هل ينجح "العسكر" في إدارة مرحلة انتقالية في السودان والجزائر؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
3580
عدد القراءات

2019-06-16

شكّلت المؤسسة العسكرية، بمستوياتها المختلفة، إلى جانب عناوين أخرى، من بينها: هامش الديمقراطية والحرية، ومدى رسوخهما في البلدان العربية، والعامل الدولي المتمثل بمواقف القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، أبرز معايير تقييم ثورات "الربيع العربي" في الدول العربية التي شهدت هذا "الربيع"، بما فيها دول شمال إفريقيا العربية، والسودان لاحقاً، وسوريا واليمن.

اقرأ أيضاً: كيف تقرأ النخب الإثيوبية مبادرة آبي أحمد في السودان؟

وإذا كانت الأوزان النسبية لمعيارَي: هامش الديمقراطية والحرية المتاحة قبل "الربيع"، والتدخل الإقليمي والدولي في "الربيع العربي"، تتفاوت من دولة إلى أخرى، بما يعكس تناقضات حادة وازدواجيات في المعايير التي حكمت تلك المواقف ومستوى التدخل، فإنّ المؤسسة العسكرية، بما فيها الأجهزة الأمنية كانت أحد أبرز العناوين في تقييم هذا "الربيع" أو ذاك، وقاسماً مشتركاً بين كافة الدول العربية التي شهدت "ربيعاً"، منذ العام 2011.

على القوى الإسلامية أن تدرك حجم التغيير الحاصل على المجتمعات العربية وأنّ ثقتها المسحوبة من العسكر تجري على الجميع

المؤسسة العسكرية في الدول العربية تستند إلى إرث تاريخي مرتبط بمقاومة الاستعمار؛ حيث تشكّلت الجيوش العربية من فصائل مقاومة، قوامها أبناء القبائل، وهي المؤسسة الوحيدة التي كانت قائمة ولها حضور خلال الاستعمار، ورغم إنشاء مؤسسات في هذه الدول على أنقاض الاستعمار، إلا أنّها بقيت هياكل تعكس مفهوم الدولة الحديثة، لكنّها، في الغالب، بمضمون يجسد مفاهيم المؤسسة العسكرية؛ "وزارات، قضاء، مؤسسات مجتمع مدني من أحزاب ونقابات عمالية، ...إلخ".

إلا أنّ دور المؤسسة العسكرية يتفاوت من دولة إلى أخرى، تبعاً لطبيعة النظام السياسي قبل "الربيع" وموروثه العسكري، والذي يعكس تفاوتاً نسبياً بين الأنظمة السياسية العربية؛ فسلطة الجيش محدودة في تونس، ولا يشكّل أكثر من خمْس القوى العسكرية والأمنية، وتشكّل القوى الأمنية أكثر من أربعة أخماس المؤسسة العسكرية، فيما لم تعرف ليبيا "الجماهيرية" مفهوم القوات المسلحة والجيش الوطني، وكان واضحاً أنّ هناك تشكيلات عسكرية تُعرف بالكتائب، تشكّلت على أسس متنوعة، لكنّها ليست وطنية، وهي أشبه ما تكون بيمليشيات وعصابات وجيوش قبائل، أما في اليمن وسوريا؛ فرغم الصفة الوطنية لجيوشها، إلّا أنّها جيوش قبائل "الشمال" في اليمن، وجيوش "الطائفة" في سوريا، وفي المقابل؛ فإنّ هذه المؤسسة عميقة بعمق الدولة في مصر والجزائر والسودان، ولها سلطة فاعلة في إدارة الدولة، مستمدة من فكرة الدولة ذاتها، وتشكّل عنواناً للسلطة، بمعزل عن رئاسة تلك السلطة.

اقرأ أيضاً: هل تنجح وساطة آبي أحمد بإخراج السودان من نفقه المظلم؟

تطورات مشهد "الربيع العربي" في السودان والجزائر، تعكس الصورة الأكثر مصداقية حول قوة ودور المؤسسة العسكرية في البلدين؛ فالصراع في البلدين تقوده هذه المؤسسة العسكرية، بوصفها الطرف الأقوى، مقابل قوى "الشارع" المتشابكة من قوى تقليدية "يسار ويمين وقوميين"، وقوى مستقلة ناشئة يمثلها شباب غاضب، استفاد وتأثر بمعطيات الانفتاح التي وفّرتها تطورات التقدم التكنولوجي، وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي، وسئمت من استشراء الفساد وعدم تحقيق نتائج تذكر في مقاربات الإصلاح السياسي والاقتصادي، وكان قمّة هرم التحديات؛ الإصرار على ترشيح رئيس غير قادر على الحكم "بوتفليقة" لولاية خامسة، ووعود ضخمة بإصلاحات جديدة، لرئيس قضى في الحكم أكثر من ثلاثين عاماً "البشير".

تعكس تطورات مشهد الربيع العربي في السودان والجزائر الصورة الأكثر مصداقية حول قوة ودور المؤسسة العسكرية في البلدين

المقاربات الإصلاحية تقوم، اليوم، بين الطرفين على قاسم مشترك؛ هو مرحلة انتقالية يتم خلالها الإعداد لانتقال سلمي لسلطة دائمة، ولكلّ طرف وجهة نظره في كيفية إدارة هذه المرحلة، والوصول إلى مخرجاتها؛ فالمؤسسة العسكرية في البلدين ترى في التغيير إجراءات شكلية، جوهرها تغييب رأس النظام، وإيداع  بعض رموزه في السجن، على خلفية اتهامات بقضايا فساد، ووعود بانتخابات ومجالس نيابية وسلطات قضائية مستقلة، مع الحفاظ على جوهر فكر النظام الراحل ورموزه الباقين، وأنّه لا يمكن إجراء تغييرات عميقة كما يطالب الشارع برحيل النظام "كلّه"، خوفاً من حالة فوضى، وتحوّل الدولتين إلى دولتين فاشلتين، خاصة أنّ قوى يمينية، هي الأكثر تنظيماً وقوة، يمكن أن تصل إلى السلطة، "تم الإعلان في السودان عن إفشال محاولة انقلابية يقودها ضباط إسلاميون"، وتكتسب هذه المقاربة دعماً من قوى إقليمية ودولية تخشى تكرار سيناريوهات "العراق، وسوريا، واليمن، وليبيا".

وفي المقابل؛ إنّ قوى الشارع في البلدين تتفاوت في طروحاتها بين مقاربة "لا لحكم العسكر"، وإنّه تمّ تجريب الحكم العسكري منذ عشرات السنين، وقد آن الأوان لحكم مدني.

ومقاربة أخرى ترى أنّ التغيير المنشود لا يمكن إنجازه إلا بتدرّج وبمشاركة العسكر، الذين يقفون على مؤسسة تمارس الحكم بكلّ تفاصيله منذ عشرات السنين.

اقرأ أيضاً: بعد فض اعتصام القيادة.. ما مصير الحراك السوداني؟

رغم تعدّد المبادرات التي تطرح في السودان للوساطة بين المجلس العسكري وقوى التغيير، إلا أنّ المبادرة التي تضمنت تشكيل هذا المجلس مناصفة بين العسكريين والمدنيين، كان يمكن أن تكون حلاً مقبولاً، ورغم أنّ الحلول المستقبلية قد لا تبتعد عن هذه المقاربة، إلا أنّ من الأهمية بمكان أن يدرك العسكر اليوم؛ أنّه لا مناص من الذهاب إلى حلول جادة، توازي بين الإصلاحات السياسية والاقتصادية ومكافحة الفساد، والاستفادة ليس من تجارب دول عربية؛ بل من دول إفريقية مجاورة، استطاعت بعد أعوام من حروب أهلية طاحنة الخروج من عنق الزجاجة "رواندا"، كما أنّ على قوى التغيير، خاصة الإسلامية، أن تدرك حجم التغيير الذي طرأ على المجتمعات العربية، وأنّ ثقتها المسحوبة من العسكر تجري عليهم وعلى قوى اليسار بالتساوي.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



النكتة السياسية تواصل الرقص على الجراح

2019-07-22

من جيب معطف الهجاء المرير، خرجت السخرية اللاذعة. ومن جيب الأخيرة خرجت النكتة بأنواعها؛ السياسية والاجتماعية والفكرية، الفصيحة والعامية، المهذّبة والمكشوفة. وإذا كان الهجاء يعبِّر عن مشاعر الغضب والكراهية والاحتقار على نحو مباشر قد يخلو أحياناً من اللوذعية، فإنّ السخرية تعبر عن رغبة عميقة في تسخيف وتسطيح الخصم إلى درجة يسهل معها احتماله والتعايش معه فضلاً عن فلسفة العديد من جوانب هذا الموضوع بواسطة (الكوميديا السوداء) على طريقة (شر البَليّة ما يضحك)! وأما النكتة فهي الدفع بالسخرية إلى أقصى حدودها الممكنة عبر اختلاق مفارقة ما وتفجيرها على نحو مباغت وصاخب، يستدعي في الغالب الضحك الطويل دون تحفّظ.

اقرأ أيضاً: ترند "مر أعرابي".. السخرية الاجتماعية تدخل معركة التراث
يمور تاريخ الفكر والفلسفة تحديداً، بالعديد من النماذج الساخرة المبكية المضحكة في آنٍ واحد، بدءاً بسقراط الذي لم يتردد في أن يقول لزوجته بعد أن ضاقت باستغراقه الفلسفي ذرعاً ودلقت على رأسه سطلاً من الماء: (ما زلت تُبرقين وتُرعدين حتى أمطرتِ)! مروراً بهنري برجسون الذي أهدى العالم كتابه الأشهر (الضّحك)، وليس انتهاء بجورج برناردشو الذي شبّه خلوّ رأسه من الشَّعر وكثافة لحيته بالاقتصاد الرأسمالي الذي يتصف بالغزارة في الإنتاج والرداءة في التوزيع!

السخرية تعبر عن رغبة عميقة في تسخيف وتسطيح الخصم إلى درجة يسهل معها احتماله والتعايش معه

كما تعجُّ الثقافة العربية القديمة بأخبار الحمقى والمجانين والطفيليين ونوادرهم، ولا تخلو أيضاً من النماذج الساخرة مثل بشّار بن برد وأبو نواس والجاحظ. علماً بأنّ الثقافة العربية القديمة تحديداً، أولت السخرية والنكتة والحق في الضحك قدراً كبيراً من عنايتها فبدت على قدر وافر من المرح وخفّة الظل. ورغم بعض الدعوات التي كانت تنطلق من آن لآخر إلى التجهم والجديّة الخانقة وذمّ الضحك، بصيغ عديدة ولأسباب سياسية وأيدولوجية، فقد ضربت هذه الثقافة بسهم وافر في فن السخرية بصيغه المسهبة أو استعاراته الكبرى، كما نلاحظ في كتب (المقامات)، وبصيغه المقتضبة أو استعاراته الصغرى، كما نلاحظ في كتب الأخبار والطرائف والنوادر.

اقرأ أيضاً: يوسف هريمة: الثقافة العربية تقوم على صناعة الأصنام الذهنية
تدفعنا التفسيرات النفسية لشخصية صانع النكتة أو مروّجها، إلى الاعتقاد بأنّه يمارس ضرباً من الإسقاط بغية الحصول على الحد المطلوب من التوازن الذي قد يحول دون انهياره؛ فمن يكثرون من الضحك أو الرغبة في إضحاك الآخرين يعانون حزناً وألماً عميقين قد يصلان حد الاكتئاب، ومن يركّزون على النكات الجنسية لديهم جراح غائرة قد تصل حدود الكبت والعجز والعنّة. لكن النكتة بوجه عام، ومن منظور علم النفس الجماعي، تعد أحد أبرز مؤشرات المزاج الشعبي العام، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. وهي لذلك أيضاً شكل عفوي من أشكال استطلاع الرأي العام.

يمور تاريخ الفكر بالعديد من النماذج الساخرة المبكية المضحكة في آنٍ بدءاً بسقراط مروراً ببرجسون وليس انتهاء ببرناردشو

ومن نافلة الحديث القول إنّ النكتة السياسية تحديداً قد استُخدمت وما زالت تُستخدم على صعيد الحروب النفسية بين الدول والجماعات على نطاق واسع وفعّال، ولها خبراؤها الذين يبدعون في إخراجها بمواصفات محدّدة، قد تتكفل أحياناً بإنجاز ما لم تنجزه الطائرات والغواصات والجيوش الجرّارة. ومن أبرز الأمثلة التي يمكن الإشارة إليها على هذا الصعيد، رواية (مزرعة الحيوانات) لجورج أورويل، التي تُمثّل نكتة سياسية طويلة (استعارة كبرى) تهدف إلى تسخيف وتقويض النظام الشيوعي بوجه خاص، وكل نظام شمولي بوجه عام، بغض النظر عن هويته السياسية أو الاقتصادية أو الأيدولوجية. ولا ريب في أنّ ما تكفّلت به هذه الرواية وحدها على صعيد هزَّ الصورة الوردية للمجتمع الاشتراكي، قد فاق من حيث التأثير والفاعلية أضعاف ما كان يمكن أن تتكفّل به العديد من أسلحة الدمار الشامل - التي لم تُستخدم لحسن الحظ - في ذروة الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الشيوعي.

النكتة بوجه عام ومن منظور علم النفس الجماعي تعد أحد أبرز مؤشرات المزاج الشعبي العام سياسياً واقتصادياً واجتماعياً

سجّلت النكتة العربية منذ اندلاع "الربيع العربي"، مستويات قياسية غير مسبوقة، شكلاً ومضموناً وتسويقاً؛ إذ علاوة على أنّها غدت عابرة لكل الخطوط الحمراء، فقد تجاوزت مرحلة الترويج الطوعي بقصد الترفيه غير الربحي، ودخلت مرحلة التسويق التجاري المدفوع سلفاً. وهي تستأثر بالعديد من المواقع الإلكترونية التي يؤمّها الملايين من المتابعين ويُعيدون إنتاجها عبر كل وسائل التواصل التي يملكونها. ومن البديهي القول بأنّ مجمل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتردية في العديد من الأقطار العربية، تُمثّل الوقود النووي للنكتة السياسية في المقام الأول وللنكتة الاجتماعية في المقام الثاني، دون التقليل من أهمية المحفّزات الخارجية، مالياً ومعنوياً!
ورغم مشاعر الألم والمرارة والإحباط والعجز والحزن والغضب التي تثوي في البنية العميقة للنكتة العربية الراهنة، إلّا أنّ كُلّاً من الباحث والناقد والمحلل لا يسعهم التغاضي عن تنامي حسّ الدعابة وخفة الظل واللوذعية في الخطاب العربي الساخر من جهة، وفي شخصية المواطن العربي من جهة ثانية. وقد يكون من تمام التنكيت والتبكيت في هذا المقال، ضرورة الإشارة إلى أنّ الزوايا الأربعة في مربع النكتة العربية الآن، مشغولة بالسياسي والمواطن في الأعلى وبالزوج والزوجة في الأسفل؛ حيث لا يمر يوم دون أن تتفتّق قريحة الساخر المعلوم المجهول، المفرد والجمعي، عن التشهير بواقع العلاقة التي تقوم بين الأربعة على الخيانة والاستغفال، وتعداد المساوئ، وكأنّ العلاقة بينهم أصبحت محصورة بمفردات وآمال وطموحات وإحباطات غرف النوم!

للمشاركة:

أبو بكر الأصم.. المعتزلي الذي أنكر وجوب الإمامة

2019-07-22

في مقابل إجماع الفقهاء القدماء، والكثير من المتكلمين، على وجوب الإمامة، يظهر لنا متكلم معتزلي من القرن الثالث، هو عبدالرحمن بن كيسان، المعروف بأبي بكر الأصم (201 – 279)، برأي انفرد به، ينص على عدم وجوب الإمامة.
تنقل لنا كتب تاريخ الفرق والمدونات الفقهية وكتب السياسة الشرعية هذا الرأي للأصم على أنّه رأيه وحده الذي خالف فيه إجماع الأمة وعلمائها، ويأخذ بعضها في الهجوم عليه دون مناقشة لدواعي ومبررات رأيه.

إنّ رفض الأصم لوجوب الإمامه يعني وضعه للثقة كلها في الأمة باعتبارها حاكمة على نفسها دون حاجة لسلطة تحكمها

وأبرز من هاجم الأصم في رأيه هذا هو أبو المعالي الجويني (419 – 478)، في كتابه "غياث الأمم في التياث الظلم"؛ إذ شوه رأي الأصم، وصوّره على أنّه صادر عن نية سيئة؛ إذ يريد الأصم، حسب الجويني، أن يترك الأمة في حالة من الفوضى التامة والضياع والتفكك بإنكاره لوجوب الإمامة.
ولم نعرف من أنكر وجوب الإمامة من القدماء إلا الخوارج، لكن لم يكن الأصم منهم بل كان معتزلياً، بالتالي يجب البحث عن مبررات إنكار الأصم لوجوب الإمامة انطلاقاً من مذهبه الاعتزالي.
لكن لمّا كانت المعتزلة قد أجمعت على وجوب الإمامة وخالفهم الأصم في ذلك، فإنّ انفراد الأصم بإنكار وجوب الإمامة يجعلنا نتلمس ملامح مذهبه الاعتزالي الخاص الذي استقل به عن التيار الاعتزالي العام. ولذلك سأحاول فيما يلي أن أوضح ما يمكن أن يكون قد دفع الأصم لهذا الرأي انطلاقاً من مذهبه الاعتزالي الخاص به.

اقرأ أيضاً: المعتزلة.. ضرورة البناء والنقد

لم يكن الأصم منكراً لوجوب الإمامة وحدها، بل كان كذلك منكراً لأصل من أصول المعتزلة على الرغم من أنّه كان معتزلياً، وهو وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يروي عنه الأشعري في "مقالات الإسلاميين". وإذا صحّ عنه ذلك، وإذا ربطنا بين إنكاره لوجوب الإمامة وإنكاره لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا يعني إنكاره لتولّي سلطة عليا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو لم ينكر وجوب الإمامة وحدها، بل أنكر أحد أهم وظائفها الشرعية وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ونظراً لعدم توضيح كل الذين نقلوا عنه لحقيقة مذهبه، فإنني أعتقد أنّه لم ينكر وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا باعتباره من وظائف الإمام الشرعية، ولم ينكر المبدأ ذاته كأصل ديني؛ إذ ربما كان يريد من المبدأ أو الأصل ألا يكون حكراً في يد السلطة الحاكمة.

اقرأ أيضاً: محمد إقبال وحلم المعتزلة المتأخر أحد عشر قرناً

كما يذكر الأشعري عن الأصم رأياً آخر غريباً. ففي تناول الأشعري لمسألة هل يجوز أن يخرج المسلمون لإقامة العدل وتنفيذ القصاص وإنفاذ الأحكام بإمام أم بغير إمام، يذكر أنّ الأصم ذهب إلى أنّ جماعة من المسلمين يمكنها أن تقوم بكل ذلك دون إمام؛ لأنها مع كثرتها العددية فلا يمكن أن تجتمع على الجور أو الظلم ولا يمكن أن تتفق على عدوان؛ وهذا في مقابل كل المعتزلة الذين أجمعوا على ضرورة الخروج مع إمام عادل ولا يجوز تنفيذ الأحكام إلا مع إمام. وقد كان الأصم في هذا الرأي الذي يبدو غريباً في توافق مع نفسه ومع رأيه الآخر المنكر للإمامة. فلما كان منكراً لوجوب الإمامة، فقد أنكر بالمثل وظائفها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأعلن عدم ضرورتها في إقامة العدل والقصاص وتنفيذ الأحكام؛ لأن جماعة المسلمين يمكنها أن تفعل كل ذلك دون إمام. وبذلك يفكك الأصم كل مبررات الإمامة التي قدمها كل الفقهاء والمتكلمين من قبله.
أنكر الأصم إذن شيئين: وجوب الإمامة، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال بجواز خروج جماعة من المسلمين لإقامة العدل وتنفيذ الأحكام دون إمام. ومع آرائه التي تبدو غريبة، كيف نفهمها أو نبررها في سياق مذهبه الاعتزالي؟

لم ينكر الأصم وجوب الإمامة وحدها بل أنكر أصلاً من أصول المعتزلة وهو وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يقوم المذهب الاعتزالي على أولوية العقل على النص، وعلى استقلال العقل بالتشريع وكونه مصدراً للتشريع قبل النص، وبجوار النص، وبعد النص، وهذا من نتاج نظرية التحسين والتقبيح العقليين لدى المعتزلة. ولما كان العقل مشرعاً ومستقلاً عن النص، وحاكماً له وعليه في المذهب الاعتزالي، فيمكننا فهم عدم وجوب الإمامة عند الأصم بناء على ذلك، من حيث إنّ الإمامة غير واجبة عقلاً.

ولما كان مبرر الإمامة عند الفقهاء هو القيام على الشرع وحمايته، فإنّ وضع المعتزلة للعقل كمشرع مستقل يعني أنّ القوة الوحيدة المؤهلة لإقامة الشرع وحمايته هي العقل، وليس أي منصب سياسي معين. العقل هو الذي يقيم الشرع ويحميه وليس السلطة السياسية؛ لأن العقل عند المعتزلة هو في حد ذاته قوة تشريعية مستقلة سابقة على النص ومصاحبة له وتالية عليه.

هذا بالإضافة إلى أنّ قول الأصم بجواز خروج جماعة المسلمين لإقامة العدل ورد المظالم وتطبيق الأحكام دون إمام، يعني اعتقاده في أنّ قوامة الشرع تأتي من الجماعة لا من سلطة عليا، فهي قوامة مشاعية مشتركة بين جماعة المؤمنين، وليست مركزية ولا متركزة حصراً في سلطة سياسية عليا. يحول الأصم إقامة الشرع بذلك من المنظور الرأسي التراتبي الذي يجعل صيانة الشرع وتطبيقه في يد سلطة عليا، إلى المنظور الأفقي لجماعة المسلمين؛ حيث تكون القوامة على الشرع مشاعة ومبثوثة وموزعة في الجماعة كلها. وهذا هو ما سأطلق عليه لاحاكمية الأصم، واللاحاكمية هي الترجمة العربية الحرفية لكلمة "أناركية" Anarchism.

اقرأ أيضاً: المعتزلة قادوا ثورة العقل لتعرية ظلم السياسة ومفاسدها

وينقل الأشعري عن الأصم قوله: "لو تكافّ الناس عن التظالم لاستغنوا عن الإمام" (الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص 460)، فالإمامة عند الأصم هي لضرورة مًلحّة وهي افتقاد العدل في المجتمع، وبالتالي هي جائزة عنده وليست واجبة. والإمامة بذلك لن تكون ضرورية إلا إذا افتقد الناس القدرة على التحسين والتقبيح العقليين، نظراً لسيطرة الأهواء والمصالح الخاصة عليهم، مما يؤدي إلى اقتتالهم، فوجب وجود سلطة سياسية عليا تفرض عليهم النظام بالقهر والقوة، أو نظراً لقصور العقل فيهم، أو عدم اكتماله نتيجة لعدم تطور مستواهم الحضاري.

اقرأ أيضاً: 6 معارضين من علماء الشيعة لولاية الفقيه.. لماذا رفضوها؟

نستطيع من ذلك استنتاج أنّ الإمامة عند الأصم ليست جائزة إلا لسيطرة الأهواء وقصور العقل. وعلى هذا الأساس قال الأصم إنّ الناس إذا اتصفوا بالقدرة على التمييز بين الخير والشر والتحسين والتقبيح العقليين، لما احتاجوا للإمامة؛ لأنّها في الأساس سلطة رادعة قهرية لا تنشأ الحاجة إليها إلا لغياب العقل وانتشار الفوضى.

يتحدى الأصم بذلك كل من كتبوا في وجوب الإمامة، ومنهم المعتزلة أصحابه؛ لأنه يثبت وفق تحليلنا السابق أنّه ليس في العقل ما يوجب الإمامة، بل إنّها ليست واجبة بالعقل، وضرورتها هي لغياب العقل لدى الناس. وإذا صح ما نقله عنه القاضي عبدالجبار كتبرير لإنكاره وجوب الإمامة على أساس أنّ العدل إذا انتشر بين الناس لم يحتاجوا للإمام، وأنّ الأصم لم ينكر الإمامة بالكامل بل وضع مبرراً لها وهو درء الفتن ومنع انتشار الظلم بين الناس، فإنّ مبرر الإمامة عند الأصم تاريخي فقط، وليس عقلياً أو شرعياً. لقد كان ينظر إليها على أنّها ضرورة من أجل نقص وفساد في المجتمع؛ أي إنّ مبررها هو درء الشرور وحسب، وليس جلب المصالح.

اقرأ أيضاً: هل يختلف الشيعة على مفهوم ولاية الفقيه؟

ويجب أن ننتبه إلى جانب آخر من رفض الأصم لوجوب الإمامة، وهو الذي يظهر عندما نربط بين رفضه لهذا الوجوب بتجويزه لخروج جماعة المسلمين لإقامة العدل وتطبيق الشرع دون إمام. إنّ هذا الربط يدلنا على أنّه رفض ربط الفقهاء بين الإمامة والشريعة، وكأنّ لسان حاله يقول: "ليست الأمة الإسلامية في حاجة إلى إمام، لأنها قادرة على حكم نفسها بنفسها، لكنها لا تصير قادرة على حكم نفسها بنفسها إلا إذا توافرت فيها القدرة العقلية على التحسين والتقبيح، والتمييز العقلي بين النافع والضار، والصحة والخطأ". إنّ رأي الأصم في عدم وجوب الإمامة كان يمكنه أن يحرر الفقه الإسلامي من مبحث الإمامة وباب السياسة الشرعية كله، لكن كان الأصم في غير زمانه، وتعرضت آراؤه للتشويه والهجوم، أو للإقصاء والتجاهل مثل باقي أفكار المعتزلة.

كان الأصم ينظر للإمامة على أنّها ضرورة من أجل نقص وفساد في المجتمع أي أنّ مبررها هو درء الشرور

لكن من مفارقات التاريخ أنّ رأيه في عدم وجوب الإمامة قد عاود الظهور في العصور المتأخرة، لا بذاته بل في صورة تجاهل كتب الفقه المتأخرة لمبحث الإمامة تماماً، نظراً لزوالها الفعلي من التاريخ، وكان على المدونات الفقهية المتأخرة، خاصة مع الشاطبي، أن تتعامل مع وضع اختفت منه شرائط الإمامة، ومع حالة للشريعة بدون إمامة بالفعل.

لقد كان الأصم على حق إذن في رفضه للربط بين الشريعة والإمامة؛ لأن تطور التاريخ أدى إلى زوال منصب الإمامة، وبقيت الشريعة دون إمامة شرعية أو حتى فعلية، وكان على الفقهاء المتأخرين التعامل مع هذا الوضع، أي شريعة دون إمامة تقوم عليها وتحميها.

عندما شبّهت موقف الأصم من الإمامة باللاحاكمية أو الفوضوية بمعناها الحديث، فقد كان ذلك بناء على اشتراك رأي الأصم مع مذهب اللاحاكمية الحديث في وضع السيادة في الشعب، أو الأمة بالمعنى القديم، وينزعها عن أي سلطة سياسية عليا.

اقرأ أيضاً: من هم الأشراف؟ ولماذا يتصارع الصوفية والشيعة والإخوان على اللقب؟

غالباً ما يتم النظر إلى اللاحاكمية من جانبها السلبي الرافض للسلطة بكل أنواعها، أما جانبها الإيجابي الذي يضع السيادة في الشعب فقد تم تجاهله. إنّ الذي يجمع الأصم مع اللاحاكمية الحديثة هو أنّ رفضه لوجوب الإمامة يعني رفضه لوضع السيادة في الإمامة ووضعه لها في الأمة، أو جماعة المسلمين كما نُقل عنه. إنّ رفضه لوجوب الإمامه يعني وضعه للثقة كلها في الأمة باعتبارها حاكمة على نفسها دون حاجة لسلطة تحكمها.

وقد ظهر موقف مشابه لرفض الأصم للربط بين الشريعة والإمامة، وإنكاره لوجوب الإمامة، على يد الشيخ علي عبدالرازق في كتابه الشهير "الإسلام وأصول الحكم"، لكن من منطلقات أخرى وباستخدام حجج مختلفة، لكنها انتهت إلى شيء قريب للغاية من آراء الأصم. وقد تعرض علي عبدالرازق لحملات تشويه وهجوم مثيلة للتي تعرض لها الأصم في المدونات القديمة.


المصادر:
أحمد بن يحيى المرتضى، كتاب طبقات المعتزلة، بيروت 1987، ص 56-57.
أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين، نشر هلموت ريتر، دار فرانز شتاينر، فيسبادن، 1980، ص 278، 456، 460، 467.
القاضي عبدالجبار، المغني، مجلد 20، ص 48.

للمشاركة:

دروس حافة الهاوية.. كيف الوصول إلى أمن إقليمي دائم؟

صورة محمد الزغول
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
2019-07-21

يبدو أنّ التوتّر والتصعيد في منطقة الخليج العربي وصل إلى أقصى مستوىً يمكن بلوغه، في ظل التزام جميع أطراف الصراع بعدم الانجراف إلى المواجهة العسكرية المباشرة. وبالفعل بدأ أطراف هذا الصراع المتمحور حول المسألة الإيرانية بالاتجاه إلى التهدئة، باستثناء ربما طرف واحد يبحث عن مداخل لإشعال المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وهو الطرف الإسرائيلي.

اقرأ أيضاً: إيران وإستراتيجية "حافة الهاوية"

ولعل إيقاف واشنطن عملية إدراج وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على لائحة العقوبات الأمريكية، التي طالت من قبله قيادات عليا في النظام الإيراني، على رأسهم القائد الأعلى للثورة علي خامنئي، وكبار قادة الحرس والقوى الأمنية، تشير بوضوح إلى رغبة واشنطن بإبقاء باب الدبلوماسية مُشرعاً، في حين مثّل قرار واشنطن منح الوزير الإيراني تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة مبادرة إيجابية أخرى، قابلتها إيران بالحديث لأول مرة عن إمكانية مُناقشة البرنامج الصاروخي الإيراني مع الولايات المتحدة. وكانت مبادرة طهران إلى إطلاق سراح المواطن الأمريكي-اللبناني نزار زكا الذي كان معتقلاً في طهران بتهمة التجسس، قد قُرِئت أيضاً في المنطقة باعتبارها مبادرة حُسن نية من الجانب الإيراني.

لا يمكن الحديث بشفافية عن بنية أمنية مستقرة في المنطقة دون استعراض أهم المهددات الأمنية التي قادت لحافّة الهاوية

وعلى ضفتي الخليج، ظهر ما بدا أنّه رسائل إيجابية متبادلة بين طهران، ودول الخليج العربي، بدأتها دولة الإمارات بالامتناع عن توجيه الاتهام مباشرة إلى طهران في حادثة الاعتداءات على ناقلات النفط في ميناء الفجيرة الإماراتي، على الرغم من محاولات بعض القوى الإقليمية والدولية الدفع بهذا الاتجاه دون امتلاك أدلة دامغة. ثم جاء الإعلان الإماراتي غير الرسمي عن إعادة الانتشار العسكري في اليمن، والذي ترافق مع الإفصاح عن الانتقال إلى إستراتيجية جديدة في الملف اليمني، تقوم على أساس تمكين الحل السياسي أولاً.

ورحّبت طهران بالخطوات الإماراتية على لسان وزير الخارجية جواد ظريف، الذي أشار، لأول مرة، إلى إمكانية تجزئة ما يسميهم الوزير ظريف بـ "خصوم المجموعة ب"، والذين يتّهمهم بالتحريض ضد إيران في واشنطن. وقد ألمح ظريف إلى أنّ طهران ترى فرقاً بين خصومات تكتيكية سياسية، مع ولي العهد السعودي، وولي عهد أبو ظبي، بينما ترى العلاقة مع الطرفين الآخرين في "المجموعة ب" (اليمين الجمهوري الأمريكي الذي يمثله جون بولتون، واليمين الإسرائيلي الذي يمثله بنيامين نتانياهو) قائمة على أساس العداء الوجودي الدائم.

اقرأ أيضاً: لماذا أخفقتْ "سياسة حافة الهاوية" التي تمارسها إيران؟

هذه الإشارات الإيجابية، وأخرى غيرها لا داعي لاستعراضها، تفيد بأنّ التهدئة باتت خيار مختلف الأطراف في الإقليم، وهي خطوات أولية جيدة بالطبع، على طريق شاقّ وطويل لحلحلة الأزمات القائمة. لكن ما تحتاجه المنطقة شيء آخر.

إنّ كثرة الحديث في المنطقة خلال الأعوام الماضية عن حافة الهاوية، لم يكن مجرّد مبالغات إعلامية، بقدر ما كان تعبيراً عن موقف متأزم، وخصومات مستعصية على أيّة حلول أو مبادرات سياسية. لقد اجتاحت المنطقة موجة استعداء واستقطاب حادّة للغاية، بخلفيات طائفية، وأطماع جيوسياسية، ومخاوف أمنية وجودية، وضعت مستقبل المنطقة كلها في مهب الريح.

اقرأ أيضاً: المناورة الإيرانية على حافة الهاوية
إنّ الاقتراب إلى آخر ميكروميتر من مواجهة عسكرية بأبعاد عالمية مدمرة للجميع كشف عن حاجة ماسّة إلى بُنية أمنية مستدامة في المنطقة، تحفظ استقرارها في عالم متحول، وإقليم تتشابك وتتنافر فيه المشاريع الجيوسياسية، والمصالح الدولية. مثل هذه البنية الأمنية جاءت في الغرب متأخرة، بعد حرب عالمية مدمرة، وخسائر مرعبة على جميع المستويات، فهل تأتي في منطقتنا التي تمرّ بظروف مشابهة، قبل الحرب كما تقتضي الحكمة؟ أم "يأتي الدواء بعد موت سُهراب" كما في الأسطورة الفارسية؟

استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو معوّق رئيس لمحاولات التنمية والمهدد الأبرز للاستقرار في الإقليم

ومع ازدياد فرص حدوث "استدارة إيرانية" باتجاه الغرب الأمريكي، نتيجة حملة "الضغوط القصوى" التي تفرضها واشنطن على طهران، واستمرار نجاحات التعاون الأمريكي-الروسي الذي بدأ في الملف السوري، ولن ينتهي في الملف النووي الإيراني، وتبلوُر ملامح نظام دولي جديد، تبدو دول المنطقة أمام تحدٍّ بالغ الأهمية في إعادة تشكيل علاقاتها الخارجية على أسس جديدة. وخاصة في ظل اتجاه الدراسات والتقديرات المستقبلية إلى الحديث عن دور أقلّ للشرق الأوسط في سوق الطاقة العالمي، وترافُق ذلك مع إعادة هيكلة النظام الدولي، على أساس استمرار أحادية القطبية الأمريكية، لكن بمركزية أقل، واعتمادية أكبر على دور الولايات المتحدة في المشهد الكوني، والذي يأتي على حساب تراجع أدوار المؤسسات الأممية، والمنظمات الدولية.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني.. السير على حافة الهاوية

لقد ثبت بشكل قاطع بأنّ إدارة المشهد الإقليمي وفق "توازنات المصالح" ليست كافية، ولا بدّ من إعادة تشكيل النظام الإقليمي على أساس "توازن القوى" الأكثر ديمومة واستقراراً. وهو ما يقتضي مقاربة رؤية أمنية إقليمية أكثر شمولية، لا تقتصر على المفاهيم الجيوعسكرية، والجيوسياسية، بل تعزز العوامل المشتركة؛ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأيديولوجية والدينية.

اقرأ أيضاً: إيران تواجه سياسة حافة الهاوية الأمريكية بشراكات إقليمية

ولا يمكن الحديث بشفافية عن بنية أمنية مستقرة في المنطقة، دون استعراض أهم المهددات الأمنية التي قادت إلى حافّة الهاوية، وعلى رأسها احتدام الصراع الطائفي الذي قاد إلى ظاهرة الاصطفاف المذهبي إقليميّاً، وأنتج سياسات المحاصصة الطائفية المقيتة محليّاً، في عدد من أنظمة الحكم في الشرق الأوسط التي أصبحت خطراً يتهدد دولاً عديدة بالتفتت والحروب الأهلية. وازداد الأمر سوءاً في العقد الثاني من القرن الجاري؛ حيث أصبحنا نشهد ظاهرة الكشف عن المشاريع الجيوسياسية المستندة إلى أسس ونزعات طائفية صريحة؛ إذ عملت إيران بشكل واضح على بناء مركزية شيعية، دون مراعاة لسيادة دول الجوار واستقلالها، وهذه المركزية الشيعية الإيرانية، تركت انعكاسات خطيرة على أمن دول الخليج العربية؛ لأنها ارتبطت بمشروع توسُّع جيوسياسي.

أمام دول المنطقة تحديات اقتصادية جمة تحتاج إلى خطط وبرامج تستشرف المستقبل وتضع البدائل المناسبة

ولعلّ أحد المخاوف الأمنية المشتركة التي أظهرت الحاجة إلى التعاون الإقليمي، تمحور حول تنامي التطرف الديني والقراءات الأصولية المتشددة؛ إذ دفع غياب قراءة دينية مقبولة شعبياً في المنطقة الكثير من الشباب المُتديّن للتعبير عن مشاعرهم الدينية من خلال أطر وتيارات خارجة عن القانون. لكنّ التعاون الإقليمي في هذا الإطار أيضاً، شابه الكثير من الكيد السياسي؛ إذ سعت مختلف الأطراف الإقليمية إلى إلصاق تهمة دعم الإرهاب بالأطراف الأخرى في المحور المقابل. وهو ما اضطرّ الجميع في النهاية إلى البقاء في دائرة الدفاع عن النفس. وكانت النتيجة تكريس صورة مُجتزأة، ومنحازة تركزت أنظار العالم فيها على الإسلام دون غيره من الأديان والأيديولوجيات باعتباره مصدراً للتطرف العالمي.

اقرأ أيضاً: ما بعد قطر: السياسات القطرية وحافة الهاوية

كما كشفت حافة الهاوية التي وصلت إليها المنطقة أيضاً، عن هشاشة النظرة الضيّقة للتنمية، وأظهرت الحاجة إلى مقاربة تنموية مشتركة وشاملة في المنطقة. إذ بات واضحاً بأنّه لا يمكن لأي طرف أن يهنأ بالنمو الاقتصادي والتنمية وحده، في ظل استمرار تفاقم الأزمات الاقتصادية في دول الجوار، وتعطُّل عجلة التنمية في عديد من دول المنطقة. فقد شاهدنا جميعاً كيف أدى إخفاق الخطط التنموية في دول "الربيع العربي" إلى خطر يتهدد الأمن الإقليمي والدولي برمّته؛ إذ لا يمكن منع تأثير الاضطرابات في مكان ما، على باقي دول الإقليم والعالم.

اقرأ أيضاً: الحروب على الطريقة الترامبيّة

وإذا ما صدقت التنبؤات القائلة بتوجه بعض القوى الدولية الفاعلة إلى خفض أسعار النفط عالمياً بشكل إستراتيجي، واتجاه الشرق الأوسط نحو دور أقل أهمية في سوق الطاقة العالمي، فإنّ أمام دول المنطقة تحديات اقتصادية جمة، تحتاج إلى خطط وبرامج تستشرف المستقبل، وتضع البدائل المناسبة.

لقد أعادت المنطقة مؤخراً، اكتشاف الحقيقة القائلة، بأنّ الصراع العربي-الإسرائيلي هو أهم أسباب عدم الاستقرار في المنطقة. وبغض النظر عن حقيقة سعي بعض القوى الإقليمية لاستغلال هذه القضية المركزية، لتعزيز قوتها الناعمة، وتمرير أهدافها السياسية، ومشاريعها التوسعية، لكنّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو بلا شكّ، معوّق رئيس لمحاولات التنمية والإصلاح، والمهدد الأبرز للاستقرار في الإقليم.

يمكن للدول العربية تعزيز التعاون المؤسسي انطلاقاً من الاهتمامات غير السياسية المشتركة كالأمن المائي والغذائي

وفي ظل تشابك المشاريع الجيوسياسية في المنطقة، برزَ غياب رُؤية سياسية وأمنية عربية، أو حتى خليجية جامعة، كأحد أبرز نقاط الضعف العربية. وشهدنا تراجعاً مستهجناً في أداء المنظومتين العربية والخليجية. وهو ما كشف أيضاً، ضعف المؤسسيّة في العمل السياسي العربي. وبعيداً عن شعارات التضامن العربي، والعمل العربي المشترك التي لم يعد الشارع العربي يتفاعل معها نتيجة حالة اليأس المهيمنة، يمكن للدول العربية تعزيز التعاون المؤسسي انطلاقاً من الاهتمامات غير السياسية المشتركة، مثل؛ الأمن المائي، والغذائي، وتحديات العولمة، والتعليم الأجنبي، ومسائل الهوية، وقضايا العمالة الأجنبية، وملف الأقليات. وهي جميعها عوامل أسهمت في إبقاء البنية الأمنية في المنطقة هشّة.

اقرأ أيضاً: إيران إلى أين في ظل كل هذه الضغوط الأمريكية؟

أما وقد بدأت تلوح بوادر خروج المنطقة من نقطة التأزم الحرج، وبوادر مغادرة النظام الدولي حالة السيولة السابقة إلى وضع أكثر استقراراً، فقد آن الأوان للحديث أيضاً عن معالم نظام إقليمي تعاوني، متفق على تراتُبيّته، وعلاقاته البينية في منطقة الخليج، يشمل دول "مجلس التعاون"، وإيران، والعراق، واليمن. وهو ما يتطلب مغادرة عقلية القوة الكبرى، أو الأولى تماماً في المنطقة، لصالح الإدارة المشتركة لأمن المنطقة، بما يعزز السِّلم الإقليمي والدولي.
وهذا النظام المقترح، ليس بديلاً عن المنظومة الخليجية، المتمثلة بـ"مجلس التعاون"، بل ينبغي على دول المجلس الانخراط في هذا النظام المقترح ككتلة منسجمة. ويحتاج إنجاح مثل هذا النظام إلى جملة من إجراءات بناء الثقة، منها: احترام السيادة الوطنية لدول الإقليم، والتخلي عن المشاريع الجيوسياسية المتداخلة مع التركيبات الاجتماعية في دول الجوار؛ لأن ذلك يمنع قيام بنية أمنية مستدامة. وبالطبع لا يتنافى ذلك مع صناعة النفوذ في إطار الأعراف الدولية السائدة. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة التأكيد على وحدة أراضي جميع دول المنطقة، والاتفاق على مقاومة جميع أشكال التقسيم والتفتيت، ومقاومة الحركات الانفصالية، مهما كانت بواعثها ومنطلقاتها.

اقرأ أيضاً: دوافع التهديد الإيراني بالعودة إلى تخصيب اليورانيوم
ولعل الاعتراف بضرورة مراجعة الشراكات الاستراتيجية لمختلف الأطراف الإقليمية مع القوى الدولية، بات حاجةً ملحةً، حتى لا يظل الأمن الإقليمي مَرْتعاً لتجاذُبات المشاريع الجيوسياسية الدولية. ولا يعني ذلك التدخُّل في خيارات الأطراف الإقليمية، بل المطلوب هو فقط، وضع شراكات الأطراف الإقليمية الإستراتيجية مع القوى الدولية المختلفة في إطار رؤية ناظمة لهذه الشراكات، تمنع تحولها إلى مُهدِّدات أمنية لدول الجوار، وبما يساهم في تقوية البيئة الأمنية في الخليج العربي؛ لتكون رافداً للسلم العالمي. ولا بدّ من العمل بشكل حثيث على الاقتراب من توافق بين دول الإقليم حول التهديدات المشتركة، وتنظيم الجهود والمساعي المشتركة للتغلب عليها.

اقرأ أيضاً: ما هي ملامح النظام الدولي الأمريكي الجديد؟

وتمتلك المنطقة مروحة خيارات واسعة، ومتنوعة للغاية لتعزيز التكامل الاقتصادي، والاعتماد المتبادل الذي من شأنه أن يعمل إستراتيجياً على كبح جماح الصراعات السياسية، وتبديد المخاوف الأمنية الفردية لصالح تعزيز مفهوم الأمن الجماعي المشترَك. وتكريس أهمية المنطقة على خريطة التنافس الاقتصادي الدولي.

ولعل أحد أبرز التحديات المشتركة التي تقتضي استجابة جماعية من دول الإقليم، هو السعي لإنتاج قراءة معتدلة، وتوافقية للدين، تُبعد عن المنطقة شبح الصراع الطائفي، وشبح الإرهاب. كما يبقى السعي إلى التوصل إلى حلّ للقضية الفلسطينية، أحد أبرز الخيارات المتاحة لتقليل مصادر التوتر، وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

للمشاركة:



وفاة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية.. من سيخلفه؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

تُوفَّى، اليوم، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيا أمانو، عن عمر يناهز 73 عاماً.

وأشارت مصادر من داخل الوكالة، في تصريحات نقلتها وكالة "رويترز"، إلى أنّه كان يعتزم التنحّي مبكراً، في آذار (مارس) من العام المقبل، بسبب إصابته بمرض لم يحدّدوه، أضعفه بشكل واضح خلال العام الماضي.

تُوفَّى يوكيا أمانو عن عمر يناهز 73 عاماً بسبب إصابته بمرض أضعفه بشكل واضح

وتدهورت صحة أمانو بشكل واضح منذ أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في أيلول (سبتمبر) الماضي، خضوعه لإجراء طبي لم تحدّده خارج النمسا، حيث مقرّ الوكالة.

وأعيد تعيين الدبلوماسي الياباني أمانو، عام 2017، على رأس الوكالة التابعة للأمم المتحدة لولاية ثالثة من أربعة أعوام، كان من المقرر أن تنتهي يوم 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021.

وخلال توليه المنصب، أكّد أمانو مراراً أنّ عمل الوكالة تقني، وليس سياسياً، وذلك في ردّ فعل يتعلق بولاية سلفه محمد البرادعي، الذي حصل مع الوكالة على جائزة نوبل للسلام لعام 2005، ونشبت خلافات بينه وبين مسؤولين أمريكيين تتعلق بإيران.

مرشّحان مرجّحان لتولي المنصب بعد أمانو هما: المبعوث الأرجنتين "جروسي"، ومبعوث رومانيا "فيروتا"

ويختار مجلس محافظي الوكالة، الذي يضمّ 35 دولة، مدير الوكالة، بعد أن يحظى بموافقة (المؤتمر العام) للوكالة، وهو اجتماع لكلّ الدول الأعضاء، ومن المقرَّر أن ينعقد الاجتماع الدوري السنويّ للمؤتمر العام، في أيلول (سبتمبر).

وتتضمن مسؤوليات الوكالة الدولية للطاقة الذرية مراقبة الالتزام بالقيود المفروضة على أنشطة إيران النووية، بموجب الاتفاق المبرم بين طهران وقوى عالمية، عام 2015، والذي انسحبت منه الولايات المتحدة العام الماضي.

وهناك مرشحان مرجحان لتولي المنصب بعد أمانو، هما: مبعوث الأرجنتين لدى الوكالة، رفائيل جروسي، الذي نافس أمانو على المنصب في السابق، ومبعوث رومانيا، كورنيل فيروتا، وهو كبير منسّقي الوكالة، ويعدّ فعلياً مديراً لمكتب أمانو.

 

للمشاركة:

طهران تزعم أنّها فكّكت شبكة تجسّس.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

ذكرت وسائل إعلام إيرانية، اليوم؛ أنّ طهران ألقت القبض على 17 جاسوساً، يعملون لحساب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وحكمت على بعضهم بالإعدام.

وعرض التلفزيون الرسمي صوراً قال إنها لضباط في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، كانوا على اتصال بالجواسيس المشتبه بهم، وفق ما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء.

إيران تلقي القبض على 17 جاسوساً يعملون لحساب الاستخبارات الأمريكية وتحكم على بعضهم بالإعدام

ولم يرد أيّ تعليق من الاستخبارات المركزية أو المسؤولين الأمريكيين.

وكانت إيران قد أعلنت، في حزيران (يونيو)؛ أنّها فكّكت شبكة تجسّس تديرها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، لكن لم يتضح ما إذا كان إعلان يوم الإثنين يرتبط بالقضية نفسها.

ويأتي الإعلان عن الشبكة المزعومة بعد ثلاثة شهور من مواجهة متصاعدة بين إيران والغرب، بدأت في الأول من أيار (مايو)، مع تطبيق عقوبات أمريكية جديدة أشدّ صرامة.

ونقل التلفزيون الرسمي عن بيان لوزارة الاستخبارات؛ أنّ "الجواسيس، وعددهم 17، اعتقلوا خلال شهر آذار (مارس) 2019."

وذكر البيان: "كان الجواسيس يعملون في مراكز حساسة وحيوية في القطاع الخاص في المجالات الاقتصادية والنووية والعسكرية والفضاء الإلكتروني وقطاع البنية التحتية؛ حيث جمعوا معلومات سرية".

وفي تقرير منفصل، نقلت وكالة أنباء "فارس"، شبه الرسمية، عن مسؤول في وزارة الاستخبارات قوله: إنّ "بعض المعتقلين حُكم عليهم بالإعدام".

الجواسيس يعملون في المجالات الاقتصادية والنووية والعسكرية والفضاء الإلكتروني وقطاع البنية التحتية

وتستغل طهران حوادث القبض على الجواسيس المزعومين لتبرير موقفها بأنّها تتعرض لاستهداف دائم من قبل الغرب، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، كما تستعمل حوادث اعتقال أشخاص مزدوجي الجنسية، كورقة ضغط فيما يتعلق بالتوتر مع الغرب، بعد خرقها للاتفاق النووي لعام 2015.

ودائماً ما توجه إيران تهم التجسس والعمالة لمواطنيها في محاكمات تعرف انتقادات كبيرة من المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية، في غياب أبسط مقومات شروط المحاكمة العادلة.

وحكمت إيران، في أيار (مايو)، بالسجن 10 أعوام على مواطنة إيرانية، تدعى زاغاري-راتكليف، بتهمة التجسس لصالح بريطانيا والتحريض على الفتنة؛ حيث أكدت عائلتها أنّه تمّ نقلها من زنزانتها إلى جناح الأمراض النفسية في إحدى مستشفيات طهران؛ حيث تخضع لمراقبة الحرس الثوري الإيراني.

 

للمشاركة:

انتهاكات صهيونية جديدة..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

تواصل دولة الاحتلال الإسرائيلي انتهاكها للإنسانية وللقوانين والاتفاقات الدولية، متحدية المجتمع الدولي؛ حيث قامت اليوم بهدم 16 بناية تضمّ نحو 100 شقة سكنية، على أطراف مدينة القدس، في منطقة تقع تحت السيادة الفلسطينية.

ودانت الرئاسة الفلسطينية شروع الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الإثنين، بهدم تلك الشقق السكنية.

الاحتلال الإسرائيلي يهدم 100 شقة سكنية على أطراف مدينة القدس في منطقة تقع تحت السيادة الفلسطينية

وحمّلت الرئاسة الفلسطينية، في بيان نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا)، حكومة الاحتلال، المسؤولية كاملة عن هذا التصعيد الخطير ضدّ الشعب الفلسطيني الأعزل، وعدّته جزءاً من مخطط تنفيذ ما يسمى "صفقة القرن"، الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية.

هدم منازل الفلسطينيين وتشريدهم ليس بالسياسة الجديدة على إسرائيل، ولكن هذه المرة وقاحتها واستخفافها بالمجتمع الدولي، دفعها لتنفيذ جريمتها في منطقة "واد الحمص"، التي تقع خارج الخطّ الوهمي لبلدية الاحتلال في القدس، وتصنف غالبية أراضيه ضمن مناطق "أ" التابعة للسيادة الفلسطينية، وفق اتفاق أوسلو.

من جهته، طالب أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، صائب عريقات، المجتمع الدولي والمحكمة الجنائية الدولية والمدعية العامة بفتح تحقيق بهذه الجرائم. وقال: "لدينا استيداع لدى هذه المحكمة، والمعالجة الوحيدة هي فتح تحقيق مع المسؤولين الإسرائيليين".

وأوضح عريقات أنّه "آن الأوان للدول العربية أن تدرك أنّ ما يحدث من مخطط هو تطبيق لـ "صفقة القرن"، التي أعلنت القدس عاصمة لدولة الاحتلال، وفتحت الأنفاق أسفل المسجد الأقصى المبارك".

وأشار إلى أنّ الازدهار الاقتصادي، الذي أُعلن عنه في ورشة المنامة، ينفَّذ عبر هدم 100 شقة سكنية للفلسطينيين، متسائلاً: "أهذا هو الازدهار؟!"

بدوره، قال ممثل منظمة التعاون الإسلامي لدى فلسطين، أحمد الرويضي: إنّ "هدم منازل الفلسطينيين في مناطق تخضع للسلطة الوطنية بحسب اتفاق أوسلو، جريمة نكراء".

وأضاف؛ "قرار الهدم جاء نتيجة أمر عسكري، بتواطؤ مع القضاء الإسرائيلي في جريمة مشتركة ضدّ أصحاب الأرض الشرعيين، لصالح جدار "سلكي" غير مكتمل".

وأشار إلى أنّ قرارات الهدم في وادي الحمص والخان الأحمر، تأتي في سياق مخططات الاحتلال لاستكمال عزل القدس عن الضفة الغربية، والإجهاز على مبدأ حلّ الدولتين، الذي أجمع عليه العالم.

الأوساط الفلسطينية تدين جريمة الكيان الصهيوني وتطالب المجتمع الدولي بالتدخل لوقف انتهاكاتها

ولفت إلى أنّ المعركة في القدس معركة ديموغرافية، تهدف من خلالها إسرائيل إلى تقليص عدد الفلسطينيين، من 40% من إجمالي سكان المدينة، بشقّيها الشرقي والغربي، إلى 20.%

من جهته، قال الناطق باسم الحكومة، إبراهيم ملحم: إنّ "هدم إسرائيل 100 شقة سكنية في منطقة خاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية هو اعتداء على اتفاقيّتَي أوسلو وجنيف، ومؤشّر خطير يستدعي تدخلاً دولياً لوقف هذا القرار.

ورأى أنّ عمليات الهدم تطهير عرقيّ يستهدف تهجير مئات العائلات الفلسطينية، وفرض أمر واقع جديد على الأرض، واستكمالاً لفصل القدس عن محيطها.

وأكّد أنّ الحكومة ستعمل في اتجاهين؛ الأول على المستوى الدبلوماسي والاتصال بالجهات الدولية لوقف هذا التصعيد الخطير، والتدخل لحماية المدنيين، وإلزام إسرائيل بالاتفاقيات الدولية، والاتجاه الثاني تعزيز صمود المواطنين في مواجهة المشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية.

كما سبق أن أصدرت بعثات الاتحاد الأوروبي، في القدس ورام الله، بياناً تطالب فيه إسرائيل بوقف هدم المنازل الفلسطينية وتقويض حلّ الدولتين.

 

للمشاركة:



حسن البدري: الحركات المتطرفة تأكل بعضها

2019-07-22

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال القيادي السابق بالجماعة الإسلامية، حسن البدري، إنّه يعجب من نفسه الآن كيف جعل مصيره حين كان شاباً صغيراً بين أيدي جهلة متطرفين متناقضين، على حد وصفه، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ هذا ما تأكد منه بعد اعتقاله وفق ما قال له أحد ضباط الأمن: "لن أقول لك إنّ هذه الجماعات المتطرفة براء من الإسلام، وهو منها براء، فهذا أمر ستتأكد منه بنفسك عملياً، وأنت معهم في السجن".

ظللت أعتقد أنّ جماعتي صفوة الصفوة وأنّ ما لدي من نقص علمي ومعرفي وتربوي سيكتمل على أيديهم

وأكد المنشد الأول للجماعة الإسلامية، أنّ كلّ اتجاه تكفيري يزعم أنّه على الحقّ، وأنّ مخالفيه على الباطل، وأنّه لم يكن منتظراً مبادرة المراجعات للجماعة الإسلامية، "فقد كنت قد قررت الانسحاب قبلها، بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي".
ورأى البدري أنّ انتشار التطرف والإرهاب يعكس أزمة ثقة في المجتمع بين الشعب وحكامه، أو بين الشعب والمؤسسة الدينية؛ وأن أهم وسائل العلاج، في رأيه: التكافل الاجتماعي ومحاربة الفقر، والاهتمام بالصحة النفسية الاجتماعية وأبحاثها الميدانية؛ للكشف عن الحالات الدفينة الخطيرة.
وهنا نصّ الحوار:
بداية الضياع

"المأثورات.. الوصايا العشر لحسن البنا"
كيف بدأت الطريق مع جماعات الإسلام السياسي؟

في البداية كان شأني شأن كلّ شاب في أوائل العقد الثالث من عمره خاصة، وشأن كلّ مصري عامة، كنتُ مشدوداً بالفطرة والسجيّة إلى البحث عن استقرار في حياتي، وعلاقة مع ربّي، وتدارك، أو تعويض، أو تصويب، ما ضاع وما فات في زمن الصبا، بشكل يجعل الحاضر والمستقبل أفضل.

اقرأ أيضاً: المنشق عن الجماعة الإسلامية عوض الحطاب: العنف لن يتوقف بوجود أمراء الدم
في الأشهر الأخيرة من خدمتي بالجيش، قال لي أحد زملائي، ونحن واقفان معاً محلّ خدمتنا على البوابة الرئيسية لقيادة "اللواء 117": "أرى أنّك لا ينقصك سوى أن تصلي، فرنّت العبارة في أذني، وقد قالها لي مرة واحدة، ولم يكلمني بعدها مطلقاً في أي شيء يتعلق بالدين، ولم أكن قد سمعت هذه العبارة مطلقاً من شيخ كتّاب قريتنا، الذي ختمت على يديه حفظ القرآن كاملاً، سمعتها بهذا الشكل المشحون بالطاقة الروحية وبالودّ والتعاطف، فعملت مقتنعاً بنصيحته، وواظبت على الصلاة في المسجد.

كنت عضواً عليلاً ألتمس الدواء من أطباء تبين لي أنّهم ليسوا سوى مرضى

بعدها، وأنا في محطة قطار عين شمس، وكنت في طريقي لقضاء الإجازة، عثرت على كتيّب صغير مع شاب يبيع الكتيبات والمصاحف على رصيف المحطة، وهو "المأثورات.. الوصايا العشر لحسن البنا"، فاشتريته وكان سعره لا يتجاوز خمسين قرشاً، ولم أفتحه إلا بعد أن عدت من إجازتي، وكان مفهوماً ويسيراً، عدا الوصية التي تتعلق بالتحاكم وبالرابطة الروحية الإخوانية.
ومرّة قابلت أحد زملائي وسألته عن معنى كلمة الطاغوت، ثم أخذ يقرأ كتاب السيرة النبوية ويسقط كلّ ما فيها على الواقع المعاصر، ويرجّح دائماً كفّة الجماعة، ثم دعاني للذهاب للاستماع إلى الشيخ فوزي السعيد في مسجد التوحيد بغمرة، وعندما سألته عن "المأثورات"، وعن حسن البنا، قال لي: إنّ "مجدّد الدين في هذا القرن هو سيد قطب"!
وأمام هذا المسجد بدأت أبيع الكتب الدينية الصغيرة والسواك والبخور وأكسب بعض الأموال، ثم افترقنا وشقّ هو طريقه ليعمل محاسباً، وانقطع عن مواصلتي ومتابعتي، علماً أنّه يعمل بالدعوة السرية الفردية فقط، ويحلق لحيته، ولا يبدو عليه ما يشير إلى انتمائه الأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: عمر عبدالرحمن.. الأب الروحي لتكفيرية "الجماعة الإسلامية"
وأتعجّب الآن من نفسي كيف قامرت وجعلت مصيري ونفسي حقلاً للتجارب التي بين خيط الصواب وخيط الخطأ، بين أيدي جهلة متطرفين متناقضين، وانجذبت طائعاً، وكيف تقوقعت، وكيف كنت أرضى بأن أتجمّد في مكاني بلا مستقبل، فقط أعيش اليوم واللحظة، دون خطة، أو رؤية أو حماس للحياة، أو حبّ لها، وكأنما أصبحت أمشي نائماً، أو أمسيت مثل الموتى الذين أسكن فوقهم في غرفتي بمنطقة (ترب الغفير)، وكيف شقّ هو طريقه، والتزم بما يصلح دنياه وتركني حول فكرة البلاء والموت!
ولم أزل أتساءل: هل كان صادقاً فعلاً لكنّه، كغيره من معظم أبناء هذه التيارات، جاهل بالشرع والناس والواقع، أم أنّه نائم كان يسحب خلفه نائماً، أو هو ميت كان يسحب خلفه ميتاً، أو هو تائه كان يزعم أنّه سيهدي تائهاً مثله؟!
اختبار السجن

 الشيخ فوزي السعيد
لماذا اعتقلت؟ وكيف كانت الأيام الأولى من هذه المرحلة؟

كنت أسمع من الشيخ فوزي السعيد، وأتأثر به كثيراً، وأتقمّصه حرفياً، وأخطب في المساجد، وبدا ما أقوله غريباً على العامة، ومثار جدل وإرباك وصدام معهم، ومع تيارات أخرى، وحاول الجميع احتوائي بشتى الطرق، لكنّني تصلّبت فكرياً، وحكمت على كلّ محاولاتهم سلفاً بالفشل، فاضطروا للإبلاغ عني، وإخلاء مسؤوليتهم أمام رجال الأمن.

لم أكن منتظراً مراجعات الجماعة فقد قررت الانسحاب بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي

وفي أوائل العام 1997 تمّ اعتقالي، ثم خرجت وعدت كما كنت، ثم بعدها بشهور قليلة تم اعتقالي مرة أخرى، وقال لي ضابط الأمن يومها: لن أقول لك إنّ هذه الجماعات المتطرفة براء من الإسلام، وهو منها براء، فهذا أمر ستتأكد منه بنفسك عملياً، وأنت معهم في السجن وستعرفهم على حقيقتهم.
ظللت أعتقد أنّهم صفوة الصفوة، وأنّ ما لدي من نقص علمي ومعرفي وتربوي سيكتمل على أيديهم وبصحبتهم، وأنّ الذي يدخل معهم سيخرج من ذنوبه، حتى بدأت الصدمات والمفارقات التي جعلتني أتوقف وأسأل وأراجع، بل وأعترض وأناقش، بل وأصطدم وأتعارك أحياناً، وأتعرض لشتّى صنوف الأذى الجسدي والنفسي، فأنت تدخل إليهم عليلاً تلتمس الدواء فلا تجد الأطباء إلا مرضى، فيصيبك ما أصابهم فتتضاعف بلواك.

من أمام  سجن "أبو زعبل"

كيف أخذت تتغير أفكارك في السجن؟
كانت الزنزانة الأولى لي في سجن أبو زعبل الجديد خليطاً من الأفكار، مثل: الجماعة الإسلامية، وجماعة الجهاد والتكفير، وسلفية الجهاد، وبعض المنشقين الذين تركوا الجميع ووقعوا على إقرارات توبة، كان كلّ صاحب اتجاه يدعو ويروّج سراً لاتجاهه، وكلّهم يزعم أنّه على الحقّ، وأنّ مخالفيه على الباطل، والجميع في الظاهر يتعاملون بتجمّل ومجاملة وتقية، وفي العمق أسمع هذا يكفّر هذا، وهذا يفسّق هذا، وهذا يبدّع هذا، وهذا يتهم هذا بالجهل، وهذا يرمي هذا بالتشدد.

جميع التيارات الدينية المتطرفة تتعامل في الظاهر بتجمّل وتقية وفي العمق يكفّرون بعضهم

ومن طريف ما رأيت؛ أنّ تلاميذ مصطفى سلامة كانوا معنا، وكان قائدنا يعاملهم بمجاملة في الظاهر، بينما يقول سرّاً لأتباعه: "هؤلاء ليسوا ملتزمين دينياً؛ ألا ترون كيف يرتدون فانلة بحمالات!"، ورأيت عنصر التكفير لا يصلّي خلف أحد، وحين يصلّي الجهرية لا يقرأ إلا "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ"، ووجدت من كفّر والديه، ومن كفّر نفسه، ثم اغتسل ونطق الشهادتين وأسلم من جديد، وكرّر ذلك مراراً، ومنهم من كان يقول: "أيّما فرد لم يكفّر الكافر فهو كافر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أيّة جماعة، فإن لم تكفّر الكافر فهي كافرة"، وكان يكفّر العلماء أيضاً في الوقت الذي يعتمد فيه على تأويلات فاسدة للقرآن الكريم، بجهل وجرأة غير مسبوقَيْن! حتى أصابني الغمّ والغثيان والاكتئاب، وخرجت من أبو زعبل بعد عام ونصف العام، مصاباً بحمى روماتيزمية، أثرت فيما بعد على صمامات القلب.
منشد الجماعة الإسلامية

الشيخ كرم زهدي
كنت منشد الجماعة الإسلامية ومطربها وقت مبادرة وقف العنف؛ صف لنا تلك الأيام ودورك فيها.

كنت أجيد الشعر والتلحين والأناشيد، وأحبّ ذلك كهواية محببة لي في الوقت نفسه، وفي كلّ زنزانة دخلتها كنت أقوم بهذه الوظيفة، فألّفت نشيداً للمواساة، وآخر للصبر، ثم للتأمل والذكر، وآخر للترفيه والتسلية، وكان ذلك مقبولاً ومطلوباً من الأغلبية، حتى كانت مبادرة وقف العنف، وكانت المحاضرات والندوات والحفلة التي سجّلت صوتاً وصورة في حضور لفيف من رجال أجهزة الأمن، وعلى رأسهم المرحوم اللواء أحمد رأفت، والقادة التاريخيون للجماعة الإسلامية، وعلى رأسهم: ناجح إبراهيم، والشيخ كرم زهدي، وكانت الكلمات مناسبة للسياق والمقام والحدث والمرحلة.

اقرأ أيضاً: 10 محطات شكلت موقف الجماعة الإسلامية في مصر من العنف
وكان معي فريق رائع من المنشدين، سواء الصولو أو الكورس، وعلى رأسهم المنشد ياسر عيد، وبدأت مراسم حفل افتتاح الندوات بالقرآن الكريم، ثم نشيد الافتتاح، ثم أناشيد وفقرات أخرى متنوعة لم نترك فيها جانباً ممكناً إلا أقمناه، حتى "الاسكتش" الفكاهي قدمناه، وسعد الجميع، وأظهر اللواء أحمد رأفت إعجابه وتشجيعه لنا، وكان من أهم أناشيد الحفل التي أديتها أنا وياسر عيد:
من أجل ماضيك المليح
أهدي بواكير القصائد
أنا طائر الفجر الجريح
مهما اغتربت هواك صائد

ما بعد المراجعات

كانت أهم المقولات المحورية للمشايخ: أخطأنا في قتل السادات ونتوب من ذلك
كيف حدث التحوّل السريع بين عناصر الجماعة بعد المراجعات؟

بدأت المحاضرات والندوات تباعاً بالسجون حول المراجعات الفكرية ووقف العنف شرعاً وعقلاً وسياسة، وكانت أهم المقولات المحورية للمشايخ وبتصرف: "أخطأنا في قتل السادات ونتوب من ذلك، وهو الآن نحسبه عند الله من الشهداء"، و"ما حدث في السجون أو خارجها من الإخوة، من ظلم أو بغي، ضدّ المخالف فهو خطأ، ومن يظلم يتعرض للظلم، ومن يرق دماء الناس بغير حقّ يتعرض أيضاً لمثل ما فعل".
وأما أنا فلم أكن منتظراً المبادرة والشرعنة والتأصيل والدراما، فقد كنت قد قررت قبلها، بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي، وذكرت هنا بعضاً منه فقط، أن أبتعد عن الجميع تماماً بعد خروجي من السجن، وبالفعل نفّذت ذلك، والكلّ يعلم ذلك تماماً.

ما الفرق بين إقرارات التوبة والمراجعات التي تمّت؟
في رأيي، لا فرق بين إقرارات التوبة التي وقّع عليها أفراد من الجماعة والمراجعات التي قدمتها الجماعة، وذلك للأسباب الآتية:

التعامل مع خوارج العصر يكون بالفكر وإجراءات الاستتابة التي يقدرها المتخصصون

أولاً: الفرد وقّع على إقرار بأنّه كان ينتمي للجماعة، وأنّ هذا خطأ ارتكبه، وهو تائب منه ولن يعود إليه، وهدفه من ذلك أن يخرج، وعزمه بعد الخروج يتجه في اتجاه آخر مفارق للجماعة، وليس مفارقاً للإسلام، وأما الجماعة فقد قدمت إقراراً جماعياً وقّع عليه مشايخها يسمّونه مبادرة، والحقيقة أنّه اسم مهذّب يحفظ ماء الوجه لجماعة كلّها أقرّت بأنّها أخطأت.
ثانياً: الذين يفرّقون بين إقرار التوبة والمراجعات، هم الجماعة فقط، على أساس أنّ التائبين بالإقرارات الفردية تركوها، وأنّ التائبين جملة وبشكل جماعي، ما يزالون أبناءها، حتى بعد الخروج، وهذا المعيار مضلّل ومراوغ، وازدواجيته من الوضوح الصارخ، بحيث لا يخفى عوره وتناقضه، ولا تخفى ازدواجيته على أحد.

كيف ترى جماعات التكفير التي قابلتها بعد هذه التجربة؟
هم كما ذكرت سابقاً، وأوجزه في مصطلح "خوارج العصر الحديث"، فهم حرورية يعبدون الله بالخوف فقط، وهم أشدّ الناس صدقاً وإخلاصاً في نيّتهم لله، وأشدّ الناس تعبّداً وتنسكاً وورعاً ومجاهدة روحية، لكنّهم -وبكلّ أسف- ضلّوا الطريق، وفسد تصورهم، فكفّروا المسلمين وأئمتهم، وخرجوا على حكامهم بالسيف، واستحلوا دماء وأموال أناس معصومي الدم والمال، وغدروا بمن دخلوا البلاد، ومعهم عقد أمان؛ من جواز سفر وتأشيرة ونحو ذلك.
والتكفير تيارات كثيرة في مصر والعالم كلّه، لكنّ أشدهم خطورة عناصر تنظيم "القاعدة"، وهم في كلّ بلد، ودعوتهم منتشرة عبر الإنترنت، ولهم تأثير على نوعية معينة من الناس في كلّ بلد الآن، وأما التعامل مع خوارج هذا العصر: فالفكر يقابل بالفكر والاستتابة، وإجراءات الاستتابة يقدرها المتخصصون بقدرها حسبما يرون.
أسباب التطرف والعلاج

الفقر مناخ ملائم يركز عليه التطرف كنقطة ضعف يتصيد منها فريسته
من خلال ما مررت به، ما هي أهم أسباب التطرف الديني من وجهة نظرك؟

أهم أسباب التطرف يمكن إيجازها في الفقر؛ وهو مناخ ملائم يركز عليه التطرف كنقطة ضعف يتصيد منها فريسته، وكثيراً ما ينجح، والأمراض النفسية الاجتماعية؛ وهي مناخ ملائم تتولد فيه عند البعض آراء متطرفة بسبب جبنهم، أو تعرضهم للظلم وضياع الحقوق، أو تعرضهم للبلطجة، ومع قلة حيلتهم وهوانهم على الناس ورغبتهم في التنفيس عن أنفسهم والانتقام لها، أو رغبتهم في الظهور كشيء مذكور تتولد منه الأحقاد والضغائن العميقة.
كما يتكوّن مجرمون في الظلام، لا أحد يعرفهم وسرعان ما يجدون ضالتهم في التطرف والإرهاب والجماعات التكفيرية حتى تكون لهم عزوة وسنداً ليحققوا مطامحهم الظلامية المريضة، وهؤلاء يحتضنهم المتطرفون بشكل مكثف جداً، ويزرعون فيهم، بكل سهولة، مركب الإمارة والبطولة ثم الجريمة والاستشهاد.

يتكوّن مجرمون في الظلام لا أحد يعرفهم وسرعان ما يجدون ضالتهم في التطرف والإرهاب والجماعات التكفيرية

ثم هناك أزمة الثقة حين ينجح التطرف والإرهاب في الظهور والفاعلية، وتصدر المشهد، فاعلم أنّ ذلك بسبب ما زرعه من أزمة الثقة بين الشعب وحكامه، أو بين الشعب والمؤسسة الدينية؛ فهو لا يتصيّد إلا في ماء عكر، وهو يستغل كلّ المنحنيات، وكلّ الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد والشعوب، ويترصدها ليستغلها في إحداث أزمة الثقة، فهذا مناخ جيد بالنسبة إليه.
وأيضاً تقلص دور المؤسسة الدينية؛ فالدعاة الرسميون ينتظرون الناس في المساجد يوم الجمعة، وكلٌّ يعمل براتبه، ومن موقعه، وانتهى الأمر، وغياب دور المشاركة الأهلية التطوعية في العمل الدعوي، وعدم الرقابة على الفتوى، وعدم اتخاذ إجراءات قانونية ضدّ المتعالمين والجهلة والمجربين وميكانيكية الفتاوى، وأخيراً سلبية المواطنين.

وما علاج مشكلة التطرف والإرهاب برأيك؟
أهم وسائل العلاج، في رأيي، يمكن إيجازها في: التكافل الاجتماعي ومحاربة الفقر قدر المستطاع، والاهتمام بالصحة النفسية الاجتماعية وأبحاثها الميدانية؛ للكشف عن الحالات الدفينة الخطرة وتداركها قبل فوات الأوان، ثم مدّ جسور الثقة بين الناس وحكامهم ومؤسساتهم الدينية، ليعيش الناس تلك الثقة واقعاً ملموساً، ومحاربة البطالة؛ فهي معمل تفريخ للجريمة عامّة، والتطرف الديني خاصّة، والوقوف أمام الجهل.

للمشاركة:

لبنان نصرالله: أشلاء وطن مخدوع

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

منى فياض

بادرني السمكري فور دخوله لإصلاح عطل: "ما هذا يا سيدتي؟ كل هذا العنف والفلتان والفساد والسرقات العلنية من دون خجل؟"

إنه لسان حال المواطن العادي المذهول مما نحن فيه. بلد غارق في الفوضى والتهديد والتشويق! فقبل أن يستوعب إملاءات (الأمين العام لحزب الله) حسن نصرالله، قفزت إلى الواجهة قضية اعتداء طليق ابنة النائب في البرلمان اللبناني نواف الموسوي، عليها وعلى أطفالهما. يستند الطليق إلى نفوذ والده الديني، المرجع الذي يمثل خامنئي شخصيا! فحصل إشكال أمني جعل النائب يهاجم مركز شرطة مع مجموعة من أنصاره وحصل اعتداء وإطلاق نار.

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة والتلفزة بالتعليقات. وانقسم الجمهور بين مدافع عما ارتكبه النائب، بشكل غرائزي أحيانا، مبديا استعداده للقتل في حال تعرضت ابنته لأمر مماثل! جاء ذلك بالطبع كرد على إجحاف قوانين الأحوال الشخصية في المحاكم الجعفرية بحق المرأة المطلقة وحرمانها من حقها بالحضانة واضطهادها والإصرار على تزويج القاصرات. فابنة الموسوي زوجت وهي قاصر أيضا.

لكن ذلك لم يمنع قسما من الرأي العام من رفض خلط الأمور، للتغاضي عن سلوك النائب ولو بسبب الاضطهاد اللاحق بابنته. فهو عضو في حزب يرفض تعديل قوانين الأحوال الشخصية، وبدل أن يقوم بأعمال عنف تخرق القانون، ليس عليه سوى العمل على تعديل القوانين من داخل المجلس النيابي ومواجهة مرجعياته أو القبول بنتائج خياراته السياسية والدينية.

ردود الفعل هذه تبرهن على أن المواطن اللبناني أُفقد معيار الحس السليم الذي يقضي بالفصل التام بين القضيتين. إن الدفاع عن حقوق السيدة المعنفة وإدانة عنف الطليق، لا يعفي المواطن من إدانة سلوك والدها. فالنائب الموسوي ينتمي إلى منظومة حزب الله ذات السوابق في ممارسة العنف وتجاوز القوانين. وهو مارس مرارا الاستقواء باسم حزبه. مع أن زميله النائب محمود قماطي المحاضر بالعفة، كان قد بشرنا بأن "عصر الميليشيات قد ولى". وتبين أن انتهاء صلاحية الميليشياوية وقف على أعتاب حادثة الجبل.

وعلى رأي الصحافي طوني أبي نجم: "نحن في بلد الناس تتضامن فيه مع نائب سبق أن رفض إعطاء المرأة حقوقها بالقانون وقرر أن يأخذ حق ابنته بيده!".

النيابة العامة العسكرية طلبت الموسوي إلى التحقيق، فرفض الحضور، قائلا: "أبلغوني عبر مجلس النواب أو عبر رئيسه"، وفق ما أفادت قناة MTV. على الأرجح استند الموسوي إلى انقضاء أكثر من 24 ساعة على الحادثة، ما يستوجب موافقة البرلمان. فلننتظر الآن موقف البرلمان من القضية.

شكلت هذه الحادثة وغيرها، كشافا فاضحا لما آلت إليه الجمهورية اللبنانية في عهدة السلاح المقدس، الذي يزعم البعض أنه "ضمانة حدودنا وأمننا". من هنا صعوبة خداع النفس بعد خصوصا بعد خطاب نصرالله الأخير.. فالدويلة مسحت الدولة وقضت عليها.

حزب الله، ومن في دائرته لم يعد "يرى" الدولة، وبحسب تعابيرهم: "مش قاريينكم". فبالإضافة إلى السوابق العنفية للنائب الموسوي في شتم رؤساء جمهورية والتعرض لزملائه في الندوة البرلمانية؛ سوابق الحزب أكثر من أن تعد. سيطر على الدولة بقوة السلاح باجتياحه بيروت عام 2008 ما أنتج اتفاق الدوحة بما عناه ويعنيه من أثر على الداخل اللبناني. ناهيك عن قتله المواطن هاشم السلمان بدم بارد أمام السفارة الإيرانية وأمام أعين المواطنين والأجهزة الأمنية والكاميرات. وكان له فضل إسقاط حكومة الأغلبية النيابية بمجرد إنزال أصحاب القمصان السود إلى الشارع عام 2011. ناهيك عن ملفه المثقل في المحكمة الدولية المكلفة بالتحقيق باغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن قضوا معه. كما رفض علنا تسليم المتهم بمحاولة اغتيال النائب السابق بطرس حرب والمتهم بقتل الطيار في الجيش اللبناني سامر حنا، وغيرها من من الارتكابات والمخالفات.

لكن ذلك لا يمنع المرشد من التبشير بمحاربة الفساد وأهمية الاستقرار؛ في وقت ينقض فيه على الدولة راغبا، ليس فقط بالسيطرة على مناوئيه، بل بإخراسهم وتركيعهم، لاغيا آخر مظاهر الدولة، حتى الشكلية، بعد أن أنجز مهمته وتمكن من فرط عقد المعارضة النيابية المعروفة بـ 14 آذار، ونجح في تقسيم المسيحيين، وقسم الطائفة السنية بالقوة. لم يبق أمامه سوى تركيع النائب السابق وليد جنبلاط وتقسيم الدروز؛ بطريقة أو بأخرى. فخطابه كشف أنه خلف المطالبة بالمجلس العدلي لتكرار سيناريو سيدة النجاة التي سجن جعجع بسببها.

لكن تصاعد وتيرة العقوبات جعلته "يكتشف" وجود شعب في لبنان، وهو شعب عليه أن يشعر بالإهانة من العقوبات التي طالت نائبين من كتلة حزب الله. أما القضاء على دولته ومواطنيته فلا يعد إهانة موصوفة! والدعاوى التي رفعها بشار الأسد بحق عدد من النواب والشخصيات، ناهيك عن طلب الإعدام بحق رئيس الحكومة نفسه، لا تستحق التعليق.

كنا نزعم أن الثورات والمقاومات غايتها الدفاع عن الشعب وتأمين حياة كريمة ووطن سيد مستقل. لكننا وجدنا العكس عند "المقاومة الإسلامية"؛ فمنذ "الانتصار الإلهي الموصوف" في عام 2006، والوضع في لبنان في تدهور مستمر. تراجع النمو الاقتصادي من 8 في المئة قبل 2011 إلى صفر في المئة عام 2019، ويقال إنه أقل من ذلك.

بماذا أتحفنا خطاب نصرالله الأخير؟ من ما يقرب ثلاث ساعات ونصف الساعة، أمضى أكثر من 3 ساعات في الدفاع عن النظام الإيراني، كأنه الناطق الرسمي باسم إيران. ويجد بعض المعلقين أكثر من ذلك، إذ إنه تكلم باسم خامنئي شخصيا وكأنه مكلف بإرسال الرسائل باسمه؛ فقد جاء خطابه في عناوين صحيفة كيهان: (نصرالله، في أي حرب لن تكون "إسرائيل" محيّدة وإيران أول مَن تدمّرها). وكتبت صحيفة الوفاق الايرانية الدولية تعليقا: "السيّد نصرالله خاض حربين وانتصر فيهما: الأولى عندما حرّرت المقاومة بزعامة حزب الله الجنوب عام 2000، وأنهت الاحتلال الإسرائيلي، بعد إذلاله وإدماء أنفه. والثانية عندما تجرّأ هذا العدو على شن العدوان على لبنان عام 2006، ودفع ثمنا باهظا أبرز عناصره انهيار الثقة بجيشه الذي قيل إنه لا يُهزم. ولا نعتقد أن الانتصار الثالث بات بعيدا، خصوصا إذا اندلعت شرارة الحرب في المنطقة بتحريض إسرائيلي... والله أعلم".

إنهم يبشرونا بحرب ثالثة إذن!

يعيب نصرالله على الإسرائيليين خوفهم من الخسائر البشرية! كما سبق لحزبه أن أعاب على رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة بكاءه أثناء الحرب. بالطبع؛ فنصرالله لا يهمه لا البشر ولا الحجر، فهو خرج "منتصرا" في حرب 2006 بعد الدمار الموصوف التي سببته لكليهما. أرواح البشر عنده أرخص كثيرا من الصواريخ التي يتباهى بها.

وحين يعدد لنا المرافق الإسرائيلية التي يهددها، وأمام نوعيتها المتطورة علميا وتقنيا، لا يرف له جفن أو يبدي ذرة أسف أمام التخلف المعيب الذي تسببت لنا بها سياساته.

تهديداته إسرائيل أثارت السخرية. وعلى ما يصف بعض المعلقين الفيسبوكيين: "يهدد إسرائيل بالعودة إلى العصر الحجري؟ أجل لأنه أدرى بذلك؛ جعل لبنان في وضع أسوأ من العصر الحجري: أنهار ملوثة، مجاري في مياه الشرب، نفايات وتلوث الماء والهواء والتربة، موت بالسرطان بالجملة، سرقات علنية وصفقات ولحوم وحبوب وأدوية فاسدة، ناهيك عن المخدرات والكبتاغون. قتل ودماء وذبح وحروب وعداوات وكيد ومكر وكذب وارتهان وعمالة وخيانة وتأخر".

وفي هذا الوقت، قدم النائب الموسوي استقالته، ما جعل البعض يعلق أنها "وسام يعلق على صدر الحزب". في نفس الوقت جاء في الأنباء: "نفى مدير مكتب الوكيل الشرعي للسيد علي الخامنئي في لبنان الشيخ محمد المقداد المعلومات المتداولة عن استقالته من منصبه". يعنى أن لا وسام يعلق ولا من يحزنون، إنه صراع بين مرجع ديني ومرجع سياسي في الحزب، وبالطبع الغلبة للديني.

هل سيثق المواطن بقيادة قدت من صوّان؟

عن "الحرة"

للمشاركة:

القوميات الإثنية والهويات المتنقلة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

السيد ولد أباه

في أوج الحراك الشعبي المستمر في الجزائر، ظهرت «الأعلام الأمازيغية» مجدداً في تحد لقرار الحظر الذي اتخذته قيادة الجيش التي ترى عن حقق أن في الأمر تهديداً للوحدة الوطنية الجزائرية.
أحد رموز الحركة الأمازيغية الجزائرية ظهر في إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية ليعلن بصراحة أن أمازيغ الجزائر عازمون على مواجهة «هيمنة الأقلية العربية» على الدولة، داعياً إلى إعادة البلاد إلى «هويتها الأصلية» وإلى الخروج من الانتماء القومي العربي ومن المؤسسات الإقليمية العربية، بل من التزامات الموضوع الفلسطيني والاعتراف بإسرائيل، والتعاون الوثيق معها.
وقد تكون هذه النغمة نشازاً، لكنها أصبحت ملموسة مسموعة في منطقة شمال أفريقيا بما فيها تونس التي تقلص فيها وجود المجموعات الناطقة باللغات الأمازيغية إلى عدد قليل لا يذكر. وفي موريتانيا التي لا توجد فيها حركة أمازيغية، برزت خلال الانتخابات الرئاسية نغمة قريبة من هذا التوجه لدى أحد المرشحين طالب فيها بإعادة بناء الدولة وتوزيع علاقات السلطة فيها بين ما أسماه «المجموعة العربية البربرية» المهيمنة والمجموعة «الزنجية الأفريقية»، وحتى لو كان هذا المترشح لم يحصل إلا على نسبة هامشية من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، فإن هذه النغمة كانت حاضرة في الاستحقاقات الماضية.
وفي المشرق العربي تصاعدت هذه النزعات «الاثنو قومية» حسب عبارة الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان، وتجاوزت الطابع العرقي المباشر (الأكراد والتركمان..) إلى حد تحويل الهويات الدينية والطائفية إلى نزعات قومية مقابل الانتماء العربي المشترك، مع العلم بأن المشروع القومي العربي صاغه في الأصل وحمله المارونيون والدروز والعلويون.. وغيرهم من العرب الذين لا ينتمون للأغلبية المسلمة السنية العربية.
ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن مفهوم الهوية في مكونه الثلاثي (اللغة -الثقافة -الإقليم) لا يحيل إلى رابطة عضوية موضوعية ولا إلى انتماء أصلي، بل هو حصيلة سياسات واستراتيجيات مرسومة في خطاب سياسي اثنوغرافي يعود في أصوله البعيدة إلى المدرسة الاستعمارية كما بينت الدراسات ما بعد الكولونيالية الراهنة.
المفارقة المثيرة هنا هي أن الدولة الوطنية التي قامت في أوروبا الحديثة بدور حاضن المواطنة وإطار الاندماج الاجتماعي الناجح هي التي أججت في بلدان الجنوب الصراعات الاثنو قومية.
لا يعني الأمر هنا أن الانتماءات الدينية والاثنية بمعنى ما لم تكن قائمة، لكن الطابع الإمبراطوري للدولة كان يسمح لمختلف «الأقوام والملل»، حسب التسمية التراثية القديمة، أن تتعايش وتتداخل كهويات مجموعاتية متمايزة، فضلاً عن كون هذه الهويات ظلت خاضعة للتعديل المستمر والانتقال الدائم.
في العالم العثماني كرست سياسات التدخل الأوروبي، التي بدأت منذ القرن الثامن عشر، فكرة التمايز الاثنو قومي من خلال إجراءات حماية الأقليات والمقاربات الاثنوغرافية التي أدخلت فكرة «العرق» والأمة (بمفهومها القومي) إلى الحقل السياسي، قبل أن تنفجر النزعات القومية من الجناح البلقاني والشرق أوروبي للإمبراطورية العثمانية.
وفي المنطقة الصحراوية السودانية من أفريقيا (غرب الصحراء والساحل الأفريقي) تبلورت المقاربة السياسية الاثنوغرافية نفسها بعد تفكيك إمبراطوريات غرب ووسط أفريقيا، بصنع الهويات الاثنية المتمايزة التي لم يكن لها معنى في منظومة تقوم على الامتزاج والتداخل المستمر والتنقل الدائم ما بين الهويات والانتماءات بحيث لم يكن الدين ولا اللغة ولا الإقليم عناصر محددة في الوعي المجموعاتي.
وفي شمال أفريقيا، بلورت الأدبيات الاستعمارية الفرنسية «الأطروحة البربرية» التي لم تكن قائمة، وحاولت تكريسها من خلال نظم قانونية وتربوية وإدارية خاصة.
والغريب في الأمر، أن نموذج الدولة القومية في أوروبا قام في عمومه على بناء منظومة مواطنة على أساس الشرعية القانونية العقلانية والهوية المفتوحة المندمجة، كما اضطلعت الدولة البيروقراطية بمشروع البناء الاندماجي الاجتماعي الذي قضى على الانتماءات العرقية والقبلية، في الوقت الذي اعتمدت هذه الدول الأوروبية المقومات العرقية الاثنوغرافية المصطنعة في الهندسة السياسية للدولة الكولونيالية.
ومع أن النزعات القومية التحررية الأولى تبنت قيم الحداثة السياسية والتنوير وفكرة المواطنة المتساوية، فإن فشل «دولة الاستقلال» في إدارة التنوع الاجتماعي أفضى في كثير من الحالات إلى النكوص بالنزعة القومية الكونية إلى الدلالة الاثنو قومية الضيقة.
لقد لاحظ الفيلسوف الكاميروني «اشيل امبمبة» أن العالم يعرف حالياً موجةً جديدة من إعادة الانتقال السكاني الواسع، لا يمكن اختزالها في موضوع اللجوء القسري والهجرة، بما يضع المنظور السياسي للدولة الإقليمية السيادية في ورطة لعجزها الفكري عن إدارة مفهوم المواطنة المتنقلة والهوية غير الإقليمية. كما أن هذا التحول يضع الديمقراطيات الأوروبية في ورطة لكونها قامت أصلا على حصر الحريات والحقوق في دائرة المماثل الشبيه والساكن المحلي، بما يؤدي بها إلى مأزق حقوقي وإنساني حاد في مواجهة المسؤوليات المترتبة على انهيار المجتمعات والدول التي هي حصيلة آثارها في الحقبة الاستعمارية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية