هل يكون "المدمّر" عبد الله قرداش زعيمَ داعش الجديد؟

هل يكون "المدمّر" عبد الله قرداش زعيمَ داعش الجديد؟

مشاهدة

04/11/2019

الإعلان عن قتل خليفة داعش أبوبكر البغدادي، عبر عملية مثيرة نفذتها وحدة من القوات الخاصة الأمريكية، في قرية باريشا من أعمال إدلب، المحافظة التي تقع ضمن نفوذ تنظيم القاعدة، الغريم اللدود لتنظيم داعش، والذي بدا وجوده في هذه المنطقة لغزاً لم تكشف حقائقه بعد.. هذا الأمر يطرح سؤالاً: هل ما تم محض تدبير أمني بإخفاء زعيم التنظيم في منطقة لن تخطر ببال خصومه، باعتبار أنه لن يختبىء في مناطق أحد الخصوم، أم أنّ الأمر أكبر من ذلك؟

اقرأ أيضاً: بعد مصرع البغدادي: كيف سيولّي داعش قائده الجديد؟
أضف إلى ذلك، أنّ وجود زعيم داعش في تلك المنطقة، وفي بيت أبو البراء المحسوب على تنظيم أنصار الإسلام القريب من القاعدة، والذي سبق ولعب أدواراً في الوساطة بين التنظيمين، قد يكون قرينة على اتفاق أوسع للتعاون بين القاعدة وما تبقى من داعش، ولا يجب أن يظن القارئ أنّ المقصود بما تبقى من داعش أننا نتحدث عن فلول لا قيمة لها، بل على العكس نحن أمام جيش قوامه 12 ألف وفق تقديرات المخابرات الأمريكية، موزع بين خلايا نائمة في العديد من مناطق سوريا والعراق، ومفارز منحازة في صحراء سوريا والعراق، وذئاب منفردة حول العالم تنتظر تكليفات جديدة، وأموال يقدرها البعض ب 300 مليون دولار راكم التنظيم خبرات في تنظيم شبكاتها حول العالم.

عوّدتنا تلك التنظيمات على التكيف السريع مع المتغيرات، والمؤسف أنها في تحولاتها يكون أحدث إصداراتها أكثرَ عنفاً ووحشية

لا يجب أن ننسى أن تنظيم داعش هو ابن شرعي لتنظيم القاعدة، ولو عدنا لجذر الخلاف بين التنظيم سنجد أنه لا يتعلق بمشروع الدولة أو الخلافة، بل يتلخص في توقيت وظروف إعلانها؛ حيث مضت القاعدة وهى مقتنعة أنّ مرحلة النكاية في الخصوم لا تخضع لمدى زمني محدد، يجوز معه الانتقال الى مرحلة التمكين، الأمر الذي خالفته فيها داعش، التي تصورت أنّ النكاية مع الصدمة ستقود لمرحلة إدارة التوحش، التي ستسرع بعملية التمكين الذي حدث بالفعل، لكنه كان تمكيناً زائفاً لم يستمر سوى لشهور، قبل أن تكسره إرادة وتحالف دولي واسع بقيادة أمريكية.
فور سقوط دولة داعش بدأت تنتعش أفكار القاعدة ونظرياتها من جديد داخل المجموعات الداعشية المهزومة، من جهة أخرى بدت التغييرات في المشهد السوري ليست في صالح جبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام في اسمها الجديد، فقد أكدت إستراتيجية روسيا على أنّ الحرب معها ليست بعيدة، وأن عليها أن تستعد لعملية إبادة قريبة، خصوصاً مع توفر الدلائل على أنّ محاولات فك الارتباط مع القاعدة لم تسهم في إعادة تعويمها في المشهد السياسي السوري الملتبس.

اقرأ أيضاً: القصة الكاملة لنشأة داعش
أتصور أنّ أطرافاً وسيطة أدركت المأزق الذي يعيشه التنظيمان من هزائم، وفي العادة الهزائم هي التي تصنع التقارب وربما الاندماج، بينما تطرح الانتصارات في العادة الخلاف والتنافس والاقتتال. هذه الأطراف بقيادة أبو البراء هي التي قدّرت ربما أنّ لقاء بين البغدادي والجولاني، قد يضع خريطة طريق جديدة للمجموعات الجهادية المسلحة، وأنه من الأوفق ربما أن يبقى تنظيم داعش بعد إجراء تغييرات هيكلية، تأخد في الاعتبار كل المعطيات الجديدة التي طرأت على التنظيم، والتي أكدت أنّ التنظيم قد أقدم بالفعل قبل قتل البغدادي بشهور على تدشين هيكلية جديدة للتنظيم؛ حيث نشرت صحيفة القضاء التابعة لمجلس القضاء الأعلى في العراق، اعترافات قيادي بارز في تنظيم داعش، كشف خلالها الهيكلية الجديدة والتغييرات التي يجريها التنظيم باستمرار.

اقرأ أيضاً: داعش يعلن زعيمه الجديد.. تعرّف إليه
وكشفت الاعترافات المنسوبة لـ أبو علي القيسي المنشورة في عدد الصحيفة بتاريخ  4 آب (أغسطس) 2019، تفاصيل عديدة عن تغيير هيكليته وتعيينه قيادات وتغييرها باستمرار، بسبب هلاكهم أو ‏القبض على أغلبهم، بحسب قضاة مختصين، وأبو علي القيسي أحد أبرز هذه القيادات في الهيكلية الجديدة.
القيسي كان يشغل منصب أمير الفرع الجنوبي، الذي يتكون من ثلاث ولايات مهمة، وأفاد بأنّ إدارة ما يسمى بولاية ‏العراق تقسم إلى ثلاثة أفرع كان يترأس هو أحدها، فيما كشفت التحقيقات أنّ القيسي تمت تهيئته في معتقل بوكا عام ‏‏2008 بلقائه أغلب قيادات القاعدة وأفرادها في المعتقل. أوضح القيسي، أنه تمت إعادة هيكلة تنظيم داعش؛ إذ تم ‏تقسيم إدارتها إلى ولاية العراق وولاية الشام، وتم تكليف المكنى (حجي تيسير) من قبل الخليفة أبو بكر ‏البغدادي كأمير لولاية العراق، في حين جرى تكليف المكنى (عبد الغني) بمنصب ولاية الشام من قبل الخليفة ‏أيضاً، مضيفاً أنّ ولاية العراق، جرى تقسيمها إلى ثلاثة فروع كل فرع يمثل ثلاث ولايات عدا فرع ‏واحد يمثل ست ولايات، ورأسه هو الفرع الجنوبي المتمثل ‏بثلاث ولايات وهي (الأنبار والفلوجة والجنوب).

اقرأ أيضاً: "داعش" والفكر الداعشي
كما كشف الخبير الأمني هشام الهاشمي أبرز التكتيكات التي اتبعها التنظيم لإعادة هيكلة صفوفه؛ مثل تغيير طرق التمويل من عامة إلى ذاتية بالنظر لتقلص المساحة المنتشر بها إلى  2 بالمئة فقط في البادية الشامية، مضيفاً، أنّ زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي حذف الكثير من المناصب، بعد أن كان هناك أربعة عشر ديواناً في تنظيمه، وأبقى على ثلاثة دواوين فقط؛ وهي ديوان الجند أو الديوان العسكري، وديوان الأمن والاستخبارات والمعلومات، وديوان الإدارة والمالية، مشيراً إلى أنّ هذه التغييرات حوّلت التنظيم إلى "حالة شبحية"، يركز على حرب العصابات الهجينة أكثر من كونه كياناً واضحاً.
ويستطرد الهاشمي بالقول إنّ "داعش" حوّل الكثير من مقاتليه إلى مناطق الصحراء والبادية والجبال، وأسّس بذلك عمليات ما تعرف بالمفارز الراجلة، ووظيفتها صناعة الفوضى في مناطق فيها مشاكل طائفية أو قومية وتعاني من هشاشة أمنية، وكذلك البحث عما تعرف بالقيادات المناطقية المناوئة للحكومات، بالإضافة إلى محاولة الوصول إلى الأقليات لمنع عودتها بشكل كامل إلى المناطق التي كانت تسكنها.

الهاشمي: "داعش" حوّل الكثير من مقاتليه إلى مناطق الصحراء والبادية والجبال، وأسّس بذلك عمليات ما تعرف بالمفارز الراجلة

التنظيم عاد أيضاً إلى تكليف ضباط من الجيش السابق بإدارة هذه المجموعات المنفصلة، والإشراف على أمنها المعلوماتي، ولكن أبرز التحولات التي طرأت على التنظيم بعد سلسلة هزائمه الكبيرة، وفقاً للهاشمي تمثلت في تحويل ما يعرف بـ "الهيئات الشرعية"، إلى مهام استشارية فحسب، لم تعد أوامرها ملزمة لأحد من عناصره، في ظل صعوبة التجنيد، والخشية من أن يؤدي التضييق الديني إلى نفور أعضاء التنظيم، بما يقرّب التنظيم أكثر من القاعدة التي تؤمن بفكرة الحواضن الشعبية، وتنفر من الأساليب التي تفقدها دعم تلك الحواضن.
مع كل تلك التغييرات التي ضربت التنظيم، يبدو أننا أمام احتمال من اثنين: الأول، أنّ الزعيم الجديد للتنظيم إما أن يكون أحد القيادات القاعدية غير المعروفة، التي نجحت في تحصيل ولاء الطرفين، أو قيادة أوصى بها البغدادي، ومن المحتمل أن تكون عبد الله قرداش، الأكثر دموية من البغدادي نفسه، والمعروف بالمدمّر، والذي كان مسؤولاً عن التفخيخ.
في كل الأحوال عوّدتنا تلك التنظيمات على التكيف السريع مع المتغيرات، والمؤسف أنها في تحولاتها، في العادة، يكون أحدث إصداراتها أكثرَ عنفاً ووحشية.

الصفحة الرئيسية