"ولاية الفقيه".. حين انقلب الخميني على الفقه السياسي الشيعي

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
7730
عدد القراءات

2019-05-01

في ظل مركزية نظرية ولاية الفقيه، التي أسس لها آية الله الخميني، داخل النظام الإيراني، وبنية عقله السياسي، عام 1979، بعد أن جعلها العمود الفقري الذي ينتصب عليه مجمل الفقه السياسي الشيعي وفكره، فقد أضحت منذ ذلك التاريخ، ونشوء الجمهورية الإسلامية، المرجعية الشمولية والكلية التي تستحوذ بصورة رسمية، على مؤسسات الدولة والحكم، بشقيه؛ السياسي والديني، وكذا، الدرس الحوزوي، الفقهي والفلسفي، في مدينتي "قم" و"مشهد" بطهران.

التيارات السياسية والدينية ما قبل الخمينية

بيد أنّ تاريخ التيارات الدينية والسياسية في إيران، يحفل بوجود أفكار أخرى ومغايرة، ما تزال تحتفظ بحقها في التعبير عن تأويلاتها في الدين والسياسة، خاصة، فيما يتصل بالحالة الشيعية، وواقعها الاجتماعي؛ لكنّها همّشت، بفعل الوثبة التي حققها الخميني بعد ثورته، ونبذه لتلك المرجعيات، وتعسفه ضدها، حيث كانت تختلف في رؤيتها وأهدافها مع نظرية ولاية الفقيه.

من بين تلك التيارات التي تتخذ موقفاً ضدّ ولاية الفقيه: التيار الإخباري والشيرازي والإنتظاري؛ لكنّ سياسة الدولة قامت باضطهاد شيوخهم وأئمتهم

وإثر ذلك؛ لم يمنحها المساحة الكافية نفسها في مؤسسات النظام الجديد، رغم رصيدها التاريخي المهم، وجماهيريتها، التي لا يستهان بها.
ومن بين تلك التيارات التي تتخذ موقفاً ضد ولاية الفقيه: التيار الإخباري، والشيرازي، والانتظاري؛ لكن سياسة الدولة قامت باضطهاد شيوخهم وأئمتهم، وملاحقتهم، في فترة ما بعد الثورة، لحجب أي صوت من تلك المراجع الفقهية، ينافس أطروحات الخمينية أو يعارضها؛ فقد قام الخميني بالتخلص من نفوذ تلك المرجعيات الدينية؛ مثل الإمام شريعتمداري، الذي عارض نظرية ولاية الفقيه بقراءتها الخمينية، وطالب بعودة الدولة الدستورية البرلمانية، والأخيرة كانت ترى في وجود ولاية الفقهاء أمراً شرفياً، وتنحصر مهمتها في الإشراف على القوانيين، بدون التغول في السلطة، والتماهي فيها.

 الإمام شريعتمداري عارض نظرية ولاية الفقيه بقراءتها الخمينية

تصفية المعارضة وتأميم الصراع

وبحسب ما جاء في كتاب "تاريخ إيران الحديثة"؛ ففي خضم الصراع والجدل المحتدم بين الإمام شريعتمداري والخميني حول مضمون الحكم في إيران، والمرجعية التي ينهل منها الأخير سلطته، بعد أن دمج بين ثنائية "الفقيه والسلطان"؛ فقد صرح شريعتمداري بأنّ: "حكومة الشعب هي السلطة التي يقر بها الإسلام، والديكتاتورية تعيد البلاد إلى عهد النظام الطاغوتي السابق، وأنّ ولاية الفقيه تسلب الناس صلاحياتهم واختياراتهم، كما تناقض كل الأصول التي تعطي الناس حقّ الانتخاب، لذلك، لا بدّ من إصلاحه ورفع هذا الإشكال".

يرى أحمد الكاتب أنّ التيار الإخباري رغم نفوذه القوي وتأثيراته القوية في الحوزة لم يسع إلى السلطة في أيّة لحظة تاريخية

جرى اعتقال الإمام شريعتمداري، عام 1982، بتهمة تدبير انقلاب على الثورة، ووضع تحت الإقامة الجبرية، حتى مات بعدها بـ6 أعوام، إثر مرض ألمّ به، ودُفن ليلاً، في ظروف صعبة؛ حيث مُنع كلّ تلامذته من حضور جنازته، حسبما ذكر رضا الصدري في كتابه "في سجن ولاية الفقيه".

تمكّن الخميني من مأسسة الساحة الفقهية الحوزوية، وتأميم الصراع داخلها، عبر عمليات الإقصاء والضغط المتواصلين، لكلّ المعارضين والمخالفين له، حتى تلاشت الأسماء المهمة والمؤثرة، في المجالات الدينية والعلمية والفلسفية، حديثاً وقديماً؛ مثل عبدالكريم سروش، وأصبحت الحوزة مجرد صوت رسمي مؤيد للنظام.

اقرأ أيضاً: دموية ولاية الفقيه في العراق

يعدّ التيار الإخباري من التيارات المهمة في عالم التشيّع، كما يذكر السيد الصياد في كتابه "التيارات السياسية والدينية في إيران"، بل يمتد بجذوره إلى الأئمة المعصومين، وهو، حتى اللحظة الراهنة، يعدّ مظلة دينية للشيعة في إيران وخارجها؛ فهو بمثابة التيار الأم، الذي تجتمع وتتلاقى عنده كثير من الأفكار المشتركة، وذلك منذ أن تم إحياؤه في القرن الحادي عشر الهجري، على يد ملا محمد أمين الأسترابادي؛ إذ تبنت تلك المدرسة نبذ العمل السياسي، ورفض النظرية السياسية، بصورة تامة، وعدم خلط الدين والفقه بأي عمل حركي ونشاط مدني.

مرجعيات ضدّ "ولاية الفقيه"

وقد رأى الإخباريون؛ أنّ العمل السياسي وإقامة الدولة والحكومة، وفق التأويل الخميني، عبر تأبيد نظرية ولاية الفقيه، يعد افتئاتاً على المعتقد الشيعي (الأصولي) والتقليدي، الذي يؤمن بعدم وجوب ذلك الأمر في ظل ما يعرف بـ "عصر الغيبة"، أي غياب الأئمة المعصومين؛ لذا، فإنّ أيّة حكومة تنشأ في ظلّ هذه الظروف تعدّ "اغتصاباً لحقّ وصلاحيات المعصوم"، بحسب ما تشير أدبياتهم.

قام الخميني بالتخلص من نفوذ المرجعيات الدينية لحجب أي صوت منها ينافس أطروحات الخمينية أو يعارضها

وفي هذه الحالة؛ يجيب أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الدكتور محمد السيد سليم،  المتخصص في العلاقات الدولية، عن ماهية وأصول نظام ولاية الفقيه، في دراسته، عن جذور الفكر السياسي الشيعي، بأنه "مع طول غيبة الإمام، دأب الفكر الشيعي في طرح عدة تساؤلات مثيرة وملحة، حول ما إذا كان هناك من يشغل ذلك الفراغ الذي نجم عن الغيبة، بشكل مؤقت، بحيث يقوم (نائب) ببعض وظائف الإمام".

واستدرك بأنّ "ذلك التساؤل بعث بانقسام في الفكر الشيعي، وانشطر إلى تيارين؛ أولهما إخباري، والثاني أصولي؛ حيث تألف التيار الأول، ممن أطلق عليهم اسم "الإخباريين" الذين اعتبروا أن الفقه هو ما صدر عن الأئمة فقط، وأن دور الفقهاء هو "الإخبار" بما قاله الإمام، وليس تقديم أيّ اجتهاد فقهي، وبالتالي، اعتبروا الاجتهاد انتهاكاً لحقوق الأئمة".

اقرأ أيضاً: 6 معارضين من علماء الشيعة لولاية الفقيه.. لماذا رفضوها؟

ومن ثم، ليس لأحد، بمن في ذلك الفقهاء، الحق في أن ينوب عن الأئمة في اختصاصاتهم. وبالتالي، يظل الوضع الراهن قائماً إلى حين عودة الإمام، مع ضرورة تخليص الفقه من شوائب الاجتهاد العقلي، والالتزام بالفقه الذي يقصر الإمامة على الأئمة المعصومين؛ أي أن يكون الفقيه مجرد مخبر لأحاديث الرسول، من جهة، والأئمة المعصومين، من جهة أخرى.

"عصر الغيبة" ومعضلة الحكم

ويلفت أستاذ العلوم السياسية، إلى أنّ هذا التيار ظهر تالياً لظهور تيار ولاية الفقيه، وكان من بين رموزه المهمين؛ الميرزا محمد أمين الاسترابادي، والشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي، وجميعهم وضعوا تحت قبضة الخمينية واضطهادها، سواء بالاعتقال أو الإقامة الجبرية، فضلاً عن ملاحقة وإعدام تلاميذهم والمنتمين لهم.

اقرأ أيضاً: نصر الله يتحدث عن علاقة حزبه بولاية الفقيه

بيد أنّ التيار الثاني، وهو التيار الأصولي، يرى أنّه "في غيبة الإمام يحلّ الفقيه محله، لكن دور الفقيه ينبغي أن يقتصر على المسائل الدينية، ورعاية أحوال الأتباع؛ من خلال الفتوى، والقضاء، وإقامة الشعائر، ومباشرة الأوقاف، دون الدخول في معترك السياسة، إلا في حدود ضيقة ومحددة، كالتأكّد من مطابقة القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية للشريعة الإسلامية".
ومن جهته، يذكر المفكر المتخصص في الشأن الإيراني، أحمد الكاتب، في بحثه حول تطور الفكر السياسي الشيعي؛ أنّ التيار الإخباري، رغم نفوذه القوي وتأثيراته القوية في الحوزة، لم يسع أو يطمح إلى السلطة في أيّة لحظة تاريخية، وهذا الأمر لا يعدّ أمراً ثانوياً وهامشياً لديهم، إنما يدخل في صلب هويتهم العقائدية، وثوابتها، معتبرين أنّ غيبة الإمام المعصوم ستظل "حائلاً دون حصول العدالة الاجتماعية، ولذلك ليس من حقّ أحد المشاركة في الحياة السياسية، والانخراط في السياسية، بمعناها الواسع؛ أي حكم الشعب، وإقامة الدولة والحكومة، وإصدار التشريعات والأحكام، في ظلّ غياب الإمام؛ إذ تضع الإخبارية وجود الإمام المعصوم شرطاً أساسياً للحكم والاعتراف بإسلامية الدولة".

اقرأ أيضاً: لماذا "ولاية الفقيه" حدث طارئ في السياق الشيعي العربي؟

وكان شيعة شبه الجزيرة العربية، أول من انحاز إلى الخط الإخباري، كما يشير محمد الصياد، في كتابه "فقه الانتظار"، بيد أنّ تدخّل الدولة الإيرانية ونفوذها الأيديولوجي الذي تروّج له عبر منصاتها المتعددة؛ جعل ذلك التيار يخفت، وتتلاشى مناهجه، خصوصاً بعد الحملات الممنهجة والمتعسفة ضده.

 تعدّ نظرية ولاية الفقيه في الفقه السياسي الشيعي، فكرة مستحدثة وجديدة

"شورى الفقهاء" وفصل الديني عن السياسي

إذاً، تعدّ نظرية ولاية الفقيه في الفقه السياسي الشيعي، فكرة مستحدثة وجديدة؛ إذ لم يبدأ الفكر الشيعي في الحديث عن الدور السياسي للفقيه إلا مع تأسيس الدولة الصفوية، عندما استعانت الدولة بالفقهاء بغية نشر المذهب الشيعي الإمامي، بينما عد ذلك الأمر، بمثابة خروج على النظرية التقليدية للإمامة، كما "أدّت إلى تطور انقلابي، في الفكر الشيعي الإثني عشري"، بحسب وصف الصياد.

اقرأ أيضاً: هل يختلف الشيعة على مفهوم ولاية الفقيه؟

وإلى ذلك؛ فإنّ الصراع ما يزال ممتداً وراسخاً مع العديد من تلك التيارات المعارضة، التي تتصدى للدولة الإسلامية في إيران؛ إذ قامت السلطة الإيرانية، بفرض الإقامة الجبرية على مؤسس التيار الشيرازي، محمد مهدي الشيرازي، إثر طرح نظريته "شورى الفقهاء"، ومعارضته لسياسة الخميني، واستهدفت العديد من المنتمين لذلك التيار، وقد قامت باعتقال ابن المرجع الشيرازي الأكبر محمد رضا، وتعذيبه في سجون طهران، إلى أن مات داخل السجن، العام 2008.

اقرأ أيضاً: هل تعاند ولاية الفقيه عجلة التاريخ؟

وفي عام 2013؛ اعتقلت محكمة رجال الدين المرجع الديني، حسين الشيرازي، ابن المرجع صادق الشيرازي، دون ذكر الأسباب، مما أثار غضب الشيرازيين لدرجة أنهم هددوا بتنظيم مظاهرات مسلحة أمام مقر السفارة الإيرانية في بغداد، والقنصليتين الإيرانيتين في مدينتي النجف وكربلاء، كما هددوا بحرقها في حال تمّ إيذاؤه، أو لم يتم الإفراج عنه خلال 24 ساعة، وهددوا بحرب مفتوحة واستهداف المصالح الإيرانية في دول العالم، وهو ما اضطرها للإفراج عنه.

بعد نجاح الثورة فرضت السلطات الإيرانية نمطها وتصورها الأيدولوجي على المجتمع

تآكل الأطروحة الخمينية

وبسؤال الباحث المصري، محمد السيد، حول أدوار النظام الإيراني لتأميم المجتمع، وتنميط صورته وفرض هوية شمولية عليه؛ يوضح أنّه "بعد نجاح الثورة الإسلامية، عام 1979، بدأت السلطات الإيرانية في فرض نمطها وتصورها السياسي والأيدولوجي على المجتمع، واستعملت أدوات كثيرة لقولبته بصبغة جديدة، مثل: أسلمة العلوم والمعارف كطريق لأسلمة المجتمع، وكانت تلك الأسلمة مدروسة وممنهجة؛ حيث اتخذت شكل مشروعات كبرى في الإعلام والإذاعة والتلفزيون، والجامعات والمناهج التعليمية، وكان القصد من وراء هذه العمليات الممنهجة؛ هو تخليق هوية جديدة ودائمة للمجتمع، وربطه بنظرية ولاية الفقيه المطلقة، وترسيخ أفكار ومبادئ الثورة، لذا، اعتقدَ قادة الثورة والنخبة الحاكمة الإيرانية، أنّ بإمكان تلك العمليات الممنهجة أن تدوم وتستمر، وتكفل مجتمعاً متناغماً، ومتجانساً، بهوية واحدة وهموم واحدة.

اقرأ أيضاً: المرجعيات الدينية تتحاجج ثم تتآكل في نظام ولاية الفقيه

ويضيف لـ"حفريات": "مع خفوت الهاجس الثوري، ونجاح الثورة في القضاء على معارضيها، وانتهاء الحرب العراقية-الإيرانية، وسقوط الشيوعية بانهيار الاتِّحاد السوفييتي، تغيّر الواقع الإيراني القديم، وفقد خطابه الثوري التقلدي، كثيراً من عناصر قوته وتأثيره؛ حيث ظهرت أجيال جديدة لم تشهد الزخم الثوري، من مواليد عقدي الثمانينيات والتسعينيات، تأثرت بالتطور التقني والمعلوماتي، وقفزات التنمية، التي شهدها العالم، نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي، ونشأ معها بداية تفكير العقل الإيراني في الواقع المأزوم الذي وصلت إليه الدولة".

فإنّ أولئك الأعداء الذين كانت تضخمهم أجهزة الدولة، أحياناً، لحشد المجتمع واستثارة الفكر الثوري، صاروا غير موجودين، ومن ثم بدأ المجتمع في النظر إلى الأوضاع السياسية والاقتصادية، بصورة مختلفة، عن فترة ما بعد الثورة مباشرة، ولم يعد يجدي نفعاً معهم صناعة عدو داخلي أو خارجي، بحسب السيد، لأنّه "عدوّ لم يرَ الشعب الإيراني منه ضرراً مباشراً، كذلك الضرر الذي يواجهه في الحياة اليومية، بفعل الإخفاق السلطوي، وانتشار جماعات المصالح، وبؤر الفساد".

اقرأ أيضاً: توقع ظهور الإخوان وولاية الفقيه قبل قرن.. من هو؟

ومن هنا، بدأت تراكمياً مرحلة تلاشي مبادئ الثورة، وتآكل الفكر الثوري، والفقه الولائي، الذي يمكن تسميته بـ"تآكل الأطروحة الخمينية"، كما يصفها الباحث المصري محمد السيد، ما نجم عنها صعود موجة علمانية ذات شقين؛ شقّ حوزوي، نابع من الحوزة ومتأصل فيها، وشقّ حداثي تغريبي، متأثر بالثقافة والقيم الغربية، وقد ساهم النظام السياسي في صعود العلمانيتين، بطريق غير مباشر.

اقرأ أيضاً: الشيرازيون: استبدال ولاية الفقيه بـ"شورى الفقهاء"

ويختتم السيد: "مسألة فصل الديني عن السياسي، ظلّ معتمداً حوزوياً، حتى قبل تكون العلمانية في مظاهرها الحديثة، واستمر هذا الوضع في الحوزة، من دون أن تنشغل بأمور السياسة، حتى بعد تشكلها، بصورتها الراهنة؛ كمؤسسة دينية ترعى شؤون الشيعة في العالم، وبينما ظهرت أصوات تطالب بولاية الفقيه جزئياً أو كلياً، كل فترة، بيد أنّ تلك الأصوات ظلت على هامش الدرس الفقهي المعتمد؛ أي إنّ تديين السياسة ومذهبتها، كان في الهامش لا في المركز".

اقرأ المزيد...

الوسوم: