

المؤشرات تظهر أنّ "سادات" تتبنى أيديولوجيا "سلفية جهادية"، ولعبت دوراً في قمع المعارضين الأتراك، في تموز (يوليو) 2016، فضلاً عن أنّ هناك تقارير تشير إلى أنّها تتورط في توفير السلاح للميليشيات الإرهابية المتحالفة مع نظام أردوغان، في سوريا وليبيا، إضافة إلى دورها في إنشاء ميليشيات جديدة مؤيدة للرئيس التركي، بحسب تقرير لموقع تحليل قضايا الإرهاب "تيروريزم أناليستس".

دعم تركيا لحركة حماس

وفي تعليقه على ذلك، يقول المحلل السياسي في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، غيث العمري، لـ "حفريات": إنّ "الدعم التركي لحركة حماس ينبع من عاملَين رئيسَين: أولاً الدعم التركي لمشروع الإخوان المسلمين إقليمياً؛ حيث تعدّ حماس التجربة الإخوانية الوحيدة المتبقية في السلطة في العالم العربي بعد انحسار الربيع العربي، وثانياً: تشكل حماس المدخل لتركيا للانخراط في الموضوع الفلسطيني بكل ما يحمله من أهمية رمزية وسياسية، مبيناً أنّ هذا الدعم يتجلّى أحياناً في محاولة تقديم حماس كبديل عن منظمة التحرير في تمثيل الشعب الفلسطيني، كما تمّ في مؤتمر كوالالمبور، على سبيل المثال، الأمر الذي من شأنه، بلا شكّ، تعميق الانقسام".

اقرأ أيضاً: محللون لـ "حفريات": تركيا تدعم حماس لتقوية التواجد الإخواني في غزة

ولفت إلى أنّ "العلاقة بين حماس وتركيا ترتكز على اشتراكهما في تبني رؤية الإخوان المسلمين، غير أنّ هذه العلاقة تعمقت إثر أزمة سفينة "مافي مرمرة"، وخروج حماس من سوريا مع بدايات الأزمة السورية، أثناء الربيع العربي؛ حيث استضافت تركيا بعض قيادات حماس، ومنحت الحركة دعماً سياسياً، وفي بعض الأحيان لوجستياً، ورغم إبعاد تركيا لبعض قيادات الحركة لاحقاً، فإنّ العلاقة لم تتأثر سلباً؛ حيث يستفيد الطرفان من استمرار العلاقة، مشيراً إلى أنّ تركيا تستفيد من استخدام الورقة الفلسطينية، وحماس تستفيد من الدعم السياسي التركي، وسماح تركيا لبعض عناصر حماس بالعمل داخل أراضيها".

تغليب المصالح التركية

وتابع العمري: "زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الأخيرة إلى تركيا تندرج تحت مسمَّى الزيارات الروتينية، لا البحث عن ملاذ آمن لقيادتها في الخارج، لعلم حركة حماس بأنّ تركيا على استعداد لطرد جميع عناصرها وقياداتها عندما تستدعي المصلحة التركية ذلك، كما حصل عند طرد القيادي بالحركة، صالح العاروري، من قبل السلطات التركية خلال العام 2015، إثر الاتفاق التركي الإسرائيلي في ذلك العام".

الباحث غيث العمري: حماس تدرك بأنّ تركيا على استعداد لطرد جميع عناصرها وقيادتها عندما تستدعي المصلحة التركية ذلك

وبيّن أنّ "رهانات حماس الإقليمية كانت سبباً في قطيعتها مع المملكة العربية السعودية، باعتبار أنّ حماس جزء من المحورَين الذين تعدّهما السعودية تهديداً لأمنها ومصالحها، أولهما: المحور الإخواني بقيادة تركيا وقطر، وثانيهما: هو المحور الإيراني، كما ظهر في مشاركة وفد رفيع من حماس في جنازة قاسم سليماني، وقد أوضحت السعودية موقفها من حماس قبل عدة أعوام؛ حيث طلبت منها الخروج من هذَين المحورين، إذا ما رغبت في بناء علاقات معها، الأمر الذي ترفضه حماس، مما يبقيها في حال قطيعة ليس فقط مع السعودية بل مع دول عربية أخرى، في الخليج العربي وخارجه".
وعن إمكانية أن تخاطر تركيا بعلاقاتها الاقتصادية القوية مع إسرائيل، بدعمها لحركة حماس، يقول العمري: "تركيا لم تخاطر بعلاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل، حتى في أوج الأزمة السياسية بين البلدين، إثر حادثة سفينة "مافي مرمرة"، وعندما اشترطت إسرائيل إبعاد قيادات من حماس، وبشكل خاص صالح العاروري، كشرط لتطبيع العلاقات الدبلوماسية امتثلت تركيا للشرط الإسرائيلي".

 

القضية الفلسطينية لتسويق السياسات التركية
بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي، تيسير الريماوي أنّ "حركة حماس هي مدخل تركيا لاستخدام الورقة الفلسطينية، كإحدى أدوات تسويق سياساتها الإقليمية، إضافة إلى أدوات كثيرة أخرى منها السياسية، كاستغلالها الأزمات الليبية والسورية والخليجية، ومنها الأدوات الناعمة؛ كمحاولتها إعادة كتابة التاريخ، خاصة المتعلق بالفترة العثمانية، وأثرها في العالم العربي".

اقرأ أيضاً: حماس والأعرابي: ما الذي كشفه مقتل قاسم سليماني؟

ويضيف الريماوي، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ "زيارات قادة حركة حماس لتركيا يضرّ بالتمثيل الفلسطيني، فهي تطرح نفسها كبديل عن منظمة التحرير"، مبيناً أنّ "حماس استغلت ضعف المنظمة والضرر الذي ألحقته السياسة الأمريكية الحالية بالتمثيل الفلسطيني، من أجل تقديم نفسها كبديل عنها، غير أنّه، وعلى المدى البعيد، تبقى المواقف والأهداف الأمريكية متعارضة تماماً مع مواقف وأهداف حماس".
ولفت إلى أنّ "حركة حماس تسعى إلى فصل قطاع غزة عن القضية الفلسطينية، وتقديم نفسها بديلاً عن الشرعية"، مؤكداً أنّ "ممارسات حماس على الأرض منعت السلطة الفلسطينية من ممارسة مهامها، وممارسات الحركة سياسياً، كما ظهر مؤخراً في تصريحات رئيسها، إسماعيل هنية، خلال تقديم واجب العزاء في السلطان قابوس، كلّ هذه الممارسات تشير إلى أنّ حماس تحاول تقديم نفسها كبديل عن الشرعية، بالتالي؛ فإنّ عدم جدية السلطة الفلسطينية في معالجة الانقسام يعطي الذريعة لحماس للاستمرار في ذلك".

للمشاركة:



ما حقيقة المظاهرات المؤيدة للنظام الايراني في الخارج؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

تهجّم موالون للنظام الإيراني على متظاهرين إيرانيين نفذوا وقفة احتجاجية في العاصمة الفرنسية، باريس، للتنديد بالقمع الذي تمارسه الجمهورية الإسلامية.

وتداول ناشطون إيرانيون مقاطع عبر مواقع التواصل الاجتماعي تظهر قيام موالين لجماعة "حزب الله" بضرب متظاهرين إيرانيين تجمعوا، أمس، في باريس، وفق ما أوردت "العربية."

موالون لحزب الله يعتدون على متظاهرين إيرانيين خرجوا تنديداً بالقمع الذي يمارسه النظام الإيراني على المواطنين

وذكر ناشطون أنّ النظام الإيراني دعا مؤيديه في عواصم الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي إلى تنظيم مظاهرات لدعمه عن طريق بعض جماعات اليسار تحت ذريعة "مناهضة الحرب".

وأكدوا أنّ أحد مؤيدي ميليشيات "حزب الله" اللبنانية، الذي يدعى عبد القادر دهماني، قام بتنظيم تجمّع مؤيد للنظام الإيراني في باريس، وقام بنفسه بالتهجم والاعتداء بالضرب على متظاهرين إيرانيين بينهم نساء، تجمعوا للتنديد بسياسات نظام طهران.

وكتب الناشط والصحفي الإيراني، بابك تقوائي؛ أنّ عبد القادر دهماني "ينشر عبر حسابه على فيسبوك أنشطته الداعمة للنظام الإيراني، كما يزور دوماً سفارة النظام الإيراني في باريس، وله صور إلى جانب مقرّ سكن الخميني السابق في ضاحية نوفل لو شاتو".

كذلك كتب ناشط إيراني آخر، في تعليق على أحد المقاطع: "أعضاء من الحزب الشيوعي الفرنسي إلى جانب مؤيدين لحزب الله وحماس في باريس، يهاجمون الإيرانيين المعارضين لجمهورية خامنئي في إيران".

بدورها، كتبت ناشطة إيرانية في تغريدة: "مجموعة من اليساريين، بالتعاون مع جماعات ضغط تابعة للملالي (وهي النسخة الفرنسية للوبي الإيراني في أمريكا) أطلقت مظاهرات مناهضة للحرب ودفاعاً عن الملالي".

ناشطون: النظام الإيراني دعا مؤيديه في غربية إلى تنظيم مظاهرات لدعمه تحت غطاء جماعات اليسار

وأضافت: "ذهبنا إلى هناك لنقول "لا للحرب ولا للملالي" لكن مجموعة "لا للحرب مع إيران" قاموا بضربنا".

وكانت إيران قد شهدت مظاهرات قبل أسبوعين تخللتها هتافات منددة بالمرشد الإيراني، علي خامنئي، والسلطات، وطالب المحتجون المرشد بالرحيل، وهتفوا: "النظام يرتكب الجرائم وخامنئي يبرر"، و"الموت للولي الفقيه"، و"قاتل وحكمه باطل"، وفق مواقع إيرانية.

كما قام المحتجون بتمزيق صور لقاسم سليماني، رئيس فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، الذي قتل في غارة أمريكية بالعاصمة العراقية، بغداد، يوم 3 كانون الثاني (يناير) الجاري.

 

 

للمشاركة:

حكومة الوفاق تواصل خرق اتفاق برلين..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

تواصل حكومة الوفاق الليبية خرق بنود اتفاق برلين الذي عقد برعاية دولية، بما يتعلق بتوافد المرتزقة السوريين إلى طرابلس، من قبل الحكومة التركية.

وفي السياق. قال المتحدث باسم "قوات سوريا الديمقراطية"، مصطفى بالي؛ إنّ "تركيا نقلت نحو 6 آلاف عنصر من مرتزقة أردوغان إلى الأراضي الليبية للقتال بجانب قوات الوفاق."

مصطفى بالي: تركيا نقلت نحو 6 آلاف عنصر من مرتزقة أردوغان إلى الأراضي الليبية

وأوضح بالي، في تصريح صحفي نقلته وكالة "بوابة افريقيا" الليبية، أنّ غالبية المسلحين المنتقلين إلى ليبيا ينتمون إلى فصائل مسلحة سورية موالية لأنقرة، بالإضافة لعناصر من تنظيم الإخوان، مؤكداً أنّ نعوش عدد من "المرتزقة" الذين أرسلتهم تركيا إلى ليبيا بدأت في التدفق على سوريا؛ حيث وصل العشرات منها خلال الأيام الماضية إلى مدينتي إعزاز وجرابلس (شمال سوريا)".

وكان مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، قد أعلن أنّ عدد القتلى في صفوف مرتزقة أردوغان "بلغ 28 مقاتلاً من فصائل "لواء المعتصم"، و"فرقة السلطان مراد"، و"لواء صقور الشمال"، و"الحمزات"، و"سليمان شاه""، مضيفاً: "القتلى لقوا حتفهم خلال الاشتباكات على محاور حي صلاح الدين جنوب طرابلس، ومحور الرملة قرب مطار طرابلس، بالإضافة لمحور مشروع الهضبة، فيما يتم إسعاف الجرحى والقتلى إلى 3 نقاط طبية، هي: مصحة المشتل، ومصحة قدور، ومصحة غوط الشعال"

رامي عبد الرحمن يعلن أنّ عدد القتلى في صفوف مرتزقة أردوغان في ليبيا بلغ 28 مقاتلاً

هذا وقد أفاد المركز الإعلامي لغرفة عمليات الكرامة، أمس، بوصول 4 مرتزقة سوريين إلى مستشفى "غوط الشعال التخصصي".

وقال المركز، في منشور عبر صفحته الرسمية في فيسبوك: إنّ "السوريين أصيبوا إصابات خطرة بعد هجوم على تمركزات للجيش الليبي، ونُقلوا إلى المستشفى، وسط حراسة وتكتم شديدين".

 

للمشاركة:

تحرّك حزبي ونقابي.. هل يعيد الزخم إلى تظاهرات الجزائر؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

أعلنت أحزاب سياسية وتنظيمات مدنية ونقابية في الجزائر، أمس، التزامها بتوحيد صفوف حركة الاحتجاج الشعبي في البلاد، والتحدث بصوت واحد في مواجهة نظام تتهمه بـ "الاستبداد ".

وناقش تحالف المعارضة، المنضوي تحت مظلة "ميثاق البديل الديمقراطي والسيادة الشعبية"، في جلساته التي حضرها نحو 200 مشارك، وفق وكالة "فرنس برس"، الوضع السياسي في البلاد، بعد الانتخابات الرئاسية، في 12 كانون الأول(ديسمبر) الماضي، التي رفضها الحراك بشكل واسع، لكنها أفضت إلى فوز عبد المجيد تبون وتشكيل حكومة جديدة.

وتشكّل "ميثاق البديل الديمقراطي" بعد رحيل الرئيس، عبد العزيز بوتفليقة، في نيسان(أبريل) الماضي، الذي أُجبر على الاستقالة تحت ضغط الحركة الاحتجاجية الشعبية. ويهدف إلى إيجاد إطار قانوني لتغيير "النظام" الحاكم منذ استقلال البلاد في عام 1962، لا سيما من خلال إنشاء المؤسسات الانتقالية.

أحزاب سياسية وتنظيمات مدنية ونقابية تعلن التزامها بتوحيد صفوف الاحتجاج في مواجهة النظام

ويضم أحزاب "جبهة القوى الاشتراكية"، و"التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية"، و"العمال"، إلى جانب الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، ومنظمة "تجمع عمل شباب"، التي يقبع رئيسها حالياً في السجن.

وقال رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية محسن بلعباي؛ إنّ الحراك الذي بدأ في 22 شباط (فبراير)، وضع أُسُساً صلبة لبناء دولة القانون ومجتمع تقدمي كي يطوي صفحة الدكتاتورية العسكرية بصفة نهائية". 

ورداً على موجة الاحتجاج، عرض الرئيس تبون (74 عاماً)، الذي كان من المقرّبين من بوتفليقة، الحوار على الحراك مباشرة بعد استلام مهامه، وتعهّد بتعديل الدستور وأُنشئت لجنة خبراء لهذا الغرض.

وبدأ الرئيس الجزائري، الذي يحاول إرضاء معارضيه، مشاورات مع شخصيات سياسية يعتبر بعضها قريباً من الحراك،  من أجل وضع "دستور توافقي" وعرضه لاستفتاء شعبي.

وقال تبون: "سيتم أخذ كلّ الآراء في الاعتبار فيما يتعلق بالمنهجية الواجب اتباعها، وأيضًاً المشكلات التي تعاني منها البلاد".

ومقابل هذا الاقتراح؛ دعا نائب رئيس رابطة حقوق الإنسان، سعيد صالحي، إلى "استرجاع زمام المبادرة السياسية بحيث نكسر أجندة السلطة التي تعمل في غير صالحنا".

وتابع: "بعد شهر سنحيي الذكرى الأولى للثورة، واليوم الشارع يمثل ميزان قوة (في مواجهة السلطة) لكن هذا غير كاف، علينا المبادرة".

وفي إجراء تهدئة تجاه الحراك، تمّ الإفراج عن 94 سجيناً خلال الأسابيع الماضية، بحسب اللجنة الوطنية للافراج عن المعتقلين، التي ذكرت أيضاً؛ أنّ 124 معارضاً ما يزالون في السجن.

ومع اقتراب الذكرى الأولى للحراك، في 22 شباط (فبراير)، ما تزال التعبئة كبيرة، في يومَي الجمعة والثلاثاء من كل أسبوع، في العاصمة ومدن أخرى، رغم تراجع زخمها مقارنةً بالمسيرات الحاشدة التي خرجت في ربيع 2019، أو حتى بالمقارنة مع الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية.

وحتى داخل الحراك، يتساءل كثيرون عن الاتجاه الذي يجب أن تتخذه هذه الحركة الاحتجاجية السلمية والتعددية، في ظلّ غياب أيّ تنظيم رسمي لها.

 

 

للمشاركة:



اهتزاز صورة المرشد في إيران بعد مقتل سليماني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

مثل مقتل قاسم سليماني القائد السابق لفيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني اختبارا جديا للمفاهيم التي حملتها ثورة الخميني في 1979، وهي مفاهيم تقوم على عنصر رئيسي هو الحكم الذي يستمد مقاربته من مرجع أعلى يأخذ تعليماته من جهة خفية، ولذلك تراه يستند إلى النص الديني لإكساب هذا الدور قدسية لا ترقى إلى أيّ نقد أو تشكيك، لكن الهجوم الأميركي هز تلك الصورة وأظهر أن مصادر القوة لـ”الولي الفقيه” لا تستطيع حمايته، فضلا عن بناء دولة قادرة على مواجهة “الشيطان الأكبر” وهزمه.

بعد الضربة القاصمة التي هزت ثقة الناس في حكم رجال الدين، بادر المرشد الأعلى علي خامنئي إلى الاحتماء بالنص الديني لتبرير السكوت على الهجوم والعجز عن حماية ذراعه اليمنى قاسم سليماني، وقدم تفسيرا يحوّل الهزيمة إلى نصر مؤجل مستشهدا بآية من سورة إبراهيم “ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكّرهم بأيام الله”.

تلا المرشد الأعلى الإيراني هذه الآية على مسامع الآلاف من المصلين، الذين احتشدوا لأداء فريضة يوم الجمعة، للإيحاء بأن الضربة هي يوم من أيام الله، في تفسير قدري تبريري للفشل بالتصدي للهجوم، مذكرا الناس بما وصفها “نعما جلبها حدثان مختلفان في خمسة أيام”.

وأشار إلى النعمة الأولى بأنها “أكبر موكب جنازة في العالم”، حيث اجتمع الإيرانيون لتشييع قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، الذي قُتل في غارة شنتها الولايات المتحدة على موكبه في بغداد في الـ3 من يناير.

وتمثّلت الثانية في إطلاق طهران لصواريخ من أراضيها نحو قاعدتين عسكريتين أميركيتين في أربيل وعين الأسد غرب بغداد في الـ8 من يناير. وقال المرشد حينها إن الهجوم يعدّ “لطمة على وجه” الولايات المتحدة.

وبعثت اللغة التي وظفها القائد البارز برسالة واضحة للسياسيين الإيرانيين وإلى بقية العالم مفادها أن هامش المناورة محدود، وأن كل الاستعدادات الإيرانية لمواجهة الولايات المتحدة لا تتجاوز الشعارات والوعود.

ويعتقد المحللون أن هامش المناورة أمام المرشد بات محدودا في إقناع الإيرانيين بالأيديولوجيا المرتبطة بجهات خارجية خارقة يستمد منها العون والقوة والتحدي. لقد بات الأمر بمثابة نكتة سمجة، إذ اكتشف الأتباع أن سليماني مات، وهو يقاتل لوحده، ولم تنجده أيّ قوة خارقة بما في ذلك قوة المرشد، وهو ما سيدفع السلطات إلى المزيد من التطرف سواء في إسكات النقد بالداخل، أو في إطلاق أيدي الحرس الثوري والميليشيات الحليفة في الخارج.

معركة خلافة

شكّل مقتل سليماني ضربة كبيرة لإيران في الداخل والخارج، ووجهت العملية بأكملها “لطمة” لخطط المرشد الأعلى الذي كان يعوّل كثيرا على مساعده الأقرب في تدعيم أركان النظام الديني بعد موت خامنئي ذاته.

ونقلت صحيفة فاينانشال تايمز عن محلل سياسي إيراني موال للتيار الإصلاحي قوله “نشهد ألعابا محلية وأجنبية معقدة جدا وترتكز جميعها على مسألة من يخلف خامنئي”، مضيفا أن “إعطاء المزيد من التمكين لعناصر الحرس الثوري، سياسة متعمدة لجعلهم القوة المهيمنة حتى يتمكنوا من لعب الدور الرئيسي في انتقال السلطة”.

وتزامن دعم خامنئي للحرس الثوري بعد مقتل سليماني، ورغم مسؤولية هذا الجهاز الأكثر قوة في إيران عن إسقاط الطائرة الأوكرانية بعد ساعات من الهجوم على القوات الأميركية، وذلك في ظل معركة غير معلنة على الخلافة على منصبه حيث ستحدد هوية الشخص الذي سيخلفه في التحكم بمصير إيران لعقود.

ويقول مهدي خلجي، الزميل في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إن موت سليماني يجعل الوضع أكثر تعقيدا في مجلس الخبراء المكلف بموجب الدستور باختيار خليفة للمرشد في حال موته، إذ لطالما استبدل خامنئي الولاء لأيديولوجيا النظام بعبادة لشخصه على مرّ السنين. وإذا كان سيغادر الساحة السياسية قريباً، فلن يكون للنخبة المقسّمة إلى عدة فصائل – بما فيها “الحرس الثوري”- سلطة محورية ترسي عليها أساساً جديداً للوحدة الداخلية والشرعية المحلية، مما سيطرح خطراً وجودياً على النظام ككل.

ويوضح في السياق ذاته أن “آيات الله الثمانية والثمانون الذين يشكلون مجلس الخبراء يعتمدون على جهات فاعلة من الخارج، ولاسيما الحرس الثوري. فعادةً ما يفوز الأعضاء في انتخابات المجلس بدعم مباشر وتمويل من عناصر الحرس الثوري، كما أن علاقاتهم بالأجهزة العسكرية والأمنية أقوى بكثير من جذورهم في المؤسسة الدينية. وبالتالي، لا بدّ من اتخاذ القرار الفعلي بشأن خلف خامنئي المحتمل خارج المجلس”.

ويعتمد النظام الديني الإيراني على “ولاية الفقيه” التي تخول للشخص تولي السلطة الشاملة لـ”الإسلام الشيعي”، وفقا للتفسير الذي يفرضه السياسيون المتشددون. ويختار رجال الدين في مجلس الخبراء الزعيم الديني ويجب أن يعامل كما لو كان الله من عيّنه في منصبه لحكم العالم الإسلامي، لكنّ السياسيين الإصلاحيين يرفضون هذا التفسير الديني ويطالبون بعملية أكثر ديمقراطية من خلال الانتخابات.

وكانت هذه التفسيرات المختلفة جوهرا للصراع السياسي الإيراني منذ سنة 1989 عندما تولى خامنئي منصب المرشد خلفا لروح الله الخميني الذي أصبح زعيم الثورة الإسلامية في 1979. ومنذ ذلك الحين يعتمد خامنئي، الذي لم يتمتع بكاريزما سلفه ورتبته الدينية العالمية، على الدستور مما مكنه من “سلطة مطلقة” على جميع شؤون الدولة.

وعمل خامنئي على توسيع نفوذ الحرس الثوري وحوّله إلى ذراعه اليمنى في ممارسة السلطة لقمع أيّ احتجاجات تطال النظام الديني في إيران.

ويتوقع محللون أن يسرّع خامنئي من جهوده لتقوية الحرس الثوري أكثر على خلفية الأحداث الأخيرة التي شهدتها إيران سواء في الداخل على مستوى الاحتجاجات أو في الخارج على مستوى قيادة ميليشياتها المختلفة.

ويقول أحد المطلعين على سياسات النظام الإيراني “عندما يموت خامنئي سيتولى الحرس الثوري السيطرة على البلاد بالكامل حتى يتمكن مجلس خبراء القيادة من اختيار قائد جديد”، مشيرا إلى أن الحرس الثوري سيكون القوة العليا القادرة على التأثير على عملية اختيار خليفة خامنئي وكبح أيّ أزمات محتملة والحفاظ على الأمن.

قوة الحرس الثوري
يشكل الحرس الثوري الإيراني، الذي يبلغ عدده 120 ألف عسكري، المؤسسة الإيرانية الأكثر تنظيما مما يمنحها النفوذ الأكبر في عملية اختيار الخليفة. كما يسيطر هذه الجهاز على قوة من المتطوعين الذين تصل أعدادهم إلى الملايين مما يزيد من قدرته على التأثير.

وينتشر السياسيون المقربون من الحرس الثوري في مؤسسات مختلفة في إيران مثل مكتب المرشد الأعلى والرئاسة والبرلمان والقضاء. وتتمتع هذه القوة بمصالح في الاتصالات والتجارة والبتروكيماويات وغيرها من القطاعات الأخرى، وهو نفوذ حاول الرئيس حسن روحاني كبحه في السابق عبر الاستغناء عن العقود في الشركات المملوكة للدولة.

كما يدير الحرس الثوري جهاز المخابرات المسؤول عن سجن المئات من الناشطين المؤيدين للديمقراطية، والمواطنين الحاملين لجنسية مزدوجة والمتهمين بالتجسس. وفي حين يحمل الحرس الثوري قدرة كافية على التأثير على خامنئي حيث يقول المحللون إنه يظل مواليا له ويحترم كلمته الأخيرة في جميع الشؤون. ومع ذلك، قد لا يتمتع المرشد الأعلى القادم بنفس القدر من السلطة.

ويقول مهدي خلجي إن “سليماني كان يمثّل سلطة بديلة لا تضاهى، كان شخصاً قد منح خامنئي على الأرجح راحة البال بأن النظام قد يحافظ على استقراره متى حان موعد المرحلة الانتقالية”، مضيفا أن “الأنظمة الاستبدادية تستفيد من وجود مثل صمامات الأمان هذه – شخصيات يمكنها تقديم التوجيه خلال أوقات الأزمات وتتوقع الالتزام به دون اللجوء إلى التدابير القسرية- والآن يبدو أن آفاق الخلافة مقلقة على نحو أكبر بالنسبة إلى طهران، كما أن مستقبل النظام أقل تأكداً”.

وتبرز الأحداث الأخيرة في إيران، وفقا للعديد من المتشددين، الحاجة إلى وجود زعيم براغماتي آخر على استعداد للوقوف في وجه الولايات المتحدة ويرفض تكهنات الإصلاحيين الذين يرون أن الإيرانيين سيريدون أن تكون صلاحيات المرشد الأعلى المقبل مناسبة لمنصب صوري وليس لشخصية قوية أخرى.

ويقول أمير محببيان، وهو صحافي مقرب من المحافظين، إن “الحرس الثوري أصبح في موضع قويّ حيث لا يهدد أيّ زعيم مستقبلي مصالحه. نحن في حالة طوارئ دائمة مما يجعلنا بحاجة ماسة إلى الاستقرار في بلد مرّ بفترات انعدم فيها الأمن مما خلق خوفا مستمرا من زعزعة الاستقرار”.

ويؤكد الحرس الثوري الإيراني التزامه بواجبه الدستوري الذي يفرض عليه الحفاظ على البلاد كما يرى نفسه المسؤول عن “تحقيق المهمة الأيديولوجية الأساسية المتمثلة في الجهاد في سبيل الله”.

منْ المرشد بعد المرشد؟

تحوم تكهنات في الداخل الإيراني حول الشخص الذي ستفضله قيادة الحرس الثوري، ويتوقع محللون نظرا إلى الأحداث الأخيرة أن تميل المؤسسة العسكرية في إيران إلى نجل خامنئي الثاني، مجتبى، على الرغم من أنه لم يحقق الكثير في حياته الدينية والسياسية. ويدرّس مجتبى البالغ من العمر 51 عاما في مدينة قم، التي تعتبر مركز تعليم مهمّ للشيعة في إيران، مما يمنحه رتبة دينية رفيعة وضرورية لتولي دور المرشد الأعلى. وقال أحد أقاربه إنه “يتبنى أفكارا مماثلة لوالده ونظرة ثاقبة في القضايا السياسية والعسكرية. كما تجمعه علاقات جيّدة مع الحرس الثوري. ورغم أنه لا يتمتع بسلطة والده، إلا أنهم لن يستطيعوا مواجهة كلمته”.

ويرى المقرّب من النظام في مثل هذا الاختيار عاملا سيحوّل المنصب إلى عنصر يذكّر بالملكية الوراثية التي أطاحت بها الثورة الإسلامية قبل أكثر من 40 سنة.

كما يعدّ إبراهيم رئيسي المرشح المحتمل الآخر، وهو رئيس السلطة القضائية المتشدد والذي خسر الانتخابات الرئاسية في 2017 ليتحوّل إلى شنّ حملة ضد الفساد.ويقول أحد المحللين المحافظين “تحدد الفوائد السياسية والتكاليف اختيار القائد، حيث يجب أن تكون المنافع مشتركة وتخدم مجموعات من المصالح المختلفة. يجب أن تتأكد الجماعات السياسية والمجتمع من أن هذا الاختيار يتناسب مع مصلحتهم”.

ويقول أحد أقرباء المرشد إن “التطورات الأخيرة كانت بمثابة دعوة للاستيقاظ، لتذكرنا بأن الولايات المتحدة يمكنها خوض حرب مع إيران في أيّ وقت، ونحن بحاجة إلى زعيم شجاع آخر قادر على الحفاظ على استقرار البلد”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

تركيا تُحوّل عفرين إلى ساحة للجريمة المُنظّمة والتطهير العرقي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

جنكيز أكتار

حلّت قبل أيام الذكرى الثانية لبدء احتلال عفرين. هذه المنطقة التي يعيش فيها شعب لم يُلحق أي ضرر بتركيا منذ اندلاع الحرب الأهلية في سورية عام 2011، لكنّها تعرّضت للعدوان من قبل تركيا نفسها.
إن الأنباء التي استطاعت أن تتسرب من المنطقة الخاضعة لتعتيم إخباري أنباء مخزية؛ فوفقًا للمعلومات التي يجمعها باستمرار المرصد السوري لحقوق الإنسان، ومقره لندن، تحولت عفرين الخاضعة لسيطرة تركيا إلى ساحة للجريمة المنظمة.
وعلى حين كان تعداد السكان الأكراد في المنطقة التي يعيشون فيها منذ تاريخ طويل 92 في المئة قبل الاحتلال، فقد أصبح اليوم 18 في المائة. صارت جرائم الغصب والسلب والنهب وطلب الفدية والابتزاز والاغتصاب والدعارة والضرب والقتل والدمار البيئي جزءًا من الحياة اليومية.
التطهير العرقي وإعادة تشكيل الديموغرافية السكانية والإبادة الجماعية الثقافية كلها تتنامى معًا، وبأقصى سرعة. وقد نشر بيان حول هذه الأوضاع المخزية الراهنة من قبل مركز معلومات روجافا.
بالطريقة نفسها، دعونا نختار بعض المعلومات الواردة في دراسة بعنوان "عفرين تحت السيطرة التركية: التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية"، نشرها في يوليو الماضي الباحث العربي السوري خير الله الحلو من جامعة فلورنسا الأوروبية. الأقسام الأربعة الرئيسية في هذه الدراسة كما يلي: "إنشاء نظام عسكري وأمني جديد"، و"إنشاء مؤسسات حكومية محلية جديدة وتكوين نخبة سياسية محلية جديدة"، و"التحول الديموغرافي"، و"تحول النظام الاقتصادي".
يصف الباحث الأعمال غير القانونية التي ذكرناها أعلاه بأنها "فوضى منضبطة". أي إن كل هذه الإجراءات، التي تُعتبر جريمة كاملة في أية دولة طبيعية، صارت شرعية في ظل عملية "غصن الزيتون" التركية، وأصبحت الوضع الطبيعي الجديد في عفرين.
دعونا ننظر إلى المؤسسات التي أرادت تركيا إقامتها بدلًا من الموجودة، وذلك من خلال تدميرها النظم العسكرية والأمنية القائمة: "قوة المهمات السورية"، وهي القوة التركية الأمنية الرئيسة التي تتكون من 12 وحدة في عفرين، وتُعرف محليًا باسم "القوات الخاصة التركية". غير أن هؤلاء الجنود مرتبطون بوحدات الأمن في أنقرة وأنطاكيا وعنتاب وكيليس وأضنة.
بالإضافة إلى ذلك، هناك وحدة القوات الخاصة السورية، والمعروفة باسم "الكوماندوز السوري"، والتابعة للاستخبارات العامة التركية، وتتألف من السكان المحليين. المهمة الرئيسة لكل هؤلاء الكوماندوز هي ملاحقة الأكراد ومضايقتهم. وبالإضافة إلى وحدات الكوماندوز، هناك جهاديون من الجيش السوري الوطني، يفترض أن يكون عددهم 15000. وخلال الأسبوعين اللذين أعقبا 23 مارس 2018، حيث تم احتلال المنطقة، تمنح تركيا اللصوص الحقَّ في نهب عفرين. وإلى جانب هذا الوجود العسكري هناك قوة شرطية تم تدريبها في تركيا، إلا أنه من غير الواضح كم يبلغ عددها.
ويبين الباحث أن الوضع في عفرين، على عكس ما هو موجود في المناطق السورية الأخرى الخاضعة للاحتلال التركي؛ حيث أن جميع الوحدات العسكرية والأمنية تقريبا تتألف من أشخاص ليسوا من عفرين، ولذلك بات التحكم فيهم والسيطرة عليهم أسهل. بينما الانتماء المحلي في المناطق الأخرى يمنع هذا التحكم الكامل.
أما بالنسبة لإنشاء مؤسسات جديدة للحكم المحلي وتكوين نخبة سياسية محلية جديدة، فإن عفرين ترتبط مباشرة بولاية أنطاكيا (هطاي)، والمسؤولون الأتراك في المحافظة هم الرؤساء الأساسيون للمجالس المحلية التي أنشئت هناك بعد الاحتلال. وعلى الرغم من أن المجالس المحلية تابعة للحكومة السورية المؤقتة، إلا أن أنقرة منعت تمثيل هذه الحكومة في عفرين، وفقًا لتعليمات روسيا.
توجد في المجالس المحلية مجموعة من الشخصيات المحلية، لم يُسمَعَ بأسمائها قط سابقًا، تتلقى التعليمات والأوامر من ممثلي تركيا تمامًا. لكن الأغلبية الساحقة في حكومة عفرين تتمثل في المدنيين والجنود الذين جُلبوا من خارج عفرين.
إن المنطقة التي قُصقص جناحاها اقتصاديًا بسبب احتلالها ونهبها يتم إبقاؤها على قيد الحياة عن طريق الموارد المنقولة من تركيا. وتعتبر "جمعية إدارة الكوارث والطوارئ التركية "آفاد" و"وقف المساعدات الإنسانية، والهلال الأحمر التركي، وجمعية أطباء عبر القارات من أجل الحياة العناصر الرئيسية لنظام المساعدات. إضافة إلى ذلك، من الضروري الإشارة لعدد قليل من منظمات المجتمع المدني السورية مثل "الأمين" التابعة مباشرة للإخوان المسلمين. منظمات المجتمع المدني هذه، التي تنشط أكثر في مجال الصحة والتعليم، هي أعضاء في نظام الصحة والتعليم الموجود على أنطاكيا.
ومن الناحية الإدارية، توفر أنقرة هنا المناهج التركية وشبكة الكهرباء والبريد والبرق وبنك الزراعة وجميع الخدمات التي يمكن تصورها كما هو الحال في مناطق الاحتلال الأخرى.
أما ما يجب مراعاته بشأن الهندسة الديموغرافية هو أن عفرين أراض كردية منذ زمن طويل جدًا، على عكس كذبة أنقرة بأنها "محتلة من قبل الأكراد". الاسم الآخر لعفرين هو "جبل الكرد" منذ عصور قديمة.
بالإضافة إلى القبائل الكردية الخمس الرئيسة في المنطقة، كان يعيش فيها غالبية السكان اليزيدين، والأكراد العلويون، والأرمن والسريانيون. أما الأقلية العربية فتتكون من عشائر بوبان والحميرات. هذه العشائر الرحل، التي جاءت هذه المنطقة الخصبة في وقت من الأوقات واشتغلت بتربية الحيوانات، تتحدث لغتين، ومتوافقة تمامًا مع الأكراد.
إدارة الاحتلال، التي تقضي على الأكراد والعناصر السكانية الأخرى في عفرين بإجراءات متنوعة، توطن مكانهم العائلات التي فرت من الغوطة الشرقية والعائلات الفارة من غيرها من المناطق التي خرجت عن سيطرة الجهاديين، وكذلك التركمان الذين لم يعيشوا في عفرين قط. وقد كان عدد هؤلاء 88000 لغاية شهر مايو الماضي.
اليوم، يقدر عدد من اضطروا للهرب من عفرين بـِ 300000 شخص، وبقي هناك نحو 50.000 كردي فقط، ومعظمهم من كبار السن. كما قامت إدارة الاحتلال بحظر بطاقات الهوية الممنوحة لهؤلاء السوريين الذين جُلبوا من خارج المنطقة، وذلك من قبل المجالس المحلية حتى مايو 2019، والتي كانت تُسجل فيها الأماكن التي أتوا منها. الهدف واضح، إنه البقاء الدائم في عفرين!
وعلى حين كان خمسة وسبعون في المائة من سكان عفرين يشتغلون بزراعة الزيتون بشكل كبير من الناحية الاقتصادية منذ القدم، تراجع هذا النشاط بدرجة كبيرة نتيجة الاحتلال. وقد وردت أخبار في الصحف الدولية بأن شركات تركية باعت في الأسواق الأوروبية عام 2018، بحوالي 70 مليون يورو من زيت الزيتون المسروق من عفرين. ولا شك أن هذه البضاعة الرابحة لا تزال مستمرة هذا العام أيضًا.
لقد ظهر تجار ووسطاء جدد في صناعة زيت الزيتون؛ السمة المشتركة بينهم هي الانتهازية والتعاون مع قوات الاحتلال. والبنية التحتية الصناعية المحدودة لعفرين، والتي تضررت في الحرب، قد أغرقت بالمنتجات المتدفقة من تركيا، تماما كما هو الحال في شمال قبرص.
بالطبع، يجب أن يُضاف إلى هذه التبعية الاقتصادية قطاع الإنشاءات أيضًا، المجال الوحيد الذي تعرفه أنقرة جيدًا؛ فأعمال رئاسة إدارة الإسكان الاجتماعي التركية تتقدم بسرعة هناك كي يتم توطين عشرات الآلاف من العرب والتركمان الذين ينتقلون إلى المنطقة.
خلاصة القول، توجد في عفرين أيضًا نفس الممارسات الاستعمارية التي في مناطق الاحتلال الأخرى. تركيا تمارس سياسة المستعمرات عيانًا بيانًا على المناطق المحتلة، وتسير دون فتور ولا توانٍ في الطريق الذي تحفظه وسبق أن رسمته. وخلافًا للمستعمرات تجهز البنية التحتية في تلك المناطق ليتم ضمها إلى تركيا عبر تتريكها، وإقامة جدار بين عفرين وباقي سورية بقدر المستطاع. ويحظى هذا المخطط بدعم كامل من الخارج، أما من الداخل فلا أحد يهتم بذلك.

منذ أيام أيضا كانت الذكرى الثالثة عشرة لمقتل هرانت دينك. ولم تتحقق العدالة بعد، لقد تأخرت. كانت دعوة هذا العام هي "لم يفت الأوان بعد من أجل الخجل".
دعونا نكرر الدعوة للخالق إزاء كل الوحشية والاضطهاد الذي تمارسه حكومة أنقرة في عفرين. ودعونا لا ننسى أنه إذا كانت دوامة العنف الدفين التي عصفت مع قتل هرانت تستطيع أن تلف البلاد وجيرانها اليوم بهذه السهولة؛ فذلك لأن جذورها تمتد إلى اقتلاع شعب هرانت من تلك الأرض. أجل، لم يفت الأوان بعد من أجل الخجل!

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

من يتحرك لمحاكمة أردوغان والسراج بعد تجنيد المرتزقة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

محمد طعيمة

قانونيا وأخلاقيا.. وسياقا عالميا، شبكة اصطياد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس حكومة الوفاق (كراغلة ليبيا)، فائز السراج، جاهزة لمحاكمتهما بتهمة تجنيد مرتزقة، في انتظار من يملك إرادة تحريك الأدوات.

الأساس القانوني للأدوات رسخته قواعد القانون الدولي عبر أكثر من قرن، أولاها اتفاقية لاهاي الخامسة لعام 1907، المتعلقة بحقوق وواجبات الدول المحايدة والأشخاص المحايدين في حالة الحرب، حيث نصت مادتها الرابعة على أنه «لا تشكل هيئات مقاتلين ولا تفتح مكاتب لتوطينهم على أرض دولة محايدة لمساعدة المتحاربين». ورغم تجاهل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 للجريمة، إلا أنها تداركت فجوتها القانونية في ملحقها الأول عام 1977.

وكان الاتحاد الأفريقي، الذي تخضع ليبيا لولايته الجغرافية، الأسبق في إقرار اتفاقية خاصة بمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، عام 1977 لتدخل حيز النفاذ عام 1985. وبعد أربع سنوات أقرت الأمم المتحدة اتفاقية مماثلة تغطي العالم كله. وضمن الأدوات.. القانون الدولي الإنساني، كنظام الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر وأقرانه.

وتنص المادة الثانية من الاتفاقية الدولية، الأشمل، على أن “كل شخص يقوم بتجنيد أو استخدام أو تمويل أو تدريب المرتزقة، وفقا لتعريف المادة (1)، يرتكب جريمة في حكم هذه الاتفاقية”. وسبقتها الديباجة مشددة على “أن أي شخص يرتكب أيّا من هذه الجرائم ينبغي إما أن يُحاكَم أو يُسلّم”، وعلى إلزامية “تعزيز التعاون الدولي في ما بين الدول لمنع هذه الجرائم وملاحقتها قضائيا والمعاقبة عليها”.

والتعريفان للمادة الأولى من الاتفاقية الدولية، وكذلك الأفريقية، يتماهيان مع تعريف البروتوكول رقم 1 من الملحق الأول لاتفاقيات جنيف، الذي سبقهما إلى تعريف المُرتزق بأنه: (أ) يجند خصيصا محليّا أو في الخارج. (ب) يشارك مباشرة في الأعمال العدائية. (ج) حافزه للاشتراك في الأعمال العدائية الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويُبذل له فعلا من قبل طرف في النزاع أو نيابة عنه وعد بتعويض مادي يتجاوز ما يوعد به المقاتلون في القوات المسلحة لذلك الطرف أو ما يدفع لهم. (د) ليس من رعايا طرف في النزاع أو متوطنا بإقليم يسيطر عليه أحد أطراف النزاع. (هـ) ليس فردا من القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع. (و) ليس موفدا من قبل دولة ليست طرفا في النزاع بوصفه فردا في قواتها المسلحة.

وتجمع القواعد القانونية الدولية على حرمان المرتزقة من حقوق المقاتلين وأسرى الحرب، وإن أقرت لهم، وهذا طبيعي، بحق العلاج إن كانوا جرحى وضمان المحاكمة العادلة.

وتتوالى أحكام الاتفاقيات مضيفة للتجريم والعقاب الشركاء ومجرد فعل الشروع في الجريمة، وأن “تعاقب الدول الأطراف على الجرائم المنصوص عليها بعقوبات تأخذ في الاعتبار الطابع الخطير لهذه الجرائم”. وتلتزم الدول كافة بـ”اتخاذ جميع التدابير، كل في إقليمها، لمنع التحضير لارتكاب تلك الجرائم داخل أقاليمها أو خارجها، بما في ذلك التشجيع أو التحريض أو تنظيمها أو الاشتراك في ارتكابها”، سواء بريا أو بحريا أو جويا، وإبلاغ المنظمة الأممية، والاتحاد الأفريقي، إذا كان “لديها سبب يحملها على الاعتقاد بأن جريمة من الجرائم المنصوص عليها قد ارتكبت أو ترتكب أو سترتكب”.

ويصل التشديد القانوني الدولي إلى حد إلزام الدول بـ”إقامة ولايتها القضائية على الجرائم المنصوص عليها (..) في حالة وجود الشخص المنسوب إليه ارتكابها في إقليمها”.. “سواء ارتكبت الجريمة أو لم ترتكب في إقليمها”، وأن تحل الاتفاقية محل اتفاقيات تبادل المجرمين، حال عدم وجودها، فيما يتعلق بجرائم المرتزقة، وأن تختص محكمة العدل الدولية، توازيها المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بالفصل في أي نزاع ينشأ بين دولتين أو أكثر حول تفسير أو تطبيق الاتفاقية.

من حيث الوقائع المادية، وقبل ليبيا، لتركيا تسع سنوات على الأقل عملت خلالها على توظيف المرتزقة في سوريا والعراق، وإن برعاية غربية، وعربية جزئية.

لم يتجاوز عدد الأجانب في أفغانستان، طوال 14 عاما، خمسة آلاف، حسب مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، (مايو 2014). لكن نظرة بسيطة على منافذ اختراق حدود “الهلال الخصيب” تكشف أن أنقرة، مررت ما بين 20 ألفا وفق بي.بي.سي (2 أغسطس 2015)، و30 ألفا حسب دراسة للكونغرس (29 سبتمبر 2015)، أو “أكبر حشد للمقاتلين الإسلاميين الأجانب في التاريخ”، كما قال توماس هيجهامر، المدير بمؤسسة أبحاث الدفاع النرويجية. ووثائق تسليح أردوغان لداعش مسجلة بالصوت والصورة، وبحمايته له ولقرنائه، حتى الآن في إدلب.

في ليبيا، لم يعد اتهام تجنيد تركيا للمرتزقة، هذه المرة بمشاركة فريقها من الكراغلة، يحتاج إلى إثبات، لتواتر التقارير الإعلامية والاستخبارية. وتتناغم الأدلة التي نشرتها الغارديان والمرصد السوري لحقوق الإنسان، لإثبات أركان الجريمة وفق تعريف القانون الدولي. مرتزقة أجانب مقابل مغانم مالية ووعد بالجنسية التركية. والوقائع المرصودة تصل بالعدد إلى ستة آلاف يفترض أن ينضموا إلى ميليشيات الوفاق، وصل 2400 منها حتى 17 يناير الجاري، وتحت التجهيز 1700 في معسكرات جنوب تركيا.

وتتولى شركة صادات للاستشارات الدفاعية الدولية، التي يديرها العميد المتقاعد عدنان تانري فردي، القيادي في حزب العدالة والتنمية التركي، اختيار وتدريب وتوريد المرتزقة لحساب حكومة فائز السراج، وفق عقود، قالت الغارديان والمرصد السوري، إنها مكتوبة! وبدأت نشاطها آخر فبراير 2012، مع بواكير تدويل الحرب على سوريا.

صحيح أن اتهامات تجنيد المرتزقة تطول كافة نزاعات الشرق الأوسط، لكن الاتهام الأساسي للجيش الوطني الليبي، وفق المزاعم القطرية والتركية بالاستعانة بمرتزقة سودانيين من “قوات الدعم السريع”، هدمته الأمم المتحدة بإعلان لجنة خبرائها، في 20 يناير 2020، غياب أي أدلّة موثوقة تثبت صحة الاتهام، والأهم اعتراف الطرف الآخر، أردوغان والسراج، مرارا، بتجنيدهما للمرتزقة.

جريمة أردوغان لن تقف، حسب ما صرح به هو نفسه، عند ليبيا ومحيطها. فبعد تهديده في مقال نشرته مجلة بوليتيكو، (18 يناير 2020)، لأوروبا بأن المنظمات “الإرهابية” (التي جندها وأرسلها!) ستجد طريقها للقارة العجوز إذا سقطت حكومة الكراغلة، كشف المرصد السوري، في 20 يناير الجاري، أن 17 مقاتلا سوريا وصلوا إيطاليا بدلا من ليبيا وتواصلوا مع أقارب لهم هناك، وأن آخرين وصلوا الجزائر ولم تتحدد وجهتهم.. أوروبا أم ليبيا.

بالتوازي، تباهى أحمد كرمو الشهابي، القيادي في “الجيش الوطني السوري” العميل لأنقرة، على قناة Akit tv التركية، في 19 يناير 2020، قائلا “سنقدم أرواحنا فداء للخلافة العثمانية، مستعدون للجهاد في أي مكان، لن نتوقف”. وردا على سؤال المذيع “هل سترسلون مقاتلين إلى ليبيا؟” أجاب “إن شاء الله، وحين نتخلص من ظلم الأسد، سنتوجه لمحاربة الظلم أينما وجد، وكما سنتخلص من قمع الأسد، سنخلّص أخوتنا في تركستان من القمع”.

من العراق وسوريا إلى ليبيا ومحيطها، إلى أوروبا والصين! جنون متوهم الخلافة العثمانية تجاوز كل الأسقف. وأركان الجريمة ثابتة وعلنية، فمن يشد خيوط شبكة اصطياده لمحاكمته دوليا

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية