هل ينجح زعماء القبائل في إنقاذ السودان؟

السودان

هل ينجح زعماء القبائل في إنقاذ السودان؟

مشاهدة

20/06/2019

يزداد المشهد السوداني تعقيداً، يوماً بعد يوم، وبات من المؤكد أنّ المسألة السودانية أبحرت في دهاليز إقليمية ودولية، وفي المقابل؛ ما تزال القوى السياسية تتصارع بين مَن يتحمس للعودة إلى طاولة المفاوضات مع المجلس العسكري، ومن يرفض بشدة أيّة مبادرات تنادي بالتفاوض مجدداً مع السلطة العسكرية، وربما يلحظ المتابع للشأن السوداني بروز قيادات القبائل على المشهد السياسي، وكان أول ظهور علني لقيادات الإدارة الأهلية في منتصف رمضان السابق؛ عندما خاطب الفريق الركن، محمد حمدان حميدتي، حشداً من قيادات الإدارة الأهلية، بدعوة من سلطان قبيلة "الفور"، من أبرز قبائل دارفور، وتعهّد حميدتي بحماية مكتسبات الشارع السوداني.

اقرأ أيضاً: الحزب الشيوعي السوداني: تاريخ الرفاق المجيد وحاضرهم المأزوم
ويُحفظ لقائد الدعم السريع اهتمامه بقيادات العمل الشعبي والقبائلي منذ أمد بعيد، وربما كان الرجل يستشرف المستقبل بكافة تداعياته الراهنة، وما حدث في "قاعة الصداقة" التي تحمل في تسميتها رمزية العلاقة بين السودان والصين، كان حديث حميدتي يهدف إلى تمكين دور الإدارة الأهلية وتمكينها من المشاركة في حكم السودان، وهذه الإشارات يحملها تحالف "قوى الحرية والتغيير"، انحرافاً جديداً من مسارات التفاوض، وخاصة أنّ حميدتي ذكر صراحة رفضه لتكوين مجلس تشريعي غير منتخب، يملك سلطة إصدار تشريعات وأوامر ربما تضرّ بالبلاد .

الإدارة الأهلية في السودان تلعب دوراً محورياً في نشاط المجتمع
وتقول الصحفية السودانية والناشطة الاجتماعية، فاطمة غزالي، إنّ "الإدارة الأهلية في السودان تلعب دوراً محورياً في نشاط المجتمع، واكتسبت الإدارة الأهلية شرعيتها بصدور قانون "مشائخ العرب"، عام 1922، الذي سنّه الاستعمار البريطاني، وتلته قوانين وتشريعات لاحقة؛ حيث كان المستعمر البريطاني في حاجة ماسّة إلى نقل تجربة الحكم غير المباشر في مناطق الريف، ووجد جهازاً فعّالاً، بتكلفة زهيدة، ويملك قدرة على الانتشار والتأثير في المجتمعات المحلية، وتمّ تعيين زعماء القبائل وقياداتها، بمسميات مختلفة، منها: الملوك، السلاطين، النظار، المقاديم جمع (مقدوم)، ومعظمهم تسلّم المواقع الإدارية عن طريق الوراثة أو العائلة".

هل بإمكان الإدارة الأهلية أن تمثّل ضامناً للمرحلة المقبلة في السودان. وهل بإمكان قادة الإدارة الأهلية نيل ثقة الشارع؟

وتذهب غزالي، في حديثها لــ "حفريات"، إلى أنّ "تصاعد الصراع في دارفور، وتحديداً بعد الهجوم على مدينة الفاشر من قبل الحركات المسلحة الدارفورية، عام 2003، انتهج نظام الجبهة الإسلامية في السودان، منهجاً جديداً في التعامل مع الصراع، عندما قام بتسليح القبائل الرعوية، والتي هي في معظمها من القبائل العربية، أو الاستعانة بعناصر من دول مجاورة، لمساندة الجيش الحكومي الذي أرهقته أعوام الحرب الطويلة، وكان النظام وقتها يقود صراعاً دامياً في جنوب البلاد، في مواجهة الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، وفي جبال النوبة والنيل الأزرق. وبالتالي؛ انقسم المجتمع المحلي في دارفور، إلى "زرقة وعرب"، وذلك مصطلح محلي مشهور في دارفور، وتعني "الزرقة": القبائل ذات الأصول الإفريقية، وهي من قبائل: الفور، الزغاوة، المساليت، التنجر، البرتي، وغيرها من القبائل التي تقطن منطقة دارفور منذ آلاف السنين، أما العرب؛ فهم من القبائل الرعوية التي سكنت دارفور منذ أمد بعيد، وكانت تحدث في الماضي العديد من الاحتكاكات بسبب المراعي؛ إذ إنّ معظم القبائل ذات الأصول الإفريقية تمتهن الزراعة في مجتمعات مستقرة نسبياً، في مقابل القبائل الرعوية للعرب الذين يبحثون عن المراعي.

اقرأ أيضاً: مطالبات بمحاسبة منتهكي حقوق الإنسان في السودان
وخلال أعوام الجفاف وقلة المراعي، تحدث مواجهات بين القبائل، ولكنها في معظم الأحوال كانت تحسم عبر العرف القبائلي للإدارة الأهلية، بعد تحديد طرق محددة تسمّى "المسارات" لعبورهم في أيام الصيف أو الخريف.

"تصاعد الصراع في دارفور، وتحديداً بعد الهجوم على مدينة الفاشر من قبل الحركات المسلحة الدارفورية
تمثل الإدارات الأهلية في السودان، في فترة ما قبل الحكم التركي، دوراً سياسياً واجتماعياً، عندما يتوارث أبناء زعماء العشائر حكم القبيلة والرقعة الجغرافية التي تقطنها، وبادر الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري، إلى حلّ نظام الإدارة الأهلية، وتطبيق نظام الحكم المحلي، الذي جاء فيه الضابط الإداري محلّ القيادي الشعبي، وظلّت القبائل تمثل الثقل الانتخابي للأحزاب التقليدية والطائفية في السودان، وكان السبب المباشر لفوز حزب الأمة القومي، بزعامة الصادق المهدي، بأغلبية مطلقة، في انتخابات 1986، وبات من الواضح أنّ نظام الجبهة الإسلامية سعى مبكراً لتفتيت القيادات التاريخية للقبائل التي تدين بالولاء لحزب الأمة وغريمه التاريخي، الحزب الاتحادي الديمقراطي، وبذل نظام الجبهة الإسلامية جهوداً مستمرة، طيلة 3 عقود من الزمن، أفرزت فيها قيادات دون إرث اجتماعي أو سياسي، ويتم التعيين من الدواوين الحكومية، وأصبح للقبيلة الواحدة عشرات السلاطين والأمراء وآلاف الشيوخ والعمد، وغاب أثر الإدارة الأهلية عن الحياة العامة للمجتمعات القبلية.

خلال أعوام الجفاف وقلة المراعي، تحدث مواجهات بين القبائل، ولكنها في معظم الأحوال تحسم عبر العرف القبائلي للإدارة الأهلية

وعلى الصعيد ذاته؛ يرى طارق عبد العزيز، الناشط الاجتماعي، في حديثه لـــ "حفريات؛، أنّ الإدارة الأهلية تمثّل واحدة من الأدوات المهمة التي تحتاجها الدولة السودانية على مرّ تاريخها، القديم والحدي؛، حيث إنّ السودان يتميز بتنوع كبير من القبائل، إلى جانب المسافات الشاسعة بين أجزائه المختلفة، وارتأت الحكومات المتعاقبة الاستفادة من ارتباط المجتمعات المحلية بقيادتها التاريخية، مما يسهل من عمليات الحكم بشكل غير مباشر بواسطة زعماء العشائر، وأشار عبد العزيز إلى فترات عصيبة عبرت بها الإدارة الأهلية، وأهمها؛ أنّها ظلّت في محلّ انتقاد مستمر من المثقفين والنخب السياسية، إلى جانب محاولات التسييس المستمرة من الأنظمة السياسية المتعاقبة مما أورثها صراعات داخلية وحروباً فيما بينها، في قضايا الأرض والموارد، وأشار إلى ضرورة إعادة تأهيل قادة العمل الإداري وبناء قدرتها لمواجهة تحديات الواقع الراهن، ورأى أنّ توجّه حميدتي نحو الإدارة الأهلية بشكلها الراهن ربما يمثل تهديداً للمشروع السياسي في السودان.

الفريق محمد حمدان حميدتي
وكان الفريق محمد حمدان حميدتي قد بدا مادحاً الدور الذي قدمته الإدارة الأهلية، وقال أمام حشد من تحالف أحزاب سياسية موالية للمجلس العسكري، في منطقة "قري" التي تقع شمال الخرطوم، ووصف دورها بالرائد والمؤثر في التاريخ السوداني، ورغم انفضاض الجمع بعد ساعتين من الحشد؛ فإنّ الأسئلة ما تزال تترى عن أبعاد الدعوة إلى إحياء دور الإدارة الأهلية، وهل بإمكان الإدارة الأهلية أن تمثّل ضامناً للمرحلة المقبلة في السودان؟ وهل بإمكان قادة الإدارة الأهلية نيل ثقة الشارع السوداني وجلّهم من الشباب الذين تمرّدوا على سلطة القبيلة والأحزاب الطائفية والدينية؟ وهل تملك الإدارات الأهلية القبول الكافي من الأحزاب السياسية المكونة لتحالف "الحرية والتغيير" وتجمّع المهنيين السودانيين؟

اقرأ أيضاً: كيف تقرأ النخب الإثيوبية مبادرة آبي أحمد في السودان؟
وفي المقابل؛ نجد أنّ الإدارة الأهلية نفسها تصارع بعضها، خاصة بعد اندلاع الصراع في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق؛ حيث انضم بعض قادتها للحركات المسلحة وتوزعت مسمياتهم في داخل أروقة الحكومة والميليشيات المسلحة، ولمع نجم بعضهم، وتولّوا مناصب سياسية مرموقة على حساب القبيلة والعشائرية، وبالتالي ينظر إلى بعضهم باعتبارهم سدنة النظام السابق.
أطلق حميدتي، نائب رئيس المجلس العسكري، تصوراً لسودان جديد مطرز بثوب الإدارة الأهلية، وهو يعلم أنّ هنالك من يسعى للتفاوض بأدبيات أحزاب الحرية والتغيير، ويعلم أنّ دعوته تحتاج إلى العديد من التوضيحات، ويجب أن تكون محمولة بإرادة سياسية توافقية، وتنسجم مع رؤى مبادرات إقليمية، مثل مبادرات آبي أحمد، رئيس الوزراء الأثيوبي، أو مساعي  السفير أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، الذي ابتدر زيارة للخرطوم نهار الأحد الماضي، ينتظر أن يستمع إلى وجهة نظر الفرقاء السودانيين، قبل أن يعود للقاهرة، لرسم ملمح مبادرة عربية تنزع فتيل أزمة السودان، وترسم خريطة طريق انتظرها أهل السودان كثيراً، ودفعوا في سبيلها دماءً غالية.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية