هل يقود الانسداد السياسي في الجزائر إلى تأجيل الانتخابات؟

الجزائر

هل يقود الانسداد السياسي في الجزائر إلى تأجيل الانتخابات؟


22/05/2019

دفعت حالة الجمود التي تخيّم على المشهد السياسي الجزائري، ثلاث شخصيات سياسية، وازنة إلى الخروج عن صمتها، وتوقيع عريضة مطالب موجهة للمؤسسة العسكرية، مطالبةً إياها بإنهاء "الانسداد السياسي" القائم الذي يهدد بتأجيل الانتخابات، وذلك عبر "فتح حوار صريح ونزيه مع ممثلي الحراك الشعبي والأحزاب السياسية المساندة لهذا الحراك، وكذلك القوى الاجتماعية المؤيدة له من أجل إيجاد حلّ سياسي توافقي في أقرب الآجال، يستجيب للطموحات الشعبية المشروعة، المطروحة يومياً، منذ ثلاثة أشهر تقريباً".

اقرأ أيضاً: هل تُؤجل انتخابات الجزائر؟
يتعلق الأمر بوزير الخارجية الأسبق (والمرشح للرئاسة عام 1999)، أحمد طالب الإبراهيمي، ومؤسس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان علي يحيى عبد النور، إضافة إلى الجنرال المتقاعد رشيد بن يلس.

هناك ما يوحي بأنّ السلطة قد توصلت إلى قناعة مفادها استحالة تنظيم الانتخابات في الرابع من تموز القادم

وتأتي مبادرة الثلاثي بعد أكثر من ثلاثة عشر أسبوعاً، ظلّ المشهد الجزائري خلالها يراوح مكانه، سيما بعد تنحي الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، فالنظام السياسي، متمثلاً في قيادة الجيش، ما يزال مصراً على ما يسميه الحفاظ على المسار الدستوري للدولة، وفق المادة (102) من الدستور الساري، في حين يصرّ الشارع على أنّ الوضع الذي خلقه "الحراك الشعبي" يمثل ثورة مكتملة على النظام، بما فيه الدستور (الذي تمّ تعديله أربع مرات في عهد بوتفليقة)، وأنّ الالتزام بالإجراءات الدستورية العادية لا يستجيب للتطورات الجارية على الأرض، سيما أنّ التصريح الأول للمؤسسة العسكرية الذي طالب بوتفليقة بالتنحي، قد تأسس على ثلاث مواد دستورية، أهمها المادتان 7 و8، اللتان تنصّان على أنّ "السيادة للشعب، وهو مصدر السلطات"، فيما بدا أنّ الجيش الآن يرافع فقط للمادة 102، معرضاً عن المادتين سابقتي الذكر، ويمضي قدماً في اتجاه الالتزام بالفترة الانتقالية التي لا يتعدى مداها التسعين يوماً، ليجري انتخابات رئاسية، في الرابع من تموز (يوليو) 2019.
أحمد طالب الإبراهيمي

صراع الإرادات... إلى أين؟
تتبين في ضوء ذلك مسافة كافية للصراع بين إرادتين؛ الأولى تسعى إلى الحفاظ على النظام السياسي والدستوري، مع إجراء بعض التغييرات، ويمثلها الجيش، والثانية تتبنى شعار "ارحلوا جميعاً"، التي يرفعها الحراك منذ ثلاثة عشر أسبوعاً، يجري كلّ ذلك في غياب تامّ لأيّ حوار سياسي حقيقي بين الطرفين، ما وضع البلد في "حالة انسداد سياسي" مشهود!

اقرأ أيضاً: تصفية حسابات بين إسلاميي الجزائر
وفي تفسيره لهذا الوضع؛ يقول المحلل السياسي والصحفي في جريدة "صوت الأحرار"، نجيب بلحيمر: "المسألة تتعلق في جوهرها بمقاومة النظام لديناميكية التغيير، ولجوئه إلى بعض المناورات السياسية من أجل استبدال أشخاص بآخرين، دون إحداث تغييرات عميقة في منظومة الحكم والأسس التي تقوم عليها، وقد راهن النظام على عامل الوقت، متحججاً برفض الفراغ، من أجل إضعاف الحراك الشعبي، وفرض خريطة الطريق التي تتمثل في الانتخابات الرئاسية التي يسعى إلى إجرائها".
وبحسب إفادة نجيب لـ "حفريات"؛ فإنّ "هذا المسار مرفوض من قبل الشارع، فالحراك الذي يعبّر عن نفسه في كلّ جمعة، قد رفض بقاء الحكومة الحالية، ورفض بشكل واضح إجراء انتخابات، في ظلّ هذه الظروف، وتحت إشراف رموز حكم بوتفليقة، والتمسك بهذا الخيار هو الذي جعل المظاهرات تستمر، وسقف المطالب يرتفع مع مرور الأيام"، ويقرأ بلحيمر سبب إصرار المؤسسة العسكرية على هذا الخيار، رغم رفض الشارع له، بالقول: "من الواضح أنّ النظام لم يجهز بعد بدائله، ولم يتضح مرشحه، وكيف سيفرضه، وهذا يدفع إلى مزيد من تأجيل الحلّ بغرض إنضاجه".

اقرأ أيضاً: القضاة الجزائريون يرفضون هذه الاتهامات
ويستطرد بلحيمر: "بما أنّ الخطة البديلة لم تتضح إلى الآن؛ فإنّ من حكم المؤكد أنّ إجراء الانتخابات، أًصبح أمراً صعباً من الناحيتين السياسية والتقنية، وهناك سيناريو محتمل يقوم على استهلاك مزيد من الوقت إلى غاية نهاية الفترة القانونية لحكم بن صالح، والتي لا تتعدى التاسع من شهر تموز (يوليو)، مما سيخلق أمراً واقعاً جديداً، يدفع إلى تبني حلّ سياسي، يسمح بفترة انتقالية قصيرة، يتبعها تنظيم انتخابات رئاسية، غير أنّ التفاصيل تظل غامضة؛ فالمرحلة الانتقالية التي عبر الجيش عن رفضها في البداية لا تعرف مدتها ولا الجهة التي تسيرها، غير أنّ طرح بعض الأسماء، مثل أحمد طالب الإبراهيمي، يوحي بوجود اتصالات في هذا الاتجاه"!
من حكم المؤكد أنّ إجراء الانتخابات، أًصبح أمراً صعباً من الناحيتين السياسية والتقنية

السيناريوهات المطروحة
وعن الخيارات المتاحة للخروج من مأزق الانسداد القائم؛ يرى بلحيمر أنّ "كلّ السيناريوهات المطروحة ستأخذ بعض الوقت حتى يعلن عنها رسمياً، والأرجح أنّ ذلك سيتم عندما ينتهي النظام من صياغة حلّه، وإعداد بدائله"، فيما سيستمر الحراك حتى تحقيق كل المطالب.

ناشط سياسي جزائري: المخارج غير معقدة وتجارب الانتقال الديمقراطي في العالم تضع أمامنا أكثر من حل

من جهته، يرى المحامي والناشط في الحراك الشعبي عبدالغني بادي أنّ "الحراك الشعبي يرى ضرورة تحول سياسي حقيقي، بعيداً عن رموز النظام الذين مازالوا يشكلون عقبة وخطراً حقيقياً على مستقبل البلد، فالشارع يبحث عن تغيير جذري والنظام يناور ويراوغ من أجل فرض منطقه؛ بذريعة التمسك بحلول دستورية جامدة وغير منتجة لأي تحول، وفي غياب آليات رقابية للانتخابات المقترحة، وفرض سلطة الأمر الواقع لرجالاته لتنظيم هذه الانتخابات، مما يزيد من تمسك الشارع بطرحه الباحث عن تحول حقيقي ...".
ويرى بادي "أن هناك حلولاً كثيرة للخروج من حالة الانسداد، تحتاح فقط لتوفر إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف بنوع من الليونة في الموقف، وأخذ المطالب الشعبية على محمل الجد".
ويؤكد بادي لـ "حفريات"، أنّ "المخارج غير معقدة وتجارب الانتقال الديمقراطي في العالم تضع أمامنا أكثر من حل، سيما وأنّ الحراك  يكاد يتفق على ضرورة تسليم البلاد للمدنيين من الوجوه المقبولة شعبياً ولها رمزيتها، كما أنّ هناك من يطالب بضرورة المرور عبر مجلس تأسيسي يشرع للمرحلة الانتقالية، إلا أنّ هناك شيطنة للفكرة على نطاق واسع "لكنها تبقى أحد الحلول الممكنة والناجعة".

اقرأ أيضاً: آخر أحداث المشهد الجزائري
ويعتقد بادي أن هناك فرصاً حقيقية للتوفيق بين الإرادتين، لولا تعنت قيادة الجيش التي تصف المطالبين بمرحلة انتقالية بـ "المغامرين" وتسعى الى شيطنة الخيار السياسي، مؤكداً أنّ "النظام بهذا الموقف هو من أغلق على نفسه في خياره الدستوري ولم يجتهد على تذليل العقبات، فيما لا يلقى خيار الجيش قبولاً لدى الحراك وفواعله السياسية التي تعتبر بمثابة محاولة التفاف على مسار ثوري".
الحراك الشعبي يرى ضرورة تحول سياسي حقيقي

لا بديل عن الحوار.. ولكن
من جهته، يرى الإعلامي الجزائري عبداللطيف بلقايم، أنّ المخرج الوحيد لهذا الانسداد يكمن في "الشروع في حوار مباشر بين المؤسسة العسكرية والحراك. إلا أنّ مشكلة الحراك حالياً أنه لم يقدم ممثلين أو ناطقين باسمه يضطلعون بمهام مفاوضة المؤسسة العسكرية". ويعتقد بلقايم أنّ هذا وضع غير طبيعي "لانتفاصة شعبية فيها طرف منتفض وطرف منتفَض عليه". ولا شك أنّ المؤسسة العسكرية قد قدمت بعض الضمانات بمسايرتها للمطالب الشعبية بخصوص محاسبة رؤوس النظام السابق، وإحباطها لـ  "مؤامرات تسعى للالتفاف حول الحراك، لكن يبقى الحل السياسي للأزمة هو المطلب الكبير الذي ينتظر الجزائريون أن تستجيب له المؤسسة العسكرية، والمتمثل في تحقيق كل مطالب الحراك عبر الدخول في حوار مباشر وغير مشروط لإيجاد حلول سياسية تتجاوز المطب الدستوري".

اقرأ أيضاً: الجزائر تواجه الإرهاب..
بلقايم لا يرى أنّ إجراء الانتخابات مستحيل، إذا ما توفرت شروط بعينها، تحددها "لجنة إشراف مستقلة سياسياً ولوجيستياً عن الحكومة الحالية، بمعنى تعديل القوانين القديمة الناصّة على إشراف وزارة الداخلية على الانتخابات، حيث لا ينبغي أن تتدخل الإدارة إلا في حدود  توفير الهياكل الادارية والانتخابية. كما ينبغي أن تحظى اللجنة الانتخابية بتمثيل عادل لمكونات المجتمع وقواه، وأن تسهر على رسلكة القوائم الانتخابية التي ضخمها النظام السابق بنية التزوير، فضلاً عن توفير ضمانات أخرى تتمثل في أن تجري الانتخابات بعيداً عن الشخصيات والرموز السابقة الضالعة في التزوير".
ويرى الإعلامي الجزائري أنّ تحقيق هذا الأمر يتطلب "تقديم الوزير الأول استقالته ليفتح  المجال أمام تشكيل حكومة جديدة تحظى بالقبول الشعبي، وهذا خيار ممكن وقابل للتجسيد، بل أقل تعقيداً مما يتخيل النظام، إذا ما بدأت الإجراءات الآن بمراجعة قانون الانتخابات عبر البرلمان القائم، من أجل تحصين أكبر للعملية الانتخابية".
تأجيل الاستحقاق الانتخابي .. ثم ماذا؟
وفي ظل حالة الغموض القائم، وانعدام الحوار الحقيقي، رغم المناشدات المتكررة بضرورة إيجاد مخرج سياسي آمن للبلاد، وأمام سيف الوقت المتسارع، لا تحمل الأنباء حتى الآن ترشح أي شخصية وازنة تحظى بشعبية حقيقية، ما يوحي بأنّ السلطة كما يبدو قد توصلت إلى قناعة مفادها "استحالة تنظيم الانتخابات في الرابع من تموز (يوليو) القادم"، مما دفع بعض محسوبيها إلى تسريب تصريحات لوكالة "رويترز" عن "إمكانية تأجيل الانتخابات إلى حين الوصول لتفاهمات مع الطبقة السياسية وشخصيات محسوبة على الحراك الشعبي"، ما يعني أنّ ذريعة الالتزام الصارم بالإجراءات الدستورية قد تم إسقاطها، وأنّ لا بديل عن الحوار الجدي والمباشر مع ممثلي الحراك. لكن يبقى السؤال كيف ومتى؟ سيما وانّ البلاد مقبلة على حالة فراغ دستوري، وربما فراغ السلطة بعد انتهاء المهلة القانونية للرئيس المؤقت عبدالقادر بن صالح.

الصفحة الرئيسية