يحيى القيسي: طغيان تقديس الماضي أسهم في أزمة الفكر الإسلامي

صورة رشا سلامة
كاتبة وصحافية أردنية
2864
عدد القراءات

2019-02-11

أجرت الحوار: رشا سلامة


قال الكاتب والروائي الأردني يحيى القيسي إنّ الرواية العربية تركزت في معظمها على الجانبين؛ الاجتماعي والسياسي، لافتاً إلى أنّ القارئ العربي أدمن على هذه النمطية، وقبلَ ما يقدم له من موضوعات مستهلكة تناولتها السينما والمسلسلات التلفزيونية والصحافة.
وأضاف، المدير السابق لهيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، في حواره مع "حفريات"، أنّ الرغبة في البحث في التجربة الصوفية الإسلامية قادته إلى التعرف بشكل معمّق على الفكر الإسلامي، ورأى أنّ الأزمة التي يعيشها هذا الفكر اليوم تأتي "بسبب عدم مراجعته وتنقية قمحه من زوانه، إضافة إلى تقديس الماضي بكلّ ما فيه من غثّ وسمين"، ودعا إلى ضرورة التجديد والمراجعة الجريئة في هذا الفكر بشكل مباشر، مؤكداً أن تراجع المثقف عن دوره "أفسح للمتطرفين ترويج خطاب الكراهية والإقصاء".

اقرأ أيضاً: الحداثة وما بعدها في الرواية العربية المعاصرة

يذكر أنّ القيسي بدأ بالكتابة الصحفية الثقافية، وأصدر مجموعتين قصصيتين هما: "الولوج في الزمن الماء" 1990،  "رغبات مشروخة" 1996 ، ثم 4 روايات وهي: "بعد الحياة بخطوة"  2017، "الفردوس المحرّم" 2016 ، "أبناء السماء" 2010 ، "باب الحيرة" 2006، وسيصدر له قريباً كتاب "ابن عربي في الفتح المكي: الانتقاص من القدر المحمّدي".

رواية  "بعد الحياة بخطوة"  2017

وهنا نص حوار:
الصوفية وأسئلة الشكّ والإيمان
اخترت الثيمة الصوفية لكثير من أعمالك الروائية، هلاّ حدثتنا عن سر هذا الاهتمام الذي انعكس على مزاج شخصياتك المتناولة؟

انشغلت في رواياتي الأربعة: "باب الحيرة" و "أبناء السماء" و"الفردوس المحرّم" و"بعد الحياة بخطوة"، في الغوص عميقاً في موضوعات تتعلق بالعوالم اللامرئية أو الميتافيزيقا، إضافة بالطبع إلى البحث العلمي في أسرار الكون والتصوّف،إلى جانب البحث عن جذور هذه الميتافيزيقا في التراث العربي والإسلامي بشكل خاص، وقد وجدت ذلك جلياً عند المتصوفة وإرثهم الغني الذي وصلنا.

"باب الحيرة" قد انشغلت بسؤال الشكّ والإيمان، والبحث عن اليقين عبر شخصيتها الرئيسة

لهذا فإن أردت تلخيص رواياتي في كلمات قليلة أقول إنّ "باب الحيرة" مثلاً قد انشغلت بسؤال الشكّ والإيمان، والبحث عن اليقين عبر شخصيتها الرئيسة، وقد استفدت كثيراً من خبراتي الحياتية أثناء دراستي وعملي في تونس بداية التسعينيات، فيما جاءت "أبناء السماء" لتبدأ حفراً معرفياً في إمكانية الإيمان عن طريق العلم والاقتناع وليس عبر الإيمان النقلي التقليدي، وشخصيات الرواية من الأردن ومصر وروسيا؛ حيث تتحرك في هذه الأمكنة بحثاً عن الحقيقة، وركّزت في "الفردوس المحرّم" على ضرورة أن ينتبه البشر إلى إمكانية التضليل الكبير الذي حدث لهم فيما وصلهم من العلوم، وأيضاً في تزوير التاريخ، حيث قدمت الرواية مقاربات جريئة وجديدة لفكرة نشأة الإنسان على الأرض؛ أي فردوس آدم المفقود وأين هو، وما جرى في تلك الحقبة المبكرة للبشر، ضمن رؤية سردية تشتغل على عناصر التشويق وحركة الشخصيات والمخيال الجامح، وهنا انتقلت بهذه الشخصيات بين الأردن والإمارات إضافة إلى أمكنة أخرى بحسب المعطى المعرفي للرواية.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
أما الرواية الرابعة "بعد الحياة بخطوة" فهي مختلفة تماماً عما سبق من ناحية الشخصيات والهواجس والانشغالات، لكنّها تلتقي مع ما سبق من ناحية المناخ العام؛ أي بحث الشخصيات عن المعرفة واليقين، وهذه المرّة عبر سؤال عن الموت المحيّر وأسراره، وإمكانية تواصل الحياة بصورة مغايرة لما نظن في المرحلة البرزخية؛ أي إنّ الموت ليس نهاية أبداً بل بداية لحياة أخرى، بينما تناولت في الرواية الأخيرة التي لم تصدر بعد مسألة الحيوات السابقة التي من الممكن أن يكون الإنسان قد عاشها من قبل أو ما يسمّى بالتقمّص، وهكذا يمكن أن يجد القارئ في هذه الخماسية الروائية ما يحفزه على البحث والتأمل.

النزعة الغيبية والماورائية ظاهرة دوماً في أعمالك الروائية، ألا ترى بأن هذه الثيمة نخبوية؟
لا أظن أنّ رواياتي صعبة الفهم للقارئ العادي، لكن ربما موضوعاتها غريبة نوعاً ما عن اهتماماته لهذا يراها تبدو معقدة أحياناً في تفاصيل شخصياتها وطروحاتهم. لقد ساهمت الرواية العربية عبر سنوات طويلة في تقديم موضوعات كثيرة لكن لو حاولنا تلخيصها في حقول معينة لوجدنا أن الجانبين؛ الاجتماعي والسياسي يأخذان حصة الأسد، فيما تأخذ الحقول الأخرى النصيب الأقل.
ولكني لم أختر الذهاب إلى هذين الحقلين الشاسعين والمتوفرين بكثرة على قارعة الطريق، بل كتبت في موضوعات معرفية تشغل بالي كثيراً، ولا تلقى اهتماماً كبيراً من القارئ العربي الذي أدمن على النمطية في الموضوعات، وقبلَ ما يقدم له من موضوعات مستهلكة تناولتها السينما والمسلسلات التلفزيونة والصحافة أيضاً، وليست ذات خصوصية للرواية فحسب.

اقرأ أيضاً: الرواية يمكنها أن تصلح ما أفسدته السياسة
أنا أؤمن بالرواية التي تقدم المعرفة وليس الحكاية فحسب، وبالنسبة لي ومنذ صباي تحيرني الأسئلة الأربعة الكبرى: من نحن؟، من أين أتينا؟، ما هو دورنا في الحياة؟ وإلى أين نمضي بعد الموت؟
لهذا ظللت أبحث عن إجابات أخرى غير ما ورثنا من الإجابات الجاهزة والمعلبة في النصوص الدينية والمرويات الاجتماعية، وقد حاولت التعبير عن هذا البحث والقلق المتواصل في رواياتي فبدت كأنها للنخبة وهي ليست كذلك، بل يمكن لأي انسان أن يمرّ بمثل هذه المراحل من الشك والإيمان، والقلق والطمأنينة، والبحث عن الحقيقة، والانشغال بغوامض الأمور..!

القيسي: جئت إلى عالم الصحافة الثقافية أولاً من خلال بوابة الأدب
انتقلت من الصحافة والقصة للرواية، ما سرّ هذا الشغف وهل وجدت فيها مزيداً من المتّسع للتحدث عن رؤاك الروحانية؟
يمكن القول إنّني جئت إلى عالم الصحافة الثقافية أولاً من خلال بوابة الأدب، فقد وجدت هذا النوع من الصحافة أقرب إلى عالم الإبداع حتى لا يتورط المرء في أعمال أخرى تستهلك منه طاقته وتبعده عن الحقل الأثير إليه، وخلال عملي في الصحافة تنقلت كثيراً، وكتبت في موضوعات مختلفة المشارب، لكن الصحافة الثقافية أو الأدبية كانت الأكثر قرباً مني، وكنت الأكثر انشغالاً بها، وقد ساهمت بشكل أو بآخر في جعل كتاباتي الأدبية أكثر صقلاً، وأقل ثرثرة، فالعمل في التحرير الصحفي يعلم الكاتب "فن الحذف" والقدرة على الاختصار، والغنى في القاموس اللغوي، والمهارة في الكتابة.

الصحافة تسرق الكثير من الوقت من المبدع لكن في النهاية فإنّ الأعمال الأخرى التي ينشغل بها الأديب تأخذ أيضاً الكثير من جهده وروحه

صحيح أنّ الصحافة تسرق الكثير من الوقت من المبدع لكن في النهاية فإنّ الأعمال الأخرى التي ينشغل بها الأديب تأخذ أيضاً الكثير من جهده وروحه، وهي تساهم قدر الإمكان في تأمينه بالحد الأدنى للعيش، وتلك هي معضلة المبدعين!
أما بالنسبة إلى القصة القصيرة فقد أصدرتُ مجموعتين في بداية تجربتي الأدبية غير أني توقفت تماماً عن كتابة القصة القصيرة وتوجهت إلى الرواية فقد شعرت بأنّ القصة لم تعد ترضي عمق موضوعاتي وتشعب شخصياتي ورؤاي المحلقة، واعتقد أن فن القصة القصيرة تراجع بشكل كبير في الوطن العربي أيضاً، لهذا كان انتقالي للسرد الروائي لحاجة إبداعية وليس ترفاً أو هرباً من تكثيف القصة وخصوصيتها.

اقرأ أيضاً: هل أسهمت الرواية في انحسار القصة القصيرة؟
مع كلّ هذا الانشغال ظلت اهتماماتي الروحية تشتعل جذوتها في أعماقي ولم تنطفئ، صحيح أنّ التحديات التي يواجهها المرء كثيرة في عالم مادي متشعب، وبشر يغوصون عميقاً في حمأة الحياة اليومية ومتطلبات العيش، لكن الإنسان المقتنع بما لديه يستطيع أن يحافظ على وهج روحه، وعمق توجهاته مهما كانت الظروف.
المثقف ومواجهة التطرف

القيسي: منذ ثلاث سنوات عكفت على قراءة أعمال ابن عربي
في ظل الأزمة التي تعانيها صورة الإسلام والتديّن لدى الآخر، كيف يمكن أن تسهم الرواية في تصحيح هذا الانطباع المغلوط؟

قادتني الرغبة في البحث في التجربة الصوفية الإسلامية إلى التعرف بشكل معمّق على الفكر الإسلامي أيضاً، وأرى أنّ الأزمة التي يعيشها هذا الفكر اليوم تأتي بسبب عدم مراجعته وتنقية قمحه من زوانه، إضافة إلى تقديس الماضي بكلّ ما فيه من غثّ وسمين، وبالتالي فإنّ صورة الإسلام الحالي تعاني من إشكاليات كثيرة، وما أحوجنا اليوم إلى من يقوم بالتجديد والمراجعة الجريئة في هذا الفكر بشكل مباشر، إضافة إلى الدور الذي من الممكن أن تقوم به الرواية في هذا الأمر تحديداً، وقد تناولت مسألة التطرف في روايتي الخامسة التي اكتملت وستصدر هذا العام في محاولة مني للبحث عن جذور الإرهاب والتأمل بما وصلنا إليه اليوم من كوارث وخصوصاً في البلدان العربية التي يتبنى بعض أبنائها الفكر التكفيري الإقصائي الذي ينتصر لثقافة الموت، ويعطل دور الحياة.

أفكار ابن عربي تحتوي على شيء من التناقضات والأخطاء في الطرح فيما يتعلق بالحقيقة المحمدية وشخصية النبي

الإشكالية الأخرى أنّ معظم الروائيين العرب لديهم موقف مسبق من مناقشة أي فكر ديني وغالباً ما يبتعدون عن الخوض في هذه المسائل نظراً للنظرة الدونية التي ينظرون بها إلى المتدينين أيضاً، وهذا برأيي مؤشر خطير على ابتعاد المثقفين عن الدور التنويري المأمول لهم، فبالنسبة للاديني فإنّ الدين نفسه سبب التخلف وبالتالي لا يرغب بالإصلاح أو المراجعة بل بشطب الدين نفسه تماماً من الحياة، وبالتالي لم يتبق إلا أن ينشغل المتطرفون أنفسهم بترويج خطاب الكراهية والإقصاء في ظل تراجع المثقف أو عزوفه أو عدم رغبته بأي دور أساساً.
هذا يقودنا إلى كتابك الذي أشرت إليه بشأن مراجعة تجربة الصوفي الكبير محيي الدين بن عربي، فهل لك أن تطلعنا على بعض ما توصلت إليه؟
منذ ثلاث سنوات عكفت على قراءة أعمال الشيخ ابن عربي وخصوصاً سفره الضخم "الفتوحات المكية" وكنت معجباً بأشعاره من قبل عن "دين الحب"، إضافة إلى فلسفته القيمة في "وحدة الوجود"، لكن مع التعمّق في القراءات والمرور أيضاً إلى كتبه الأخرى المتوفرة في المكتبة العربية مثل " التجليات" و "الرسائل" و "فصوص الحكم" إضافة إلى ما كتب عنه من دراسات فقد وجدت أنّ أفكار الشيخ تحتوي على شيء من التناقضات والأخطاء في الطرح فيما يتعلق بالحقيقة المحمدية وشخصية النبي الكريم البشرية، مما سمّيته "الانتقاص من القدر المحمدي" وهذا الأمر جاء بسبب إيمان الشيخ التام بكتب الحديث والنقل دون أن يقوم بتمحيصها أو عرضها على القرآن الكريم، كما أنّ الكشف الروحي عنده قد يتناقض أيضاً مع النقولات الحرفية من كتب المتصوفة السابقين أو مع نصوص القرآن الكريم نفسه والعصمة النبوية.

اقرأ أيضاً: غسّان كنفاني.. رواية لم تكتمل
ولقد رصدت كلّ هذه التناقضات بحقّ النبي العظيم في كتابي الذي أعتقد أنه سيشكل صدمة للمتصوفة بسبب عدم توقعهم أن يكون ابن العربي الملقب بالشيخ الأكبر بمثل هذه الصورة، والذي أراه أن تجربة هذا الشيخ لم تقرأ كما ينبغي فإما أن يقرأها من يقدّسه من الأتباع والمريدين وأصحاب طريقته، وإما أن يقرأها الفقهاء الذين يتربّصون بتكفيره لفلسفته، غير أنني قرأتها بحياد وتأمّل بحثاً عن الحقّ وأظهرت ما فيها من محاسن ومثالب لكي تظهر على الناس بعد ثمانية قرون من رحيل الشيخ وآمل أن أكون قد وفقت في هذا الكتاب الذي سيكون الجزء الأول من سلسلة كتب ومراجعات أخرى قادمة.
إشكالية جوائز الروايات العربية

القيسي: لم أكتب من أجل الجوائز ولا لإرضاء النقاد أو الحصول على دعم القراء

يلاحظ أن قوائم جوائز الروايات العربية والعالمية تميل إلى الأعمال التي تناقش الإرهاب والتطرّف، لماذا لا تحظى بذلك الروايات التي تحاول شرح الدين والروحانيات والغيبيات؟
للأسف فإنّ جوائز الروايات العربية، على كثرتها اليوم، ليست خالصة لوجه الإبداع وحده، فثمة عناصر كثيرة تؤثر في اختياراتها، وأبرزها طبيعة لجان التحكيم وأولويات أعضائها ورؤيتهم للإبداع، وتأثرهم باهتمامات دون أخرى، ولم أرَ بعد من يرغب برؤية رواية روحانية الطابع، أو ذات بعد ماورائي، حتى النقد عازف عن تناول هذه الروايات أو الإشارة إليها، وما لم يكتب المرء في موضوع فاقع سياسي أو اجتماعي أو قضايا المحرّمات فإنّه لن يجد صدى لكتاباته اليوم، لكنّي لست يائساً وأؤمن بأنّ لكل شيء أوانه، وسيأتي من يهتم بمثل هذه الموضوعات في مجتمعاتنا العربية ويعطيها حقها.

اقرأ أيضاً: "سارة" عبّاس محمود العقاد: رواية الفتنة والغموض والأسرار
صحيح أنّ الغرب تناول مثل هذه المسائل منذ فترة طويلة ولها حضور هائل، ولنا في كتابات باولو كويلو، ودان براون أمثلة ساطعة، لكن معظم الكتاب العرب ما يزالون منشغلين باليومي والآني من الأحداث في كتاباتهم.
لم أكتب من أجل الجوائز ولا لإرضاء النقاد أو الحصول على دعم القراء بل لأن الأمر يتعلق برغبتي العميقة في طرح مثل هذه الموضوعات التي تبدو خاصة، لكنّها في النهاية تهمّ كلّ إنسان، وسيأتي اليوم الذي يتحمّس لها القراء، ويتعرفون على مثل هذه الطروحات التي طرحتها بشكل مبكر منذ العام 2006 في روايتي الأولى، ثم ما بعدها من روايات، وسيبدأون بمراجعة هذه التجربة التي ستنال أيضاً القراءة الكثيرة من النقاد، وهذا بعض ما في داخلي من الأمل الذي لن يطاله اليأس أبداً.

اقرأ المزيد...

الوسوم: