وليد الكبيسي: نجمة مشرقة تذوي في تراب القطب الشمالي

2196
عدد القراءات

2018-08-05

رحل قبل أيام صاحب العقل التنويري، الباحث والكاتب العراقي الأصل، النرويجي الجنسية، وليد الكبيسي عن ستين عاماً، الذي عرف مبكراً بمعاركه الفكرية مع التشدد الإسلامي، وتحديداً الإسلام السياسي، مما حرّض عليه أولئك الذين وجدوا في الحرية الغربية أرضيةً لحركاتهم وتجمعاتهم، فقام عددٌ منهم بمحاولة لاغتياله.

الكبيسي: التطرف حالة خلقها الإسلاميون بالدعوة إلى التفسير السياسي ونقل الإسلام من زمن الرسول إلى عصرنا

هاجر الكبيسي، المولود في 9 شباط (فبراير) العام 1958 في بغداد، إلى النرويج، بوصفه لاجئاً سياسياً، في العام 1981 بعد رفضه الحرب العراقية الإيرانية، وانهمك فضلاً عن كتبه ومحاضراته وأفلامه الوثائقية وأبرزها "الحرية والمساواة والإخوان المسلمين" (2010)، بترجمة الشعر العربي المعاصر من العربية النرويجية، ومنه قصائد للراحل محمود درويش.

الكبيسي، الذي قضى العقود الثلاثة الأخيرة من حياته ناشطاً دؤوباً في الحوار الثقافي وناشراً لمجلة "المسلمون المتنورون"، يعتبر أحد المدافعين البارزين عن الفكر التنويري، والداعين له، ونشر أول كتاب له العام 1996 بعنوان "إيماني، خرافتي: الإسلام يواجه النرويجيين كل يوم".

في أصول الإرهاب

يقول الكبيسي إنّ "التطرف حالة خلقها الإسلاميون بالدعوة إلى التفسير السياسي، ونقل الإسلام من زمن الرسول إلى عصرنا. وعبارة "الإسلام لكل زمان ومكان"، تعني أنّ الإسلام يمكن تأويله وتفسيره ليناسب كل المجتمعات. بينما فهم المتطرفون أنّ الإسلام الذي مارسه المسلمون في صحراء الجزيرة ينقل ميكانيكياً إلى أوروبا، فآمنوا بالجهاد العنفي، وهذا ما أدى إلى الإرهاب".

اقرأ أيضاً: بنت الشاطئ: من ضفاف الهامش إلى آفاق الريادة

وبشأن "الحجاب" كملمح ظاهري عام للإسلام في أوروبا، كان يوضح "آمنوا بحجر المرأة وعزلها، وهذا ما أدى إلى الحجاب وإشكالياته، بينما لم يفرض الحجاب الإسلامي ولا توجد آيه تسمى آية الحجاب بمعنى اللباس الإسلامي، وكان الرسول، عليه السلام، يأخذ النساء معه ليطبّبن الجرحى؛ بمعنى أنه ليس عندنا مشكل دين وإنما مشكل تدين".

كان ينظر للغرب الثقافي على أنه في نزاع أبدي مع الغرب السياسي

في نقد الغرب السياسي

ولم يوفر الكبيسي الغرب في معاركه الفكرية فهو صاحب التمييز بين "الغرب الثقافي" و"الغرب السياسي"، موضحاً "أنا أنظر للغرب الثقافي على أنه في نزاع أبدي مع الغرب السياسي. الغرب الثقافي هو منظمة العفو الدولية (الامنستي)، منظمات حقوق الإنسان، فولتير وهنريك ابسن، التنوير والثورات الديمقراطية، منظمة (أطباء بلا حدود)، إلى آخره. هذا الغرب لا يشيطننا؛ بل يدافع عنا كبشر بغض النظر عن الاختلافات الثقافية والإثنية. أما الغرب السياسي فهو الرأسمالية والشركات متعددة الجنسيات، والتنازع الاقتصادي والمنافسة على الأسواق، ومصالح الدول".

لم ينتظم عمله ضمن سياق محدد بالكتب والأفكار التي تتناول التنوير الإسلامي بل ذهب إلى نقد الثقافة السائدة

ويساوي الكبيسي بين منابع الكراهية وصناعة العدو عربياً وغربياً "الغرب حين يحاربنا يشيطننا كما نفعل نحن؛ لأن العداوة والحرب تخلق الشياطين. والغرب كذلك. وأشعر أنّ نمطاً من الشيطنة كان يمارسه الغرب لقرون، حتى عايشنا ذلك في حرب الغرب على العراق 2003؛ حيث ضخّم الإعلام الغربي خطر صدام وصواريخه الكيمياويه بأنها تبيد بريطانيا. فأنتفض الغرب لتحطيم العراق وظهر أن كل ما خلقه الإعلام هو مجموعة أكاذيب ومبالغات".

عن جراحات العراق

ويرى الكاتب والمترجم العراقي وليد الكبيسي أنّ الجحيم الطائفي المستعر في بلاده سببه غياب السلطة المركزية وتمزّق الهوية الوطنية، وهو ما يعني تواصل المأساة عبر فصول لا يمكن توقعها "ليس لدي جواب، غير أنّ المستقبل مشرقٌ بعد مراحل من الآلام والكوارث. أوروبا مرت بهذه المرحلة واختفت فيها طوائف ومجموعات إثنية ودينية وانقرضت بسبب الطائفية. أدرك الأوروبيون أنّ العنف والتطرف سيجعلهم ينقرضون، فأحلّوا التسامح والتنوير والثورات الديمقراطية. هذا ما سيحدث لدينا أكيد ولو بعد مدة ليست بالقصيرة".

قوبل وليد الكبيسى بصورة تضعه بملامح مؤلف يهاجم الله والرسول والمسلمين والإسلام بصورة رهيبة

لم ينتظم عمله ضمن سياق محدد بالكتب والأفكار التي تتناول التنوير الإسلامي؛ بل ذهب إلى نقد الثقافة السائدة. فبعد نحو أربعين عاماً من فتح باب الهجرة إلى النرويج، ورغم المناداة بمجتمعٍ متعدد الثقافات، وبعد نقاشات مطولة حول سياسة الاندماج، وبعد آلاف المقالات حول التسامح وروح، فريدتيوف نانسن، (عالم اجتماع نرويجي عيّن عام 1921 كأول مفوض سامٍ لشؤون اللاجئين في عصبة الأمم)، وصلت النرويج إلى وضعٍ صار فيه الجيل الثالث من (المسلمين) المهاجرين يدعون إلى حجاب البنات في عمر الطفولة، أو ينتمون إلى مجموعة "نبي الأمة" التي تؤمن بممارسة الشريعة حرفياً كما تمارسها داعش. أو "شبكة الإسلام"، وهي منظمة إسلامية للجيل الثالث من المهاجرين، وهم أصوليون مسلمون يرفضون قيم المجتمع المتحضر. ومنهم من هذا الجيل من أصبح من محاربي داعش، إضافةً إلى تطوّرٍ يشير إلى زيادة مخيفة في التحول نحو التطرف بين الشباب المسلمين في النرويج.

فيلم  "الحرية والمساواة والإخوان المسلمين" باللغة النرويجية:

جرس إنذار

ويعتقد الكبيسي أنّ لا سلطات النرويج ولا وسائل الإعلام ولا النقاشات، أدركت بشكلٍ مبكرٍ الإشارات والعلامات المحذرة "إذا لم نستطع وضع تشخيص صحيح لظاهرة توجه الجيل الثالث من المهاجرين (المسلمين) إلى التطرف، وهو الجيل الذي ولدَ وترعرعَ في النرويج، فإنّ الوضع سيتحول بالتدريج إلى دراما"، موكداً "لا يُلام المسلمون فقط في هذا الأمر، وإنما النرويجيون أيضاً، فقد نادوا خلال ثلاثين عاماً بالاندماج، ولكن النرويج لا تتمتع بالخبرة في دمج المهاجرين. على العكس تماماً، للنرويج خبرة في تذويب الأقليات. أمّا التكيف والاندماج فهما بالنسبة للنرويج سياسة أن يحتفظ المرء بثقافته الخاصة، ويمضي في الوقت ذاته عبر مصفاة القوانين والقيم النرويجية".

وقائع مخيفة

واعتماداً على الفهم الخاطئ لمفهوم "مجتمع متعدد الثقافات" الذي أدّى إلى أن يُفهم وكأنه مطابقٌ لـ "مجتمع متعدد الأديان"، كانت السلطات تُموّل المنظمات الإسلامية، وتفاوض الناطقين باسم المجموعات الإسلامية. فكانت النتيجة "اندماجاً" جمعياً، وليس اندماجاً فردياً. النتيجة كانت اندماج منظمات وليس أشخاصاً مواطنين، وفجأة، بحسب الكبيسي "رحنا نسمع عن إمام جامع من الجوامع المركزية المرتبطة بالمجلس الإسلامي، وهو يدعم قاتلاً نفذ اغتيالاً لوزير باكستاني"! 

لا نستبعد أنّ "طائر الشمال" وسربه من أصحاب الفكر الإسلامي المتشدد يعتبرون وفاة الكبيسي بالسرطان انتقاماً ربانياً!

بمقابل تركيز وسائل الإعلام على المتدينين من المسلمين، جرى تجاهل العلمانيين. إنهم غائبون، علماً أنّهم يشكلون نصف الأقلية المسلمة في النرويج. وفقاً للإحصاء، يمثل المجلس الإسلامي 60 ألف مسلم مرتبطين فعلياً مع المسجد أو بالطوائف الإسلامية، بينما تعداد الأقلية المسلمة 106 آلاف مسلم. هذا يعني أنه يوجد 46 ألف مسلم علماني لم يرتبطوا أبداً مع المسجد أو الطائفة. أين هؤلاء؟ لماذا لم يُستخدم هؤلاء لإخبار النرويجيين أنّ نصف الأقلية المسلمة علمانيون مثل النرويجيين؟

اقرأ أيضاً: طه حسين: إيمان بانقشاع الظلمة ولو بعد حين

قوبل وليد الكبيسى بصورة تضعه بملامح مؤلف "يهاجم الله والرسول والمسلمين والإسلام بصورة رهيبة" كما فعل كاتب مصري الأصل هو محمد عبد المجيد الذي يطلق على نفسه "طائر الشمال"، حين يعتبر عمل الكبيسي "يضفي على خاتم الرسالات النبوية هالة من الفزع والخوف تجعل أي قارئ نرويجي في صف معادٍ تماماً للإسلام. بل ربما يمكن اعتبار كتاب وليد الكبيسي إعلان حرب ظالمة لتبرير أي إجراءات تتخذها السلطات النرويجية أو وسائل الإعلام أو البعثات التبشيرية لإيقاف المد الإسلامي".

اقرأ أيضاً: علي الوردي: التمرد على اليقينيات الثقافية والدينية

من يدري، فقد يعتبر "طائر الشمال" وسربه من أصحاب الفكر الإسلامي المتشدد، وفاة الكبيسي بالسرطان "انتقاماً ربانياً من مسلم مرتد"!

اقرأ المزيد...

الوسوم: