هل يمكن أن يؤدي التمرّد الكرديّ إلى انهيار تركيا؟

هل يمكن أن يؤدي التمرّد الكرديّ إلى انهيار تركيا؟

مشاهدة

20/09/2020

ترجمة: مدني قصري

وُلدت تركيا الحديثة منذ ما يقرب من مئة عام، في سياق الجهود الأوروبية لتقسيم شبه جزيرة الأناضول، هذه الحقيقة تغذي كُلّاً من جنون العظمة الجماعي لتركيا وكراهيتها للأجانب.

 كابوس تركيا انفصال كردي؛ ففي حين أنّ حزب العمال الكردستاني والجماعات المنبثقة عنه قد تخلوا منذ فترة طويلة عن هذا الهدف لصالح الحكم الذاتي المحلي، فإنّ ولع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بإشعال القتال مع الجيران والدول الإقليمية قد يحوِّل مخاوف تركيا قريباً إلى نبوءة قد تتحقق ذاتياً.

قد يتفاعل القوميون الأتراك ويَرُدّون بالتظليل والتبجّح، لكن يجب أن يكونوا واقعيّين أيضاً: أردوغان متقلّب ومتهوّر بشكل متزايد، قد يكون اختيار القتال خياراً سيّئاً

ظلت مشكلة تركيا مع قضيتها الكردية قائمة طوال فترة وجود الجمهورية التركية نفسها تقريباً، بالكاد بعد عامين من تأسيس تركيا، في عام 1923، انتفض الأكراد أثناء تمرّد الشيخ سعيد من أجل معارضة إلغاء الخلافة، وفي عام 1927 أعلن إحسان نوري باشا جمهورية أرارات، وهي دولة كردية صغيرة تقع في أقصى شرق الأناضول، على طول الحدود الإيرانية والأرمنية، وقد أمر مصطفى كمال أتاتورك، أوّل رئيس لتركيا الحديثة، بسحق هذا الكيان، وردّ الجيش التركي والقوات الجوية بفعالية وحشية على مدى الأعوام الثلاثة الموالية، وفي عام 1936؛ اندلع تمرّد كرديّ آخر في ديرسم، للاحتجاج على التتريك القسري، والترحيل الإجباري من أجل تمييع الهُويات غير التركية ديموغرافياً.

 مرّة أخرى سحق الجيش التركي الانتفاضة، وفي كلّ حالة كان الأكراد قادرين على تبرير انتفاضاتهم، من خلال مظالم محددة تتجاوز الهُوية الوطنية البسيطة، لكنّ ثوراتهم عزّزت بشكل خاص عدم ثقة الحكومات التركية المتعاقبة تجاه أيّ تعبير عن الهُوية الكردية.

لقد ظلت كراهية الحكومة التركية للهُوية الكردية تتبلور بعد وفاة أتاتورك، عام 1938،  تجاهلت الحكومات المتعاقبة في أنقرة المناطق التي يقطنها الأكراد أثناء تحديثها للاقتصاد التركي، لقد قبِل الأتراك بالأكراد، لكن فقط عندما تخلّى الأكراد عن هُويتهم العرقية والثقافية.

اقرأ أيضاً: الحزام التركماني.. "أبارتايد" أردوغاني بحق أكراد سوريا

على مدى العقود التالية؛ عانت تركيا من نصيبها من عدم الاستقرار السياسي، وشارك في ذلك بعضُ الأكراد، لكنّ العنف السياسي كان يحدث عادة في سياق متطرفين يساريين أو يمينيين.

 في هذا السياق ظهر عبد الله أوجلان، العضو المؤسس لحزب العمال الكردستاني (Partiya Karkerên Kurdistan، PKK)، وانتهى به الأمر بالشعور بالاستياء إزاء التبعية الكردية في الصراع الطبقي المزعوم، وشكّل حزب العمال الكردستاني لتصحيح ذلك الوضع.

أطلق أوجلان رسمياً تمرّد حزب العمال الكردستاني، عام 1984، مستهدفاً في كثير من الأحيان، الأكراد المنافسين والأتراك على السواء.

دعم أعمى لتركيا

قدّمت الولايات المتحدة دعماً أعمى لتركيا في حربها ضدّ حزب العمال الكردستاني، وكان حزب العمال الكردستاني آنذاك مجموعة ماركسية، وفي سياق الحرب الباردة، ساد ذلك على كلّ شيء؛ ففي حين كان يمكن لحزب العمال الكردستاني وأنصار جماعاته المعارضة في سوريا أن يستسلموا لفقدان ذاكرةٍ تاريخية، فقد تورطت الجماعة أيضاً في ممارسة الوحشية والإرهاب في تركيا، ومن الغريب أنّ الأمر استغرق ثلاثة عشر عاماً، وفي سياق صفقة بيع أسلحة في عهد كلينتون، قبل أن تُصنّف وزارة الخارجية رسمياً الجماعةَ ككيان إرهابي.

 لقد كان الإجراءُ باهتاً للغاية، وربما جاء بنتائج عكسية؛ فلم يكن توقيتُه يوحي بدوافع أخرى غير التقييم الموضوعي للإرهاب وحسب، بل جاء انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة ليغيّرا واقع المجموعة.

في عهد الرئيس تورغوت أوزال، بدأت الحكومة التركية في إصلاح نفسها نحو تحقيق وفاق، وقد أدّى موت أوزال المفاجئ إلى إفشال هذا الجهد، لكنّ القبض على أوجلان، عام 1999، أجبر المجموعة على التحرك في اتجاهات جديدة.

اقرأ أيضاً: للمرة الأولى درس عن الأكراد في المناهج الفرنسية... هذا مضمونه ودلالاته

 أذِن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بنفسه بإجراء تواصل سرّي قبل المفاوضات في عام 2012، لكنّه أوقف محادثاته في النهاية بعد أن صوّت العديد من الأكراد في تركيا لصالح حزب الشعب الديمقراطي (HDP) بدلاً من حزبه، العدالة والتنمية (AKP).

 لقد حققت عملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني بعض النجاح، من حيث جهود مفاوضيهما؛ اتفاق مؤقت شهد إلقاء حزب العمال الكردستاني سلاحه داخل تركيا، وذهب العديد من المقاتلين إلى سوريا.

اقرأ أيضاً: هل تستخدم روسيا الأكراد لمناكفة تركيا؟

في الأعوام الأخيرة، اشتدّ تطوّر التنظيم؛ أعطى الفراغ الذي تسببت فيه الحرب الأهلية السورية للأكراد السوريين، فرصة لحُكم أنفسهم بأنفسهم، وقد نجحوا بشكل ملحوظ؛ ففيما يصف بعض النقاد من مؤسسات الفكر والرأي في واشنطن، المجموعةَ بِالماركسيين غير التائبين (غير النادمين)، فإنّه يبدو أنّ هؤلاء الباحثين لم يكلفوا أنفسهم عناء زيارة الأنظمة السياسية التي يُبدون فيها هذا النوع من الآراء.

الحكم الذاتي الكردي

 إنّ الحكم الذاتي الكردي يمكن أن يكون أشياء كثيرة، لكنه ليس ماركسياً.

خضع الأكراد أيضاً لتحوّل من خلال اللجوء إلى استعمال السلاح؛ فقد هَزَمت الميليشيات التي يسيطر عليها الأكراد إلى حدّ كبير، مجموعات القاعدة في شمال شرق سوريا، وكانت أيضاً لا غنى عنها في الصراع البري ضدّ داعش.

اقرأ أيضاً: كيف يحارب أردوغان الأكراد بورقة النفط السوري؟

غالباً ما تضع السلطاتُ التركية تكافأ أخلاقياً بين داعش والجماعات الكردية، لكن هذا لا يكفي لسببين: أوّلاً، هناك أدلة دامغة على أنّ موظفي الحكومة التركية والمخابرات التركية وعناصرها قد دعمت عائلة أردوغان، أو زودت أو قامت بأعمال تجارية مع داعش.

وثانياً: بعد أن ضغطت الحكومة التركية على الأمن البلجيكي لاعتقال العديد من المسلحين الأكراد بتهمة الإرهاب، استمعت محكمة بلجيكية إلى أدلة، ووجدت أنّ تصنيف تركيا لحزب العمال الكردستاني والجماعات المرتبطة به ككيانات إرهابية، غير صحيح، وبدلاً من ذلك، خلصت المحكمة إلى أنّ حزب العمال الكردستاني، ببساطة، "طرف في نزاع مسلح غير دولي".

اقرأ أيضاً: كيف غازل داود أوغلو الأكراد في تركيا؟ وما رأي أردوغان؟

ففيما يترنّح الاقتصاد التركي، أصبح أردوغان عدوانياً بشكل متزايد تجاه جيرانه، أصبح القصف في العراق، لا سيما في منطقة سنجار اليزيدية، متكرراً، كما نقلت تركيا قدامى مقاتلي داعش جواً إلى ليبيا، وانتهكت، مراراً وتكراراً، حظر الأسلحة في ليبيا، وبرّرت تركيا غزوها للشمال (عفرين ، جرابلس، ...)، وشرق سوريا على أنّه خلقُ ملاذ للسلام، لكنّها في الواقع أصبحت منطقة تطهير عرقي مناهض للأكراد.

أردوغان يهدّد اليونان

والآن أردوغان يهدّد اليونان؛ لقد قال، في 7 أيلول (سبتمبر): "عندما يحين وقت القرار، وأنا أقول ذلك بوضوح؛ فإنّ مَن يعارض تركيا ويُعرّض أمن وازدهار مواطنيها للخطر، يجب أن يدفع ثمناً باهظاً"، كما هدّد مسعود حقي، المستشار المقرب لأردوغان، قائلاً: "سيُسِقط طيارونا خمس أو ست طائرات (طائرات حربية يونانية)، قريباً، وسندخل إلى الحرب". واقترحَ أردوغان أن يُخضِع الأتراكُ بعد ذلك، الطيارين اليونانيين والقبارصة والفرنسيين، للقتال بالحِراب.

أصبح أردوغان عدوانياً بشكل متزايد، أصبح القصف في العراق، لا سيما في منطقة سنجار اليزيدية، متكرراً، كما نقلت تركيا قدامى مقاتلي داعش جواً إلى ليبيا

ومن حسن حظّ تركيا أنّه، لعقود من الزمان، كانت القوة الخارجية الوحيدة التي تقدم مساعدات كبيرة لحزب العمال الكردستاني هي سوريا، ربما بمباركة الاتحاد السوفييتي، ومن بعد انهياره، روسيا، كما يزور المسؤولون السعوديون الآن، شمال سوريا وشرقها علانية؛ ففي حين أنّ الأسلحة الأمريكية المقدمة إلى قوات الدفاع السورية مخصَّصة لمحاربة جماعة داعش المناهضة للتمرد، فإنّ مساعدة المملكة العربية السعودية المحتملة للأكراد لن تكون محدودة، ولن تكون المساعدة المصرية مقيّدة أيضاً، بل على العكس، ستكون أكثر فعالية؛ ما تزال القاهرة مقتنعة بأنّ هدف أردوغان، في دعم الحكومة الإسلامية الليبية، هو، في النهاية، مساعدة الإخوان المسلمين وتهديد الأمن المصري، ونُضيف اليونان إلى هذا المزيج؛ فقد يحصل المتمردون الأكراد في تركيا، قريباً، على نوع الأسلحة والتمويل الذي لم يكن يسعهم أن يحلموا به في الماضي.

يبدو أنّ المجموعة قد فتحت صفحة جديدة بشأن أهدافها وسلوكياتها السابقة، ولكن مثل العديد من الجماعات الإرهابية في الماضي، فإنّ حزب العمال الكردستاني لديه أيضاً فصائل وجماعات معارضة، مثل صقور حرية كردستان (TAK)، التي لا تتردّد في القيام بالأعمال العنيفة والقاتلة، مثل أوجلان.

اقرأ أيضاً: تعطيش الشمال السوري: إستراتيجية تركيا لمحاربة الأكراد

قد يتفاعل القوميون الأتراك ويَرُدّون بالتظليل والتبجّح، لكن يجب أن يكونوا واقعيّين أيضاً: أردوغان متقلّب ومتهوّر بشكل متزايد، قد يكون اختيار القتال خياراً سيّئاً، واللجوء إلى اختيارات كثيرة في وقت واحد أمر سخيف؛ فبمجرد أن تبدأ الدول الأخرى بشكل سرّي في دعم التمرد الكردي في تركيا، فلن يكون هناك عودة إلى الوراء.

 إنّ أيّ تركي يلتزم بحنكة أردوغان وعدوانه الإقليمي لا يشارك بالضرورة في تعظيم تركيا، كما قد يزعم أنصار أردوغان، بل سيشارك في تقسيمها النهائي.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

www.jforum.fr

الصفحة الرئيسية