هل يمكن أن تلتقي العلمانية مع الدين؟

صورة أحمد الديباوي
باحث في الفكر الإسلامي
1648
عدد القراءات

2018-12-04

عندما انعتقت أوروبا من سطوة الكهنوت الديني، الذي أسرها بأصفاد القداسة المزيّفة، والخضوع للنصّ وتأويلاته، من خلال رجال الدين وحدهم، انطلقت الحداثة، التي لم يكن طريقها سهلاً ميسوراً، فقد تراجعت أوروبا، حضارياً ومعرفياً وإنسانياً، بفعل ذلك الكهنوت، قبل أن تُحرِّر السياسةَ والعلمَ من أباطيل الجمود والتفسيرات القروسطية، التي حكمتها عدة قرون، ومن تفسيرات وتأويلات النصوص الدينية التي تؤطّر سلطة الكهنوت، وتُغيّب العقل، أو تهمّش عالمه، وتمنعه من الاتّساق مع العلم والتحضر والحداثة الكونية.

اقرأ أيضاً: عبدالجبار الرفاعي وسؤال التوفيق بين العلمانية والإيمان

وفي المقابل؛ لم يحقق العرب والمسلمون تقدماً يذكر في مجال تلك الحداثة والتنوير، رغم ظهور حركات إصلاحية وتنويرية، منذ أن ابتعث محمد علي باشا إلى أوروبا طائفة من الطلبة المصريين لاستلهام العلوم الحديثة المختلِفة، والتعرّف إلى الحضارة الأوروبية ونهضتها الكبيرة، التي كان الشرقُ -حينها- بمعزِلٍ عنها، لكنَّنا من يومها لم ننجح كما نجحت أوروبا، ولم نُنتِج حداثةً عربيةً خالصة، ولو من نصوص تراثنا العقلانية التقدمية، كما أنتج الغرب حضارته العلمية والعقلية، بل والأخلاقية، التي جعلت من الإنسان أساساً في بناء الحياة واستثمار وجوده فيها؛ لا ليهلك الحرث والنسل ويطغى على الآخرين بسطوته الجسدية والعقلية والدينية؛ بل ليبني الكون، ويستثمر موارده كلها لإفادة الآخرين دون النظر إلى أجناسهم أو أديانهم، بما يحقّق نظرية الإحياء التي تكلّم عنها القرآن الكريم: "وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً"؛ فالنصّ لا يحتاج كبير تدبّر؛ إذ ألفاظه المتبادرة توحي صراحة بالوَحدة الإنسانية "النَّاسَ جَمِيعاً"، التي هي أساس وجود الإنسان في هذا الكون.

العلمانية ليست ديناً أو أيديولوجيا بل نظام يضمن استقلالية الإنسان وتفعيل ضميره وحمايته من وساطتَيْ القداسة والتمييز

إنّ المناداة بالحداثة التي هي نتاجُ العلمانية لا تعني بحال دعوة إلى إلغاء الدين؛ بل تقديم الدين في حالة حضارية وإنسانية شمولية، تضمّ الجميع دون تفرقة بين إنسان وإنسان، ودون تسييس لنصوص الدين، فليس ثمّة سُلطة كهنوتية تستأثر بفهم النص الديني، فتحجر على الآخرين فهمه وتقييد حيويته وفاعليته وقابليته للتحديث، وصلاحيته للتطوّر الإنساني الذي هو في صالح ذلك الإنسان الحرّ في اختيار سياسته التي يؤمن بها، وعقيدته التي يطمئن إليها قلبه، وسلوكه الذي يخضع للقانون وخيارات المجتمع الذي يعيش فيه بعيداً عن الوصاية ونزعة الكهانة وامتيازاتها، وكلّ أولئك تنطق به كثير من آي القرآن الكريم الذي لا نتدبره، ولا نقرؤه إلا بوساطة الموروثات التفسيرية والفقهية والكلامية، التي أنتجها السلف، فقُمنا بتقديسها وإسباغ الجمود على النص القرآني الفاعل؛ "وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ" [الكهف :29]، "إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ" [القصص:56]، "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" [الكافرون: 6]، "مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً" [النساء:80 ]، "فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ" [الشورى:48]؛ فتلك الآيات الكريمات تنطق بما لا يريد أنْ ينطق به أربابُ النصوص والأيديولوجيا ممّن يؤوّلونها بالنسخ، تنطق تلك الآيات بأنّ الإنسانَ له كلّ الحق في الاختيار، وله كل الحق في الحرية الاعتقادية في الدنيا، دون وصاية، وهذا مما نادت به العلمانية التي نقصد منها حيادية الدولة في الأديان والعقائد؛ حيث لا تكون الدولة متحدّثة باسم الدين، متمتّعة بالحيادية الدينية تجاه أفرادها، مدنية في تعاملاتها مع مواطنيها دون إخضاعهم لأيديولوجية دينية أو مذهبية معيّنة، فتفرض عليهم شكلاً من الوصاية باسم الدين، وهذا هو الأساس العمليُّ للعلمانية، فلا نزعة إلحادية فيه كما يدّعي البعض، جهلاً أو ارتكاناً لسياسة ما، فليست العلمانية ديناً أو أيديولوجيا؛ بل هي نظام حكم يضمن استقلالية الإنسان، وتفعيل ضميره الحيّ، وحمايته من وساطتَيْ القداسة والتمييز، اللتين تفرضهما نصوص الفقهاء الذين قدّسنا نصوصهم بأكثر مما قدّسنا آيات القرآن الكريم الناطقة باستقلالية الفرد ونزعته الإرادية.

اقرأ أيضاً: حسين المرصفي.. أوّل أزهري أشار إلى العلمانية

   بصرف النظر عن اعتراض البعض، أو امتعاضه من هذا الطّرح، إلا أنني أرى أنّ العلمانية، بمفهومها الغربي، قد تلتقي مع بعض جزئيات الدين، دون أن نلوي عُنق النصوص القرآنية الناطقة بذلك، وهو على الأقل ما يمكّننا من البناء على ذلك، في حالة الانحدار الثقافي الذي نعيشه، وبصرف النظر عن وهم المصطلحات التي تأسرنا؛ فالإسلام دين متجدِّد، يجعل للإنسان دوراً في بناء الحياة، "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، وينزع القداسة عن كلّ أحد يدّعي أنه وحده هو من يفهم النص، وأنه وحده يمتلك معطياته، وأنه وحده بيده مفاتيح الجنات؛ ففكرة العلمانية قد انبثقت في تاريخ الإسلام ونصوصه الأولى المجرّدة عن تزايدات الفقهاء والمفسرين والمتكلمين المرتبطة بالسياسة، قبل أن تعرف أوروبا ذلك المصطلح؛ فالإسلام يرفض احتكارَ فردٍ أو طائفةٍ سلطة الدين أو السياسة، باسم الدين وفهم نصوصه، كما يرفض تهميش العقل، ويُضخّم من وجود أهلية الإنسان وعقله، الذي له أن يُفكّر ويتدبّر ويعقِل ويفهم بلا حدود، كما يؤصّل لانتماء الإنسان إلى ذاته ووجوده وضميره؛ لأنّ ذلك الإنسان هو أساس الحياة ومحور الوجود.

العلمانية بمفهومها الغربي قد تلتقي مع بعض جزئيات الدين دون لَيّ عُنق النصوص القرآنية

ولو أننا دقّقنا النظر العقليَّ في ذلك النصّ التاريخيّ؛ الذي روته كتب التاريخ الإسلامي وتضافرت على صحته الأحداث، لألفينا فيه معاني العلمانية الفكرية والعملية بامتياز؛ ففي خُطبة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، بعد بيْعة السقيفة، كان ممّا قاله للناس: "أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي، أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَه، فَإِذَا عَصْيَتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ"، ها هو ذا يُقرّر أنّ حرية الرأي مكفولةٌ مضمونةٌ لهم، وأنَّهم وحدَهم مصدرُ السلطات لا هو، كما أن لهم الحق كله في انتقاده وتقويم سلطته التي مُنحها من خلالهم، فلهم الحقّ في نقضها متى أخلّ هو بواجباته ومسؤوليته كحاكم مجرّد عن قداسة الصحبة للرسول الكريم، صلّى الله عليه وسلّم، وهذا ما وجدناه مختلفاً عن حالة معاوية بن أبي سفيان؛ عندما جعل الخلافة مُلكاً عضوضاً، وأوهم الناس بأنّ الله تعالى هو مَن اختاره جبراً، لتبرير وتسويغ ولايته عليهم باسم الدين وقداسة الاختيار، فخطب في الناس قائلاً: "إني، والله، ما قاتلتكم لتصلّوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا، إنكم تفعلون ذلك، وإنما قاتلتكم لأتأمّـر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهـون".

اقرأ أيضاً: هل يتعارض الإسلام مع العلمانية؟

ليست العلمانية إلا لإبعاد الكهنوت الديني، والتقاليد الدينية الجامدة عن السياسة، فلا ينبغي بحال أن ننظرَ إلى السياسة من خلال الدين؛ فلا نصبغ السياسة بالدين ولا نصبغ الدين بالسياسة، فيفسد كلاهما، كما هي الحال الآن.

اقرأ المزيد...

الوسوم: