والد عمرو خالد.. عن أيّ أيام صعبة يتحدث؟!

والد عمرو خالد.. عن أيّ أيام صعبة يتحدث؟!
11946
عدد القراءات

2019-07-02

في المذكرات التي كتبها الدكتور محمد حلمي العام 2011 تحت عنوان "أنا وعمرو خالد والأيام الصعبة"؛ يسعى الأب جاهداً لعرض ما عاناه ابنه عمرو خالد، أحد أبرز الدعاة الجدد، من "حصار وابتلاءات"، فإلى أي مدى نجح الكاتب في كبح عواطفه في هذه الشهادة!

اقرأ أيضاً: الداعية عمرو خالد إذ يجعل ارتقاء الروح مرتبطاً بالتهام الفراخ!

يمكن تفهّم مشاعر أب يمدح ابنه طوال الوقت، يجلّه ويقدّره، ويصنع حوله هالة الأبطال، لكن الانسياق لإيحاءات تعرّضه للإقصاء والحصار والعذاب بما يضلل القارئ ويصطدم مع الواقع، فهذا مما يصعب تمريره بسهولة مع شخصية عامة.

بدايات داعية

في الفصل الأول؛ يتحدث الوالد في كتابه، كيف بدأ عمرو دعوته من مسجد نادي الصيد، وهو نادي كبار القوم، وفي ذلك الوقت لم يكن أحد يعرفه سوى الأعضاء، وحين طلب منه رئيس النادي التوقف، يتصور الرجل أنّ ذلك بفعل أمني؛ لأنّ الناس بدأت تلتف حول ابنه، وحتى لو كان ذلك بفعل أوامر مشددة فإنه تصرف طبيعي يأتي في سياق عمليات استقطابية عن طريق المواعظ من عضو كان حتى وقت قريب مقرباً إلى الجماعة.

غلاف الكتاب
بدأ عمرو يعقد ندواته في منازل أعضاء النادي وعلية القوم، وهذا أثار الاستياء بشكل أكبر، حتى طلبته السيدة ياسمين الخيام، المطربة المعتزلة، ابنة الشيخ الحصري، في مسجد بناه والدها بمنطقة العجوزة بالقاهرة، وانتقل منه لمسجد المغفرة، ووفق قول والده؛ فإنّ مواعظ ابنه توقفت بسبب الزحام المروري الذي كان يسببه، حتى دعته ياسمين الخيام مرة أخرى، إلى مسجد الحصري، وفي هذه الأثناء بدأ أول برامجه التلفزيونية بعنوان "نلقى الأحبة"، وبعد عدد من الحلقات، استدعي إلى جهاز أمن الدولة، وهناك قابل رجل أمن كبير، قال له: "يا عمرو، نحن نتابعك منذ فترة طويلة، ولا نلقى منك إلا كلّ خير، فتصرف كما تشاء وافعل ما يحلو لك"!

اقرأ أيضاً: الدعاة الجدد: عندما ترتدي المدرسة الإنجيلية ثوباً إسلامياً
الرجل انتقل من نادي الصيد إلى أكبر مساجد القاهرة، ومنها للفضائيات، ورغم ذلك يقول له رجل الأمن: "تصرّف كما يحلو لك"! فأين إذاً الأيام الصعبة والحصار التي يوحي بها عنوان الكتاب؟!
فجأة، ينتقل والد عمرو خالد، إلى اليوم الأول من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2002، ويدّعي أنّ أحد الضباط الكبار استدعى ابنه، وقال له: "الرجل الكبير طلب ألا تتحدث مرة أخرى"، ويقول إنّ عمرو حدّث والدته بذلك، وبعدها قرّر الذهاب للندن، بسبب نصيحة أحد أصدقائه له.

يقارنه بالشيخين  الغزالي والشعراوي

بين مصر وبريطانيا
المهم في هذا الجزء أنّه، كما يقول، نصح ابنه حين قرر الذهاب إلى بريطانيا ألا يتكلم عن مصر بسوء، ثم أشار إلى أنّ الملايين الذين يتابعونه لن يصدقوا أنّه خرج طواعية، وكلمة "طواعية" تؤيد ما ذهبنا إليه من أنّها لم تكن أياماً صعبة؛ بل وفي هذه المرحلة حصل عمرو على شهادة الدكتوراه من جامعة "ويلز"، وتعرّف فيها إلى وزير الخارجية البريطاني، الذي سيصطحبه فيما بعد إلى المسجد الأزهر!

اقرأ أيضاً: هل وصلت رحلة الدعاة الجدد محطتها الأخيرة؟
في سطور تالية؛ يقول والد عمرو خالد إنّه تلقى اتصالاً من ضابط في جهاز أمن الدولة يطلب منه إعطاءه رقم ابنه، ليجعله يعود إلى مصر، كي يمارس عمله ومواعظه بالمساجد أو الفضائيات الدينية، التي كانت منتشرة في هذا الوقت، وهذا الكلام يبدو في منتهى الغرابة؛ إذ كيف يعقل أن يُمنع بأوامر من رأس الدولة "الرجل الكبير"، ثم بعد يومين فقط، وفق قوله، تعود الأمور إلى مجاريها.

المذكرات العاطفية حولت عمرو خالد إلى مصاف القدّيسين لكن ما بين السطور يشي بخلاف ذلك

في الصفحة 25؛ يقول د. محمد حلمي خالد "مرّ عمرو على جماعة التبليغ، ثم على السلفيين، ثم على الإخوان، وانتهى عند الشيخ الغزالي"؛ وكأنّ الشيخ الغزالي لم يكن من الإخوان، وظلّ على علاقة وجدانية معروفة بهم، وإن انفصل عنهم تنظيمياً.
وينتقد جماعة التبليغ، في وجهة نظر ابنه، بأنّهم لا يتجاوزون كتابَين في العبادات، وأما السلفيون فلم يجد عندهم ما يشفي غليله، ولم يُشرْ، من قريب أو بعيد، إن كان وجد عند جماعة الإخوان ما يشفي غليله أم لا؟
يفخر الكاتب بابنه؛ بأنّ العوامل الأساسية، التي أسهمت في تكوينه هي الموهبة والإخلاص ومعرفة مشاكل الشباب، ويقارنه بالشيخين  الغزالي والشعراوي، قائلاً: "استفدت من عمرو، ولا أجد على مدى عمري أنني حصلت فائدة إلا من اثنين هما الغزالي والشعراوي".

اقرأ أيضاً: الدعاة.. مندوبو تسويق يسقطون مجتمعيا واحدا تلو الآخر
وفق المذكرات؛ حين تقدم عمرو للحصول على الإقامة في بريطانيا استعان بصديق عراقي، يعمل رئيساً لقسم الدراسات الإسلامية بجامعة "ويلز"، ورفضوا إعطاءها له؛ لأنّه كان في السعودية في ذلك الوقت، وهي ليست بلد إقامته الرئيسة، وينتقد والده هذا الأمر، ويعدّه حصاراً لابنه، دفعه للإقامة في لبنان، ومنها إلى لندن، التي سيدخل فيها بمرحلة أخرى؛ حيث أعطاه الاتحاد الأوروبي إقامة لمدة عام، ويقول: "لقد طار العصفور من القفص"، على اعتبار أنّه كان مسجوناً بين العرب، والمسألة لا تعدو كونها إجراءات رسمية يمكن أن يواجهها أي مغترب دون تقصّد!

عمرو خالد مع والده

أسطورة الخروج!
يسرف الكتاب في تشويه الوقائع ومجانبة المنطق في أكثر من موضع؛ فيزعم أنّ سبب خروج عمرو خالد من مصر هو أنّ زوجة مسؤول كبير لبست الحجاب بسببه، او ابن الرئيس، الذي لمّح له أطلق لحيته، وأنّ مسؤولاً إعلامياً كبيراً ضغط وطلب من أمير عربي منع حلقاته في قناة "اقرأ" فنجح في ذلك، وبثّ الحلقات في شهر رمضان كان مسجلاً، وليس مباشراً! وهذا أمر شديد الغرابة؛ لأنّ الدولة المصرية لو أرادت منعه بالفعل لنجحت، وكل ما كان عليها عدم السماح له بدخول مدينة الإنتاج الإعلامي حيث كان يسجل فيها حلقاته!

اقرأ أيضاً: عمرو خالد و"الفراخ" الروحانية
وفق قول الكاتب؛ فقد أرسل أحد عناصر الأجهزة الأمنية إشارة لعمرو خالد بأنّه ليس عليه شيء، وأنّه يمكنه العودة لمصر، لكنّه قال له: "لا تعد، يا عمرو، ولو ماتت أمك"، وبعدها زاره أحد الوزراء، والذي كانت تربطه علاقة حميمة بعمرو، ودعاه للعودة، حتى لو ليومين، لزيارة والدته، لكنّه رفض الفكرة.

يطيل الوالد الحديث عن تحقيقات جرت مع مساعد عمرو حول علاقته بالأمريكيين والإخوان

خرج عمرو خالد من بلده العام 2005، وعاد حين تحركت جماعة الإخوان، وحركة "كفاية" ضدّ النظام المصري، وهذا وفق والده، الذي تابع بقوله: "خرج الضابط من كشك الجوازات ليحضن عمرو ويقبله ويرحب به في بلده".
يطيل والد عمرو الحديث عن تحقيقات جرت مع مساعد عمرو حول علاقة عمرو خالد بالأمريكيين والإخوان، وكيف حصل على كلّ هذه الأموال، ودور جمعية صنّاع الحياة التي أسسها في خدمة الجماعة، وعلاقته بالاستخبارات البريطانية.
ويقول: "في عام 2007، خلال الزيارات الخاطفة، استطاع أن يصوّر 30 حلقة من برنامجه "دعوة للتعايش""، ويعقب على ذلك بتعليل غريب بأنهمّ تركوه لأنهم كانوا منشغلين بالتعديلات الدستورية!
يهاجم والد عمرو الفنان عادل إمام؛ لأنّه كان يمدح عمرو خالد سرّاً، ويهاجمه في وسائل الإعلام، كما انتقد السيناريست يوسف معاطي؛ لأنّه جلس مع عمرو وكتب له حلقات برنامجه "مجدّدون"، لكنّه خرج في وسائل الإعلام منكراً لهذه العلاقة.
ويكشف الكاتب أنّ الدكتور محمد يحيى، العضو السابق في جماعة الإخوان من المقربين لعمرو، وأنّ مشروع تفعيل الشباب لمواجهة الفقر والأميّة تلقّى عمرو بسببه، من الوكالة الأمريكية للتنمية واليونيسكو، ملايين الدولارات.
يقابل عمرو خالد محمد البرادعي، ويرفض دعم حملات مرشحي الحزب الوطني، ويحصل على الدكتوراه في عام الثورة المصرية نفسه، ليعود بعدها مرة أخرى لمصر، ويبدأ مرحلة جديدة، وفق والده.
الخلاصة؛ إنّ تلك المذكرات العاطفية، حولت عمرو خالد إلى مصاف القدّيسين، الذين واجهوا الصعوبات، وانتصروا عليها في النهاية، لكن ما بين السطور يشي بخلاف ذلك بكلّ وضوح.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كتاب ينقد الأصولية فكرياً من خلال واقعها .. كيف؟

2019-12-12

برز دور الأصوليات الدينية وغير الدينية بشكل واضح ومؤثر في تشكيل العالم من بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، التي كان لتنظيم القاعدة السلفي الجهادي الإسلاموي، الذي أصبح أصولياً فيما بعد، دوراً مفصلياً فيها. ونجم عن ذلك انشغال الفكر والبحث والإعلام  الغربي والعربي بتفاصيل تلك الظاهرة وتجلياتها عبر العصور من خلال نبش كل الماضي السلفي/الأصولي الديني، ومحاولة استشراف مستقبل تلك الظاهرة ورصد تأثيرها في الواقع المحلي والعالمي، ثقافياً وسياسياً واجتماعياً، في القادم من الأيام.

اقرأ أيضاً: التجربة الإخوانية في الميزان: كيف تبني الأصولية وعياً زائفاً؟

كتاب "تهافت الأصولية: نقد فكري للأصولية الإسلامية من خلال واقعها المعاش"
وإذا كان ثمة قصور في الفكر العربي ومؤسساته البحثية والإعلامية في التعمق في الإلحادي دراسة تلك الظاهرة عن مثيله الغربي فمردّه إلى حملات التشويه والقدح والشتم التي تشنّها السلفية/ الأصولية الإسلامية على كل  من يتعرض لها بالنقد السلبي، عدا عن محاولتها أن توحد بين فكرها وقناعاتها وأيديولوجياتها وبين الدين ذاته على ما بينهما من فروق، كي ترمي كل من يطالها بالنقد، بالكفر الإلحادي أو الكفر الشركي أو الزندقة. خاصة وأنّها تتمسك بقراءة حرفية جامدة للنصوص الدينية ترفض منطق العقل والمجاز والتأويل، وتركز على النصوص التي جاءت في المرحلة المدنية من حياة الإسلام التي أبُيح بها استعمال القوة والسيف في محاربة الكفار من قريش وأنصارها حرباً مكشوفة.

حاول الباحث التمييز بين أربعة أنواع من السلفيات من حيث نشأتها المكانية وعلاقتها بكل من الدولة العثمانية والحداثة الغربية

يسهم كتاب الباحث الأردني شاكر النابلسي "تهافت الأصولية: نقد فكري للأصولية الإسلامية من خلال واقعها المعاش"، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 2009، في التعريف بالظاهرة السلفية/الأصولية ومحاولة استدراك مخاطر هذه الظاهرة على الدين والواقع العربي حاضراً ومستقبلاً. وقد جعل الباحث كتابه في بابين عريضين ينضوي تحت كل منهما العديد من العناوين الفرعية المركزة والمباشرة تماشياً مع إيقاع العصر السريع وثورة الاتصالات والإنترنت من جهة، وتيسيراً يفيد منه القارئ المهتم والباحث المتخصص على السواء. فيذهب في الباب الأول "في السلفية" إلى التعريف بالسلفية وجذورها وأنواعها وغاياتها والتماس الفروق بينها وبين الأصولية، محاولاً التمييز بين أربعة أنواع من السلفيات من حيث نشأتها المكانية وعلاقتها بكل من الدولة العثمانية والحداثة الغربية، فيقسمها إلى:
- السلفية الشامية التي نشأت في بلاد الشام، والتي ناصرت الدولة العثمانية وتحفظت على الحداثة الغربية، ونادت باستمرار الخلافة الإسلامية نكاية بالمسيحيين والعلمانيين في مصر وبلاد الشام تحت شعار العودة إلى الجذور واستنساخ تجارب الماضي، وساعدت على قيام مجموعة من الأحزاب السياسية الإسلامية كحركة الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي وغيرهما.

 

-السلفية المصرية التي نادت بالعودة إلى التراث مع عدم رفض المعاصرة، لكنها ناصرت الدولة العثمانية ونادت باستمرار الخلافة الإسلامية نكاية بالاحتلال البريطاني لمصر وحاربت الحداثة الغربية وقيمها وأفكارها، وبفضلها تحقق قيام مجموعة من الأحزاب السياسية الدينية على رأسها جماعة الإخوان المسلمين التي تفرعت منها الجماعات الإسلامية الإرهابية بدءاً من النصف الثاني من القرن العشرين.

 

يلفت الباحث إلى أنّ السلفية بنت القرن الثامن عشر وظهرت كدعوة دينية اجتماعية لتطهير الدين من البدع والخرافات

-السلفية الخليجية التي نشأت في الخليج العربي بهدف القضاء على الخرافات والطقوس والعادات السيئة والدعوة إلى العودة للتراث وسيرة السلف الصالح، وثارت على الدولة العثمانية وناصبتها العداء وعدتها عدوة الدين الصحيح الخالي من الخرافات، لكنها لم تعرف الحداثة بحكم منشأها البدوي وانغلاقها الجغرافي والتاريخي ولم تناصبها العداء الشرس إلا في الربع الأخير من القرن العشرين.
- السلفية المغاربية التي نشأت في المغرب العربي بعيداً عن نفوذ الدولة العثمانية لعدم خضوعها السياسي المباشر للباب العالي؛ فدعت إلى العودة إلى سيرة السلف الصالح وتبنّت الحداثة بتحفظ وناضلت ضد الاستعمار الفرنسي نضالاً بطولياً طويلاً واستطاعت أن تحصل لبلدانها على الاستقلال.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت الأصولية ملاذَ المغتربين في المدينة؟
ويلفت الباحث أنّ الغاية من هذا العرض التاريخي هو التمييز بين السلفية والأصولية؛ فالسلفية أقدم تاريخياً من الأصولية، وهي بنت القرن الثامن عشر، وقد ظهرت كدعوة دينية اجتماعية لتطهير الدين من البدع والخرافات والعودة إلى الإسلام الصافي، ونشأت في بيئات بسيطة؛ حيث التدين الصوفي الشعبي البسيط، في حين ظهرت الأصولية مع ظهور الإسلام السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين في بيئات مدنية أو شبه مدنية تقرأ وتكتب، وهي أحد منجزات الحداثة ورد فعل عليها في آنٍ، وهي، وإن كانت قد نشأت من رحم السلفية، لكنها دعوة دينية سياسية تشبه من بعض وجوهها الحركات والدعوات اليسارية الراديكالية، هدفها الأقصى الوصول إلى السلطة وإقامة الخلافة الإسلامية والدولة الإسلامية.

 

وإذا كان جميع الأصوليين سلفيين لكن ليس كل السلفيين أصوليين، فثمة من يعرف نفسه من السلفيين "بالسلفي العقلاني المتنور" أو المستنير الذي يسعى لأخذ الدين من منابعه النقية وليس من فكر العصور الوسطى ومتونها وحواشيها، ويدعو إلى إصلاح الدين وتحديث المؤسسات التعليمية الدينية، وإدخال العلوم الوضعية والطبيعية في مناهجها التعليمية، واعتبار (الإنسان من أكبر أسرار هذا الكون، وهو قادر بعقله على استجلاء ما غمض واستكشاف ما جَهُل). ولعل الفرق الجوهري الذي يشير إليه النابلسي بين الدعوتين؛ السلفية والأصولية، يتمثل في ميل السلفية للمهادنة والسمع والطاعة لولي الأمر وتحريم الخروج على الحاكم الجائر ورفض الثورة أو التظاهر أو العصيان، في حين يمثل الوصول إلى السلطة وقلب الحكم وأسلمة الدولة والمجتمع الفكرة الأساسية التي توجه سلوك أصحاب الأصولية وتتحكم به. وهم لا يتورعون بالوصول غايتهم تلك عن استخدام حتى (جثثهم وجثث غيرهم من المسلمين، وغير المسلمين، الممزقة، والمقطعة الأوصال، والمحترقة في شوارع مدن العالم). ويستميت الأصولي في طلب السلطة حتى ولو على قطعة أرض صغيرة يقيم عليها "دولته" ويطبق فيها شرعه وعقيدته، "كحماس" في غزة و"حزب الله" في الجنوب اللبناني كمثالين ساطعين.

 

اقرأ أيضاً: تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟
أما السلفية الجهادية الإرهابية فيعتبرها النابلسي بأنّها الابن الشرعي للقطبية ومرجعيتها الفكرية والأيديولوجية هي أفكار سيد قطب وأبو الأعلى المودودي وليس الفكر السلفي الوهابي، وأنّها هي والسلفية /الأصولية السياسية ليستا حركتين دينيتين، إنما حركتان سياسيتان بمسوح دينية. فزعماء هذه التنظيمات السياسية ليسوا من علماء الدين ولا من خريجي المعاهد الدينية ولم يدرسوا الدين دراسة أكاديمية، بل هم من خريجي التعليم الوضعي الحديث الذي عممته الدولة الحديثة بعد الاستقلال.

 

الأصولية ظاهرة
يفرد الباحث النابلسي الباب الثاني من كتابه للبحث في معنى الأصولية، بشكل عام، والأصولية الإسلامية، بشكل خاص، منطلقاً من الأصولية بأنّها (قرينة كل فكر يحيل النصوص، أو القواعد، أو الأفكار، أو الآراء البشرية، إلى أصول ثابتة، جامدة، متصلبة، لا تعرف المرونة ولا تراعي التغيرات في الواقع المتحول، الذي يحيط بها). ولا تقتصر الأصولية على الأديان التوحيدية وغير التوحيدية بل هي سمة كل فكر وأيديولوجيا تميل إلى التعصب وتضفي على معتقداتها طابع القدسية والثبات وترفض التغير مع تحولات الواقع والزمان، ولا تختلف الأصولية المدنية على اختلاف تياراتها الفكرية في ذلك عن الأصولية الدينية المتعصبة التي تشكل أساسها التكويني ومنشأها الأول؛ فالأصوليات تهيج بعضها بعضاً، وتكره بعضها بعضاً وعدوه المشترك واحد، (وهو النزعة الإنسانية العلمانية أو فلسفة التنوير والحداثة). فرغم أنّ الأصوليين ومنهم الإسلاميون هم أبناء العصر الحديث وينتمون بعقولهم إلى العصر الحديث يرحبون باستعمال منتجات التكنولوجيا الحديثة لصالحهم ولصالح انتشار أفكارهم، لكن أرواحهم تنتمي إلى العصور الوسطى أو ما قبلها، ويعيشون انفصاماً عقلياً ما بين حبهم لمنتجات الحداثة المادية وتمتعهم باستعمالها وما بين كرههم ورفضهم لفلسفتها وعقلها التنويري وطريقة الحكم السياسي فيها. وهذا هو حال الأصولية الإسلامية التي قامت حسب المؤلف على أفكار أربعة من الإسلاميين هم: الباكستاني أبو الأعلى المودودي المنظر الأول للأصولية الإسلامية المعاصرة وصاحب فكرة "الحاكمية"، وتلميذه المصري النجيب سيد قطب، ومن إيران، الخميني صاحب "ولاية الفقيه".

ظهرت الأصولية مع ظهور الإسلام السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين في بيئات مدنية وشبه مدنية تقرأ وتكتب

وقد قامت هذه الأصولية كغيرها من الأصوليات لكن ربما بشكل أكثر مبالغة على رفض إعمال العقل بالنص الديني ومزج النسبي بالمطلق، والحقيقة العابرة بالحقيقة الأبدية، ومن ذلك كان عداؤها الصريح للعلمانية التي تقوم على التفكير النسبي، ووصمها بالكفر والإلحاد، وطالت يدها بالتنكيل والاغتيال كل من استطاعت الوصول إليه من مخالفيها. وقد مرت الأصولية، كما يذكر النابلسي، مستشهداً برؤية فرانسوا بورجا في سياق تطورها بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى وتبدأ من تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر ومحاولة إحياء الخلافة الإسلامية التي أنهاها أتاتورك وحتى عام 1950، وتحويل مصر إلى دولة دينية.

 

المرحلة الثانية وتبدأ منذ فجر الاستقلال وحتى 1990 والتي شهدت تنافس الأصولية مع موجة الفكر القومي الصاعد وتعرض الأصوليون خلالها إلى الملاحقة والسجن والطرد من الحلبة السياسية حتى بدأ صعودهم من جديد عندما أفرج السادات عند كوادرهم وأطلق يد الأصولية في المعاهد التعليمية والصحافة لكي يقلل من ضغط الناصرية وأتباعها عليه بعد توجهه نحو الغرب ومحاولة انفكاكه من المحور السوفييتي، كما رافق ذلك انتعاش الأصولية في بلدان الخليج العربي بعد هجرة الإخوان إليها.
والمرحلة الثالثة وتبدأ بعد حرب الخليج عام 1991 والتي شهدت انطلاق تنظيم القاعدة  وعدد من العمليات الإرهابية أعادت الأصولية إلى المسرح السياسي المحلي والدولي. خاصة بعد استثمارها من مراكز القرار الدولية والأنظمة الاستبدادية العربية التي عبدت الطرق نحو الراديكالية الإسلامية التي ما زلنا نشهد كوارثها حتى اليوم، خاصة في مصر. 

 

أهم مظاهر انتشار الأصولية في المرحلة المتصلة بعصر العولمة وثورة الاتصالات بروز دعاة الأصولية كنجوم إعلاميين والشيوخ المفتين

وأهم مظاهر انتشار الأصولية في هذه المرحلة المتصلة بعصر العولمة وثورة الاتصالات بروز دعاة الأصولية كنجوم إعلاميين والشيوخ المفتين وتحول الأصولية إلى مصدر للمعرفة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية وتغلب الفقهاء على العلماء والخبراء وهو ما يعزوه الباحث إلى حالة الجهل والإحباط والتجهيل التي انحدر إليها الوضع العربي بفعل سلطات الاستبداد التي أطلقت يد الأصولية في مناهج التعليم واستفادت منها في تحصيل شرعيتها السياسية المنقوصة ومحاربة خصومها السياسيين، وليس نابعاً من قوة الأفكار الأصولية وثقافة ومعرفة رجال الدين. ما جعل من الأصولية تتحول إلى عائق حقيقي أمام عملية التحديث والتطوير على جميع المستويات المعرفية والثقافية والاجتماعية والسياسية والتعليمية واللغوية..، وسداً في وجه القوى الحيوية الشابة الباحثة عن مستقبل أفضل لأوطانها ومجتمعاتها، والساعية نحو إرساء حكم سياسي ديمقراطي رشيد يقوم على مبدأ المواطنة وحفظ الحقوق، والاعتراف بحرية الآخر المختلف والانفتاح عليه وليس على مبدأ الولاء والبراء ودار الإسلام ودار الحرب، ونحو إقرار المساواة بين الجنسين والتخلص من فوبيا المرأة وإفساح المجال أمامها للمشاركة الفعلية في الحياة السياسية، والتفريق بين المواطن والمؤمن تفريقاً يقيم السياسة بما هي سياسة وينصف الدين بدلاً من  إعادة إنتاج التخلف والاستبداد والتطرف والعنف.

للمشاركة:

"تحرير الإسلام".. هل تستطيع الأدوات التقليدية مواجهة تحديات الحداثة؟

2019-12-01

يوحي عنوان كتاب المفكر الأردني فهمي جدعان "تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات"، الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر في بيروت العام 2014، بنفحة نضالية أو نزوع أيديولوجي معين، نظراً لارتباط مفردة التحرير في الفكر العربي والفكر السياسي العربي بشكل خاص بالأيديولوجيات النضالية على اختلاف أطيافها من جهة، ونظراً لأنّ الكتاب صدر في زمن التحولات الكبرى؛ عالمياً ومحلياً، وفي خضم الثورات العربية واستجابة لأسئلتها الحارقة وملابسات دور الإسلام السياسي وحركة الإخوان المسلمين في هذه التحولات من جهة ثانية.

اقرأ أيضاً: فهمي جدعان إذ يدعو إلى تحرير الإسلام من التطرف والغلوّ الديني
لكن فهمي جدعان ينفي عن نفسه أي صفة أيديولوجية من تلك الأيديولوجيات، ويقدم نفسه في مقاربته "للمسألة الإسلامية" التي ينهض لها، بكونه مفكرَ بحث، وفق تصنيف إدوارد سعيد "للمثقف المفكر"، (يلتزم منهجاً عقلياً تكاملياً، واقعياً، حراً، نقدياً) وليس "داعية" أو "واعظاً" من "وعاظ السلاطين" ولا "إسلامياً سياسياً" أو غير سياسي.

غلاف الكتاب
إنّ المهمة التي يقوم بها جدعان، في هذا الكتاب، هي، كما يقول، "اجتهاد إنساني نقدي في مسائل الوجود والمجتمع وحياة دين الإسلام وأهله، وبذل الوسع من أجل حماية هذا الدين من أهله أولاً، ومن مبغضيه وأعدائه ثانياً"؛  فالتحدي الذي يتعرض له الإسلام اليوم، كما يرى الباحث، لا يقتصر على تحدي الحضارة الغربية الظافرة والعولمة بلكنتها الليبرالية الجديدة ووجهها الأمريكي البشع وحسب؛ بل يشارك المسلمون أنفسهم في صنع هذا المصير البائس الذي آل إليه الإسلام "بما أحدثوه في أعطاف هذا الدين من فهوم ورؤى ومسالك وخيارات ومظاهر ذهنية وميثية وعملية أعادت تشكيل تصورات المسلمين لدينهم ولمستقبل هذا الدين في العالم". 

اقرأ أيضاً: سوداوية الإسلام السياسي
ويبين أنّ تحرير الإسلام اليوم: هو تحريره من تلك الرؤى والفهوم والتصورات والمظاهر والخيارات الجالبة للإساءة، والمشوهة لحقيقة الدين، والمضرّة بمصالح أهله؛ أي تحرير الدين من السياسة، وتحرير الإسلام كدين من الإسلام السياسي؛ فالإسلام السياسي في رأي الباحث، "بدعة" أيديولوجية حديثة، ونَسجٌ على منوال الأحزاب السياسية الحديثة، وهو انحراف صريح عن غائية الإسلام الحقيقية التي هي غائية أخلاقية حضارية، لا حركة سياسية مكيافيلية تطلب السلطة والغلبة والإقصاء للمختلف.

الإسلام السياسي في رأي جدعان بدعة أيديولوجية حديثة وانحراف صريح عن غاية الإسلام الحقيقية

وإذا كان ثمة من يجادل بأنّ الإسلام "دين ودولة" منذ نشأته الأولى فإنّ المسلمين ليسوا في حاجة إلى أن يخططوا لوجودهم في هذا العالم وفقاً لمبادئ السياسة في الصراع والاقتتال والحرب الدائمة فحسب، إنّما في حاجة إلى إصلاح الإنسان والمجتمع بالمعنى، والقيمة، والمبادئ الأخلاقية والإنسانية الرحيمة؛ فالإيمان التقي الرحيم، التواصلي العادل، هو طريق الخلاص، لا "الإيمان المستعلي" المسكون بإغراءات التفرد والسلطة والاستبداد والانفصال، وإنّ "المطلوبات  العظمى" المتمثلة في الشعارات التي رفعها شباب الثورات العربية تعبيراً عن حاجتهم وحاجة مجتمعاتهم للحرية والكرامة الإنسانية والعدل والخير العام والديمقراطية والدولة العادلة والنظام السياسي السديد... واحترقت لأجلها النفوس والأبدان والمجتمعات والأوطان تفرض راهنيتها وضرورتها وأسبقيتها، وتفرض على الفكر والسياسة استئناف النقاش العقلاني البنّاء حولها لا الوعود المبدَّلة والنفاق الأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: كيف تكيّف الإسلام السياسي مع "سيولة" الحداثة؟
ولا تقابل هذه المطالب باستدعاء التاريخ المتخيّل أو التراث المكيف حسب الرغبة والأيديولوجيا الصلبة والدوغمائية التي لا تقيم غير التحاجز والتنابذ والترافع والعنف وفق منظور سياسي مسرف للدين يحتقر العقل والقيم الإنسانية، وينكص إلى روح القبيلة والعصبية، ويطلق فتاوى التكفير بحق المخالفين ويحلل قتلهم دون أدنى اعتبار لمبادئ أو أخلاق أو أصول دين، ويجعل من الإسلام ديناً مثيراً للخوف والكراهية والنفور، ليس في العالم غير الإسلامي فحسب؛ بل في بيئته وعوالم أهله أيضاً، وهو ما يوجب حسب رأي الباحث "تحرير الإسلام".

ما بين الخوف على الإسلام والخوف منه
يفتتح الدكتور فهمي جدعان الجزء الثاني من كتابه بالتأمل في حال الإسلام اليوم وبسؤال إشكالي حول مصيره ومستقبله، يسوقه معاكساً للمطالعات الفكرية والسياسية التي تتحدث عن عودة الديني والمد الأصولي وقوة الدين في المجال العام مقابل إحباطات الحداثة والعقل الأداتي.. بقوله: "هل نشهد حقاً زمن ارتداد الإسلام إلى حدوده الدنيا، وأنّنا في قبالة أمارات تنبئ بحدث كوني عظيم يتجه فيه الإسلام في طريق التشظي والعجز والأفول وغيض الملامح؟ أم نشهد عودة الإسلام واستيقاظه من سباته الطويل ليحل بديلاً عن النظم الليبرالية والعلمانية والديمقراطية المخفقة"؟

تحديات الإسلام اليوم لا تقتصر على الخارج بل يشارك المسلمون أنفسهم في صنع هذا المصير

لا يتعجل فهمي جدعان، الذي لا يخفي غيرته على دين الإسلام، توجّسه وخوفه على مستقبل الإسلام أمام التحديات الحضارية الماثلة في زمن العولمة المتخطية لكل الحدود، والمهددة لكل الهويات والخصوصيات في تقديم جواب أيديولوجي أو عقائدي على السؤال الذي انطلق منه، كما يفعل الكثير من منظري الإسلام السياسي الحركي وتيارات الأيديولوجيا السياسية الواثقة والمتفائلة، أو من خلال براغماتية سياسية تلتمس تفسيراً ذرائعياً كنوع من الانحناء أمام العاصفة، بل يمكن القول: إنّ جملة فصول الكتاب اللاحقة التي ساقها تحت عناوين مختلفة هي محاولة لتقديم إجابة على سؤاله الإشكالي الأول، في زمن يعتبره من أكثر الأزمنة العربية حيوية وتوتراً وانشغالاً بهواجس التحليل والبناء والتقدم، ويشهد تقابل وتضافر وتدافع شتى النظم المعرفية والأيديولوجية، ومختلف أدوات المعرفة والتحليل والنقد التي تعمل على فتح طرق جديدة جديرة بالمستقبل. 

اقرأ أيضاً: بداية نهاية الإسلام السياسي في المنطقة
ومن هذا المنطلق وعلى هذه الأرضية الجديدة يستأنف النظر حول جملة من القضايا الحيوية والمفصلية في الفكر العربي والإسلامي كقضية: الحرية والعدالة والحداثة والعلمانية والديمقراطية والعلاقة مع الآخر المختلف وقضية المرأة والمساواة بين الجنسين...، التي بات يتوقف مستقبل الإسلام ووجوده الحي، في بلدانه أو في المساحة الكونية، على حسم تلك الأسئلة وتقديم إجابات شافية حولها من خلال قراءة إنسانية تأويلية للنصوص الدينية تليق بمتطلبات الإنسان والمجتمع الحديث ومعارف وعلوم وثقافة العصر. 

فالإسلام السياسي الذي بات اليوم يحتكر تمثيل الإسلام ويقدمه في صورة ترعيبية طاردة منفرة وشعارات انتحارية لا يرى فيها الآخر المختلف غير العنف والإرهاب واضطهاد النساء، والتجربة التاريخية للإسلام الذي انحدر سريعاً نحو الملك العضوض، والتي لم تحفل بقضايا الحرية والعدالة والمساواة أو بمفهوم الدولة فكريا وسياسياً، و"الدولة الوطنية" التي تأسست بعد الاستقلال وانحدرت نحو التسلط والاستبداد والقهر وجعلت من لوحة الحاضر العربي والإسلامي لوحة قاتمة، كلها أمور تدفع لاعتبار الإيمان بالحرية مدخلاً لا بد منه لإدراك النهضة، وتقدم قضية الحقوق والحريات الأساسية وانحسار الاستبداد والقمع والقهر وتحقيق دولة العدل والمواطنة مقدمة لا بد منها لمواجهة مخاطر العولمة.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن تفسير براغماتية الإسلام السياسي؟
فالأزمنة الحديثة كما يرى الباحث "قد أفرزت أوضاعاً ومسائل وشروطاً وجودية لا تستطيع التجربة العربية والإسلامية أن تتصدى لها بنجوع بأدواتها وطرائقها التقليدية"؛ لذا يدعو إلى المصالحة بين "القيم الدينية" و"القيم الإنسانية" وتجاوز القراءة الظاهرية "الذرية" للنصوص نحو قراءة شمولية تأويلية واعتماد مناهج جديدة تقوم على التأويل العقلي والمقاصدي للنصوص وتغليب المصلحة كما فعل مفكرو الإسلام من قبل أو "اعتماد مناهج حديثة يمكن أن تعزز مبادئ المساواة والعدالة والخير العام والكرامة الإنسانية من منظور قرآني على غرار ما أجرته "النسويات التأويليات" في المسألة النسوية".

لا يخفي جدعان خوفه على مستقبل الإسلام أمام التحديات الحضارية الماثلة في زمن العولمة المتخطية لكل الحدود

تحتل قضية الحرية والعدل ودولة العدل والمساواة وقضية المرأة، مساحة مهمة من "رسائل زمن التحولات" التي أرسل الكاتب القول بها باعتبارها قضايا ذات أولوية فرضها زمن التحولات ذاته من جهة، وبكونها قضايا إشكالية لم تستوفِ حقها من النظر في التجربة التاريخية الإسلامية من جهة ثانية، وفي كون أحزاب الإسلام السياسي التي اتخذ معظمها من لفظ "العدالة" اسماً وعلامة له، كالعدالة والتنمية أو الحرية والعدالة أو العدالة والإحسان... والتي أصبحت تعتبر نفسها صاحبة الإسلام الحق والناطق الحصري باسمه، ترى أنّ العدالة هي تحقيق أحكام الشريعة الإسلامية، وأن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية كفيل بتحقيق العدل والرفاهية حتى دون النظر في مبادئ الشريعة ومقاصدها النهائية من جهة ثالثة. فعمد الباحث إلى إعادة طرح تلك القضايا ومعالجتها باعتماد المنهج التأويلي الكلي ونظرية "المصلحة" التي تتوخى الخير العام ومضاهاتها بجملة النظريات الغربية في العدالة.

الأزمنة الحديثة أفرزت أوضاعاً لا تستطيع التجربة العربية والإسلامية أن تتصدى لها بأدواتها وطرائقها التقليدية

اللافت أنّ الكاتب يلجأ إلى محاولة التوفيق "النفعي" في مقارباته لجملة القضايا التي يتعرض لها بين منتجات الفكر الحديث بميسمه الغربي، وبين الفكر الإسلامي عبر عرض جملة من التقابلات الضدية أحياناً بين المنتجين بغية استخلاص ما يراه الأنسب أو الأقرب لمقتضيات الواقع وتحقيق النفع العام، فيعرض مثلاً جملة النظريات الغربية حول العدالة: كالنفعية و الليبرالية والليبرتارية والجماعتية والماركسية والنسوية ويقابلها بنظرية "المصلحة" أو المقاصدية الإسلامية ليخلص إلى "الليبرالية التكافلية التي تحقق النفع العام وتحفظ الحريات الأساسية والمساواة في الفرص في توزيع الخيرات الاجتماعية مع الإقرار بالتفاوت وإنصاف الأفراد الأقل حظاً...".

أو كما يعرض للديمقراطية وأنواعها وتاريخ المفهوم وتطوراته الغربية وملابساته العملية والتمثيلية، مقابل بذوره التي يراها في الشورى رغم ملابساتها العملية هي الأخرى، ليخلص إلى "الديمقراطية الاجتماعية" التي تحقق الإرادة التمثيلية العامة وإنفاذ مبادئ الحرية والعدالة والمساواة والخير العام، أو في استخلاصه لـ"علمانية إسلامية" حيادية من تقابل العلمانية الغربية في صيغتها اللائكية الفرنسية أو الإقصائية الأتاتوركية  المتصلبة التي تستعصي على المصالحة مع الدين، مع المقابل الإسلامي المتشدد هو الآخر في فرض القواعد الدينية كفكر المودودي أو سيد قطب وغيرهما، أو المقابلة في موضوع "النسوية الإسلامية" التي سبق للمفكر فهمي جدعان أن خصها بكتاب سابق بعنوان "خارج السرب: بحث في النسوية الرافضة وإغراءات الحرية"، فيجري التقابل بين "النسوية الراديكالية" "الرافضة"، حسب تعبير الكاتب، والمستغرقة بقيم الحداثة والحرية  التي ترى أنّ أسباب اضطهاد المرأة والتمييز بينها وبين الرجل والافتئات على شخصها وحقوقها الإنسانية مرده إلى فهم الدين نفسه الذي يسوّغ الأوضاع غير العادلة بين الجنسين، والتي يعتبرها الباحث نتيجة قراءة حرفية ظاهرية للنصوص التراثية ورؤية أحادية للدين تجد تحققها الواقعي في الوهابية والسلفيات المعاصرة.

وبناء عليه يجد أنّ المركّب الأوفق يتمثل في "النسوية الإسلامية" أو "النسوية التأويلية" التي يثني على كفاءة صاحباتها الأبتسمولوجية ورصانتهن العلمية وتمكنهن من مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة والعلوم الدينية في آنٍ، وعدم وقوعهن في براثن القراءة السلفية للنصوص الدينية، فهؤلاء اعتبرن أنّ المساواة الأنطولوجية ثابتة ومتحققة في النصوص لكن التمييز الحاصل بين الرجال والنساء والاضطهاد الواقع على المرأة مردّه إلى واقع المجتمعات الإسلامية والثقافة البطريريكية التي يسود فيها تفسير ذكوري للدين يجسد مصالح وأهواء وأذواق هؤلاء المفسرين من الرجال. وهو ما يعيد الكاتب دوماً إلى التأكيد على "أنّ المنهج التأويلي في فهم النصوص، هو الجهاز المحرر للعقل الديني من "الصيغ الطاردة" السلبية للدين، والمحرر للمرأة من كل أشكال العسف واللامساواة".

اقرأ أيضاً: هل يصبّ لاهوت التحرير الإسلامي في صالح الإسلام السياسي؟
أخيراً لا بد من التنويه أنّ كتاب المفكر فهمي جدعان كبير الحجم، كثيف المادة، متنوّع الموضوعات، جميل البيان وغزير العبارة، يصعب تقديم إحاطة شاملة حوله في هذه المساحة الصغيرة، لكنه مرجع مهم للبحث ودعوة إصلاحية ومحاولة تنويرية إسلامية تستحق التأمل والنقد سواء اتفق القارئ مع صاحبها أو اختلف معه.

للمشاركة:

"الرايات السوداء".. كيف فوّتت الحماقة الأمريكية إجهاض داعش؟

2019-11-26

حتى الآن يمكن رصد كتابين متميزين من المؤلّفات التي تتبّعت بالتفصيل ظهور خطر تنظيم داعش قبل أن يتم القضاء عليه ميدانياً في سوريا، ويقضي زعيمه في عملية أمريكية خاصة في سوريا بتاريخ 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2019؛ أول هذه الكتب هو كتاب ويل مكانتس (Will McCants) "داعش ونهاية العالم" الصادر العام 2015.

تفرد الكتاب برسم الخطوط الأولى لصعود الزرقاوي من الشارع الأردني ليصبح أحد أكثر الجهاديين وحشية في العالم

أما الكتاب الثاني الذي نعرض له هنا؛ فهو "الرايات السوداء.. صعود داعش" الصادر العام 2016 لمؤلفه الصحفي الأمريكي جوبي واريك الذي حاز عليه جائزة "بولتزر" في العام نفسه.
عبر رواية درامية مثيرة تتكون من 345 صفحة موزعة على ثلاثة أجزاء؛ الأول عن صعود أبو مصعب الزرقاوي من الأردن، والثاني عن الساحة العراقية، والثالث عن تنظيم داعش، يتتبع جوبي واريك كيف أنّ سلالة الإسلام المتشدد وراء داعش ظهرت لأول مرة في سجن أردني بعيد وانتشرت بمساعدة غير مقصودة لرئيسين أمريكيين هما؛ بوش الابن وباراك أوباما.

غلاف الكتاب
اعتماداً على معلومات فريدة من نوعها عالية المستوى لوكالة الاستخبارات المركزية والمصادر الأردنية، نسج واريك التفاصيل العملية لحظة بلحظة مع وجهات نظر الدبلوماسيين والجواسيس والجنرالات ورؤساء الدول، وكثير منهم توقع تهديداً أخطر من "القاعدة" وحاول بشكلٍ يائس وقف ذلك.

اقرأ أيضاً: "البغدادي"... فكرة تدرك أمريكا أنّها لم تمت
يبدأ واريك تتبعه السردي من الأردن، ومن السجن الذي كان يُحتجز فيه الإرهابيون والمشتبه بهم، وضمنهم الشخصيات القيادية والنشطاء الجهاديون الذين سيؤدون أدواراً محورية في الإرهاب لاحقاً في العراق وسوريا، والشخصيات الرئيسية في الأجهزة الأردنية المعنية (الذين ذكر أسماءهم الوهمية).

الكتاب بالمحصلة استعراض بالتفاصيل لكيفية بروز تنظيم داعش حيث يلعب الزرقاوي دور الأب الروحي

من المعروف اليوم لدى خبراء ومنظري الإرهاب أنّه لا يمكن الحديث عن الإرهاب المعاصر، وجذور تنظيم داعش دون المرور على المحطة الرئيسة التي دشنها أبو مصعب الزرقاوي؛ ولذلك نلاحظ أنّ واريك بدأ كتابه من الأردن ومن سجونها التي شهدت بدايات ظهور أبو مصعب الزرقاوي، ثم استعرض بالتفصيل-الممل أحياناً- كافة العمليات التي نفّذها الزرقاوي في الأردن وعلى رأسها عملية اغتيال الأمريكي لورنس فولي في العاصمة عمّان.
لكن؛ مع الوصول غير المسبوق إلى المصادر الأولية للمعلومات، التي يُحرم منها الكثير من الخبراء والصحفيين في العالم العربي عادة، تمكن واريك من إنتاج صورة مفصلة عن صعود الزرقاوي إلى السلطة، شخصيته، رسالته القاتلة، ولماذا سقطت تلك الرسالة على آذان صاغية من مجاميع كبيرة من الساخطين خاصة في الأردن والعراق آنذاك.
وحسب واريك فإنّ الشخصية الجهادية الرئيسية في الرايات السوداء هي أبو مصعب الزرقاوي، زعيم الفصيل المنشق عن تنظيم القاعدة في العراق ومؤسس داعش المتطرف الديني الحقيقي، ومعروف أنّ الزرقاوي سافر بعد الإفراج عنه من السجون الأردنية العام 1999 إلى أفغانستان لمحاربة الأمريكيين "الكافرين".

اقرأ أيضاً: هل حسمت عملية البغدادي الصراع الاستخباري بين التكنولوجيا والبشر؟
وعلى الرغم من أنّ إسهاماته في ساحة المعركة أظهرت شجاعة غير عادية، إلا أنّ بن لادن وجماعته كانوا يكرهونه ولا يثقون به وأبقوه بعيداً، وبما أنّ الأمريكيين انتزعوا معاقل طالبان، تراجع الزرقاوي إلى جيب غير شرعي من العراق لا تسيطر عليه حكومة صدام حسين، ومن هذا الجيب في 2002 وضع الزرقاوي الهيكل التنظيمي لجماعة جهادية من شأنها أن تؤدي في نهاية المطاف الى قيادة التمرد ضد الأمريكيين في العراق، بالطبع فإنّ هذه التفاصيل كثيرة جداً ومتعددة وليس في نيّتنا في هذا العرض المكثف للكتاب، أن نستعرضها بالتفصيل.

هذا الكتاب بالمحصلة استعراض بالتفاصيل لكيفية بروز تنظيم داعش؛ حيث يلعب أبو مصعب الزرقاوي دور الأب الروحي ويستعرض الجهود التي قام بها الكثير من الأشخاص الذين أطلق عليهم المؤلف "الأبطال" في تتبع نشاطات الزرقاوي لدى الاستخبارات المركزية الأمريكية، مع الإشارة الى الأخطاء الكارثية التي ارتكبها الرئيس بوش الابن باحتلال العراق.

حماقة غزو اعراق قد ولّدت تنظيم داعش وخلقت العديد من الفرص الضائعة لوقف الزرقاوي بسرعة

تفرّد كتاب واريك بأنّه رسم الخطوط الأولى لصعود الزرقاوي من الشارع الأردني الى أحد أكثر الجهاديين وحشية في العالم، وهو يبين مدى ارتباط مقاتلي "داعش" بإرث الزرقاوي، الذي قتل في العام 2006-ليس فقط أيديولوجيتهم؛ بل حتى لون الملابس التي يرتديها الإرهابيون السجناء في مقاطع الفيديو، وفيها يقول مقاتلو "داعش" إنّهم "أطفال الزرقاوي".
ركّز المؤلف على نقاط الوميض الدرامية وأدوار اللاعبين الرئيسيين في بروز تنظيم داعش من رحم تنظيم الزرقاوي، ثم الأدوار التي لعبها مختلف اللاعبين الدوليين خاصة الأجهزة الأمنية الأردنية والاستخبارات الأمريكية، مؤكداً كيف أنّ "حماقة الغزو العراقي قد ولدت تنظيم داعش وخلقت العديد من الفرص الضائعة لوقف الزرقاوي بسرعة".

اقرأ أيضاً: هل البغدادي ميتاً أخطر منه حياً؟
من المؤكد أنّه سيكون هناك كتب أخرى كثيرة حول الجهود التي تبذل على مستوى العالم لسحق الإرهاب العالمي، لكن يبقى أن نقول إنّ كتاب الرايات السوداء يُقرأ مثل رواية سريعة الخطى، كجزء من فيلم عن الجاسوسية، وجزء كقصة حرب، وجزء عن المؤامرات السياسية التي غالباً ما تنتصر على مصادر الخطر الحقيقية للإرهاب العالمي الذي لن ينتهي بالقضاء على تنظيم داعش.

للمشاركة:



تكتلات جديدة في البرلمان التونسي لمواجهة حركة النهضة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف رئيس كتلة الإصلاح الوطني المعارضة في البرلمان التونسي، حسونة الناصفي، أنّ هناك لقاءات ومشاورات لتنسيق جهود كتلته، التي تضم 15 نائباً، وكتلة حزب قلب تونس التي تضم 38 نائباً، إضافة إلى حزب المستقبل، الذي يضمّ 9 نواب، لمواجهة مساعي النهضة لتقديم مشاريع قوانين يراها البعض أنّها محاولة لأخونة المجتمع التونسي.

وأشار الناصفي، في مداخلة عبر إذاعة "جوهرة" الخاصة، اليوم، إلى أنّ المرحلة الأولى ستكون في إطار تنسيق الجهود، وذلك لتوحيد العمل البرلماني على غرار ما حصل من التوافق على انتخاب نائبي رئيس البرلمان وإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها من التيارات الإسلامية، كمشروع إنشاء صندوق للزكاة.

مشاورات لتنسيق جهود كتلة الإصلاح الوطني مع حزب قلب تونس وحزب المستقبل لمواجهة النهضة

وأكد حسونة الناصفي؛ أنّه من الممكن أن تتحول هذه التنسيقية المشتركة إلى كتلة برلمانية موحدة، مؤكداً إمكانية انضمام كتل سياسية أخرى لديها الرؤى والمشاريع نفسها.

وأسقط البرلمان التونسي مقترح كتلة حركة النهضة الإسلامية، الذي طالبت فيه بإحداث "صندوق للزكاة" ضمن مشروع موازنة 2020، لجمع التبرعات بمشاركة جمعيات وهيئات دينية تحت غطاء مؤسسات الدولة، في خطوة عدّها التونسيون بمثابة إثقال كاهلهم بضرائب إضافية بمسميات أيديولوجية مراوغة.

المرحلة الأولى ستكون في إطار توحيد العمل البرلماني لإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها

وكان عدد من النواب، على غرار النائب فيصل التبيني، قد طالبوا باستقالة الغنوشي من رئاسة البرلمان، نظراً لعدم قدرته على مواجهة أزمة الخلاف الذي حصل بين نواب الدستور الحر ونواب النهضة، على خلفية الاعتداء اللفظي التي تعرضت له رئيس كتلة الدستور، عبير موسى، من قبل النائبة جميلة الكسيكسي.

ويتزامن الجدل داخل البرلمان مع المصاعب التي يواجهها رئيس الحكومة، الحبيب الجملي، في تشكيل حكومته مع إعلان كلّ من حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب الانسحاب من المشاورات.

 

 

للمشاركة:

تقرير يكشف دور التحالف القطري التركي في ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف تقرير أمريكي دور التحالف القطري- التركي في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، خاصة بما يتعلق بالصراع الليبي الليبي.

وأفاد تقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية، الصادر في شهر كانون الأول (ديسمبر) الجاري؛ بأنّ ليبيا كانت واحدة من أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها جلياً التحالف القطري-التركي، مشيراً إلى دعم البلدين للميليشيات المتطرفة والإرهابية، وفق "سكاي نيوز".

 

 

وذكر التقرير أّنه "حين بدأ الصراع، عام 2011، أصبحت قطر أول دولة عربية تعترف رسمياً بمتمردي ليبيا، كما أنها أرسلت المئات من قواتها لدعمهم".

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية: ليبيا كانت أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها التحالف القطري-التركي

ويؤكد التقرير كذلك؛ أنّ الدوحة أشرفت على تدريب المقاتلين الليبيين في مناطق مختلفة من البلاد، لافتاً إلى أنّ "الدور القطري كان كبيراً لدرجة أنّ الليبيين في بعض المناطق باتوا يرفعون العلم القطري إلى جانب نظيره الليبي".

وذكرت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، ومقرها واشنطن؛ أنّ الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً من الأقمار الصناعية، تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة وحتى المقاتلين لدعم الميليشيات الليبية.

وخلص التقرير إلى أنّه "رغم كلّ هذا الدعم والتحالف، إلا أن الدوحة وأنقرة لم تتمكنا من التأثير في أيّ ممثل ليبي كبير".

ويتناغم التقرير مع الاتفاقين اللذين وُقِّعا مؤخراً بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومة فائز السرّاج في طرابلس، بخصوص الحدود البحرية والتعاون الأمني، وواجها رفضاً قاطعاً من جانب دول المتوسط، وأهمّها مصر واليونان وقبرص، إضافة إلى دول أوروبية.

التقرير: الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة للميليشيات

ومؤخراً ألمح أردوغان إلى إمكانية إرسال تركيا لقوات عسكرية إلى طرابلس، إذا طلب السرّاج ذلك، فيما كشفت مصادر من الجيش الوطني الليبي أن أيّة سفينة تركية ستقترب من الحدود الليبية ستعدّ هدفاً مشروعاً.

وكان تقرير للأمم المتحدة قد خلص، في آذار (مارس) 2013، إلى أنّ قطر أرسلت أسلحة للقوات المناهضة للرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، في عامي 2011 و2012، في انتهاك واضح لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة، كما سلمت الشركات التركية الأسلحة إلى "تحالف فجر ليبيا"، وهو تكتل لميليشيات متشددة.

ويؤكد الجيش الوطني الليبي، في أكثر من مناسبة، أنّه يقاتل جماعات مسلّحة مدعومة من تركيا وقطر، خلال حربه مع ميليشيات متطرفة في العاصمة الليبية طرابلس.

 

 

للمشاركة:

أمريكا تفرض عقوبات جديدة على شركات إيرانية.. هذا ما تفعله

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

فرضت الولايات المتحدة، أمس، عقوبات جديدة على أكبر شركة طيران في إيران وعلى قطاع الشحن الإيراني بتهمة نقل أسلحة من إيران لليمن ونشر أسلحة للدمار الشامل.

وقال وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، للصحفيين، وفق ما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء: إنّ واشنطن استهدفت ثلاثة وكلاء مبيعات عامة لشركة "ماهان إير"؛ بسبب الدور الذي تلعبه شركة الطيران في نشر أسلحة الدمار الشامل.

بدورها، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية؛ أنّه "تمّت أيضاً إضافة شبكة شحن إيرانية لقائمة سوداء بسبب تورطها في تهريب مساعدات فتاكة من إيران لليمن نيابة عن الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس التابع له".

الولايات المتحدة تفرض عقوبات على شركة "ماهان إير" وعدد من وكلاء مبيعاتها لنقلها مساعدات فتاكة لليمن

وتأتي العقوبات الجديدة بعد أيام فقط من تبادل للأسرى مطلع الأسبوع بين الولايات المتحدة وإيران في تعاون نادر منذ تصاعد التوتر بينهما، عقب انسحاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015.

من جانبه، أكّد بومبيو، أنّ واشنطن ستواصل "حملة الضغوط القصوى" على إيران، لكنّه عبّر، في الوقت ذاته، عن أمله في أن يؤدي تبادل الأسرى مع إيران إلى مسعى أوسع نطاقاً لإطلاق سراح معتقلين أمريكيين.

أيضاً، قال وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، أمس: إنّ "جهود طهران لزعزعة استقرار المنطقة تتفاقم".

وأضاف أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب؛ أنّ بلاده تسعى لتعزيز دفاعاتها وتمكين شركائها من مواجهة تهديدات إيران، وتابع إسبر: "سنردّ بقوة حاسمة إذا هاجمت إيران مصالحنا أو قواتنا".

 

للمشاركة:



الهيمنة الإيرانية تنتكس في مواقع نفوذها!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

هدى الحسيني

عبر وكلائها الإقليميين مثل «حزب الله» في لبنان والميليشيات المتحالفة معها في اليمن والعراق، مدت إيران نفوذها الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، لكن اليوم، كثير من هؤلاء الوكلاء يواجهون ما يشبه «المحاكمات» الشعبية في مناطق وجودهم. ولا يمكن أن تأتي الاحتجاجات في وقت أسوأ منه بالنسبة إلى النظام الإيراني، الذي يكافح من أجل القضاء على اندلاع الاضطرابات العنيفة داخل إيران، التي يغذيها الفساد المستشري وتدهور الوضع الاقتصادي.
ظهرت قواسم مشتركة مثيرة للاهتمام داخل عقول المتظاهرين في الدول الثلاث، ترتبط بها الجوانب الأجنبية والمحلية، لكن برز أن الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني سببت تفاقم الحرمان لدى الفقراء والطبقة العاملة في هذه الدول، رغم أن إيران تطلق على ثورتها اسم «ثورة المستضعفين». كل هذا ينذر بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تواجه لحظة محاسبة قاسية لمكانتها الإقليمية.
تحاول بعض الأبواق الإيرانية، في لبنان بالذات، الإشارة إلى أن ما جرى في سوريا هو درس لأولئك الذين يتوقعون نوعاً من الربيع العربي، على أساس أن العنف والحرب الأهلية أمران ممكنان، مثل الانفتاح والإصلاح وسط الانهيار المنهجي، وإن لم يكن أكثر بالنظر إلى وجود الجماعات شبه العسكرية المسلحة، إضافة إلى مصالحهم التجارية الواسعة، التي ستخسر كل شيء في حالة انهيار النظام في الوقت الحالي.
في إيران اندلعت الاحتجاجات في أغلبية المدن إثر قرار حكومي يخفض دعم الوقود. كان رد الفعل الشعبي شديداً أدى إلى رد فعل دموي من جانب الحكومة، ولتخويف الناس أكثر اعترف التلفزيون الحكومي بأن قوات الأمن تقتل المتظاهرين. الجدير بالذكر أن كثيراً من أعمال العنف الحادة كانت في خوزستان موطن العرب الذين لهم تاريخ طويل من الصدامات مع سلطة الدولة، ما يوضح كيف أن الاضطرابات الاقتصادية الحالية تهدد بتفاقم الانقسامات الطائفية داخل إيران والمنطقة الأوسع. هذه المخاطر لا تقتصر على عرب خوزستان، إنها موجودة لدى الأكراد والآذريين، وربما الأخطر لدى البلوش في الجنوب، وكل هذه الأعراق لهم إخوة، في بعض الحالات متمردون نشطون، على الجانب الآخر من الحدود الإيرانية.
بعد «العصا» لوحت الحكومة الإيرانية «بالجزرة» عبر مساعدات مباشرة طبقت على الفور واستهدفت 70 في المائة من السكان! أرادت الحكومة دعم الركائز الأساسية للنظام (الفقراء). نجح أسلوب العصا والجزرة حتى الآن في قمع الاحتجاجات لكن الهدوء سوف يتلاشى طالما أن الاقتصاد الإيراني يتعرض لأقصى أنواع الضغوط.
أما العراق فإنه لا يزال يعيش موجة احتجاجات عنيفة واسعة النطاق، تغذيها قضايا الخبز والغضب من الفساد الحكومي. ثار العراقيون بعد صبر على نظام الحكم في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي. وزع النظام الوظائف العليا على أساس الانتماء الطائفي، وتُلقي الاحتجاجات اللوم عليه في إثراء الزعماء الدينيين والمجموعات شبه العسكرية على حساب الشعب العراقي. ولأن العراق دولة ذات أغلبية شيعية فقد أفاد هذا، النظام الإيراني الذي مارس نفوذاً على السياسة العراقية ورعى وجوداً عسكرياً وصاروخياً وأنشأ مجموعات «الحشد الشعبي» التي يبلغ عدد أعضائها مئات الآلاف، إنها تمثل قوات موازية للقوات المسلحة، تأخذ رواتبها وتُمنح الرتب الرسمية من الدولة العراقية، لكن افتقارها للاندماج في القوات العراقية هو شهادة على ضعف مؤسسات الدولة. ورغم أنها تحت قيادات عراقية الاسم، فإن لإيران التأثير الأكبر على هذه الجماعات. ما مقدار هذا التأثير؟ يقول لي مصدر عراقي معارض، إن هذا سيظهر فقط في حالة وجود خلاف استراتيجي خطير بين بغداد وطهران! العراقيون الغاضبون يعتبرون أن تأثير إيران على العراق مفرط ويضرّ بالبلاد، ولم يتأخر المتظاهرون في إشعال النيران في القنصليات الإيرانية في جنوب العراق حيث المراقد الشيعية.
غرقت حركة الاحتجاجات في العراق في أعمال العنف التي ارتكبتها قوات الأمن والقوات شبه العسكرية (الحشد الشعبي)، ورغم عدد القتلى الذي فاق الـ400 لم تتوقف الحركة وحققت نجاحاً في 29 من الشهر الماضي بإعلان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي عزمه على التنحي «بمجرد تشكيل الحكومة الجديدة»، وهنا تكمن الخدعة؛ إذ إن اختيار عبد المهدي استغرق ما يقرب من نصف العام، وسيخضع بديله لعملية التثبيت الطويلة والشاقة للغاية من قبل الأحزاب السياسية والرائدة والتي لن تتنازل عن امتيازاتها. لذلك فإن قصة العراق ستكون معقدة ومن غير المرجح أن يحصل المتظاهرون على عملية الإصلاح الشامل الذي يطالبون به في أي وقت قريب. وبالتالي فإن الحرب الأهلية ليست ببعيدة. لكن من ناحية أخرى، ورغم أن التغيير المنهجي في العراق بعيد المنال، ورغم ما قد يحدث على المدى القريب، فإن الموقف الجغرافي السياسي لإيران تآكل بشكل ملموس منذ اندلاع حركة الاحتجاج. قد يقتل عملاؤها كثيرين، لكن ضربة الفأس الأخيرة ستكون على الرأس الإيراني داخل العراق.
أما في لبنان فيريد الشعب إنهاء نظام المحاصصة والمحسوبية على أسس دينية، الذي بني على حساب الحكم الرشيد. وكما في العراق ستخسر إيران من أي إصلاح شامل لأنه يؤذي أهم وكلائها والأكثر موثوقية من قبلها، أي «حزب الله». يتمتع «حزب الله» بتاريخ طويل كوحدة شبه عسكرية وحزب سياسي في لبنان، ولاؤه لإيران، ومع ذلك فإن دخول الحزب إلى المسرح السوري دفع بعض المتظاهرين حتى عدداً كبيراً من الشيعة إلى التشكيك في التزامه بالمشروع الوطني اللبناني. مع قيام الثورة في لبنان التي أسقطت رئيس الوزراء، رغم أن الأمين العام للحزب حسن نصر الله أنذر اللبنانيين بأنه لا إسقاط للحكومة، ولا تغيير للعهد، ولا إصلاحات، قام بتعبئة مؤيديه ووحداته لضرب الثورة ودعم الحصص الطائفية السابقة، فسقط مشروعه بشكل فاضح. استمرت الثورة ورفض الثوار خياره الثاني لرئاسة الحكومة، كما أظهرت سلمية الثورة نوعية بلطجية مؤيدي الحزب ووحداته. يهدد الحزب عبر المقربين منه بأن الثورة هي مؤامرة عليه، وقد تؤدي إلى حدوث اشتباكات في المستقبل بين قواته وقوات الجيش اللبناني، إذا حدث هذا يكون الحزب قد ارتكب غلطة العمر.
القواسم المشتركة بين السياقات الوطنية الثلاثة صارخة. كل حركة تقاتل من أجل نظام سياسي واقتصادي أكثر عدالة وشفاف وغير فاسد، وترفض الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني. الديمقراطية لها ثمن، لكن في هذه الدول قد يكون ثمنها أغلى من بقية الدول، لأنها تشكل ضربة قاسمة لأهداف السياسة الخارجية الطويلة المدى لإيران. ستحاول هذه فرض العنف المستمر والاضطرابات وعدم الاستقرار على المدى القصير. لقد وضع المتظاهرون سقفاً عالياً لإصلاح الأنظمة الطائفية الفاسدة. وهذه الأهداف ستعمل على تنشيط الاحتجاجات إلى أبعد من المتوقع. لكن المزيج من مؤسسات الدولة الضعيفة المتعفنة، والقوات شبه العسكرية المدعومة بالسلاح، وسنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، وعلى سبيل المثال ديون لبنان المتضخمة، كلها تجعل المطلوب من المتظاهرين المثابرة والاستمرار وعدم التراجع.
ويجب الإيمان حقاً بأن لبنان ينتفض، والعراق ينتفض، وإيران تنتفض أيضاً. وستحتفل شعوب هذه الدول بالولادة الثانية لأوطانها، وهذا حتماً سيحصل، فالتنين يقترب من نهاية عمره!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

المصالحة مع قطر لم تنضج بعد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

جويس كرم

عامان ونصف على أزمة الرباعية العربية مع قطر. وعلى الرغم من بعض المؤشرات الأخيرة الموحية بحل وشيك، فإن عمق الخلاف واتساع مداه الجيوسياسي والإقليمي يشير إلى أن هذه المصالحة لم تنضج بعد.

توقع كثيرون أن تكون القمة الخليجية هذا الأسبوع منبر المصافحة بين أمير قطر تميم بن حمد والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز. إلا أن عدم حضور الأمير وإرسال رئيس وزرائه عبدالله بن ناصر يؤكد أن إطار المصالحة لم يكتمل بعد وأن هناك عراقيل جمة على المستويين الداخلي والإقليمي قد تؤخر حدوثها.

بالنظر إلى المؤشرات التي كادت توصل إلى مصالحة في الرياض هذا الأسبوع، فيمكن اختصارها بثلاث:

أولا، زيارة وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن إلى السعودية في أكتوبر الفائت كانت مفصلا رئيسيا باتجاه الحل. صحيفة "وول ستريت جورنال" التي كشفت عن الزيارة قالت إن الجانب القطري تعهد بوقف الدعم لتنظيم الإخوان المسلمين وأي تنظيمات تابعة له. مصادر مطلعة تقول إن ولي العهد السعودي استقبل وزير الخارجية القطري على العشاء في تلك الزيارة.

ثانيا، الضغط الأميركي في الفترة الأخيرة لإيجاد حل أو على الأقل رفع بعض وسائل المقاطعة التي وضعتها الرباعية (السعودية، الإمارات، مصر والبحرين) في العام 2017. وهذا ما توجته اجتماعات دفاعية في الرياض وواشنطن تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي، وخطوات مثل المشاركة من قبل البحرين والسعودية والإمارات في كأس الخليج الذي استضافته قطر قبل أيام.

ثالثا، العوامل الاقتصادية وتطلع معظم الأطراف إلى رفع الإجراءات التي تمنع التسهيلات الاقتصادية والاستثمارات. هذا الدافع تعززه المقاربة الأميركية وتذمر كبار الشركات في الولايات المتحدة من كلفة القطيعة على الحركة المصرفية والبحرية والجوية لهذه الشركات في الخليج.

في الوقت نفسه، اصطدم هذا المناخ الإيجابي تجاه المصالحة بعدة عوامل على أرض الواقع أدت إلى عرقلته حتى اليوم؛ ومن أبرزها:

أولا، انتظار دول الرباعية خطوات ملموسة حول وقف قطر لدعم تنظيم الإخوان وفروعه وليس فقط تعهدات. فحتى حين قدمت قطر تعهدات خطية لمجلس التعاون في الماضي، نكثت بها على أرض الواقع. من هنا، لا يكفي تعهد وزير خارجيتها، وهناك ترقب من الدول المقاطعة لخطوات محددة في هذا المجال.

ثانيا، زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى الدوحة بعد أسبوعين من زيارة وزير الخارجية القطري للسعودية، وضعت أنقرة في صلب هذه المعادلة. فالوجود العسكري التركي في قطر ما زال مرفوضا من دول المقاطعة، وما من مؤشر بأن إردوغان في صدد الانسحاب لا بل هو يبدي استعدادا لاستنساخ هذه الاستراتيجية في ليبيا.

ثالثا، هناك وجهات نظر مختلفة داخل الرباعية ومطالب تتمايز بين دولة وأخرى رغم الالتقاء على الإطار الأوسع. من هذا المنطلق قد يكون هناك حاجة إلى مفاوضات متعددة الأطراف وليس فقط سعودية ـ قطرية لإنجاح مساعي إنهاء الأزمة.

رابعا، رغم الهدنة الإعلامية القصيرة، ما زال التشنج في الخطاب الإعلامي بين قطر والرباعية يطبع الموقف بسبب التباعد الجيوسياسي والإقليمي المستمر في أكثر من ملف.

خامسا، العلاقة الإيرانية ـ القطرية، التي شهدت تقاربا منذ الأزمة الخليجية، مصدر قلق لدول الرباعية والولايات المتحدة. وهذا سيتطلب التزامات من الدوحة للبقاء ضمن المظلة الخليجية من دون أن يعني مقاطعتها لطهران.

هذه المعطيات ترجئ المصالحة مع قطر اليوم وترجح خطوات تدريجية قبل حل شامل للأزمة. إنما أي مصالحة كاملة ستستوجب خطوات ملموسة وليس فقط تعهدات، وعليها أن تنال موافقة كل الدول المقاطعة بمن فيها مصر. الى حين اتمام ذلك، ستضغط الولايات المتحدة لاتخاذ تسهيلات في القطاع المصرفي أو لرفع الحظر الجوي والبحري تخفف العبء على شركاتها وتفسح المجال لخطوات أكبر.

عن "الحرة"

للمشاركة:

عام على اتفاق ستوكهولم.. تعنت حوثي يفاقم معاناة اليمنيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

يدخل اتفاق ستوكهولم بشأن الأزمة اليمنية، اليوم الخميس، عامه الثاني، وسط مماطلات حوثية عرقلت تنفيذ غالبية بنوده التي كانت ستُسهم في تخفيف معاناة اليمنيين، وخصوصا سكان مدينة الحديدة غربي البلاد.

وفي 12 ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، رعت الأمم المتحدة مشاورات سلام بين الحكومة اليمنية ومليشيا الحوثي، أثمرت توقيع ما عُرف بـ"اتفاق ستوكهولم" في السويد.

ونص الاتفاق على عدة تفاهمات؛ أبرزها وقف إطلاق النار في مدينة الحديدة الساحلية، فضلا عن تبادل الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسريا، وفك الحصار الحوثي على مدينة تعز، جنوب غربي البلاد.

وطيلة عام كامل، لم يحقق اتفاق ستوكهولم سوى اختراقات طفيفة في جانب تخفيف التصعيد العسكري بالحديدة.

ومن المقرر أن يقدم المبعوث الأممي مارتن جريفيث، مساء الخميس، إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي بشأن اتفاق ستوكهولم، وما تحقق منه والمؤشرات القادمة بشأن ملف الحديدة.

مسرحية هزلية
كان "ملف مدينة الحديدة" هو القضية الأبرز في اتفاق ستوكهولم؛ حيث نص على هدنة إنسانية تبدأ منذ 18 ديسمبر/ كانون الأول 2018، فضلا عن فتح الممرات الإنسانية والسماح بمرور قوافل الإغاثة.

كما أكدت بنود الاتفاق انسحاب الحوثيين من موانئ الحديدة الـ3 خلال 14 يوما، ثم من مدينة الحديدة إلى أطرافها في غضون 21 يوما.

ومنذ تلك الفترة، واصلت مليشيا الحوثي مراوغاتها للتنصل من اتفاق الحديدة، عبر تنفيذ انسحاب وهمي أحادي الجانب من موانئ الحديدة.

وارتكزت الخدعة الحوثية على استبدال عناصر المليشيا المدعومة من إيران بقوات موالية لها، في خطوة رفضتها الحكومة اليمنية ووصفتها بـ"المسرحية الهزلية".

مراوغات الحوثيين لم تتوقف عند خدعة الحديدة، بل واصلت المليشيا حفر الخنادق وزراعة الألغام في محيط ميناء الحديدة والشوارع المؤدية إليه، بالتوازي مع تحويل الأحياء السكنية إلى ثكنات عسكرية.

وفيما توقفت الضربات الجوية للتحالف العربي بشكل كامل منذ عام على مواقع الحوثيين في مدينة الحديدة، واصلت المليشيا الانقلابية إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على مواقع القوات المشتركة.

وكانت آخرها الهجمات الإرهابية المزدوجة بأكثر من 5 صواريخ باليستية و13 طائرة مسيرة على مدينة المخا في الساحل الغربي لليمن.

وفي الشق الاقتصادي لملف الحديدة، كان من المفترض أن تقوم المليشيا الحوثية بالانسحاب من ميناء الحديدة وتسليم إدارته للأمم المتحدة من أجل توريد إيراداته المهولة إلى البنك المركزي في عدن حتى يتسنى للحكومة اليمنية صرف مرتبات جميع موظفي الدولة.

إلا أن المليشيا رفضت التخلي عن موارد ميناء الحديدة التي تستغلها في شراء السلاح، وهو ما أدى إلى حرمان مئات الآلاف من مرتباتهم ومفاقمة الأوضاع الإنسانية.

أزمة الأسرى

منذ توقيع اتفاق ستوكهولم، عقدت لجنة الأسرى والمعتقلين المشتركة عدة اجتماعات في العاصمة الأردنية عمّان، لكنها لم تخرج بنتائج إيجابية جراء استمرار التعنت الحوثي في الملف الإنساني المفتاحي لبناء الثقة بين الأطراف.

وطالبت الحكومة اليمنية بالبدء بصفقة تبادلية كاملة يتم بموجبها إطلاق جميع الأسرى من الجانبين دفعة واحدة، لكن المليشيا الحوثية اشترطت أن يتم إطلاق 50% فقط، بهدف الاحتفاظ بما تبقى واستخدامهم كورقة للابتزاز السياسي.

وفيما وافقت الحكومة على تبادل 50% من القوائم الخاصة بالأسرى والمخفيين قسريا، وعلى رأسهم 10 صحفيين وعدد من الناشطين والأكاديميين الذين تم اعتقالهم دون وجود أي تهمة، ماطلت المليشيا الحوثية في هذا الجانب، ورفضت تنفيذ تعهداتها حتى الآن.

وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، حاولت مليشيا الحوثي امتصاص الضغط الأممي، وقامت بإطلاق 290 أسيرا فقط من معتقلاتها في صنعاء.

فيما أكد مراقبون أن جميع المفرج عنهم مواطنون عاديون قامت المليشيا الانقلابية باختطافهم من منازلهم وحواجز التفتيش على مداخل المدن.

وتواصل المليشيا الحوثية اختطاف أكثر من 4 آلاف معتقل ومخفي قسريا في سجونها بصنعاء وذمار وإب والحديدة.

ملف تعز
وبالتوازي مع تعنتها في جميع الملفات واصلت مليشيا الحوثي فرض حصارها الخانق على مدينة تعز للعام الرابع على التوالي، رغم الالتزامات التي قطعتها في اتفاق ستوكهولم.

وضرب الحوثيون عرض الحائط بالالتزامات المترتبة عليهم بناء على الاتفاق، ليرفضوا كل الدعوات الأممية والدولية بتسهيل مرور المدنيين.

وتفرض المليشيا الحوثية حصارا على سكان تعز من جميع المنافذ الرئيسية الشرقية والغربية والشمالية.

كما تمنع دخول الإغاثات والمواد الغذائية، كعقاب جماعي للمدنيين القاطنين في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية.

وكان من المفترض، أن تقوم المليشيا الحوثية بفتح أحد الممرات الرئيسية للمدينة وهو الذي يربط مدينة تعز بالعاصمة صنعاء، لكنها واصلت مماطلتها، وقرنت ذلك باستئناف الرحلات الجوية من مطار صنعاء الدولي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية