"وحوش بلا وطن".. السياحة في متحف الحرب

12732
عدد القراءات

2017-10-13

يستطيع الرسام تحويل القبيح إلى لوحات فنية، مثلما يستخرج صُنّاع السينما فحم المأساة من مناجم الحرب ويحوّلونه إلى ألماس. فيلم (Beasts of no Nation 2015/ وحوش بلا وطن)، واحدة من تلك الماسات التي صقلها كاري جوجي فوكوناجا لتأخذ مكانها الطبيعي في متحف الفن السابع.

حرب سوداء كوميديا بيضاء
يُدين الفيلم السياسيين وقادة الحروب الذين يحاربون من أجل مصالحهم الخاصة. يخطب قائد جيش التحرير في جنوده، وأغلبهم من الأطفال، حول أهداف الحرب: تحرير الأرض والدفاع عن النفس والانتقام للضحايا. اللافت هو غياب العدو الذي يقاتلونه، وكأنّ الحرب تدور بين قادة محليين يتصارعون على السلطة، وهذا ما ستوضّحه الأحداث التالية بشكل ضمني.
الصراع بين القائد السياسي والقائد الميداني على السلطة مثال على دور المصلحة الشخصية في الحروب. يَعزل القائدُ السياسي القائدَ الميداني عن منصبه ويحرمه من الترقية إلى رتبة جنرال، يتمرد القائد الميداني على قرار العزل فتظهر نواياهما الحقيقية. وحين تنكشف أوراق القائدين يخبر القائد الميداني جنوده بأن الوضع قد تغيّر وأن الهدف من الحرب الآن هو الاستيلاء على إقليم خاص وتعبئة جيبوهم بالمال.
هذه الدلالة تظهر في مشهد للقائد وجنوده عند مدخل المدينة قبل مقابلة القائد السياسي. يسألهم جندي عند نقطة التفتيش: "من هو قائدكم؟". والسؤال يلمح إلى أن قادة الحرب كُثر. يطول انتظار القائد الميداني، وأثناء ذلك تظهر لقطة لكرسي شاغر -يرمز إلى السلطة التي يتصارع من أجلها القادة- والقائد الميداني يحدق فيه.
مشهد آخر لسيّاح بيض على متن حافلة يحدقون في الأطفال المجندين ويلتقطون الصور معهم. تبدو الحرب في هذا المشهد متحفاً أو منظراً طبيعياً يتم توثيقه بالصور التذكارية، في إشارة ضمنية إلى موقف العالم والإعلام من الحروب. الموقف السلبي من مأساة الحرب يظهر أيضاً في مشهد لقوات الأمم المتحدة؛ حيث يقتصر دورها على المراقبة فقط.

يُقسِّم الفيلم المعاناة إلى همّين؛ هَمّ يُضحك وآخر يُبكي، الجزء الساخر مرادف للسلام، أما المبكي فمرادف للحرب

مدة الفيلم ساعتان وربع. أول ربع ساعة كوميديا سوداء؛ حيث يمكن للفقر أن يكون موضوعاً ساخراً ومسرحاً للهو الأطفال وضحكاتهم البريئة. تختفي بعدها الكوميديا وتبقى معاناة الناس مع الحرب وعواقبها خصوصاً على الأطفال. تُصوِّر المشاهد الأولى معاناة الأطفال مع الفقر والجوع بأسلوب ساخر. يظهر آجو (أبراهام أتا) وأصدقاؤه وهم يروجون لبيع صندوق تلفزيون، يسمّونه (تلفزيون الخيال). يتعاطف معهم أخيراً أحد جنود حفظ السلام، وبعد تفاوض على السعر يفضّلون وجبة طعام على المال.
يُضمر المشهد مقارنة الخيال ووظيفته بين واقعين: واقع مفترض هو واقع التلفزيون، باعتباره أداة لصنع الخيال وتغذية الروح، وواقع الأطفال وهم يبيعون الخيال من أجل لقمة العيش. سيظنّ المُتفرج أن صندوق التلفزيون خردة، وسيكتشف لاحقاً أنّ آجو انتزعه من تلفزيون أبيه. تقديم زمن السرد على زمن القصة في هذين المشهدين يُظهر حجم المعاناة.
يُقسِّم الفيلم المعاناة إلى همّين: هَمّ يُضحك وآخر يُبكي. الجزء الساخر -ربع ساعة- مرادف للسلام، والجزء المبكي مرادف للحرب. ولعل هذه هي نسبة السلام إلى الحرب في الواقع. قد تستمر هدنات السلام أوقاتاً أطول من الحروب، لكنّ آثار الحروب المدمّرة تحصد في شهور كل ما يبنيه السلام في سنوات.

دفعت الحرب الطفل (آجو) للفرار إلى الغابة بعد أن راح والده ضحيتها وفرقت بقية أسرته. يقع أسيراً في قبضة قائد عسكري (إيمانويل أفادزي)، يجنده ويحوله إلى قاتل. يلتقي آجو بطفل اسمه (سترايكا)، تتوطد صداقتهما ويحاول حثّه على الكلام دون جدوى. وبعد أن يُغتصب آجو من قبل القائد الميداني يطيل آجو الصمت، عندها يفهم سر صمت صديقه.

لغة سرد طفولية
أدى ابراهام دور آجو ببراعة، والهدف من اختيار طفل لدور البطولة والسارد الخارجي هو تصوير مآسي الحرب من منظور محايد غير متحيز. يتسم السرد بلغة طفولية، يقول آجو في بداية الحرب: "تأكل الرصاص كل شيء، الأوراق والأشجار والأرض. تأكلهم وتجعل الإنسان ينزف من كل مكان. لقد صرنا بلا مأوى، تماماً مثل الحيوانات البرية. أيتها الشمس لماذا تشرقين على هذا العالم؟ أودّ لو أمسك بك بيديّ وأعصرك حتى لا تشرقين مجدداً. بهذه الطريقة سيعم الظلام ولن يتمكن أي شخص من رؤية الفظائع التي تحدث هنا".
مع نهاية الفيلم تشيخ لغة الطفل وهو يخاطب الأخصائية النفسية: "لقد رأيت أشياء فظيعة واقترفت أموراً فظيعة. إن حدثتك عنها سأشعر بالحزن وسأجعل منك شخصاً حزيناً أيضاً. في هذه الحياة كل ما أريده هو أن أكون سعيداً. إذا ما بُحتُ لك فستعتقدين أنّني شيطان أو نوع من الوحوش. أنا كل هذه الأشياء، لكن كان لي ذات يوم أُم وأب وأخ وأخت، وكانوا يحبونني".

ما قاله آجو، في نهاية الفيلم، يعيدنا إلى ما قاله في بدايته: "أنا ولدٌ صالح من عائلة صالحة. أمي تعمل بكد من أجلنا, وأبي كان يعمل معلماً...". لكن الحرب تنتزع والده من المدرسة، مثلما انتزعت كثيرين؛ منهم مهندس مدني فقد حياته بضربات فأس وجهها لرأسه آجو وسترايكا بأمر من القائد، في مشهد يُعد الأقوى والأكثر وحشية.
مشاهد العنف في بعض الأفلام تتم بتقنية "خارج الحقل"؛ لدواعي نبذ العنف على الشاشة. لكن في هذا المشهد لم يُفعِّل المخرج رقابته الذاتية لسببين؛ لأنّ المشهد مرتبط بعنوان الفيلم ومضمونه عن الوحشية التي يراد للمتفرج أن يكون شاهداً عليها ببصره لا بتخيله. بعد أن أدّى المشهد وظيفته نجد مشاهد عنف لاحقة تتم "خارج الحقل". السبب الثاني أنّ المحتوى البصري لهذا المشهد له علاقة بما قاله آجو للأخصائية عن تجربته الوحشية في الحرب.
فوكوناجا في هذا الفيلم (Beasts of no Nation)، مهموم بقضية إنسانية بمعزل عن الجغرافيا. تم تصوير فيلم (وحوش بلا وطن) في غانا، لكن المكان والزمان يغيبان عن عنوانه وأحداثه، في دلالة على تواجد وحوش الحرب في كل زمان ومكان. تنشب الحرب دون ذكر الأسباب؛ فالحرب رذيلة وأي تبرير سيحولها إلى فضيلة. وهذا ما يفعله كثير من تجار الحروب حين يربطونها بالدين والمصلحة الوطنية.
ينتهي الفيلم بمفارقة ساخرة: الحروب تتوقف لكنها لا تنتهي. تتوقف عند انتهاء الذخيرة، لا بسبب السلام. نفاد الذخيرة دفع المجندين للتخلي عن قائدهم الذي ذكّرهم بأنه سيطلبهم حالما تتوفر الذخيرة، وهذا ما حدث لتستمر دائرة الفقر والحرب. في الأخير يقدم الفيلم اقتراحاً لنسيان الماضي حين فضَّل آجو وبعض رفاقه البقاء في المخيم كوطن مؤقت لطلب العلم، وللحفاظ على ما تبقى من صورتهم الإنسانية ونسيان ماضيهم كوحوش.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الموت يغيّب الشاعر والكاتب الإماراتي حبيب الصايغ

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

فقدت الساحة الأدبية والصحفية، الإماراتية والعربية، اليوم واحداً من أهم أعمدتها بوفاة الشاعر والكاتب الإماراتي حبيب الصايغ.
ونعى الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، في تغريدة له على تويتر الصايغ، رئيس تحرير صحيفة "الخليج" الإماراتية المسؤول، ورئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وأمين عام الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب.

كرّمته جمعية الصحفيين عام 2006 كأول من قضى 35 عاماً في خدمة الصحافة الوطنية‎

وقال قرقاش متأثراً: "فقدت الإمارات الأديب المبدع وصاحب القلم العاقل والجريء الأستاذ حبيب الصايغ. يغيب عنّا حبيب، رحمه الله وأسكنه جنانه، وهو في قمة عطائه الأدبي والفكري والوطني. سأفتقده صديقاً، وقلماً مبدعاً. وأتقدم إلى أسرته ومحبيه بخالص العزاء."
ولد الشاعر والكاتب حبيب يوسف عبد الله الصايغ في أبوظبي عام 1955، حصل على إجازة الفلسفة عام 1977، كما حصل على الماجستير في اللغويات الإنجليزية العربية والترجمة عام 1998 من جامعة لندن .
عمل الراحل في مجالي الصحافة والثقافة ويكتب زاوية يومية في صحيفة "الخليج".
نشر إنتاجه عربياً في وقت مبكر وشارك في عشرات المؤتمرات والندوات العربية والعالمية.
وترجمت قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية والصينية .

