هل يفقد الغنوشي عرش البرلمان التونسي؟

هل يفقد الغنوشي عرش البرلمان التونسي؟

مشاهدة

28/02/2021

عادت موجة انتقادات كبيرة، مجدداً، لرئيس البرلمان التونسي وزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، الذي لا يحظى بأي شعبية، بحسب جميع مراكز سبر الآراء، بعد توقيع حوالي 103 نوّاب على لائحة تطالب بسحب الثقة منه، في خطوة تعدّ الثانية من نوعها، منذ تموز (يوليو) الماضي، تمهيداً لعرضها للتصويت في جلسة عامة، وذلك بعد اتساع دائرة الغضب منه وتزايد الدعوات لعزله من منصبه، بسبب فشله في تسيير عمل المجلس النيابي وتسبّبه في احتقان الأجواء بداخله.

وتأتي هذه  الدعوات وسط أزمة التحوير الوزاري، مع احتدام الصراع بين رأسي السلطة، وذلك بعد رفض رئيس الجمهورية التونسي، قيس سعيّد، دعوة الوزراء لتأدية القسم، رغم تزكيتهم من قبل البرلمان بعد اقتراحهم من رئيس الحكومة، هشام المشيشي، على خلفية شبهات فساد وتضارب مصالح، متعلقة بأربعة وزراء من بين 11وزيراً.

عريضة سحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي في طريقها إلى النجاح، رغم الضغوطات التي تمارسها حركة النهضة من أجل إجهاضها وإنقاذ زعيمها

ا ويسمح الفصل 51 من النظام الداخلي للبرلمان التونسي بسحب الثقة من رئيسه أو أحد نائبيه، على أن يتم تجميع ما لا يقل عن 73 توقيعاً، وتودع العريضة فيما بعد في مكتب الضبط ضمن مطلب كتابي معلل، ويعرض الطلب بعد ذلك على الجلسة العامة، ويصادق عليه في حال حصد 109 أصوات.

الغنوشي دون كاريزما رئيس البرلمان

سبق أن واجه الغنوشي خطر الإبعاد من منصبه، في تموز (يوليو) الماضي، بسبب مواقفه بشأن الأزمة الليبية، وعلاقته مع تركيا وتجاوز صلاحياته، عندما تقدّمت 4 كتل نيابية بلائحة لسحب الثقة منه، أسقطها البرلمان في جلسة عامة بسبب عدم حصولها على أغلبية النواب (109 أصوات)؛ إذ يتوقّع محللون بالشأن السياسي أن تتغير موازين التصويت داخل قبة البرلمان هذه المرة، بسبب الوضع السياسي والاقتصادي الصعب الذي يعيشه البلد، وسط أزمة دستورية غير مسبوقة.

وتستند توقعات نجاح النواب هذه المرّة بعزل الغنوشي من رئاسة البرلمان، إلى جملةٍ من المعطيات في مقدّمتها، الأداء الضعيف للغنوشي خلال الفترة النيابية الحالية، إذ بدا، تحت قبة البرلمان، أشبه بمهرّج سياسي، غير قادر على تسيير جلسات البرلمان التي رافقها الكثير من العنف، وسط تكتم مفضوح على ممارسات بعض الكتل الحليفة لحركة النهضة، الأمر الذي أثار مخاوف نواب البرلمان، في ظلّ ما وصفوه بالعنف الممنهج الذي قد يمهد لاغتيالات سياسية جديدة.  

كما أنّ الغنوشي الذي استمرّ على رأس "النهضة" من العام 1991، لم ينجح في تجميع إخوته من حوله ودفع بحركته نحو المجهول، وأشعل خلافات داخلية بين القيادات المخضرمة والشابة للحركة، بشأن طريقة إدارة الهياكل وتجميع السلطات بيد رئيسها، بتفرّده بالرأي وإقصاء كلّ من يخالفه، الأمر الذي تسبب في استقالات لقيادات وازنة.

كما فتحت استفزازات رئيس حركة الإسلامية الأولى في تونس، للرئيس قيس سعيّد خلال الأيام القليلة الماضية، خاصة تلك التي سعى فيها إلى الانتقاص من دوره ومن صلاحياته التي نصّ عليها دستور البلاد، حلقة جديدة من سلسلة الأزمات التي تعيشها تونس بظروف مختلفة.

لأجل كلّ ذلك، يرى زهير المغزاوي، الأمين العام لحركة الشعب المعارضة (قومية)، أنّ  حركته في تنسيق مستمر مع باقي الكتل النيابية من أجل توفير شروط نجاح لائحة سحب الثقة من الغنوشي، خصوصاً أنّه بات يمثّل المتسبّب الأكبر في أزمة البرلمان.

الأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي

ورأى المغزاوي، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ الغنوشي لا يمكن أن يكون الشخصية الأقدر على تسيير أهم أكبر مؤسسات الحكم في تونس (البرلمان)، وأنّه المتسبب الأوّل في حالة الشلل التي يعيشها البرلمان حالياً، مشدّداً على أنّه غير قادرٍ على التجميع ولا على الإدارة، وأنّهم متمسكون بإسقاطه من منصبه قانونياً.

في المقابل، توقّع الناطق باسم حركة النهضة، فتحي العيادي، أن لا تمرّ هذه اللائحة، التي قال إنّها ستُعرض على البرلمان دون أيّ شكّ، لكنّها ستفشل كما فشلت اللائحة التي سبقتها.

وأشار العيادي، في تصريحه لـ "حفريات"، إلى أنّ النواب الذين أعدوا هذه اللائحة يمنّون أنفسهم بشيء غير ممكن ولن يصلوا إليه، لأنّ حركة النهضة تقف وراء رئيسها وستعمل على بقائه في منصبه، لافتاً إلى أنّ أداء الغنوشي على رأس البرلمان مرتبط بأداء النواب الذين يرأسهم، وأنّ أداء البرلمان "محترمٌ" بصفةٍ عامّةٍ.

الناطق باسم حركة النهضة فتحي العيادي

تحالفات النهضة غير مضمونة

من جهةٍ أخرى، ارتبطت خريطة التحالفات السياسية في تونس، منذ تشكّل المشهد السياسي العام 2011، بمصالح الأحزاب ووجودها في الساحة السياسية، رغم التحفظات التي كانت تبديها ضدّ بعضها في البداية، لذلك يعتقد أغلب السياسيين أنّ التحالف الذي تعوّل فيه حركة النهضة على دعم "قلب تونس" قد يكون مجرد اتفاق سياسي، حاول فيه نبيل القروي الهروب للنهضة لحمايته من قضايا الفساد التي تواجهه، ويرون أنّ موقف الحزب أقرب إلى المعارضة.

كما أنّ التعديل الوزاري الأخير، الذي أقصى 4 وزراء محسوبين على "قلب تونس" بإشراف حركة النّهضة، قد يجعل الحزب يغيّر موقفه من حكومة المشيشي و"النهضة"، خصوصاً أنّه يستبطن دعم النهضة للرئيس الحالي، قيس سعيّد، بدل نبيل القروي في الدور الثاني من انتخابات 2019، وهو ما أكّدته منيرة العياري، النائبة عن التيار الديمقراطي المعارض (وسط)، التي قالت إنّ جزءاً من نواب "قلب تونس" عبروا في أكثر من مناسبةٍ عن استعدادهم لمساندة اللائحة الجديدة لسحب الثقة من الغنوشي.

اقرأ أيضاً: اختبار ثانٍ لسحب الثقة من الغنوشي يقترب بعد هذه الخطوة... تفاصيل

وتوقعت العياري، خلال تصريحها لـ "حفريات"، أن تمرّ لائحة سحب الثقة هذه المرّة، لأنّها لن تُعرض على البرلمان، قبل تجميع إمضاء 109 نوّاب، على الأقل، لضمان مرورها، معتبرة أنّ التحالف القائم بين النهضة و"قلب تونس" غير قويّ، ولا يقوم على أسس قويةً، بل تحكمه مصالح محدّدة وتقاسم الأدوار والغنائم.

النائبة عن التيار الديمقراطي منيرة العياري

العياري لفتت أيضاً إلى أنّه من غير المستبعد أن يمضي بعض نواب كتلة حركة النهضة لصالح اللائحة، خصوصاً أنّ أغلبهم غير راضين على أداء الغنوشي، ولا على توليه رئاسة البرلمان، وهو ما استبعده تماماً الناطق باسم حركة النهضة، فتحي العيادي، الذي شدّد على أنّ التحالف الذي يجمع الحزبين مبني على تفاهمات ومضامين مشتركة، سيتم الإعلان عنها خلال الأيام القليلة القادمة، مؤكّداً أنّ قلب تونس لن يصوّت مع سحب الثقة، وذلك في إطار اتفاقات محدّدة بين الحزبين.

يأتي ذلك بعد 3 أشهر من فشل أربع كتل برلمانية بواقع (96 نائباً)، وهي الكتلة الديمقراطية (38 مقعداً)، وتحيا تونس، والإصلاح (16 مقعداً)، وعدد من نواب الكتلة الوطنية (9 مقاعد) من محاولتها سحب الثقة من الغنوشي، خلال تموز (يوليو) الماضي.

المحلل السياسي عبد الله العبيدي لـ"حفريات": "النّهضة" ستلعب لعبةً خطيرةً للحفاظ على رئاسة البرلمان، ولن تقبل الهزيمة، في ظلّ الضغوطات التي تواجهها 

ويصمّم النواب المعارضون هذه المرّة، في مقدّمتهم نواب الكتلة الديمقراطية (38 نائباً)، وكتلة حزب الدستوري الحر (16 نائباً)، حيث أكّد النائب عن الكتلة الديمقراطية، بدر الدين القمودي، أنّ عريضة سحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي في طريقها إلى النجاح هذه المرّة، رغم الضغوطات التي تمارسها حركة النهضة من أجل إجهاضها وإنقاذ زعيمها، لافتاً إلى أنّ هناك إجماعاً بين أغلب النواب حول العريضة وسيتمّ تقديمها إلى مكتب البرلمان خلال الأيام المقبلة حالما تبلغ 109 توقيعات.

بورصة للمساومات السياسية

من جانبه، يرى المحلل السياسيّ، عبد الله العبيدي، في تصريحه لـ "حفريات"، أنّ الأمر بات معقداً، وأنّ مآل عريضة سحب الثقة لم يعد واضحاً، مثل العريضة التي سبقتها، مرجحاً أن يتحوّل البرلمان إلى بورصة للمساومات السياسية، في ظلّ وجود عدد كبير من النواب مطلوبين للعدالة، ونوابٌ آخرين على أبواب السجن، يبحثون عن من يضمن لهم، عدم رفع الحصانة البرلمانية عنهم.

المحلل السياسي عبد الله العبيدي

وأكّد العبيدي؛ أنّ حركة النّهضة ستلعب هذه المرّة لعبةً خطيرةً للحفاظ على منصب رئاسة البرلمان، ولن تقبل الهزيمة، في ظلّ الضغوطات التي تواجهها في كلّ الاتجاهات، لافتاً إلى أنّها ستجنّد كلّ قوتها وإمكانياتها لإفشال العريضة، خصوصاً أنّ هزيمتها تعني بالضرورة هزيمة قوى دولية وجهات نافذة من ورائها

الصفحة الرئيسية