ترجمت قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية والصينية
حصل الصايغ في العام 2004 على جائزة تريم عمران - فئة رواد الصحافة.
وكرّمته جمعية الصحفيين عام 2006 كأول من قضى 35 عاماً في خدمة الصحافة الوطنية.
حصل في العام 2007 على جائزة الدولة التقديرية في الآداب، وكانت المرة الأولى التي تمنح لشاعر.

للمشاركة:

في ذكرى سميح القاسم "الناطق غير الرسمي باسم الأمتين العربية والإسلامية"

2019-08-19

في حواره الأخير مع صحيفة "ذوات" الإلكترونية، ظل الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، الذي تمر اليوم ذكرى رحيله، محتفظاً بطاقة الأمل وعنفوان الرفض، وكبرياء المقاتل العنيد؛ كأنه اختار أن يعيش أبداً، مع أنّ الموت كان على مقربة منه. مات جسد الشاعر، لكنّ روحه وأشعاره وفروسيّته ظلت خالدة شامخة كقصائده المفعمة بالكفاح والتحدي.

اقرأ أيضاً: في ذكرى الغياب.. قصائد درويش جرس يذكّر بمآسي العرب
في ذلك الحوار، الذي أجراه الزميل يوسف الشايب، فتح القاسم خزائن ذاكرته على مصراعيها، من دون أن يتخلى عن غضبه في مواجهة حملات التشكيك بمواقفه الوطنية، مشدداً على أنّ الاحتلال الإسرائيلي عابر، ومؤكداً بنرجسيته المحببة: أنا الناطق غير الرسمي باسم الأمة العربية كلها، وكذلك الأمة الإسلامية!

الكتابة عن السفرجل الفاسد حداثة أما الكتابة عن محمد الدرّة فليست كذلك لأنه محمد وليس فرانسوا

تحدث القاسم في اللقاء في محاور ساخنة، بعضها طازج وبعضها استعاده من أروقة الذاكرة التي لربما لا تقل "طزاجة" عن حاضر عبثي، فتناول إشاعات إلقائه قصيدة رثاء لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق رابين، وعن الحصار الذي تفرضه دول عربية عدة عليه وعلى كل مبدعي الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1948 لمجرد قرار والديه، ومن ثم هو، البقاء في أرضه.
كما تحدث عن دور المثقف الفلسطيني تاريخياً في التعاطي مع هموم شعبه وقضاياه، بل سرد حكايات نادرة تدين شعراء عرباً كباراً وشخصيات سياسية ودينية عربية وفلسطينية، انعطفوا عن قصد، أو استدراج، ليرموا بثقلهم الشعري ورمزيتهم المعنوية بين الناس في خدمة الصهيونية، قبل حتى قيام دولة إسرائيل على أنقاض ذكريات الفلسطينيين، ومنازلهم، وجثامين شهدائهم.

اقرأ أيضاً: بيت الشعر يحتفي بمحمود درويش في الرباط
كما لم يغفل القاسم عن الحديث حول الشعر العربي وخصوصيته، والدخول في جدل "قصيدة الحداثة"، مؤكداً أنّ هناك شعراء عرباً تفوقوا بحداثتهم على أكبر رموز الحداثة الشعرية في أوروبا.
ديوان "سأخرج من صورتي ذات يوم"

الشاعر الطفل
وحين نبش القاسم في ذاكرته البعيدة عثر على الشاعر الطفل في داخله وكيف تشكّل: كنت في الصف السابع الابتدائي حين اكتشف معلم اللغة العربية "شاعراً في الصف" من خلال موضوع إنشاء وردت فيه مقاطع موزونة ومقفّاة، وذهلت حين اتضح أنني أنا هو "الشاعر" الذي أشار إليه معلم اللغة العربية. حين قدمت إلى المدرسة في الغداة شاحباً محبطاً، وأخبرت المعلم أنني سهرت الليل، ولم أستطع كتابة قصيدة جديدة، داعب المعلم إلياس شَعري ضاحكاً: لا تذهب إلى القصيدة يا بني، دعها هي تأتي إليك، وستأتي.. لا تقلق.

اقرأ أيضاً: رغم رحيلهما.. نزار قباني ودرويش الأكثر متابعة على تويتر
كان هذا هو الدرس الأول في النقد الأدبي الذي تعلمته في طفولتي، وطفولة قصيدتي، وتمسكت بعبرته طيلة حياتي اللاحقة.
القصيدة الصادقة
وبسؤاله عما قاله صديقه الشاعر محمود درويش الذي رحل قبله، بخصوص وصف الصهاينة بأنهم "عابرون في كلام عابر"، قال إنه يوافق ما قاله درويش "بكل تأكيد" موضحاً: مرحلة الاحتلال وما يرافقها من شتات فلسطيني عابرةٌ، لأنّ القصيدة تنبأت بذلك. تشتُتنا بين رام الله والرامة في الجليل أمر طبيعي في هذه المرحلة غير الطبيعية. هذه المرحلة غير الطبيعية مرحلة عابرة؛ لأنّ القصيدة الفلسطينية قالت لها ستكونين لها مرحلة عابرة. هذا ما قالته القصيدة، والقصيدة لا تشتغل بالتكتيك ولا بالخرائط ولا تفاوض. القصيدة تقول حلمها وجموحها بكل حرية، ولذلك فليس هناك شيء أكثر صدقاً من "القصيدة الصادقة". 

حين نسحق بحذاء جندي أجنبي لابد أن نصيح قصيدتنا هي آهاتنا وهي وسيلتنا في رفض الدوس بالحذاء

واستذكر القاسم عودة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من تونس إلى فلسطين: يوم ودّعنا قيادة المنظمة في تونس، قلت لأهل تونس "جايين نأخد البنت منظمة التحرير لعريسها الوطن". وقلت بأنّ الدولة الفلسطينية قادمة، فردّ عليّ أحدهم بأنني أهذي، وبأنّ ما أقوله خيال شعراء، فأكدت بأنه ليس على الأرض أكثر واقعية من خيال الشعراء، وخيال الشعراء يقول بأنّ الاحتلال زائل لأنه باطل. الاحتلال يتعارض مع المنطق التاريخي ومع الوعي الإنساني ومع الأديان والشرائع السماوية والأرضية، ومع مهب رياح العصر الذي يرفض الاحتلال والعنصرية ونهب الأرض وبناء البيوت عليها للوافدين من كل أنحاء الأرض، ويرفض ما يسمى "الاستيطان"، وهو استعمار كولونيالي بكل معنى الكلمة. هذا ما قالته القصيدة الفلسطينية منذ بداية الصراع.

ديوان "عجائب قانا الجديدة"
وسئل القاسم خلال الحوار: هل تعتقد أنّ القصيدة فعل نضالي؟ فجاءت إجابته: وكيف لا؟ الشاعر الفلسطيني كان يدرك حقوقه، وعلى وعي بها منذ بدايات القرن الماضي. يمكنني الحديث بإسهاب عن نضالات القصيدة الفلسطينية، وعن فضائح لشعراء عرب وشخصيات سياسية ودينية فلسطينية وعربية تورطت في مديح المندوب البريطاني السامي "الصهيوني"، والمشاركة في افتتاح الجامعة العبرية ومشاريع يهودية أخرى، من بينها مشاركةُ مفتي يافا في افتتاح مشروع لصناعة الخمور في "غوش عتصيون" قبل العام 1948، ونظمُ الشاعر العراقي الشهير معروف الرصافي قصيدةً يصف فيها ليلة لقائه بهربرت صموئيل بأنها كـ "ليلة القدر"، ومشاركة مفتي القدس ومطرانها الأكبر في وضع حجر الأساس للجامعة العبرية.

اقرأ أيضاً: النثر والشعر.. التوأمان اللدودان
بداية الصراع لم تبدأ مع جيلنا، كانت هناك أجيال سابقة. قبل أعوام أصدرتُ بالتعاون مع "اليونسكو" كتاباً بعنوان "مطالع في أنطلوجيا الشعر الفلسطيني في ألف عام"، بدأت من كشاجم الرملي الذي كان يلقب بـ"متنبي فلسطين" قبل ألف عام، وكان الهدف من هذا الكتاب الرد على مقولة الاحتلال الفلسطيني بأنّ الشعب الفلسطيني غير حضاري، ولو كان يملك حضارةً لما ترك أرضه، وأننا لم نعرف الحضارة إلا بقدوم الحركة الصهيونية وقيامها بتجفيف مستنقعات الخضيرة وبدء العمران على طريقة هرتسل في كتابه "المدينة القديمة الجديدة". ويرمز هرتسل للفلسطيني في كتابه هذا بشخصية رشيد بيك، وهو إقطاعي يرى أنّ المشروع الصهيوني يجلب العمران والحضارة فيقدم أرضه للمشروع الصهيوني، وينسجم معه وينخرط فيه.

اقرأ أيضاً: فكرة المختارات تجوز في الشعر ولا تجوز في النثر
وماذا عن شعر المقاومة.. هل اغتيل مع توقيع اتفاقية أوسلو؟ سئل القاسم، فكان رده: لست من أنصار عقلية المؤامرة، من مؤامرة على اللغة العربية، لكن في الأعوام الأخيرة نشأت بعض القضايا التي يجب أن تكون واضحة للجيل الجديد، كما كانت واضحة بالنسبة إلينا.
ظهر تيار يتحدث عن أنّ زمن شعر المقاومة وشعر القضية ولى، وأنّ لا لزوم ومبرر له، وأنّ الفنيات في القصيدة تتناقض مع السياسة. وقال القاسم: نحن كشعب عربي بالعموم، وكشعب فلسطيني على وجه الخصوص، لابد أن ندرك أنّ الثقافة هي خندقنا الأخير. ليس لدينا سلاح طيران، ولا دبابات، ولا نفط، ولا نحاس، ولا ذهب، ولا حديد. ليس لدى شعبنا إلا ثقافته، واعتزازه بتاريخه، وثقته بعدالة قضيته، فنحن ضحايا عدوان. نحن لسنا عنصريين ولسنا إرهابيين بل ضحايا العنصرية والإرهاب.

اقرأ أيضاً: زوجات الشعراء والكتاب
الغريب أنهم يحتلون أرضنا ويبنون المستوطنات عليها، وحين نطالب بحقوقنا كبشر يتهموننا بالإرهاب. نحن لا نطلب إلا بحقنا في العيش بحرية في بيوتنا، ونأمن على أهلنا ومأكلنا. نحن لا نطالب بضم سويسرا إلى فلسطين. نحن ضحايا ويسعون إلى تصويرنا على أننا جلادون.

نريد أن نعيش أحراراً
نحن لا نرتجي نجومية من وراء شعر المقاومة وشعر القضية. "حلّوا قضيتي وقضية شعبي وروحوا بستين داهية إنتو والشعر". نحن لم نصنع الكارثة لنكتب شعر مقاومة وشعر قضية. ما به شعر الحب والمرأة والطبيعة، لكن حين نسحق بحذاء جندي أجنبي لابد أن نصيح. قصيدتنا هي آهاتنا وهي وسيلتنا في رفض الدوس بالحذاء. "حلوا عن ضهرنا وما بدنا مجد الشعر ولا نجومية الشعر". ما نريده أن نعيش أحراراً كبقية شعوب الأرض. حين نتحرر في فلسطين ونتخلص من آثار جريمة "سايكس بيكو"، لن يعود هناك مبرر لكتابة شعر المقاومة.

مرحلة الاحتلال وما يرافقها من شتات فلسطيني عابرةٌ لأنّ القصيدة تنبأت بذلك لأنها لا تشتغل بالتكتيك ولا بالخرائط ولا تفاوض

حينها قد يكون عمري ربما 200 أو 220 سنة، وسأبحث آنذاك عن "صبية حلوة" لأكتب شعر الغزل فيها. شعر المقاومة والقضية ضرورة تاريخية، ما دام هناك احتلال وعنصرية وعنف وديكتاتوريات وطاغوت. شعر المقاومة ليس فقط ضد الاحتلال، بل ضد الغاطوت العربي، وضد التخلف والجهل، وضد ما أسميه "الجاهلية الجديدة". جميع أدباء التاريخ كانوا يتحدثون عن قضاياهم الوطنية، فلماذا تحلل لهم وتحرم علينا. ذات مرة هاجم ناقد فرنسي فيكتور هوغو لـ"كثرة حديثه عن الشعب"، فرد عليه هوجو بسؤال استنكاري مفاده "وهل الشعب قافية رديئة؟!".
وبسؤاله عن موقعه من شعر الحداثة قال القاسم: لا أدري ما مفهوم الحداثة في الشعر. لا أعتقد أنّ شعر السفرجل الفاسد شعر حديث، أو كما صرح شاعر أوروبي بأنه لا يستطيع كتابة الشعر دون شمّ رائحة السفرجل الفاسد. الكتابة عن السفرجل الفاسد حداثة، أما الكتابة عن محمد الدرّة فليست كذلك؛ لأنه محمد وليس فرانسوا.

للمشاركة:

كيف أصبح "تشيرنوبل" أنجح مسلسل في التاريخ؟

2019-08-06

تبدو معالجة الكارثة بالكذب مسألةً معقدةً جداً قياساً بالزمن، خصوصاً إذا بقيت آثار تلك الكارثة تتوسع مثل بقعةِ دمٍ على ثوبٍ أبيض كبير معروض على الناس. وهذا بالضبط ما يحاول أن يشير إليه المسلسل الأشهر "تشيرنوبل" الذي أطلقته شبكة "HBO" التلفزيونية في أيار (مايو) الماضي.

أبرز ما يميز القصة يكمن في أن كل ما نحتاجه يومياً من أجل الحياة أو نحيا به يصبح مميتاً

وكانت حادثة التسرب النووي من مفاعل تشيرنوبل، حظيت بالكثير من التعتيم حين حصولها في السادس والعشرين من نيسان (إبريل) 1986 خلال حقبة الاتحاد السوفييتي، ولعلها كانت أول كارثةٍ كونية نووية من نوعها، مما جعلها تثير الكثير من التساؤلات، خصوصاً أنّ مسألة محاسبة طرفٍ واحد بشأنها، تبدو معقدةً على المدى الطويل، إذا عرفنا أنّ الكثير من الدول تمتلك مفاعلاتٍ نووية، وأنّ مثالاً سيئاً مثل تشيرنوبل، كان ليؤثر على فكرة امتلاكها تلك المفاعلات، فما الذي قدمه المسلسل أيضاً حتى يحظى بكل هذه الشهرة اليوم؟ بعد مرور 34 عاماً على الكارثة.

حادثة التسرب النووي من مفاعل تشيرنوبل حظيت بالكثير من التعتيم

القصة على الشاشة
حلقات المسلسل الخمس التي جاءت في مدةٍ لا تزيد عن خمس ساعاتٍ ونصف الساعة تحبس الأنفاس، بسبب التكثيف العالي الذي تتميز به القصة (السيناريو)، ولعل أبرز ما يميز  القصة يكمن في فكرةٍ مفادها أنّ كل ما نحتاجه يومياً من أجل الحياة، أو نحيا به، يصبح مميتاً. وذلك من خلال عكس المقولة الشهيرة "إنّ كل شيءٍ يتحول إلى سلاحٍ إذا نحن أتقنّا استخدامه"، لكن هذه المرة، كان الفشل في استخدام مصادر الطاقة النووية ووجود سلسلة أخطاء متراكمة سبباً في حصول كارثةٍ مرعبة سببها عدم الإتقان.

اقرأ أيضاً: مسلسل "دقيقة صمت" وقفة على روح الوطن

"إن كل شيءٍ ملوث"، تلك هي العبارة التي تحكم مجريات المسلسل منذ بدايته إلى نهايته، فكل مصدرٍ للحياة كالماء والأنهار والحليب والقمح والخضار والفواكه والأشجار باتت ملوثةً بالإشعاع النووي الذي تسرب من المفاعل رقم 4. وبالنسبة للعامة من أهل المنطقة المحيطة بتشيرنوبل، لم يكن الحدث عادياً، لكنه لم يكن مفهوماً كذلك. فما هو هذا القاتل المتخفي الذي يتسرب إلى كل شيء؟ إنه ليس وحشاً في الحقيقة يمكن مواجهته والتغلب عليه، بل إنه لا يُرى، وبالتالي فإنّ قدرته على القتل لا مثيل لها. ولعل هذه النقطة بالذات تم التركيز عليها في المسلسل، من خلال حديث أحد أبطال المسلسل وهو كبير المحققين "ليغاسوف" الذي يقول إنّ اليورانيوم بمثابة "رصاص" وإنّ كل ذرةٍ منه قاتلة، أما التسرب من المفاعل، فقد بلغ مليارات الذرات.

النيران كانت العدو الوحيد الظاهر فيما التسربب الإشعاعي كان قاتلاً لا يراه أحد

لكنّ هذه النقطة أيضاً، كانت المحور الرئيسي للنقاد في آرائهم حول المسلسل الذي تفوق على أشهر مسلسلات التاريخ مثل "breaking bad" و"game of thrones"، حيث رأى بعضهم أنّ هنالك مبالغة في "تحويل القصة الحقيقية، إلى نوعٍ آخر من الحقيقة، إلا أنّ ذلك غير مهم ما دام صانعو المسلسل اختاروا حقيقةً درامية". بحسب ما جاء في مقالة هنري فونتين بصحيفة "نيويورك تايمز" في 2 حزيران (يونيو) الماضي.

اقرأ أيضاً: "جن": مسلسل متواضع المستوى أثار زوبعة في فنجان
ويضيف فونتين، أنّ "مشاهد المصابين الملطخين بالدماء لم تكن صالحةً لحادثة تسربٍ نووي، إضافةً إلى أنّ الشخصيات الرئيسية ككبير المحققين وعالمة الفيزياء التي تبحث عن سبب الحادثة هي شخصيات مفتعلةٌ أو مبالغٌ في أدوارها"، هذا إضافةً إلى الدخان الذي كان يغلف مشاهد المسلسل في معظم حلقاته كأنه دليلٌ للمشاهد على (الدمار)، رغم أنّ التسرب الإشعاعي أساس القصة، لا يترك خلفه أي أثر.

اقرأ أيضاً: جدل في الشارع الأردني بعد عرض مسلسل "جن" عبر "نتفليكس"
وبالنسبة للنقاد أيضاً، قال المحرر الثقافي في صحيفة "السبيكتاتور" جيمس ديلنجويل، إنّ تشيرنوبل المسلسل من المؤكد أنه لا يشبه تشيرنوبل الكارثة. فالكارثة الأساسية ربما كانت "الكذب والتعتيم اللذينِ طورا الحادثة إلى كارثةٍ فعلاً، لكن فعلياً، كم عدد القتلى الحقيقيين؟ كم عدد المصابين؟ كم دولةً عرضت التعاون لإنهاء الحادثة؟" وفقاً لمقالته المنشورة في 8 حزيران (يونيو) الماضي. ويقدم الكاتب معلوماتٍ عديدة، من أبرزها أنّ الحادثة لم تتسبب بمقتل مئة شخصٍ حتى، ولم يزد عدد المصابين على ألفي مصاب. لكن المسلسل ناجحٌ جداً بأي حال، فقد داعبت الحادثة خيال عدة أجيالٍ ممن عاصروها أو ولدوا بعدها، لأنها بقيت غامضةً لسنوات. وها هم يرونها عبر الشاشة بطريقةٍ تجعلهم يعيشونها لأول مرة، كأنها الحقيقة الوحيدة التي يعرفونها عن تشيرنوبل.

أبطال المسلسل الأساسيون مبالغٌ في أدوارهم كما رأى بعض النقاد

القصة بين الواقع والخيال
يشير  ديلنجويل في مقالته ذاتها، إلى أنه "بالنسبة للآثار الجانبية التي استمرت على سكان المنطقة، من إصاباتٍ بالسرطانات (سرطان الغدة الدرقية حاصةً) والولادات لأجنةٍ مشوهة، وغيرها من أحداثٍ تالية، فإنها خاضعةٌ لنقاشٍ علميٍ كبير وتساؤلاتٍ عديدة".

داعبت تشيرنوبل خيال العديدين ممن عاصروها أو ولدوا بعدها لأنها بقيت غامضةً وها هم يرونها بطريقة تجعلهم يعيشونها لأول مرة

ومع ديلنجويل، يتفق العديد من النقاد في صحفٍ مختلفةٍ كالغارديان البريطانية مثلاً، بينما وعلى العكس، احتفلت "بي بي سي" بالمسلسل، ورأت أنه يمثل "حقيقة الأمر كما لم يعرفها أحد".
ورغم هذا النقد، يمكن العودة إلى الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش، الحائزة على جائزة نوبل 2015 للسبب ذاته ربما الذي جعل من تشيرنوبل أعظم مسلسلٍ في التاريخ خلال أقل من شهر. ففي أعمالها الروائية، خصوصاً (أصوات تشيرنوبل)، ركزت ألكسيفيتش على إيصال ما أسمته بـ "صوت من لا صوت لهم" وتحويل أولئك الذي كانوا مجرد حجارةٍ مرصوصةٍ في جدار التاريخ، إلى قصص مستقلة بحد ذاتها. فرسمت من خلال روايتها المستندة على شهاداتٍ حقيقية مسجلة لسكان المنطقة حول الحادثة، الآلام التي عاناها هؤلاء، وبصورةٍ محزنةٍ واقعية، ومرعبة أحياناً. حتى إنه "تم قطع أشجار الغابات ودفنها هناك، لأنها ملوثة بالإشعاع".

اقرأ أيضاً: "دفعة القاهرة": مسلسل ممتع لكنه مخيّب للآمال
المسلسل، الذي لا بد أنّ مؤلفه "كريغ مازن" تأثر بأليكسيفيتش، تعرض الرواية ذلك الخوف المرعب من الإشعاع، أو متلازمة "الراديوفوبيا" التي كانت تنتشر بين الناس لأول مرةٍ في التاريخ. فلا أحد يشرح للناس والضحايا ماذا يحدث، ولا أحد يقول كيف حدث ما حدث، ولا أحد يهتم بهم اهتماماً كافياً، لأنه لا أحد يعرف إن كان هنالك شيء سينقذهم. كل هذا الذي قالته ألكسيفيتش تمت استعادته نوعاً ما في المسلسل، لكن دون وجود ربطٍ علميٍ واضح حول التلوث الإشعاعي وماهيته وكيف يؤثر على جسد الإنسان.
ولم يوضح المسلسل المدة الزمنية والمسافة الجغرافية لهذا التأثير  الإشعاعي (التي تُعد أقل رعباً أحياناً). بل في الواقع، بالغ في أشياء كثيرة، واستخدم مآسي ضحايا تشيرنوبل كأداة للإشارة إلى المؤسسات المتعفنة في النظام السوفييتي القديم، بينما كان الضحايا هم كل القصة بالنسبة لألكسيفيتش. أما حادثة التسرب وما يشوبها من خفايا علمية وأخطاء تقنية وسياسية، فإنه غالباً لم يكن ممكناً تفادي آثارها لو حدثت في أي بلدٍ آخر.

اقرأ أيضاً: هل تجتمع الإنسانية مع العنف في الثقافة العامة؟.. مسلسل الهيبة نموذجاً
وبصورةٍ عامة، ووفقاً للنقاد عموماً، أبهر المسلسل مشاهديه، ومن المؤكد أنّ العديد منهم رأى فيه رسالةً سياسيةً ما، خصوصاً الروس الذين لم يعجبهم المسلسل واعتبروا أنه مملوءٌ بالتلفيقات. لكن التساؤل حول خطر المفاعلات النووية، سواء كانت سلميةً أم عسكرية، يظل هو الأقل حظاً في الاستمرار والتطور كتساؤلٍ عالميٍ مهم على هامش المسلسل. الذي نجح كدراما نجاحاً باهراً، وكل شيء قابل للنجاح، ما دام يدعي تصوير الحقيقة، وجعلها من دمٍ ولحم.

للمشاركة:



موقع إلكتروني يقدم إرشادات لصنع المتفجرات.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

داهمت الشرطة الألمانية، أمس، منازل، في 9 ولايات، للقائمين على منصة إلكترونية تستخدم على نطاق واسع لتبادل المعلومات حول صناعة المتفجرات والمخدرات.

الشرطة الألمانية تداهم منازل القائمين على الموقع الذي أنشئ عام 2006 وتقبض على مستخدميه   

وأغلقت الشرطة الألمانية المنصة الإلكترونية المجانية، التي حملت اسم "إكسبلوسيفس.نت"، "لتعليم تصنيع المتفجرات".

 وصرّح رئيس إدارة الشرطة في مدينة غوتينغن الألمانية، أوفه لورينغ، أمس، في تصريح نقلته "دويتشه فيله"؛ بأنّ الشرطة ضبطت الخادم والعديد من وسائط البيانات واعتقلت القائمين عليها وداهمت منازل عدد من المستخدمين للمنصة داخل ألمانيا وخارجها.

 وأوضح لورينغ؛ أنّ المنصة تقدم إرشادات لتصنيع الأسلحة الحربية والقنابل وتصنيع المتفجرات.

يأتي ذلك في إطار حملة كبيرة بدأتها الشرطة الألمانية، أمس، في 9 ولايات ألمانية لمكافحة الجرائم عبر الإنترنت، وطالت الحملة أيضاً ليتوانيا وكرواتيا.

وشارك نحو ألف من عناصر الشرطة في الحملة التي تهدف إلى مكافحة الجرائم الحاسوبية وجرائم الإنترنت.

وبحسب البيانات؛ تولّت رئاسة شرطة غوتينغن والمركز الرئيسي لمكافحة جرائم الإنترنت، والحاسوب التابع للادعاء العام في غوتينغن، تنسيق وإدارة "الإجراءات الشرطية الشاملة".

المنصة الإلكترونية تقدم إرشادات لتصنيع الأسلحة الحربية والقنابل وتصنيع المتفجرات وتجارة المخدرات

بدورها، أوضحت الشرطة؛ أنّها ضبطت خلال الحملة متفجرات ومخدرات، بعد مداهمتها مساكن 22 ألمانياً مشتبهاً بهم، تتراوح أعمارهم بين 17 إلى 55 عاماً.

وتعمل المنصة، منذ عام 2006، ووصل عدد أعضائها، العام الماضي، إلى نحو 360 عضواً فعالاً، ولا تتوافر أيّة دلائل على وجود دافع سياسي وراء إنشاء هذه المنصة إلى الآن، وقال لورينغ: "ليس هناك خلفية سياسية، ولم نتثبت منها"، مرجحاً أن يكون إنشاؤها جاء بدافع تنافسي: "فقد نظّمت مسابقات جرى اللعب عليها".

وتابع لورينغ؛ "لا توجد هناك أدلة على أنّ الأسلحة أو المتفجرات التي تضمنت المنصة إرشادات لتصنيعها كان من المنتظر استخدامها ضدّ أشخاص، ولا نستطيع أن نستبعد هذا أيضاً".

وحدثت المداهمات في ولايات: بادن- فورتمبرغ، وبافاريا، وبرلين، وهيسن، وسكسونيا السفلى، وشمال الراين فيستفاليا، وراينلاند بفالتس، وشلزفيغ هولشتاين، وتورينغن، وكانت التحقيقات بدأت قبل عام، تحديداً في أيلول (سبتمبر) الماضي.

 

للمشاركة:

أردوغان يعطّل الديمقراطية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

اعتقلت قوات الأمن التركية 16 شخصاً من المشاركين في احتجاجات شهدتها مدينة إسطنبول، رفضاً لقرار وزارة الداخلية الخاص بعزل رؤساء 3 بلديات "كردية" منتخبين؛ بزعم دعمهم لحزب العمال الكردستاني.

ووفق ما ذكرته العديد من وسائل الإعلام التركية، فجر اليوم، فقد استخدمت قوات الشرطة التركية القوة المفرطة لتفريق المسيرة الاحتجاجية في منطقة "قاضي كوي"، بالجانب الآسيوي من مدينة إسطنبول، وفق ما أورد الموقع الإلكتروني لصحيفة "جمهورييت" المعارضة.

الأمن التركي يعتقل 16 شخصاً من المشاركين في احتجاجات رافضة لقرار عزل رؤساء بلديات منتخبين

كما شهدت ولايات ماردين، ووان، وديار بكر، التي أقيل رؤساء بلدياتها، احتجاجات، أمس، قامت الشرطة بفضها أيضًا، وأعلن حزب الشعوب الديمقراطي، أنّه تمّ حظر الدخول والخروج من وإلى ديار بكر.

 وفي تصريحات لوسائل الإعلام؛ قالت النائبة البرلمانية عن الحزب الكردي، فلك ناس أوجا، أنّها أصيبت خلال مشاركتها بوقفة ديار بكر احتجاجية في ساقها جرّاء ضربة من هراوات الشرطة اقتضت نقلها للمستشفى لتلقي العلاج.

وذكرت كذلك؛ أنّ نائبة أخرى عن الحزب ذاته، تدعى عائشة آجار، أصيبت في رأسها، وتعرضت للإغماء ليتم نقلها إلى المستشفى.

هذا وقد عزلت السلطات التركية، أول من أمس، رؤساء 3 بلديات (أكراد) منتخبين من مناصبهم، واستبدلتهم بـ "وصاة" معينين بقرارات إدارية، ضمن حملة أمنية أسفرت عن اعتقال أكثر من 400 شخص.

أردوغان نفّذ تهديدات سابقة بعزل وحبس رؤساء البلديات الأكراد المنتخبين بدعوى أنّهم قيد الملاحقة القضائية

وأعلنت وزارة الداخلية التركية عزل رؤساء بلديات: ديار بكر (عدنان سلجوق مزراقلي)، وماردين (أحمد ترك)، ووان (بديعة أوزغوكتشه أرطان)، بدعوى "انتمائهم لتنظيم إرهابي" في إشارة لحزب العمال الكردستاني.

وزعمت الداخلية التركية؛ أنّها اتخذت هذا الإجراء كتدبير مؤقت بموجب قانون البلديات رقم 5393 من المادة رقم 127 من الدستور، لحين انتهاء التحقيقات بحقهم، وأنّ لديها أدلة تثبت إدانتهم.

بدورها؛ أكدت وسائل إعلام تركية سابقاً أنّ قرار عزل الرؤساء المنتخبين جاء تنفيذاً لتهديد سابق لـ "أردوغان"، بـ "عزل وحبس" الأكراد الفائزين برؤساء البلديات، بدعوى أنّهم قيد الملاحقة القضائية.

إلى ذلك، أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش"؛ بأنّ تعيين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وصاة على بلديات دياربكر وماردين وفان، بمثابة تعطيل لديمقراطية الإدارات المحلية.

منظمة "هيومن رايتس ووتش": تعيين أردوغان وصاة على البلديات هو بمثابة تعطيل للديمقراطية وإلغاء للانتخابات

وأوضحت المنظمة، في تصريح نقلته وكالة "رويترز"؛ أنّ هذا الإجراء انتهاك للانتخابات، داعية السلطات التركية إلى إعادة رؤساء البلديات إلى مناصبه، مؤكّدة أنّ "تعيين الوصاة يعني انتهاك تركيا لقوانين حقوق الإنسان الدولية".

من جانبه، ذكر المدير التنسيقي للمنظمة في أوروبا وآسيا، هيو ويليامسون، أنّ حكومة أردوغان ألغت فعلياً الانتخابات المحلية، التي أقيمت في شهر آذار (مارس) الماضي، في المدن الكردية، شرق وجنوب شرق تركيا.

 

 

للمشاركة:

ألمانيا: انطلاق أكبر مؤتمر للأديان في العالم.. هذه محاوره

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

افتتح الرئيس الألماني رسمياً، أمس، النسخة العاشرة من المؤتمر العالمي "أديان من أجل السلام"، الذي يشارك فيه نحو ألف شخص من مختلف الأديان في العالم.

مؤتمر "أديان من أجل السلام" يعقد بمشاركة نحو ألف شخص من مختلف الأديان في العالم

ودعا الرئيس الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، خلال حفل الافتتاح، أمس، بمدينة لينداو بجنوب ألمانيا إلى مشاركة الزعماء الدينيين في التغلب على النزاعات في أنحاء العالم، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

وقال شتاينماير: إنّ "الأديان، بوصفها داعماً قويّ التأثير، ومرناً بالنسبة للسلام، يمكنها تقديم خدمة لا غنى عنها، ولا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة إلى البشر"، مضيفاً أنّه يمكن أيضاً "إساءة استغلال الإيمان والدين كدوافع بشكل أساسي للنوايا غير الدينية والأهداف السياسية".

ويعدّ هذا المؤتمر أكبر مؤتمر للأديان في العالم، وهو تابع لمنظمة "أديان من أجل السلام".

المؤتمر يركز على دور المرأة وعلى ضرورة مشاركة الزعماء الدينيين في التغلب على النزاعات

ويلتقي خلال الأيام المقبلة في المؤتمر ممثلون رفيعو المستوى من الأوساط الدينية والحكومية، لمنافشة حلول في مناطق نزاع متفرقة، من بينها ميانمار وجنوب السودان وشبه الجزيرة الكورية.

وسيتركز النقاش خلال مؤتمر هذا العام على دور المرأة في عمليات السلام، ومن المقرر أن تشارك إيلا غاندي، حفيدة الزعيم الهندي المهاتما غاندي، في ندوة عن العنف ضدّ المرأة خلال فعاليات المؤتمر، يوم غد.

 

للمشاركة:



50 عاماً على حريق الأقصى.. سياسات إسرائيل تزيد نيرانه اشتعالاً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

داوود عبدالرؤوف

رغم مرور 50 عاماً على الحريق الذي أضرمه المتطرف الأسترالي، مايكل روهان، في المسجد الأقصى فإن النيران لم تتوقف بل أصبحت أكثر اشتعالاً مع تصاعد وتيرة المخاطر المهددة للأقصى جراء السياسات المتطرفة للاحتلال الإسرائيلي.

فالاقتحامات اليومية التي يقوم بها مستوطنون إسرائيليون للمسجد تزامناً مع تصاعد الدعوات لتقسيم المسجد زمانيا ومكانيا، إضافة إلى المحاولات الإسرائيلية لتقليص صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية في المسجد باتت وقودا يشعل حريقا في الأقصى لم ينطفئ منذ خمسة عقود.‎

وباتت الانتهاكات الإسرائيلية والتغيرات الديموغرافية تستهدف كل وجود عربي إسلامي في القدس من أجل تهويدها، ما يزيد من قلق المسلمين على مصير مقدساتهم يوما بعد يوم.

ففي مثل هذا اليوم، 21 آب/أغسطس من العام 1969، أقدم المتطرف روهان على إشعال النار عمدا في المصلى القبلي في المسجد، فأتت النيران على أجزاء واسعة من واجهته بما فيها منبر نور الدين زنكي المعروف باسم منبر "صلاح الدين" ومحراب المسجد وسقفه وسجاده.

الشيخ عكرمة صبري، خطيب المسجد الأقصى، يستذكر تلك الحادثة بتفاصيلها المحزنة قائلاً لـ"العين الإخبارية": "بعد أن عطلت سلطات الاحتلال وصول فرق الإطفاء، هرع الناس من كل الأعمار للمساهمة في إخماد الحريق، فكانوا ينقلون المياه إلى مكان الحريق وأعينهم تفيض بالدمع".

وتظهر صور نادرة لتلك الحادثة فلسطينيين وهم يستخدمون السلالم للوصول إلى سطح المسجد، مشكلين سلسلة بشرية لنقل المياه من آبار المسجد.

وقالت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس في بيان: "دمر الحريق أكثر من ربع المسجد الأقصى وما فيه من فسيفساء أثرية ورسوم نادرة على أسقفه الخشبية وسجاده الفارسي".

وأوضحت أنه "في مقدمة ما دمره الحريق منبر صلاح الدين الأيوبي، هذا المنبر الذي صنعه الشهيد نور الدين زنكي رحمه الله، وأحضره القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي عندما حرر القدس عام 583هـ/1187م من يد الصليبيين، ووضعه في المسجد الأقصى ليظل شاهداً حياً على أن القدس مدينة عربية إسلامية، وستظل كذلك الى أن يرث الله الأرض وما عليها".

ونجحت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، على مدى سنوات طويلة، في ترميم ما تسبب به الحريق رغم المعوقات الإسرائيلية.

وما زالت بعض الأجزاء المحروقة المتبقية من منبر "صلاح الدين" موجودة في متحف المسجد، وقد تم في العام 2007 إعادة تركيب منبر مطابق للمنبر الأصلي بكافة مواصفاته وتفاصيله.

ولكن وإن كان المسجد تعافى من آثار الحريق إلا أن التهديدات الإسرائيلية له لا تتوقف بل تزداد خطورة.

الشيخ عزام الخطيب، مدير عام دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، أشار إلى خطورة الاقتحامات المتصاعدة والخطيرة للمسجد، والدعوات العلنية لتقسيم المسجد زمانيا ومكانيا وصولا إلى مزاعم مسؤولين إسرائيليين بأنه لا يوجد "وضع قائم" في المسجد الأقصى.

والوضع القائم هو الوضع الذي ساد في المسجد منذ ما قبل الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس في العام 1967، وتنحصر المسؤولية عليه بيد دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس باعتباره مسجدا للمسلمين وحدهم.

كما لفت الخطيب، في حديثه لـ"العين الإخبارية"، إلى الملاحقة اليومية من قبل سلطات الاحتلال لحراس المسجد الأقصى وموظفي دائرة الأوقاف الإسلامية بالاعتقال والإبعاد عن المسجد لفترة تتفاوت ما بين أسابيع إلى عدة أشهر، إضافة إلى محاولة إيجاد موطئ قدم للاحتلال في المسجد من خلال التدخل في شؤون دائرة الأوقاف ومنعها من محاولة القيام بعملها فيه.

وفي بيان لها تزامنا مع ذكرى الحريق، قالت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس: "بعد مرور خمسين عاماً على الحريق المشؤوم تزداد المخاطر التي تتهدد الأقصى بنياناً وإنشاءً".

وأضافت: "الحفريات الإسرائيلية في محيط المسجد الأقصى المبارك وجدرانه تهدد مبناه وسائر منشآته، والأنفاق التي تحفرها السلطات الإسرائيلية في البلدة القديمة من مدينة القدس هددت وتهدد المدارس الأثرية التاريخية الإسلامية".

وأوضحت أن "البؤر الاستيطانية التي تزرعها سلطات الاحتلال في مختلف أرجاء المدينة المقدسة تهدد الوجود العربي الإسلامي في القدس، إنهم يستعملون كل الوسائل الإجرامية في سبيل إخراج أهل القدس من مدينتهم؛ فتزوير الوثائق يتم في أروقة المحاكم ومكاتب المحامين بدعم من سلطات الاحتلال، وأعمال البلطجة تتم في وضح النهار وتستهدف المجاورين للحرم القدسي قبل غيرهم".

محافظ القدس، عدنان غيث، قال، في بيان، إن المدينة ومقدساتها ، وعلى وجه الخصوص المسجد الأقصى المبارك باتت تمر بتحديات خطيرة للغاية وأوقات عصيبة والدعوات اليمينية المتطرفة لاقتحامه وتقسيمه في تزايد إن لم يكن بسط السيطرة عليه، ومسلسل التهويد ماض على قدم وساق وبدعم مطلق من أصحاب القرار في الحكومة الإسرائيلية".

وحذر من أن"الاعتداء على المسجد الأقصى ما هو إلا مؤشر لحرب دينية عقائدية لن يفلت من عقباها أحد وستطال نيرانها الجميع دون استثناء".

بدوره، حذر المجلس الوطني الفلسطيني من أن مدينة القدس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية وأهلها الصامدين وعقاراتها ومنازلها وإرثها التاريخي والثقافي والديني لا تزال حتى اللحظة تتعرض لعدوان إسرائيلي ممنهج بهدف تفريغها من سكانها الفلسطينيين وصولا لتهويدها".

فيما قالت الهيئة الإسلامية العليا بالقدس (أهلية)، في بيان، إن "مساحة المسجد الأقصى المبارك، كما هو معلوم، مئة وأربعة وأربعون دونماً (الدونم الواحد ألف متر مربع) فيشمل المسجد القبلي الأمامي، ومسجد قبة الصخرة المشرفة، والمصلى المرواني، ومصلى باب الرحمة، وكذلك المساطب واللواوين والأروقة والممرات والآبار والبوابات الخارجية وكل ما يحيط بالأقصى من الأسوار والجدران الخارجية بما في ذلك حائط البراق".

وأضافت أن "هذا المسجد المبارك هو للمسلمين وحدهم بقرار رباني إلهي من الله عزّوجل، وهو يمثل جزءاً من إيمان ما يقارب ملياري مسلم في العالم"مشددة على أن "لا علاقة لغير المسلمين بهذا المسجد لا سابقاً ولا لاحقاً، كما لا نقر ولا نعترف بأي حق لليهود فيه".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

الميليشيات وعوامل الخطر في الشرق الأوسط

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

سالم الكتبي

لم تبالغ دولة الإمارات حين اعتبرت أن الاعتداء الإرهابي الذي تعرض معمل الغاز الطبيعي في حقل الشيبة البترولي في المملكة العربية السعودية "خطراً جسيماً على امدادات الطاقة للعالم أجمع"، فالشواهد جميعها تؤكد أن هذا الاعتداء يمثل تطوراً غير مسبوق في مستوى الخطر الناجم عن انتشار الميليشيات الطائفية المسلحة في دول عدة بالشرق الأوسط.

من ينظر إلى الخارطة يجد ببساطة أن الميليشيات التي تعمل وفق أجندت أجنبية تقف وراء الفوضى والاضطرابات في جميع الدول التي تعاني الصراع، في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، فالميليشيات باتت الفيروس الذي ينخر في جسد متهالك وتسبب ليس فقط في انهيار الدول ولكن أيضاً في نشوب موجات هجرة ونزوح ولجوء لملايين السكان ممن لا يعرف حتى الآن مصيرهم ويشكلون ضغوطاً على اقتصادات الكثير من دول العالم.

الواضح الآن الميليشيات باتت تسعى لأن تحل محل الدولة الوطنية في بعض دول المنطقة، ومن يتشكك في هذا الاستنتاج عليه أن يراجع الخطابات الأخيرة لحسن نصرالله زعيم "حزب الله" اللبناني، وتهديداته بشن حروب والانضمام إلى قوى إقليمية مثل إيران في حال تعرضت الأخيرة لضربات عسكرية أجنبية، وهي تهديدات تغيب فيها الدولة اللبنانية بشكل تام، ويتحدث قائد ميليشيا من دون أن يأخذ بالاعتبار أن هذه الميليشيا تنتمي لدولة يفترض أن تتحكم فيها ويرجع إليها قبل أن يتدخل في شأن من شؤون السياسة الخارجية والعلاقات الدولية!

الحال ذاته يحدث في اليمن، حيث تتصرف ميليشيات "أنصار الله" وكأنها دولة داخل الدولة اليمنية وتعتدي على دولة أخرى من دون أن تنظر لعواقب هذا التصرف ولا تأثيراته على الدولة اليمنية، ولا تكتفي باعتداء على المملكة العربية السعودية الشقيقة بل اتجهت في الحادث الأخير إلى الاعتداء على منشأة استراتيجية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن الطاقة العالمي، وكأنها تنفذ نصاً ما يملي عليها من املاءات وتعليمات تصدر من قادة الحرس الثوري الإيراني.

الرابط الأساسي بين هذه الميليشيات التي تعيث فساداً في الشرق الأوسط هو النظام الإيراني، الذي يتخذ من هذه الميليشيات أذرع عسكرية طائفية تعمل بالوكالة لمصلحة أجندته التوسعية من دون أي اعتبار ليس فقط لسيادة الدول العربية التي تنتمي إليها هذه الميليشيات، ولكن أيضاً للمواثيق والأعراف والقوانين الدولية، حتى بات الشرق الأوسط نموذجاً في التهديد والتحديات الهائلة التي تواجه الدولة الوطنية في العالم أجمع، وكأن هذه المنطقة ابتليت بالميليشيات كي يصبح الحديث عن السيادة الوطنية لبعض الدول في منطقتنا نوع من العبث والاستهزاء بالقوانين والمواثيق الدولية.

المؤكد أن حركة "أنصار الله" لم تكن تجرؤ على القيام بهذا الاعتداء لولا توافر عوامل وظروف معينة أولها حالة التراخي والصمت الدولي وردود الفعل الباهتة في مواجهة الاعتداءات المتوالية التي شنتها هذه الميليشيات بالصواريخ والطائرات المسيرّة من دون طيار على المنشآت المدنية الحيوية داخل المملكة العربية السعودية، وثاني هذه العوامل الصمت الدولي على ممارسات النظام الإيراني الذي يهدد ليل نهار باستخدام الأذرع الطائفية في تهديد الأمن والاستقرار وإشعال الحرائق في منطقة الشرق الأوسط من دون حسيب أو رقيب حتى أنه لم تصدر إدانة واحدة ولا تصريح عابر من مسؤول أممي يحذر نظام الملالي من العبث بالأمن والاستقرار الإقليمي!

يدرك النظام الإيراني أن توظيف الحوثيين في صراعه مع العالم ورقة ضغط مهمة من أجل فك طوق الحصار والعزلة الدولية وتفادي شبح الانهيار الاقتصادي الناجم عن العقوبات الاقتصادية الاميركية، وان استهداف المنشآت النفطية في المملكة الشقيقة ورقة ضغط مهمة ليست ضد الرياض فقط بل ضد القوى الدولية جميعها، ولكن للأسف لا تجد هذه الممارسات من رادع سوى مزيد من التنازلات والخضوع للبلطجة وانتهاك القوانين الدولية.

إن حالة الصمت والترقب الدولية على ما يحدث في منطقتنا لا يعني بالضرورة الحفاظ على الحد الأدني من الهدوء بل يمكن أن يشعل هذا الصمت حرباً مستعرة وصراعاً عسكرياً تطال تأثيراته الاقتصاد العالمي، الذي يئن بالفعل تحت وطأة الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، لذا فإن استمرار الصمت العالمي ينذر بكارثة استراتيجية في ظل جهل هذه الميليشيات وقادتها بعواقب تصرفاتها المجنونة وخضوعها التام للأوامر والتعليمات الصادرة من الحرس الثوري الإيراني، الذي يغامر بإشعال صراع يحرق الجميع لهيبه طالما أن النظام الإيراني يرزح تحت وقع العقوبات الأميركية.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

المرتزقة.. هكذا غيّر بضع مئات مسار التاريخ العالمي للأبد

2019-08-21

ترجمة: علي نوار


يُعدّ المرتزقة مفتاحاً أساسياً من أجل فهم سير أحداث التاريخ العالمي؛ فقد كان حضورهم قوياً في مئات الحرب، ولطالما كانوا عنصراً حاسماً في ترجمة النفوذ الاقتصادي والمادي لسطوة عسكرية، وما يزالون موجودين اليوم، لكن بمسمّيات مختلفة، مثل؛ الشركات العسكرية الخاصة للأمن، إلّا أنّ الصورة السائدة عن المرتزقة؛ هي تلك التي ترتبط في الأذهان بالنمط التقليدي للمقاتل الذي يخوض المعارك الحربية مقابل الحصول على المال، والحاضر على وجه الخصوص في قارة إفريقيا.

يكمن الدور الإستراتيجي للمرتزقة في تغييرهم شكل التاريخ العالمي للأبد رغم عدم تجاوز أعدادهم لبضع مئات من الأفراد

ظهرت شخصية المرتزق في التاريخ منذ آلاف الأعوام، رغم أنّ أهمية دوره كانت تعتمد كثيراً على الحقبة والسياق المحيط بمجريات الأمور، ومن أولى الوقائع التي أمكن فيها توثيق وجود المرتزقة تبرز خلال الحروب الفارسية اليونانية بين العامين 492 و478 قبل الميلاد، حين تعاقدت الإمبراطورية الفارسية مع مرتزقة يونانيين من أجل غزو إسبرطة، ورغم ضمّهم كجنود من الدرجة السفلى في الترتيب العسكري، إلّا أنّهم كانوا يتميّزون بمهاراتهم القيادية وتقديم المشورة للقوات النظامية، وصولاً إلى شغل مناصب رفيعة في القيادة العليا للجيش؛ بل وحتى الالتحاق بأطقم الحراسات الخاصة للزعماء.
بالمثل؛ كان هناك مرتزقة أثناء الحروب البونية بين إمبراطوريتَي روما وقرطاجة، خاصة في صفوف الجيش القرطاجي الذي كان يضمّ في صفوفه مقاتلين من جميع شواطئ البحر المتوسط، أغلبهم ليبيون وفرنسيون ويونانيون، ومن شبه جزيرة إيبيريا.

اقرأ أيضاً: لماذا وصفت حركة النجباء الجيش العراقي بـ "المرتزقة"؟

وعلى مدار العصور الوسطى؛ كان للمرتزقة دور كبير في الحروب بين الممالك المتناحرة المختلفة، وظهرت أولى الشركات الضخمة للمرتزقة، شركات كانت في بعض الحالات تفوق جيوش الملوك، أو أمراء الإقطاع؛ ففي إيطاليا كان زعماء المرتزقة (كوندوتييري)، مثل الشركة البيضاء، بقيادة الإنجليزي جون هوكوود، أداة عسكرية رئيسة في الحروب بين الدويلات الإيطالية المتنازعة.
وفي شبه جزيرة إيبيريا؛ استند الوجود العربي في جزء منه إلى القوة العسكرية التي تمتّعت بها (الحرس الأسود)، وهي وحدة تشكّلت من المرتزقة والعبيد الوافدين من وسط إفريقيا، أما في إمبراطورية بيزنطية؛ فقد كانت هناك (الشركة الكتالونية الكبرى)، بقيادة الإيطالي الألماني روجر دي فلور، التي اُستعين بها في قتال العثمانيين، وهو مصير "الحرس الفارانجي" نفسه، الذي كان يضمّ مقاتلين إسكندنافيين ينحدرون من شعب الفايكنج.

على مدار العصور الوسطى؛ كان للمرتزقة دور كبير في الحروب بين الممالك المتناحرة المختلفة

ويمكن بسهولة ملاحظة أنّ أبرز مميزات المرتزقة؛ سهولة حركتهم على المستوى العالمي، ومثلما هو الحال لدى المرتزقة المعاصرين، كان نظراؤهم السابقون يقدّمون خدماتهم لمن يدفع أكثر، بغضّ النظر عمّا إذا كان ذلك يعني الانخراط في صفوف الطرف الذي كان يقاتلونه من قبل، ولعل الفارس الإسباني، القشتالي رودريجو دياث (إل سيد كامبيادور)؛ هو خير تجسيد لهذا الجانب المتناقض لدى المرتزقة؛ حيث قاتل إلى جوار العرب، وكذلك في صفوف المسيحيين بإسبانيا، خلال القرن الحادي عشر، وسواء كان يقاتل بالقوس والأسهم أو بأحدث الأسلحة، من أجل أباطرة أو شركات خاصة، ستظلّ شخصية المرتزق هي نفسها دوماً على مرّ التاريخ: فالمرتزق لا يقاتل من أجل الأخلاق أو القيم، ولا حتى من أجل أفكار ومعتقدات؛ بل من أجل المال وحده.

الفنزويلي ولد الشاكال أو الثعلب المعرفوف باسم إليتش راميريث كان المرتزق الأشهر في القرن العشرين

ويتضّمن قرار الاستعانة بالمرتزقة مميزات عديدة، لا تقتصر فقط على ميدان المعركة؛ فمن جانب، يعني ذلك تقليص الفترة الزمنية والموارد المالية اللازمة لتدريب الجنود، فالمرتزقة يتمتّعون بالفعل بتأهيل عسكري على أرفع مستوى، وعلى جانب آخر، يمكّن المواطنين العاديين من التركيز على أعمال إنتاجية وتوفير الإمدادات من الموارد خلال زمن الحرب، وهو ما قد يكون عاملاً حاسماً إذا طال أمد المعركة، بيد أنّ المقابل المادي المرتفع الذي يتقاضاه المرتزقة أدّى في أغلب الأحيان إلى أنّهم يتّخذون الجانب الأقوى، أو الذي يحظى بموارد أضخم، وهو ما أسفر عن ظهور حالات الهيمنة المطلقة.
واختصاراً، بوسعنا القول: إنّ هذا بالضبط كان دورهم على مدار التاريخ؛ ترجمة القوة الاقتصادية الهائلة إلى قوة عسكرية كاسحة؛ لذا فإنّ ما قدّمه فيلم "الساموراي السبعة"، عام 1954، والذي يقاتل فيه مرتزقة الساموراي لمساعدة إحدى القرى بلا مقابل يُذكر من هجمات العصابات، لا يعدو سوى كونه محض خيال.

لكنّ أهمية المرتزقة أخذت في التراجع نتيجة صعود نموذج الدول التي تقوم على مبدأ السيادة الوطنية وقصر حقّ استخدام القوة المسلحة على الدولة المركزية وحدها، التي تهتمّ ببناء جيش وطني دائم، وهو شيء يتعارض تماماً مع فكرة المرتزق، وترسّخت هذه العملية أكثر مع اندلاع الثورة الفرنسية، والتي بدأ بعدها أغلب المرتزقة في الاتجاه نحو الالتحاق بالجيوش الوطنية، إلّا أنّ شخصية المرتزقة لم تندثر تماماً، على الرغم من أنّها لن تعاود لعب الدور المهم ذاته حتى الحرب الباردة.

اقرأ أيضاً: مرتزقة.. نزوح.. كوليرا.. آخر تطورات الساحة الليبية

خلال الحرب الباردة؛ رفعت مستعمرات أوروبية كثيرة السلاح من أجل نيل استقلاليتها السياسية والاقتصادية، ورغم أنّ الحكومات الأوروبية انتهى بها الأمر لقبول منح مستعمراتها الاستقلال السياسي، إلّا أنّ ثراء هذه المستعمرات بالموارد، خاصة الإفريقية منها، دفع الدول الأوروبية للتحفّظ في إعطائها الاستقلال الاقتصادي، كما أنّه في خضمّ ذروة الخلاف العالمي مع الاتحاد السوفييتي، لم تكن النخب الغربية مستعدة لمشاهدة ممتلكاتها السابقة تحكمها أنظمة اشتراكية لا تكتفي بتقويض مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية والعسكرية بصورة كبيرة فحسب، بل وأيضاً تجعل ميزان الحرب الباردة يميل لصالح الكفة السوفييتية.
كان كثيرون، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأمريكي السابق، هنري كيسينجر، يتخوّفون من صعود الاشتراكية في هذه الدول والذي من شأنه أن يحدث "تأثير دومينو" في باقي أنحاء قارة إفريقيا، ولتلافي وقوع ذلك؛ جرى اتّخاذ جميع الإجراءات اللازمة، بما فيها شراء المرتزقة، وكان هؤلاء في غالبيتهم من العسكريين الأوروبيين المخضرمين، الذين أصبحوا بلا عمل، عقب حقبة إعلان الاستقلال خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، وهي الفترة التي شهدت نهاية الحروب الاستعمارية في إفريقيا وآسيا، وبات هؤلاء العسكريون سريعاً محط أنظار الحكومات الإفريقية الوليدة، وكذلك حلفاؤها وأعداؤها، الذين كانوا يرون فيهم أداة ناجزة لتسوية النزاعات القائمة وتعزيز نفوذهم، كان هؤلاء المرتزقة يعرفون طبوغرافية المنطقة جيّداً، ويتوفّرون على معدّات وتأهيل يفوق عدداً كبيراً من الجيوش المحلية.
مرتزقة برتغاليون مع عصابات في شمال أنغولا عام 1975

الكونغو البلجيكية
تأثّرت الكثير من الدول جراء ممارسات المرتزقة، لكن هناك دولة تأتي على رأس القائمة؛ نظراً إلى أهميتها وعدد المرتزقة الذين نشطوا على أراضيها؛ إنّها جمهورية الكونغو الديمقراطية، المستعمرة البلجيكية السابقة؛ ففي أعقاب إعلان استقلالها، عام 1960، شهدت الكونغو قيام حكومة مؤقّتة ذات توجّهات شيوعية بقيادة رئيس الوزراء باتريس لومومبا، وكانت شركة (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) تتحكّم في قدر كبير من ثروات البلاد، وتخشى فقدان ممتلكاتها، لا سيما في منطقة كاتانجا، الأغنى بالثروات في الكونغو وأحد أكبر مناجم النحاس واليورانيوم في العالم، لكنّ الجيش البلجيكي كان قد غادر أراضي البلد الإفريقي فور استقلاله، وحلّ قبل رحيله جانباً كبيراً من الجيش الكونغولي؛ لذا فقد كانت الشركة في حاجة لطلب المساعدة من مكان آخر.

تراجعت أهمية المرتزقة لصعود نموذج الدول القائمة على مبدأ السيادة الوطنية وقصر حقّ استخدام القوة المسلحة على الدولة المركزية

وفي محاولة منها لحماية مصالحها؛ خطّط "اتحاد التعدين في كاتانجا العليا، وبعد شهرين فحسب من استقلال الكونغو، لانتزاع انفصال منطقة كاتانجا عن باقي أراضي البلاد، وهي المحاولة التي قادها الجنرال مواز تشومب؛ بهدف الحفاظ على أعمال الشركة. ولضمان نجاح العملية، تعاقدت الشركة البلجيكية مع كتائب من المرتزقة الذين كانوا يدعمون الجنرال تشومب، ومن بينهم بعض "المرتزقة" الأشهر في القرن العشرين، مثل: بوب دونارد، وجان شرام، ومايكل هوار (ماد مايك)، وكان دونارد قائداً لوحدة مظليين ومرتزقة فرنسيين، بينما كان تحت إمرة الإيرلندي ماد مايك عدد لا بأس به من المرتزقة الجنوب إفريقيين.

بدأ العمل بتدريب الجنود الكونغوليين؛ تمهيداً للدفع بهم في مواجهة تلك المجموعات المعارضة للانفصال، ورغم أنّه لم يكن يتكوّن سوى من 100 مرتزق تقريباً، وحوالي 2000 جندي كونغولي، لكنّ جيش تشومب تمكّن من تحقيق أقصى استفادة من عتاده وتدريبه كي يسيطر، شيئاً فشيئاً على أراض، وقد تسبّبت الفظائع التي ارتكبها المرتزقة في حصولهم على لقب (الرهيبين)، وهو الاسم الذي سيظلّ مرتبطاً باسم دونار طوال حياته.

وجّه لوموموبا عدّة دعوات لمنظمة الأمم المتحدة من أجل إيقاف المذابح الدائرة، لكنّه لم ينجح في وقفها فعلاً إلّا بعد طلبه المساعدة من الاتحاد السوفييتي حينها فقط، وهرع المجتمع الدولي لمساعدته والتدخّل، وخوفاً من التحاق الكونغو نهائياً بالمعسكر السوفييتي، دخلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" الساحة وخطّطت لانقلاب عسكري نفّذه الجنرال موبوتو سيسي سيكو، قائد الجيش الكونغولي، للإطاحة بلومومبا من السلطة.
كان الأمريكيون والبلجيكيون لديهم المصالح نفسها في المنطقة، منذ أواخر القرن التاسع عشر؛ لذا لم يكن من الصعب التوصّل لتحالف تكتيكي بينهم، وقد كانت القنبلة النووية الأمريكية التي أٌلقيت على مدينة هيروشيما اليابانية مُصنّعة من يورانيوم استخرجته (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) من مناجم هذا الإقليم، وفي محاولة لتقريب المواقف مع الانفصاليين، بعث موبوتو بلومومبا إلى كاتانجا؛ حيث أطلق الجنرال تشومب وحلفاؤه النار عليه دون أدنى تردّد.

اقرأ أيضاً: لماذا انقلب أمراء الحرب في سوريا إلى مرتزقة تقودهم تركيا؟

أدّى مقتل لومومبا إلى اندلاع ثورة في كافة أرجاء البلاد، والتي أُطلق عليها اسم "ثورة سيمبا"، والتي تطّلبت الكثير من العمل بالنسبة للمرتزقة الذين كانوا ينتشرون في نقاط مختلفة من الكونغو- خاصة الكتيبة الخامسة، بقيادة ماد مايك، التي التحقت بالجيش الكونغولي بعد مواجهتها له في السابق.
تقلّد تشومب لاحقاً، عام 1964، منصب رئيس الوزراء، رغم أنّه لم يستمر إلّا عاماً واحداً قبل أن يستأثر موبوتو بالسلطة، واتّضح فيما بعد أنّ العسكريين لم يكونوا وحدهم الذين يتمتّعون بالدعم الخارجي، فقد كان ثوار (سيمبا) أيضاً يحظون بالدعم بواسطة جنود كوبيين، كان يقودهم تشي جيفارا بنفسه، بيد أنّ قوة المرتزقة والجيش كانت أكبر من أن يتمكّن المتمرّدون من مجابهتها، ليقرّروا الاستسلام أخيراً، عام 1967، مع وصول رئيس جديد لسدة الحكم، وقرّر موبوتو طرد المرتزقة خارج الكونغو، وغيّر اسم البلاد إلى زائير، وعمل على خصخصة (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) وظلّ على قمة السلطة حتى 1997، ما سمح له بتكوين واحدة من أضخم ثروات القرن العشرين، وأن يتحوّل لنموذج للديكتاتور الإفريقي.
غلاف كتاب السيرة الذاتية لمرتزق الكونغو ماد مايك

إفريقيا تسير على خطى الكونغو
بعد الحرب في الكونغو، كان المرتزق الأكثر نشاطاً هو الفرنسي بوب دونار، ضابط الاستخبارات الفرنسية السابق الذي وصل الأمر به لأن يؤكّد خلال محاكمته؛ أنّه "عندما تعجز الاستخبارات عن تنفيذ مهام سرية من نوع خاص، فإنّها تلجأ لهياكل موازية، كانت هذه هي حالة بوب دونار"، لكنّ الفرنسيين لم يكونوا الوحيدين الذين تعاقدوا معه؛ فبعد الخروج من الكونغو، قاتل دونار في اليمن إلى جانب القوات البريطانية من أجل إعادة النظام الملكي إلى الحكم (1962-1967)، كما انخرط دونار في جبهات القتال بدول مثل نيجريا وأنجولا وبنين وتشاد، لكنّ الأثر الأعمق الذي تركه كان في جزر القمر، أسّس دونار في هذه الدولة معسكر التدريب الخاص به، ونفّذ أربع انقلابات، وحكم البلاد من وراء الستار عشرات الأعوام، وأخيراً توفَّى دونار بهدوء، عام 2007، على فراشه بمنزله في بوردو، بعد أن أمضى أربعة أشهر فحسب داخل السجن.

أما ماد مايك؛ فقد آثر التقاعد إثر انتهاء حرب الكونغو، إلّا أنّه عاد لارتداء بزته العسكرية مرة أخرى في أواخر السبعينيات، كي ينفّذ انقلاباً فاشلاً في سيشل، مدفوعاً من قبل حكومة جنوب أفريقيا أثناء حقبة الفصل العنصري (أبارتايد)، وبعد فشل هذا الانقلاب عاد إلى جنوب إفريقيا؛ حيث أتمّ 100 عام من العمر عام 2019، ولا يزال يعيش هناك، قاتل مايك المجنون ودونار من أجل المال، مثلهما في ذلك مثل زملائهم، لكن هناك استثناء وحيداً في القرن العشرين، يستلزم تسليط الضوء عليه ها هنا.

قصة كارلوس الـ (شاكال)
ولد الـ (شاكال)، أو (الثعلب)، باسم إليتش راميريث، كان هذا الفنزويلي، بلا شكّ، المرتزق الأشهر في القرن العشرين، ولعلّ السبب في ذلك؛ هو أنّ قصته لم تكن تقليدية على الإطلاق، فقد نشط خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات؛ حين كان مسؤولاً عن عدد من الاعتداءات وعمليات الاختطاف، لكنّ العنصر المميّز في قصة الثعلب هو أنّه لم يكن مرتزقاً ولا إرهابياً؛ بل "يمتهن الثورة".
كان والد إليتش عضواً في الحزب الشيوعي الفنزويلي، وشعر منذ صغره بانجذاب نحو النضال المناهض للإمبريالية ضدّ القوى الاستعمارية الأوروبية، خاصّة القضية الفلسطينية، درس في موسكو، وتحديداً بنفس الجامعة التي تخرّج فيها باتريس لومومبا، وعام 1970؛ انضمّ إلى الجناح المسلّح من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي فصيل ماركسي يشكّل جزءاً من منظمة التحرير الفلسطينية إلى جوار تيارات أخرى، مثل حركة فتح، وقد نفّذ لصالحها عدداً من العمليات التي دخلت التاريخ بسبب درجة الاندفاع فيها ومدى التأثير الذي أحدثته.

بوب دونار مع الحرس الرئاسي لجزر القمر

وتأتي على رأس هذه العمليات؛ واقعة الاختطاف التي شهدتها قمة الدول المنتجة للبترول في العاصمة النمساوية فيينا، عام 1975؛ حين أقدم الثعلب وخمسة رجال آخرين على اختطاف عدد من وزراء عدة دول وشخصيات بارزة في المنظمة لمدة تزيد عن ثلاثة أيام، لم تكن هذه العملية، التي يُعتقد أنّ كلّاً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحكومة العقيد الليبي الراحل، معمر القذافي، وحركة فتح، يقفون وراء التخطيط لها، عشوائية على الإطلاق؛ حيث نجح الخاطفون في الهروب مع رهائنهم على متن طائرة وتركوهم قبل دفع الفدية المطلوبة في دول مناصرة للقضية الفلسطينية، كانت هذه العملية ومهمات وعمليات اختطاف وإرهاب أخرى تستهدف تمويل المنظمة ومهاجمة الأهداف الإستراتيجية بهدف الضغط على الحكومات الأجنبية كي تقبل طلبات الجبهة الفلسطينية وحلفائها.

لكن، وفي عام 1976؛ قرّر الثعلب ترك الجبهة الفلسطينية؛ بسبب الخلافات الداخلية التي بدأت تضرب المنظمة، ليؤسّس برفقة خمسة أشخاص آخرين (منظمة الثوريين العالميين)، وكانت هذه المنظمة تهتمّ بتوفير الدعم العسكري لأيّ نضال ترى أنّه ثوري، واستهلّت عملياتها بالتعاون مع (جماعة الجيش الأحمر)، التي كانت تحمل في بداياتها اسم "بادر ماينهوف)، في ألمانيا الغربية، والتي شنّت عدة هجمات في البلاد، خلال الفترة بين عامَي 1970 و1990، ويمكن القول إنّ جماعة الجيش الأحمر كانت في واقع الأمر وحدة من المرتزقة اليساريين.

لكنّ منظمة "الثوريين العالميين"، لم تذهب بعيداً، لا سيما مع فقدان الثعلب لدعم حلفائه القدامى، ومع شعوره بأنّه كوّن عداوات كثيرة، اختفى الشاكال لفترة طويلة من الوقت تنقّل خلالها بين دول مثل سوريا والسودان؛ حيث أُلقي القبض عليه أخيراً من قبل السلطات الفرنسية، عام 1994، ورغم أنّ الدوافع وراء عملياته كانت أيديولوجية بالأساس، لكنّ الفنزويلي لم يكن يقوم بها مجاناً بكلّ تأكيد، فقد تبيّن تقاضيه مبالغ مالية هائلة مقابلها، كان الثعلب الفنزويلي مرتزقاً ربما، لكنّه يختلف عن البقية.

كارلوس  في صورة حديثة وهو يقضي حالياً عقوبة السجن مدى الحياة في فرنسا

نشاط المرتزقة بين السبعينيات والثمانينيات
أدّت الكفاءة التي أظهرها المرتزقة خلال حرب الكونغو إلى رفع أسهمهم، الأمر الذي نتج عنه حتى ظهور وكالات متخصّصة في التعاقد معهم، والتي تعُد نواة فكرة الشركات العسكرية الخاصة للأمن في الوقت الحالي، مثل شركة "سيكيورتي أدفايزوري سرفيسز" البريطانية، التي أرسلت مئات المرتزقة إلى حربَي أنجولا وروديسيا، ولعب المرتزقة دوراً كبيراً في أنجولا، خلال المرحلة الأولى من الحرب؛ فبعد الاستقلال، عام 1975، تنازعت ثلاث جبهات السيطرة في البلد الإفريقي، بعد أن كانت متّحدة في السابق أمام المحتل البرتغالي؛ وكان الصراع على أشدّه بين الحركة الشعبية لتحرير أنجولا ذات التوجّهات الماركسية اللينينية، وحركة الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا والجبهة الوطنية لتحرير أنجولا ذات الأفكار الرأسمالية والمعادية للشيوعية.

جمهورية الكونغو الديمقراطية المستعمرة البلجيكية السابقة تأتي على رأس قائمة الدول التي تأثرت بممارسات المرتزقة

ولدى وصول الحركة الشعبية لتحرير أنجولا إلى السلطة، رأت كيف رفعت المنظمتان الأخريان السلاح في وجه حكومتها، فلجأت الجبهة الوطنية لتحرير أنجولا، المدعومة من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى زائير التي يتعيّن على رئيسها، موبوتو، ردّ الدين نظير المساعدة التي تلقّاها مسبقاً، بينما انتقل الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا إلى الشطر الجنوبي من البلاد، لتندلع حرب أهلية دامت 30 عاماً (1975-2002)، كما قاد بوب دونار، الذي عمل لصالح "سي آي إيه" وحدة من مرتزقة الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا، فيما دعّمت فرقة أخرى بقيادة العقيد كالان، وهو مرتزق بريطاني من أصول قبرصية، الجبهة الوطنية لتحرير أنجولا.
أٌلقي القبض على كالان، برفقة 12 مرتزقاً آخرين، وصدر بحقّه حكم بالإعدام، خلال ما تُعرف باسم (محاكمات لواندا) التي كان لها صدى عالمي وقتذاك؛ نظراً إلى أنّها كانت المرة الأولى التي تحاكم فيها حكومة إفريقية مرتزقة عالميين.
وبرّر رئيس أنجولا، المنتمي للحركة الشعبية لتحرير أنجولا، أجوستينيو نيتو، هذا الحكم؛ بأنّه "يصبّ في صالح جميع شعوب العالم ضدّ الأشخاص الذين تستعين بهم القوى الإمبريالية لتنفيذ اعتداءات مرتزقة جديدة".

كان نيتو، بالتأكيد، يقصد النزاع الذي كانت تعاني منه ناميبيا في الفترة نفسها؛ وهو الصراع المرتبط بشكل وطيد بالحرب في أنجولا، وكذلك روديسيا الجنوبية، أو زيمبابوي الحالية؛ حيث نشط مرتزقة مشهورون آخرون، مثل الأمريكي روبرت ماكينزي، أو تدخّلات المرتزقة في دول مثل بنين وأوغندا وتوجو وغينيا الاستوائية، وفي السياق نفسه؛ تبرز الحرب الأهلية في نيجيريا، بين عامَي 1967 و1970؛ بسبب الدموية الشديدة التي اتّسمت بها؛ حيث راح ضحيّتها مليونا قتيل، وعدد من المرتزقة الذين انخرطوا فيها، والذين قاتلوا إلى جانب قوات إقليم بيافرا، والذين أرسلت فرنسا السواد الأعظم منهم.
تركت هذه الحروب جروحاً لا تندمل في البلاد التي عانت ويلاتها، جراحاً غيّرت للأبد المسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لهذه الدول.

يحيط بشخصية المرتزقة في القرن العشرين قدر هائل من الجدل، وهناك كمّ لا بأس به من الأساطير، رغم أنّ كلّ ذلك لا ينفي الدور الحاسم الذي لعبوه؛ فقد كان المرتزقة أداة رئيسة لضمان أن يكون الوضع القائم بعد استقلال المستعمرات القديمة متوافقاً مع المصالح الغربية، وهو ما نعرّفه اليوم بالكولونيالية الجديدة، وحتى في النزاعات التي لم ينتصر فيها المرتزقة، مثل أنجولا وزيمبابوي، حالت الخسائر والتضحيات الجسيمة التي تعرّض لها أعداؤهم دون تمكينهم من السيطرة الكاملة ليضطّروا للاستجابة للكثير من المطالب الغربية.

كانت لذلك الوضع تبعاته المباشرة على الحرب الباردة، التي لم تكن "باردة" للغاية في إفريقيا؛ فمع إجهاض تطلّعات بعض الدول نحو النموذج الاشتراكي في حروب الاستقلال، تسنّى كذلك انضمامها للكتلة السوفييتية؛ ففي حال حدوث عكس ذلك، كان مسار التاريخ ليتغيّر على نحو جذري تماماً: فمن يعلم ما كان ليحدث إذا حصل الاتحاد السوفييتي على الدعم الكافي لمنع انهياره عام 1989، أو حتى توفّره على قوات كافية لإلحاق الهزيمة بالكتلة الغربية.
إنّ الدور الإستراتيجي للمرتزقة يكمن في أنّه رغم عدم تجاوز أعدادهم لبضع مئات من الأفراد، لكنّهم تمكّنوا من تغيير شكل التاريخ العالمي للأبد.


المصدر:

مقال عن المرتزقة ودورهم على مرّ التاريخ في النزاعات التي خاضوها، للباحث لويس مارتينيث، نشر بموقع مؤسسة (الأوردن مونديال) الإسبانية للأبحاث

رابط: https://bit.ly/2P4NK4f

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية