يوسف المساتي: شيوخ الموت يوظّفون الجنس لإقناع الشباب بالانتحار

يوسف المساتي: شيوخ الموت يوظّفون الجنس لإقناع الشباب بالانتحار
3262
عدد القراءات

2019-11-30

أجرت الحوار: إلهام الطالبي


قال الباحث في تاريخ الإسلام، يوسف المساتي، إنّ إيمانه بضرورة تحرير الفرد، وتسلّحه بعقل نقدي، جعل منه قادراً على تفكيك خطابات الجماعات المتشددة، حيث تحوّل من شاب سلفي إلى مهاجم للفكر المتطرف، غير مكتفٍ بالكتابة؛ بل يُتابع عن كثب الشباب في ورشات للمسرح والفنون بالأحياء الهامشية للتقرّب منهم والاستماع إليهم.

اقرأ أيضاً: كيف كشفت مواجهة التطرف عيوب جبهة الاعتدال؟
في حواره مع "حفريات" كشف تحوّله من مدافع عن الفكر المتطرف إلى مُدافع عن حرية الفرد ومهاجم لشيوخ الفكر السلفي، وما الذي يجعل من بعض الشباب أكثر قابلية واستجابة للفكر المتشدد؟ وكيف يُوظّف شيوخ الفكر المتطرف ثنائية "الجنس والخطيئة" في إغواء الشباب واستقطابهم؟
وهنا نص الحوار:
لا بدّ من وجود مشروع مجتمعي وفكري يُعيد الاعتبار للعقل النقدي

هل يُمكنك أن تقرّبنا أكثر من تجربتك مع الفكر السلفي؟
في الواقع؛ إنّ تجربتي متعددة الأوجه مع الفكر السلفي، لا أنفي أنّني في مرحلة عمرية معينة كُنت أعتقد أنّ سبب تأخّرنا راجع إلى عدم تطبيقنا لتعاليم الدين الإسلامي، كما تقدمها الأدبيات السلفية، وأنّ هذه القراءة هي الصحيحة والوحيدة للدين، من أجل النهضة والتقدم، وأننا ضحية حرب كبرى لا بدّ من أن نردّ فيها على الأعادي.

كيف انتقلت من مرحلة المتلقي إلى المدافع عن الفكر المتطرف؟

خطورة الفكر السلفي؛ أنّه يمزج بين المرحلتين، ذلك أنّك إذا تلقيته من دون قدرات ومعرفة نقدية، فإنّك في الآن نفسه تصبح مدافعاً عنه، وتتعدّد أشكال الدفاع بتقدمك في الإيمان بمعتقدات الفكر المتطرف، لكنّ الخطير هو حينما تتجاوز مرحلة الدفاع المعنوي أو اللفظي لتصل إلى مرحلة الهجوم على المختلف.
هل عشت صراعاً نفسياً عندما كنت تتبنّى الفكر المتشدّد؟
بالتأكيد، فأنا ابن أسرة مغربية تنتمي لذلك المغرب الجميل البعيد عن التطرف، أسرة عاشت جنباً إلى جنب جوار اليهود والنصارى والمسلمين، ملتزمين وغير ملتزمين، واللادينيين، ولم يكن الالتزام أو الانتماء الديني معياراً، أسرة يخرج بعض أفرادها لتأدية صلاة الجمعة، ويجتمعون لمشاهدة سهرة السبت في التلفاز، في هذا الوسط كانت الأسئلة تغمرني، لأعيش نوعاً من التمزّق الداخلي.

ما الذي ساهم في تحوّلك الفكري وانتقالك من سلفي مدافع عن الفكر المتطرف إلى مدافع عن حرية الفرد ومهاجم لخطاب الجماعات المتطرفة؟

إجمالاً يُمكن استحضار ثلاثة عناصر:

من يمارس الفنون والآداب والعمل المدني لا يمكن أن يظلّ معتنقاً للفكر المتطرف

- الوسط الأسري: وجودي ضمن أسرة بسيطة تمثل الوجه الجميل لتديّن المغاربة، البعيد عن كلّ مظاهر التطرف، والذي يعدّ العيش مشتركاً سمة متأصلة فيه.
- الفنون: في تلك الفترة التي بدأت فيها بالإيمان بالفكر المتطرف، كان من حظّي أنّ إحدى دور الشباب فتحت أبوابها حينها، فمارست المسرح والعمل الجمعوي، وكان لهما دور بارز في تغيير عدد من أفكاري، أنا وعدد كبير من أصدقائي، تغيرت قناعاتنا، فمن يمارس الفنون والآداب والعمل المدني، لا يمكن أن يظلّ معتنقاً للفكر المتطرف الذي يحمل منظومة قيمية معاكسة لكلّ هذا.
- التاريخ: في هذه المرحلة أيضاً بدأت بقراءة بعض مؤلفات الجابري وأركون، وإن كنت أبدي مقاومة في البداية لهما، لكن، وبحكم تخصصي فيما بعد في التاريخ واشتغالي على التاريخ الإسلامي، اكتشفت الفجوة الشاسعة بين ما يروَّج لنا والواقع، ووقفت على عمق التناقضات، شيئاً فشيئاً اتخذت مساراً مخالفاً.

كيف تنظر الآن إلى تلك المرحلة المتطرفة من حياتك؟

الآن، بعد كلّ هذه الأعوام (حوالي 16 عاماً)، أعتقد أنّها كانت مرحلة مهمة؛ لأنّها أتاحت لي فرصة مهمة لفهم كيف يفكر الآخر، ولفهم إستراتيجياتهم.
ما العوامل التي تساهم في تبنّي الشاب للفكر المتطرف؟
ليس من السهل تحديد عوامل التحوّل إلى التطرف، ولكن على العموم يُمكن القول إنّها مسألة يلعب فيها العامل النفسي دوراً مهماً، عادة ما يرتبط الأمر بعدد من الاحتقانات الداخلية، سواء المرتبطة بالفرد أو بالجماعة، والتي يستحيل تفريغها داخلياً. فمثلاً: "الوضعية العامة للمجتمعات الإسلامية المتسمة بالتقهقر والانحطاط؛ حيث أصبحت عالة على البشرية، غير منتجة، وتشرذم الكيانات الوطنية إثر الانهيارات المتتابعة، وسقوط الأحلام الكبرى حيث انهارت دولة الخلافة، تبعها انهيار مشروع الدولة القومية، ثم فشل مشروع الدولة الوطنية، يُضاف لهذا الانهيار الثقافي والقيمي الذي نعيشه، وغياب مشاريع فكرية ومجتمعية حقيقية، وغياب رؤية واضحة للمستقبل الفردي أو الجماعي، وأيضاً الفراغ الوجداني في ظلّ غياب تعليم الفنون وتشجيع المبادرة والإبداع، وتغييب أو قتل العقل النقدي".

اقرأ أيضاً: هل مواجهة التطرف تعني الانحياز إلى المعتدلين؟
في ظلّ هذه الأوضاع تأتي الحركات المتطرفة فتروج لحلم استعادة الماضي المجيد، وتخلق تصورات مثالية لهذا التاريخ وتتم أسطرته ليُصبح نموذجاً لمستقبل منشود، وتروج للعنف كأداة للتعبير عن الوجود، بل وتغييره، أو بتعبير هذه التيارات؛ إحقاق "الحقّ" و"الشرعية".
إنّ التحوّل صوب التطرف هو في عمقه محاولة تحويل مرارات الواقع وانتكاساته إلى أمل منشود.

كيف يُقنع شيوخ الفكر المتطرف الشاب بقتل نفسه وقتل الأبرياء؟

تختلف الأساليب التي يلجأ لها الشيوخ، باختلاف الدوافع والحالات، فهناك من يعتنقون الفكر المتطرف، لكنّهم لا يقدرون على الانتحار، وهناك من لا يجد صعوبة في الأمر، فالمسألة مرتبطة في شقّ منها بدوافع الفرد وإحباطاته وانتكاساته، ووجود قابلية عنده لتنفيذ هذا الفعل الإجرامي، فمن يُمارس أو يتبع الفنون والآداب، أو لديه عقل نقدي يصعب أن يقتل نفسه وآخرين معه، إلا في حالات خاصة.
لكنّ هذا لا يمنع من أنّ الشيوخ طوروا كثيراً من الإستراتيجيات العامة، على رأسها الجنس، قد يبدو هذا الكلام مفاجئاً للكثيرين.
كيف ذلك؟
تنطلق هذه الإستراتيجية من الترويج لخطاب أساسه التحريم والكبت، أو ما سماه الراحل فرج فوده "فقه النكد"، وهو ما يسمح لنا بفهم الحرب الشعواء التي يشنها الفقهاء المتطرفون على الحريات الفردية والفنون؛ لأنّها أداة هدم لما يشيدونه من كبت وقمع للذوات الفردية، وتحويل الإنسان إلى خاضع يحسّ بعقدة الذنب و"الخطيئة".

يقوم الخطاب الفقهي بتحويل المشاكل البيولوجية للشباب من الأرض إلى السماء لتصبح الجنة فضاء لتلبية الإنسان لحاجياته

يخلق هذا الأمر مشاكل عميقة عند الشباب على مستوى تواصلهم مع جسدهم وحاجياتهم البيولوجية والعاطفية، ليقوم الخطاب الفقهي بتحويل الاستيهامات والمشاكل البيولوجية للشباب من الأرض إلى السماء، من الواقع إلى المتعالي، هكذا تصبح الجنة فضاء لتلبية الإنسان لحاجياته، حيث أنهار الخمر واللبن والنساء، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
هكذا يقوم المتطرف، الانتحاري المفترض، بإسقاط لا شعوري للصور الإيروتيكية التي يحفل بها على الجنان ونعيمه، ويمكن أن نُلاحظ في هذا السياق كيف يطنب شيوخ الموت في وصف الحور العين والاستمتاع بهن، ورسم الخيالات التي يصبح الطريق للوصول إليها هو الانتحار وقتل الناس لغنيمة الشهادة.

ما الذي يجعل بعض الشباب بالمغرب فرائس سهلة للفكر المتطرف؟

غياب منافذ التعبير؛ فالشباب يحتاج إلى أن يُعبّر عن نفسه وعن احتياجاته، وإلى الإحساس بأنّه فاعل وليس مجرد مفعول به، وعندما لا يجد ذلك، وفي ظلّ سيادة ثقافة تقليدية، وقتل العقل النقدي، قتل الحس الجمالي، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وما سلف ذكره، فإنّه يصبح فريسة سهلة للفكر المتطرف.
هل بعد نهاية "داعش" سينتهي الفكر المتطرف أم نحن في حاجة ماسة إلى استئصاله من منابعه؟
سأكون متشائماً قليلاً بهذا الخصوص، وأقول إنّ "داعش" ليس النهاية، وإنّ القادم قد يكون أسوأ بكثير، طالما لم نجفّف المنابع الفكرية للفكر المتطرف، فإذا ما تتبعنا مسار الحركات المتطرفة نجد أنّها كانت تتطور بشكل تصاعدي من الجماعات الجهادية التي غزت مصر خلال ثمانينيات القرن الماضي، وصولاً للقاعدة، وأخيراً داعش والتنظيمات المتطرفة بسوريا والعراق، كانت الوحشية ترتفع، والتقنيات الموظفة تتطور، وبالتالي فالمعركة ضدّ التطرف هي معركة فكرية.
من خلال تجربتك؛ كيف يمكن أن ننقذ الشباب من الفكر المتشدّد؟
لا بدّ من وجود مشروع مجتمعي وفكري، يُعيد الاعتبار للعقل النقدي ويفتح الإنسان على الآفاق الإنسانية الرحبة، ويدعم الاجتهادات الفكرية والمشاريع الإبداعية، وهو أمر لا يُمكن أن يتم دون تعليم مبدع يشجع الفرد على البروز ويطور قدراته المعرفية.
وكي نبلور هذا المشروع المجتمعي؛ لا بدّ من نقاش مفتوح وصريح وجريء أيضاً خارج التمثلات المسبقة بين كلّ الأطراف المكونة للمجتمع، من أجل مجتمعات تخلق الحياة ولا تشجع ثقافة الموت.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



سناء هاشم: لماذا فشلت السينما المصرية بكشف حقيقة الإسلاميين؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2020-01-15

أجرت الحوار: منى يسري


قالت أستاذ السيناريو بالمعهد العالي للسينما في القاهرة، الدكتورة سناء هاشم، إنّه بالرغم من التاريخ الطويل للسينما المصرية، إلّا أنّها منذ بداية السبعينيات قد أخفقت في دورها التنويري، واكتفت بمناقشة قضايا اجتماعية، و"تشويه صورة النظام الناصري، بعد أن منحها السادات الضوء الأخضر".

السينما في جوهرها خطاب للمجتمع وليس لمجتمع متخيل في أذهان المحافظين تحت شعار السينما النظيفة

وأكدّت هاشم، في حوارها مع "حفريات"، أنّ السينما في مرحلة لاحقة منذ الثمانينيات والتسعينيات ناقشت قضايا الفكر المتطرف الذي سيطر على المجتمع و"لكن بسذاجة وسطحية، وجعلت من أبناء التيارات الإسلامية ضحايا للنظام السياسي الذي يحاول بشتى الطرق تشويه صورتهم، وهو ما وصل لأذهان البسطاء من المصريين".
وذهبت إلى أنّ "السينما بدلاً من أن تصبح حائط صد ووقاية من الفكر المتطرف، ساهمت في زيادته"، مؤكدةً أنّ الإخوان المسلمين لم يحركوا ساكناً أمام الموجة التكفيرية في التسعينيات، بل "استخدموها للمقايضة، ليعلم النظام والنخب المجتمعية، أنّهم البديل الأمثل عن التكفيريين".
ولفتت هاشم إلى أنّ ما تشهده الساحة السينمائية في مصر، منذ مطلع الألفية من انتشار أفلام الكوميديا "غير الهادفة" على حد وصفها، "ليس سوى نوع من أنواع الملهاة وغض للطرف عن الهزيمة التي تلاحق المصريين منذ نكسة 1967".
وهنا نص الحوار:

بداية تراجع السينما

تعد السبعينيات فترة حاسمة في تاريخ مصر والمنطقة، برأيك ما هو الدور التنويري الذي قدّمته سينما السبعينيات وما بعدها؟
الحقيقة أنّ السينما المصرية في السبعينيات لم تتطرق إلى أي قضايا تنويرية، ودعيني في البداية أفك الارتباط الحاصل بين السينما والسياسة؛ لأنّهما كما أرى وجهان لعملة واحدة، وكلاهما ينعكس على الآخر، وسأبدأ منذ الخمسينيات في الفترة التي بدأ فيها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر جعل صناعة السينما جزءاً من مهام الدولة، فتأسست الهيئة العامة للسينما المصرية في الستينيات، والتي أخذت على عاتقها الاهتمام بالصناعة، وترسيخ قضايا بعينها في نفوس الشعب، وامتزجت فيها السينما بالأدب، فصنعت العديد من الأفلام المأخوذة عن روايات مصرية مثل؛ روايات توفيق الحكيم وعبدالحميد جودة السحار وطه حسين ونجيب محفوظ ويوسف السباعي والكثير.

اقرأ أيضاً: السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه
آنذاك أخذت الأفلام تؤكد على القضايا الوطنية الراهنة، مثل؛ ترسيخ قيمة العمل لبناء الدولة الحديثة، كما رأينا في أفلام مثل؛ اللص والكلاب، مراتي مدير عام، وأصبحت تتطرق لقضايا الصراع الطبقي كما رأينا في فيلم الأيدي الناعمة، ورُدّ قلبي، إلّا أنّ الانهيار جاء سريعاً وتحديداً منذ منتصف العام 1971، حين أعلن السادات دعوته للانفتاح الاقتصادي، ثم تلاها بالقضاء على الهيئة العامة للسينما صاحبة الفضل في معظم تراثنا السينمائي.

توظيف سياسي للفن

تأسست الهيئة العامة للسينما المصرية في الستينيات
إذن، لماذا فعل السادات ذلك رغم ولعه المعروف بالسينما ولماذا لم يستخدمها لدعم قضيته كما فعل عبدالناصر؟

هذا لأنّ السادات لم يكن يحمل قضيّة متماسكة يمكنه البناء عليها، فمرحلة السبعينيات عالمياً حملت الكثير من التحولات بعد انتهاء ثورات التحرر الوطني في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأصبح الاستعمار عن طريق الانفتاح الاقتصادي، الذي قطع أوصال الدولة وارتباطها بمواطنيها، فكان على السادات أن يتخلى عن السينما، ويتركها مساحة مفتوحة لكل من يريد ارتيادها دون قيود، فبدأت مرحلة جديدة من السينما التي انقسمت إلى شقين: إمّا أنّها تطعن نظام عبدالناصر مثل؛ فيلم الكرنك، وعودة الابن الضال، أو مجرد هزل خالٍ من الطرح الفني.

اقرأ أيضاً: سينما "عامر" تنقل البهجة لأهالي غزة بعد توقف ربع قرن
لم يكن في تلك الحقبة شيء يذكر عن التحولات التي تجرى داخل المجتمع المصري من انتشار التيارات الإسلامية التي أطلق سراحها السادات في 1977 أعقاب انتفاضة الخبز، ليجد دروع أمنه تحميه من انتفاضة اليسار المصري، وبذلك كما يقولون "ضرب عصفورين بحجر واحد"، قضى على الشيوعيين، وروجّ لانفتاحه بقناع ديني، مرتدياً عباءة "الرئيس المؤمن"، كما أطلق على نفسه.

على ضوء ما أوضحت من فقدان القضية الاجتماعية، ماذا قدّمت سينما السبعينيات إذن لذاكرة المصريين؟

اتسمت سينما السبعينيات بالطابع السياسي، وكانت متفرغة لذم النظام السابق، فقد أطلق السادات العنان وقتها للناقمين على عبدالناصر وصلاح نصر، فرأينا فيلم الكرنك، زائر الفجر الذي سحب من دور العرض بعد بضعة أيام من عرضه نظراً لحساسية الفترة، حيث عرض في بداية كانون الثاني (يناير) 1973 قبل الحرب مع إسرائيل.

السينما المصرية في السبعينيات لم تتطرق إلى أي قضايا تنويرية وتفرغت لذمّ النظام السابق بتشجيع من السادات

كان المصريون ما زالوا مترنحين من وقع الهزيمة، ولم تُشفَ جراحهم من نكسة 1967، ولم نرَ أي تأثير لخطاب الإسلام السياسي إذ لم يكن ذا أهمية أو ثقل، فكان نطاقه محصوراً في جماعات صغيرة داخل القرى والمدن البعيدة عن المركز، حتى بدأت الحركة الطلابية الإسلامية في الإنتعاش داخل جامعة القاهرة، وأعلنت عن نفسها وأفكارها، ولم يكن هنا سوى إرهاصة واحدة بتغيرات المصريين ظهرت في فيلم "الحب قبل الخبز أحياناً"، العام 1977 للمخرج سعد عرفة، حين وجدنا الفتاة المتحررة التي تنخدع في حبها الأول، ثم تعود لرحاب شقيقتها المتدينة، التي تضع حجاباً على رأسها في نهاية الفيلم ليكون هذا الفيلم جرس الإنذار المقبل بالقادم الذي احتدم ظهوره في سينما التسعينيات.
السينما والإسلاميين
لماذا التسعينيات؟ ألم تشارك سينما الثمانينيات في رصد ما يحدث داخل المجتمع؟

بالطبع شاركت، ولكن إلى هنا لا تزال المشاركة محدودة، خاصة بعد ظهور موجة الواقعيين الجدد، في مقدمتهم عاطف الطيب ومحمد خان، الذين ركزوا على تفاصيل الإنسان المصري، واهتموا بمعاناته، فشاهدنا أعمالاً مثل البريء، وزوجة رجل مهم، وكذلك مساهمات محمد خان في الاهتمام بسينما المرأة وتصدير بطلات نساء.
كل هذا أضفى طابعاً مميزاً على سينما الثمانينيات، ولم يبدأ طرح قضايا الإرهاب الفكري الذي تعيشه مصر في السينما إلا في التسعينيات، وكان وحيد حامد وشريف عرفة ونادر جلال حاملي تلك الراية، من أفلام عزّزت من تواجد الإسلاميين، وجلبت تعاطف المجتمع لهم أكثر منها سينما تنويرية.

المخرج المصري محمد خان

ماذا كان السبب الرئيسي لتلك الموجة السينمائية في مرحلة التسعينيات التي تناقش قضايا الإرهاب التي تم التغافل عنها لعقود؟
إنّه نظام مبارك الذي فشل في إدارة العملية السياسية أكثر مما فشل السادات، فشاهدنا في بداية التسعينيات العنف الصريح ضد النخبة الثقافية بدأت باغتيال المفكر فرج فودة، ثم محاولة الاغتيال الفاشلة للأديب الكبير نجيب محفوظ، تبعها حادث الأقصر الذي كشف الستار عن العنف الممنهج الذي يمارسه الإسلامويين ضد المجتمع، ثُم باغتونا بحرق مقرات نوادي الفيديو في القاهرة والإسكندرية وقتل البعض من أصحاب تلك المحلات، فأعلنوا بذلك موقفهم الصريح من السينما والفن برمته.

اقرأ أيضاً: كيف حطمت سينما الواقعية الجديدة المحظورات في مصر؟
بالتوازي مع هذا فقد انسلخ تواجد الدولة بشكل كلي عن المجتمع، فتركته نهباً مباحاً أمام قوى الظلامية، ودعيني أقول إنّ السبب الرئيسي كان برنامج الإصلاح والتكيف الهيكلي الذي قدمّه صندوق النقد وبدأ تطبيقه في العام 1991، تبعه المزيد من الإفقار والتجهيل للمصريين؛ فالدولة أصبحت بحاجة لملهاة الناس للانصراف عنها، وعدم خروجهم للمطالبة بحقوقهم، ووفّر لها تيار الإسلام السياسي ذلك الدرع الواقي من غضب الناس، فاستطاع مبارك استخدامهم بحرفية أكبر من استخدام السادات لهم.

ألا  يمكن مراجعة موقف الإسلاميين من السينما مع أدبيات الإخوان المسلمين ورسائل حسن البنا التي لم تنكر السينما ولكن وضعت لها شروطاً؟
صحيح ما ذكرت، ولكن دعيني أوضح أنّ الفن لا يخضع لشروط، والإبداع لا يحتاج سوى للحرية كي يتدفق، ولكي نكون منصفين، فإنّ موقف الإخوان "المعلن" من السينما كان يبدو إصلاحياً بشكل كبير ولم يرفضها في المطلق، ولكن ماذا عن الجماعة الإسلامية التي ولدت من رحم الإخوان، أليست هي من حملت راية التكفير، وإباحة الدماء في تلك الفترة؟ إنها وبلا منازع من قتل المصريين والأجانب، وكفّر كل مَن لم يشبهها.

أفلام الثمانينيات والتسعينيات ناقشت بسذاجة وسطحية قضايا الفكر المتطرف الذي سيطر على المجتمع

لم يحرك أفراد جماعة الإخوان ساكناً أمام تلك الموجة التكفيرية، بل استخدموها للمقايضة، ليعلم النظام والنخب المجتمعية، أنّهم البديل الأمثل عن التكفيريين، لا سيمّا بعد استمالتهم للشرائح الأكثر فقراً وتهميشاً بإقامتهم لمشاريع خيرية، فأصبحت المجمعات الطبية، والتعليمية كلها تحت إشراف الإخوان ومريديهم، وأقيمت منافذ بيع سلع مخفضة لتخفيف العبء عن الأسر المتضررة، وخاصة في الريف والنجوع الصعيدية، الضحية الأولى لسياسات التهميش والدافع الأكبر لكلفة الصراع الطبقي في مصر. فلا يمكننا أن نلوم تلك الطبقات التي دانت بالولاء للجماعة، وهرعت إلى صناديق الاقتراع بعد ثورة يناير لانتخابهم في مجلس النواب، ظناً منهم أنّهم سيجنون ثمرة انتهاء فترة القمع والفقر الذي شهدوه.

انفصال عن الواقع
هل كان هذا إيذاناً بفشل سينما التسعينيات وما بعدها، بعد كل الموجة الهجومية التي قدّمتها السينما على مدار عقدين؟

بالطبع، هو كان نتيجة عكسية لمبتغى الفنانين، والسبب الرئيسي هو التسطيح والمبالغة والطرح المباشر بفجاجة في الأفلام، بدءاً من تقديم الإسلاميين بملابس بهلوانية لا وجود لها على أرض الواقع، إلى جانب طريقة حوارهم الفظة والتي تبدو من عصور أخرى، هذا لم يكن واقع الإسلاميين كما قدّمته السينما، ولكن كانت تصورات خيالية لصانعي تلك الأعمال، وهذا يعكس مدى انفصال المبدعين عن المجتمع، فلم يصبح الفن مرآة للمجتمع ولا شرائحه المتباينة، وإنّما مجرد أفكار سردية من خيال المبدع.
ويمكننا رؤية هذا من فيلم الإرهابي وطيور الظلام والإرهاب والكباب، كلها برأيي جعلت الناس مفتقدين للثقة في أي طرح سينمائي مقدّم، بل وصل إلى حد أنّ البسطاء اقتنعوا أنّ الدولة تحارب الدين والمتدينين، وتشوه صورتهم، ما جعل التعاطف معهم يتزايد، وبالطبع نجحت السينما في هذا الدور، حين اعتلى مقاعد البرلمان مع اقتتاحية الألفية مقاعد البرلمان المصري لأول مرة، ورأينا صور حملاتهم الانتخابية تحت شعارهم الشهير "الإٍسلام هو الحل"، في كل أركان البلاد، وشاهدنا احتفاء الناس بهم، كان على تلك النتائج أن تكون صيحة نذير للسينمائيين لتغيير خطتهم وما يقدمونه من محتوى.

السينما فن وصناعة لا يمكن أن تخضع لأطروحات البنا أو غيره

لكن يرى بعض النقاد أنّ أفلام مطلع الألفية قدّمت صورة أكثر واقعية للإرهاب، ألا تتفقين مع هذا الرأي؟
قد تكون أقل سذاجة من نظيرتها في التسعينيات، وأحسنها كان ما قدّمه المخرج محمد ياسين في دم الغزال العام 2006، لأنّه تطرق لدوافع الإرهاب القادم من الأحياء المهمشة، والإفقار والرفض الإجتماعي، ولم يكن هناك ترهل في الحوار أو الطرح كما أفلام وحيد حامد ونادر جلال.

معظم الأفلام التي عالجت الإرهاب صورت الإسلاميين ضحايا للنظام السياسي الذي يحاول بشتى الطرق تشويههم

بخلاف ذلك لم نملك تجربة ناضجة لسينما تنويرية حقيقية، تكشف ألاعيب الإسلام السياسي، حتى الطرح الذي قدّمه يوسف شاهين في أفلام مثل المصير، والآخر، كان أشبه بطرح سيريالي، لم يفهمه الناس، ولم يصل إلى الشريحة المشتبكة مع الإسلام السياسي، التي بوصولها إلى حقبة الألفينات، هجرت دور السينما، بل لم تعد تبالي بأي شيء سوى قوت يومها، الذي قدّمته لهم الجماعة الإسلامية.
ومع تزايد عنف نظام مبارك، والمجاهرة بمشروع التوريث، كانت السينما قد أفلست، وقدمت تجربة جديدة في فيلم عمارة يعقوبيان عن التطرف الإسلامي، الذي جسده الفيلم كرد فعل على قمع النظام، ولكن مُنع من العرض بعدها مباشرة، بسبب تسليط الضوء على وحشية الداخلية في التعامل مع المتأسلمين، ولدينا أيضاً تجربة عاطف حتاتة في فيلم الأبواب المغلقة، الذي جمع كل الأسباب من الفقر والتهميش وفشل الدولة، والحروب الإقليمية التي دفع كلفتها الأكثر فقراً فعززت بذور التطرف في نفوس النشء وجعلتهم فريسة سهلة للقيادات الإسلامية.

طرح أصحاب التوجه الإسلامي، خاصة بعد ثورة يناير، تقديم سينما نظيفة، مستشهدين بما تفعله السينما الإيرانية، هل هذا ممكن التحقق في مصر؟
لا مجال للمقارنة بين السينما المصرية والإيرانية، فالإيرانيون تحت سطوة قيود معقدة، يحاولون الفكاك منها، فينشغلون بتقنيات أخرى غير ما يصنع في مصر، ومصطلح "السينما النظيفة" مضلل للغاية، ولا شيء يسمى هكذا، السينما فن وصناعة، لا يمكن أن تخضع لأطروحات البنا أو غيره، وأي محاولة للعمل بهذا الشيء، فالناتج سيكون مسخاً وليس فناً؛ لأنّ السينما في جوهرها خطاب للمجتمع، وليس خطاباً لمجتمع متخيل في أذهان المحافظين.

للمشاركة:

الزغول: إيران عاجزة عن إنتاج أنموذج وشعبها تعب من الإسلام السياسي

2020-01-14

أجرى الحوار: عاصف الخالدي
قال الباحث الأردني محمد الزغول إنّ نجاحات إيران في المنطقة، ليست ناتجة بالأساس عن عوامل القوة الذاتية، بل هي حاصل استثمارها في أخطاء الآخرين، وأنّ مَكْمَن قوتها يتمثل في انتهازيّتها لا في جاهزيتها للهيمنة، وأشار في حواره مع "حفريات" إلى ضرورة إعادة تعريف الدور القطري تجاه العالم العربي بعد المتغيرات الأخيرة منذ "الربيع العربي" وظهور محور اعتدال عربي يحاول استعادة منظومة الدولة العربية.
وأكد رئيس وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات، أنّ معظم الشعب الإيراني تعب من الإسلام السياسي على النمط الخميني الذي لم يتمكن من تجسيد قدرات وطموحات الإيرانيين، "مع ذلك ثمة أطراف وفئات عربيّة لا تزال -للأسف- تراهن على المشروع الإيراني".

لم تنجح محاولات فرض الاعتدال والديمقراطية داخل إيران لأن أزمة النظام بنيوية تكمن في منظوره لنفسه وللعالم

يذكر أن الزغول مهتم بالشؤون الإيرانية والإقليمية، وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة طهران عام 2004، يكتب باللغتين العربية والفارسية. وله عدد من المصنفات والترجمات العربية والفارسية، وعدد كبير من المقالات والدراسات والأبحاث في الأدب السياسية والشؤون الثقافية في إيران والعالم العربي، وعمل خبيراً في الشؤون الإيرانية مع عدة مؤسسات عربية ودولية.
وهنا نص الحوار:

في ظل الأزمة الخليجية الحالية، كيف ترى الجهود العربية اليوم  خاصة الخليجية لمواجهة الخطر الإيراني؟
تشهد منطقة الخليج العربي اليوم أزمتين كُبرَيَيْن، من المُرجَّح أنْ ترسم نتائجُهما ملامحَ مستقبل المنطقة جيوسياسياً؛ التصعيد الأمريكي-الإيراني، والأزمة القطرية. وتتفاعل هاتان الأزمتان بطبيعة الحال مع باقي أزمات الشرق الأوسط وصراعاته التي يُغذي كل منها الآخر، أو يؤثر فيه.
ويتمثّل التحدي الأبرز في الأزمة القطرية بمسألة "إعادة تعريف الدور القطري" وفق المتغيرات الخليجية، والإقليمية، والدولية الجديدة، وهي مسألة معقّدة، تتطلب إحداث تغييرات جذرية في ديناميّات صناعة القرار القطري، وإعادة هيكلة المؤسسات القطرية التي تشكَّلت في أعقاب احتلال الكويت 1990، وساهمت في دخول الدوحة لاحقاً تحت مظلة الحماية الأمريكية المباشرة، واضطلاعها بدورها الحالي.

صفقة القرن مزعومة ولا يمكن التوصل إلى حل شامل للقضية الفلسطينية في عهد إدارة ترامب

أما أزمة النظام الإيراني، فهي داخلية أكثر من كونها إحدى إفرازات النظامَيْن الإقليمي والدولي، أو الاختلالات الكبرى في خريطة توازنات القوة العالمية؛ فقد ثبت بعد أربعة عقود تقريباً على "الثورة الإسلامية في إيران" أنها غير قادرة على تقديم أنموذج سياسي أو اقتصادي قابل للاستمرار، لا في محيطها الإقليمي المباشر، ولا في الفضاء العالمي الأوسع.
إن الرّغبة الإيرانية في التوّسع والنفوذ على مستوى الإقليم، ليست ناتجة عن فائض قوة اقتصادية وعسكرية لم يعد الداخل الإيراني يتّسع لها، بل عن إدراك صُنّاع القرار في طهران لوجود هشاشة في المحيط الإقليمي، وخاصة العربي، تسمح لهم بالتوسع، وتحقيق مكاسبهم ، أو تتطلّب منهم التدخُّل لحماية مصالحهم من تدخلات قوى أخرى.
وكل ذلك على الرغم من تفاقُم نقاط الضعف الذاتية في الداخل الإيراني. وبعبارة أخرى فإنّ نجاحات إيران في المنطقة، ليست ناتجة بالأساس عن عوامل القوة الذاتية، بل هي حاصل استثمارها في أخطاء الآخرين. وبالتالي فمَكْمَن القوة الإيرانية يتمثل في انتهازيّتها لا في جاهزيتها للهيمنة.
لكنّ الإقليم يشهد منذ ثلاث سنوات تغيُّرات في هذه المعطيات، فهناك محور اعتدال عربي (سعودي-إماراتي-أردني-مصري-بحريني-كويتي) تشكّل، وهو يعمل على استعادة "الدولة" العربية، وترميم "المنظومة" العربية.

رغم أزماته إلا أن النظام الإيراني سيصمد لوجود إرادة هائلة للقمع وتطوير قدرته على ممارسته

واليوم، يستشعر النظام الإيراني كذلك خطراً وجودياً بعدما قامت الولايات المتحدة بإعادة تعريف علاقتها معه وفقاً لمعادلة صراع واضحة، ولعلها المرة الأولى التي تعلن فيها الولايات المتحدة الأمريكية عن استراتيجية واضحة المعالم تجاه المسألة الإيرانية منذ العام 1979.

وبالنظر إلى المعادلات الإقليمية الناشئة عن تفاعُل الأزمتين؛ القطرية والإيرانية، في سياق المشهد الإقليمي والدولي، فإنّه من المرجح أن تتواصل الضغوط الأمريكية على مختلف أطراف الأزمة للوصول إلى حلول وسط، دون أن تصل هذه الضغوط إلى حدّ التأثير على استمرار العلاقات الأمريكية بهذه الأطراف.
لكنّ حقيقة أن الأزمة هي في قطر، وليست مع قطر، تفرض نسقاً معيناً من المسارات المستقبلية التي تتطلب درجة عالية من المرونة، ولذلك تعتمد خيارات طرف الأزمة الرئيس (قطر) على مدى الواقعية والعقلانية التي تتمتع بها القيادة السياسية، في الوقت الذي تعتمد فيه "واقعيةُ استجابات هذه القيادة" على حجم المحفزات والتسهيلات التي يقدمها باقي الأطراف (الدول المقاطعة)، بموازاة الضغوط السياسية والاقتصادية.

تؤثر الأزمة الخليجية ودور قطر فيها على التوافق العربي

إيران واستثمار الأزمة الخليجية

هل لمست أي محاولاتٍ إيرانية واضحة لاستغلال الأزمة الخليجية أو دعم طرفٍ من أطرافها؟
جاء استثمار إيران في الأزمة القطرية انطلاقاً من كون الأزمة وفرت فرصة مجانية لتحقيق أهداف إيرانية غير مرتبطة مباشرة بجوهر الأزمة، لكنها متعلقة بصراع الهيمنة الإقليمي. فقد وجدت طهران فرصة لإضعاف المنظومة الخليجية المتمثلة في "مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، ولذلك تركزت جهودها على إطالة أمد الصراع.
وبطبيعة الحال،حاولت إرباك المملكة العربية السعودية، وإشغالها بأزمات مُتعددة تُضعِف قدرتها على عرقلة الجهود الإيرانية للهيمنة الإقليمية، واتسعت خريطة الأهداف الإيرانية لتشمل أيضاً الحصول على التمويل القطري، خاصة في ظل النقص الحادّ في التمويل الذي تعاني منه إيران، والسعي لتحقيق مكاسب اقتصادية وتجارية متعلقة بزيادة التبادل التجاري، والخدمات اللوجستية بين قطر وإيران، هذا علاوة على الرغبة في تحقيق مكاسب سياسية في الملف السوري، أبرزها التقارب مع تركيا، وإضعاف الدور السعودي في الملف السوري.

يخطئ من يُفسّر تنسيق إيران مؤخراً مع تركيا وروسيا في المنطقة كإعادة نظر في سياستها الخارجية

ففي بداية الأزمة، حاولت طهران استكشاف فرص تحقيق مكاسب استراتيجية مثل الحصول على موطئ قدم داخل المنظومة الخليجية، لكنّ هذه المحاولة أخفقت، فقد فرضت الولايات المتحدة قيوداً صارمة على وتيرة التقارب الإيراني-القطري، وأُلزمت قطر بإبقاء العلاقات مع إيران في حدود احتياجات قطر اللوجستية للجانب الإيراني.
وبالنظر إلى خريطة الأهداف السابقة، يتضح أنّ طهران لم تحقق مكاسب سياسية أو اقتصادية مهمة نتيجة الوقوف إلى جانب قطر في الأزمة؛ إذْ فرضت الولايات المتحدة حدوداً ضيقة على التقارب القطري-الإيراني، ومنعت خروج قطر من "مجلس التعاون"، فاستأثرت تركيا بالحضور العسكري، واستأثرت عُمان بمعظم المكاسب الاقتصادية الناتجة عن تغيُّر حركة الملاحة والنقل بعد قرار المقاطعة.

اقرأ أيضاً: أنس القصاص: الأزمة السورية مغلقة حتى إشعار آخر

وما قيل ويقال عن ارتفاع التبادل التجاري الإيراني مع قطر بنسبة 60 بالمئة هو مجرّد تضخيم للواقع، ويتحوّل إلى أرقام صغيرة عند النظر إلى ميزان التبادل التجاري المتواضع جداً بين الطرفين قبل الأزمة. أما الموانئ الإيرانية التي خُصصت لنقل البضائع إلى قطر فهي هزيلة، وتعاني من ضعف القدرة الاستيعابية حتى قبل الأزمة، و"ميناء تشابهار" لا يزال تحت الإنشاء، وغير جاهز للاستخدام. وقد أظهر السوق القطري اهتماماً أكبر بالمنتجات التركية، وخاصة المحمولة جواً؛ ما جعل إيران مجرّد طريق عبور محدود الأهمية.
كيف تنجح إيران بتكريس سردية "محور المقاومة" في المنطقة على الرغم من تدخلها العنيف والصريح في مختلف الصراعات الإقليمية؟
دشَّنت ثورة 1979 حقبة من الصراعات الطائفية الحادة والاضطرابات في المنطقة. وفي حين ظهرَ أن معظم الشعب الإيراني تعب من الإسلام السياسي على النمط الخميني الذي لم يتمكن من تجسيد قدرات وطموحات الإيرانيين، مع ذلك، نلحظ اليوم أن هناك أطرافاً وفئات عربيّة لا تزال -للأسف- تراهن على المشروع الإيراني.
وأزعم أنّ الرهان على ما يسمى "النهضة الخمينية" في المنطقة العربية ينطلق من عُقدتين متجذّرتين في بعض الأوساط العربية؛ الأولى متعلقة بالكرامة، والأخرى متعلقة بالبقاء.

اقرأ أيضاً: إميل أمين: أمريكا لن تتوقف عن اللعب بورقة التطرف
إن شيوع شعور بالامتهان والإذلال نتيجة حقبة الاستعمار والإخفاقات العربية الكبرى طوال القرن الماضي جعل أعداداً كبيرة من الناس مستعدين لمناصرة كل من يحمل شعار استرداد الكرامة المفقودة. ولعل في ذلك تفسيراً لانجراف نسبٍ مرتفعة من المجتمعات العربية لتأييد أنظمة مستبدّة وتنظيمات متطرفة، وذلك قبل اتّضاح المآلات المفجعة لمثل هذا التأييد، التي عمّقت الخسارات العربية. وهناك أيضاً "عقدة أقلويّة" تطورت عند بعض الأفراد والجماعات من أتباع الأقليات الدينية والعرقية وبعض القوى السياسية في المنطقة، نتيجة إخفاقات بناء الدولة الوطنية، وبروز مخاطر الإسلام السياسي، وتنامي انتشار التنظيمات المتطرفة والإرهابية.

تحاول إيران استثمار عدم الاستقرار في بلدان "الربيع العربي"

إيران وحلفاؤها الواهمون

لكن، لماذا لا يمنع هذا قوى سياسية عربية (يسارية مثلاً) ترى في أذرع إيران كحزب الله، حليفاً ضمن ما يسمى محور المقاومة، كيف يمكن تفكيك هذه الرواية؟
لقد صعّدت إيران من الخطاب الطائفي في المنطقة بعد أحداث "الربيع العربي" بهدف الاستثمار في هاتين العقدتين في الشارع العربي، وقدمت طهران نفسها كـ"مركزية شيعية" متحالفة وحامية للأقليات في المنطقة. وعلى سبيل المثال، لم يجد النفوذ الإيراني قبولاً في المناطق ذات الأغلبية السّنية نتيجة لصبغته الطائفية، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، على الرغم من إصرار طهران على التدخل المباشر في هذه المناطق، واستخدامها أوراقاً قبليّة وعرقيّة متفاوتة فيها.

اقرأ أيضاً: خزعل الماجدي: المطلوب وقف الإسلام السياسي الذي يتلاعب بحياتنا ومستقبلنا
من جانب آخر، استفاد النظام الإيراني من انغلاقه، وصدّر أزماته بصورة معقدةٍ تجاه مراكز التفكير في العالم، وتجاه الدول التي تتقاطع بمصالحها وأمنها مع إيران؛ وعليه تمكّن النظام من ترويج قراءاته بالنسبة للمشهد السياسي الداخلي، وكذلك لأزمات منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد العام ٢٠٠١. ويمكن الاستشهاد بمثالين: قراءة اللوبي الإيراني في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية عن الإرهاب، وكذلك قراءته حول خيارات التعاطي مع الملف النووي؛ ما أفضى إلى توقيع الاتفاقية النووية بين إيران و مجموعة "5 + 1".

قدمت طهران نفسها كـ"مركزية شيعية" متحالفة وحامية للأقليات في المنطقة

ولعلّ حقيقة أن إيران دولة بلا أصدقاء في المنطقة والعالم، تُثبت بشكل قاطع أنها ليست مستعدة، أو أنّها ترفض، اتّباع نهجٍ مقبول دولياً في علاقاتها الخارجية. ولا يمكن النظر إلى علاقات إيران بوكلائها في المنطقة على أنّها علاقات صداقة، لأنّها ببساطة قائمة على الاستتباع. ويُخطئ من يُفسّر تنسيق إيران مؤخراً مع تركيا وروسيا في المنطقة كإعادة نظر في سياستها الخارجية؛ إذْ هو ليس إلّا مجرّد تحالف ضرورات لا يلبث أن يضمحلّ بنفس السّرعة التي تشكّل بها.

هل تعاني إيران انقساماتٍ داخلية حادة بعد التحركات الأمريكية الأخيرة ضدها بخصوص الاتفاق النووي؟

تشير الاحتجاجات الأخيرة، وتلك التي سبقتْها في الأعوام 1991 و1995 و1999 و2009، إلى تآكلِ شرعية النظام الإيراني، وتفاقمِ الأزمات الهيكلية الداخلية، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تدللُ على إخفاق "النموذج الإيراني".
وتعاني إيران من ثلاث أزمات مركبة ومتداخلة: أزمة الهوية، وأزمة بناء الأمة-الدولة، وأزمة نموذج بناء القوة. ولا يمكن التوصل إلى فهم دقيق لإيران دون تفكيك هذه الأزمات البنيوية التي تحكم نظرة النظام إلى نفسه وإلى العالم.
ولعلّ أحد مظاهر الأزمة الهيكلية في إيران، حالةُ التصارع بين مراكز القوة المتعددة في النظام، والتضارب في المصالح بين أركانه؛ ومن ذلك التنافس بين مؤسسات الثورة، ومؤسسات الدولة؛ فمؤسسة رئاسة الجمهورية، ممثلةً بحكومة حسن روحاني، تعبّر عن توجهات تكنوقراطية حداثية، وتسعى إلى إعادة انخراط إيران في العالم، وهو ما يتناقض مع توجهات "الحرس الثوري".

تعاني إيران من ثلاث أزمات مركبة ومتداخلة: الهوية وأزمة بناء الأمة-الدولة وأزمة نموذج بناء القوة

وتنعكس أزمة النظام الداخلية، وحالة الصراع بين تياري الدولة والثورة، على السياسة الخارجية التي تتسم بالتناقض والتعقيد؛ ففي السنوات الأخيرة تراجع دور وزارة الخارجية في صنع هذه السياسة، ودخل "الحرس الثوري" كطرف فاعل فيها، وهيمن على ملفات إقليمية (كالعراق وسوريا ولبنان واليمن)، ومن تداعيات هذه الازدواجية في مراكز اتخاذ القرار بين مؤسسات الثورة والدولة غياب ثقة الدول بالحوارات والتفاهمات والاتفاقيات مع الحكومة الإيرانية.
لقد مثّلت الاحتجاجات الأخيرة تجلياً لمركب الأزمات في إيران، وبيّنت خطأ كل الرهانات على أنّ حل أزمة الملف النووي ستتبعه بالضرورة حلول لأزمات إيران الداخلية، وأنّها ستساهم بإعادة رسم المشهد الداخلي نحو الاعتدال والانخراط البناء مع النظام الدولي، وبرأيي أن كل تلك الافتراضات كانت مُسيّسة وموجهة، وبعيدة عن واقع المشهد داخل إيران؛ لأنّ أزمة النظام الإيراني أزمة بنيوية تكمن في منظوره لنفسه وللعالم.

عنف إيران ليس إلا تضخماً لأزمة داخلية

كيف تنعكس أزمات النظام الإيراني الداخلية على سياسته الخارجية؟ وهل يتأثر الداخل الإيراني بالصراعات الطائفية التي يخوضها النظام إقليمياً؟

هناك علاقة تبادليّة بين سلوك إيران الخارجي وأزمتها الداخلية، فكما يجب النظر إلى سلوك إيران الخارجي على أنه انعكاس لـ"أزمة الهوية والنموذج"، ليس من شك في أن صراعات الإقليمية، وبخاصة الصراعات ذات الصبغة الطائفية منها، كان لها انعكاساتها الداخلية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بما يعمق هذه الأزمة؛ وصحيحٌ أن اقتصاد إيران لم يدخل مرحلةً حرجةً بعدُ بسبب مواردها الغنية، لكنّ كُلفة الصراعات الإقليمية تمنع رخاءها الاقتصادي، وتُضعِف قُدرتَها على إرضاء الغاضبين والمهمّشين في الداخل، وهم كثيرون.

اقرأ أيضاً: سعيد ناشيد: الإسلام السياسي دمر مفهوم الوطن بشعارات دينية جياشة
وبالنتيجة يمكن القول إنّ سياسات إيران الخارجية لا تخدم بالضرورة الاستقرار الداخلي الذي تقول قيادتها السياسية إنّه يتعرّض للتهديد، وإنّها تريد أن تدافع عنه، ولا شكّ أنّ الاستقرار شرط أساسي لتحقُّق الازدهار الاقتصادي سواء في إيران أو غيرها.
في المقابل، على الرغم من كل الأزمات التي يمرّ بها النظام الإيراني والاحتجاجات المتتالية التي شهدها، إلّا أنّه يملك قدرة على البقاء والتحايل على تلك الأزمات، لأسباب موضوعية عدة، أهمها وجود إرادة هائلة لدى النظام للقمع، وتطوير قدرته على ممارسة هذا القمع، وعدم وجود انشقاقات جذرية داخل طبقة الحكم، فضلاً عن غياب الدعم الخارجي لأيّ تغيير داخلي.
ويزدادُ التحالف الحاكم المكوّن من مؤسسة "بيت القائد"، ومؤسسة "الحرس الثوري" سطوةً، مع سيطرته على كل مفاصل البلاد العسكرية والاقتصادية والمالية والإعلامية، فضلاً عن حالة التمدُّد الإقليمي للنظام، ومع ذلك فهذا لا يعني أن إيران أضحت أكثر قوة أو منعة.. لقد أثبت التاريخ أنّ هذا النوع من الأنظمة لديه قابلية للانهيار بشكل دراماتيكي ومفاجئ جداً في أحيان كثيرة.

لو ابتعدنا عن إيران قليلاً، لا تنفك وسائل إعلام مختلفة وسياسيون من بعض الدول يلوحون بـِ"صفقة القرن" ويربطون دولاً عربية بها، ما رأيك؟
لا شكّ بأن هناك إرادة أمريكية صلبة، وموافقة ضمنية من القوى الدولية الكبرى، على حفظ التفوُّق (الإسرائيلي) في الإقليم، وأيُّ طرف إقليمي يسعى إلى تغيير هذا الوضع، سيحتاجُ إلى كسر هذا الإجماع أولاً، وهو ما لم يتحقق لغاية الآن. ولا توجد مؤشرات على إمكانية تحقُّقه في المدى القريب. هناك من يذهب إلى الاعتقاد أنّ المنظومة العربية التي عرفناها بعد الحرب العالمية الثانية في طور التلاشي والزوال، وأنّ هناك "شرق أوسط جديداً" بدأ يتشكل وفق مفاهيم جديدة؛ ولذلك فإنّ أيّ حلول في ظل هذا الاختلال الكبير في موازين القوة لن تكون "عادلة بما يكفي" لاستدامتها، كما أنّ الأطراف التي يُعتقد أنّها معنية بتوقيع هذه الصفقة المزعومة تفتقر إلى الكفاءة أو الجاهزية للوصول إلى مثل هذه الصفقة.

تنعكس أزمة النظام الإيراني الداخلية على السياسة الخارجية التي تتسم بالتناقض والتعقيد

أزعم أنّه لا يمكن التوصل إلى حل شامل للقضية الفلسطينية في عهد إدارة ترامب لأسباب عدة؛ أهمها الأزمات الداخلية التي يعاني منها أطراف الصفقة المفترضة؛ فالإدارة الأمريكية الحالية مأزومة في الداخل الأمريكي، وغير قادرة على فرض حلول قاسية على إسرائيل، كما أنّ نتنياهو يواجه أزمته الداخلية هو الآخر، وكذلك الأطراف العربية، فهي في وضع هشّ، لا يسمح لها بتاتاً بتقديم تنازلات بحجم "صفقة قرن" أو إلزام الشارع العربي بها.

كيف تقرأ الواقع العربي حالياً؟ وهل ثمة حلول ممكنة في المدى المنظور بخصوص الأزمتين السورية واليمنية؟
هناك متغيرات مهمة في الإقليم؛ لاعبون دوليون جدد في المنطقة، فروسيا أصبحت لاعباً ذا أهمية كبيرة في الشرق الأوسط، ولم تعد الولايات المتحدة ساذجة فيما يخص إيران بعد ذهاب إدارة باراك أوباما.. اليوم أمريكا أكثر دهاء، وفاعلية، وجرأة في المنطقة، وأيضاً أكثر انحيازاً للقراءة (الإسرائيلية) للمشهد. وإيران باتت في حالة ضعف مقارنةً بما كانت تشعر به من قوة على المسرح العالمي، بصرف النظر عن تشنجات زعمائها وتصريحاتهم النارية. (إسرائيل) أيضاً لديها مشكلاتها وإن كانت تبدو في وضع أفضل، لعل أحد أهم إشكالات المنطقة تتعلق بالافتقار إلى "نموذج" جاذب للعيش، أو قابل للاستمرار. المشاريع الإقليمية المتناحرة كلها مأزومة داخلياً فضلاً عن أن تكون قابلة للتصدير خارجياً.

على قطر أن تعيد تعريف دورها في المنطقة والعالم العربي حتى لا تقف في وجه التضامن العربي

ووفقاً للمحددات التي أشرت إليها في إجاباتي السابقة، يمكن القول إنّ مستقبل علاقات التعاون والتنافس، أو الصراع بين الأطراف الإقليمية، تحكمه نتائج "طموحات غير واقعية" لبعض القوى الإقليمية، وبالتالي فإن الطرف الذي يمتلك واقعية وبراغماتية أكثر، وغروراً وأيديولوجيا أقلّ، هو الذي سوف يستمرّ في المنطقة، دون إغفال أهمية عناصر القوة والضعف الذاتية. ويمكن القول إنّه أمام دول "محور الاعتدال العربي" فرصة تاريخية حقيقية للتوسُّع في بناء القوة واستدامتها، وبالتالي منافسة المشاريع الإقليمية الأخرى بقدر أكبر من القوة والفاعلية.

اقرأ أيضاً: الإدريسي: لن تهدأ المنطقة إلا بإسقاط المشروع الإخواني الأردوغاني

للمشاركة:

العلّامة الشيخ محمد العاملي لـ "حفريات": إيران شوّهت الدين وخرّبت السياسة

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2020-01-08

أجرى الحوار: كريم شفيق


يرى العلّامة الشيعي اللبناني، محمد علي الحاج العاملي؛ أنّ إيران شوهت الدين وأفسدت السياسة، لافتاً إلى أنّ الوضع السياسي اللبناني في مرحلة تغيير حقيقية، تستهدف الطبقة السياسية الحاكمة، التي قامت سلطتها بناء على اتفاق "الطائف"، في المرحلة التي تلت انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وما ترتب عليهما من قيام نظام حكم طائفي، ينهل من المحاصصة الطائفية.

الاحتجاجات ساهمت في فضح مفاسد السلطة، في العراق أو في لبنان، وهذا ما سيؤدي لتغيير على مستوى الطبقة الحاكمة

ويوضح العاملي، في حواره مع "حفريات"؛ أنّ الاحتجاجات التي شهدتها بيروت وبغداد، تسعى نحو تقويض مفهوم تطييف السياسة، وإلغاء نفوذ طهران الأيديولوجي والأمني والعسكري في المنطقة، واستعادة حقوق المواطنين المنهوبة، تحت وطأة الصراعات الإقليمية، ووقف اقتصاد الحرب الذي يهدر الأموال على الحروب وصناعة الميليشيات.
ويطالب االشيخ الشيعي اللبناني الدولة في لبنان بإلغاء المحاكم الجعفرية، وإعادة النظر في منظومة القيم القانونية والفقهية السائدة، التي تحتاج إلى التحديث والتطوير، إضافة إلى استعادة الدولة لسيادتها المتآكلة، بغية تطوير وبلورة مفهوم دولة القانون، وردم الهوة بينها وبين المواطنين، على أساس قيم المواطنية والمدنية؛ حيث لا تدع ثمة فرصة إلى الأحزاب الطائفية، كحركة أمل وحزب الله، لتمارس التمثيل السياسي للطائفة الشيعية وتعمل على احتكاره.

وهنا نصّ الحوار:

ثمّة مقاربات عديدة تجري حول الاحتجاجات في بيروت وبغداد وارتباطها بالتوغل الإيراني عبر وكلائها المحليين في كلا البلدين، الأمر الذي ترتّبت عليه جملة من الأوضاع المتردية سياسياً واجتماعياً وأمنياً؛ كيف تفسّر لنا هذا الحال لو اتفقت معه؟
لا يحتاج الأمر إلى كثير كلام؛ حيث إنّ تجربة الإسلاميين الشيعة في لبنان والعراق لا تتشابه تحدياتها الراهنة فحسب، بل إنّها تجربة تزامنت فترة نشوئها في كلا البلدين، كما يمكننا إضافة الجانب الإيراني لهما أيضاً؛ حيث الارتباط الوثيق بين هذه المحاور الثلاثة، وهذا أمر غير خافٍ على أحد، وبنظرة فطرية بريئة، نرى أنّ الاحتجاجات هي أضعف الإيمان، وليس من داعٍ للتدليل على أحقية مطالب الناس المعترضة، بعدما تخطّت السياسة الإيرانية كلّ الخطوط الحمر، بتجاوزاتها في تعاطيها بالشؤون الداخلية اللبنانية والعراقية، بل والسورية أيضاً.

اقرأ أيضاً: مأزق الدولة الدينية في إيران.. هل يحتضر نظام الملالي فعلاً؟
وعلى كلّ حال، هناك قاسم مشترك في سلسلة الاحتجاجات التي تريد كسر الهيمنة الإيرانية، وسطوتها على القرار السياسي في بعض العواصم العربية، مثلما هو الحال في سوريا ولبنان واليمن؛ حيث رفض إهدار الأموال في الحروب الخارجية، والصراعات الإقليمية، ووقف اقتصاد الحرب لتدشين الميليشيات، وصناعة الأزمات الطائفية، بينما تعيش الشعوب والمجتمعات، في طهران كما في غيرها، تحت وطأة خطاب سياسي وأيديولوجي زائف، وتعاني من البطالة والحرمان من الخدمات الاجتماعية والصحية، مما أفقد خطابها الإقليمي والمحلي مصداقيته وشرعيته.

 

 

في ضوء ذلك، هل ترى فعلاً أنّ نظام الولي الفقيه استطاع في بيروت وبغداد مثلاً ابتلاع الطائفة الشيعية، وتقديم نفسه باعتباره الممثل لهم سياسياً، وتعبئتهم في خطابه الأيديولوجي والاستحواذ عليهم من خلال تطييف السياسية وتوظيف الرأسمال الرمزي للدين؟

نجحت إيران بالتغلغل إلى عمق المجتمعات الشيعية في العديد من الدول، رغم عدم تمكنها من إحكام السيطرة على كامل مفاصل المجتمع الشيعي، وأبرز ما تجلت قوتها فيه هو الفصيل العسكري في لبنان، وهذا الشأن لا يمكننا اعتباره إيجابياً بالكامل، بل هو سيف ذو حدين، بأحد وجوهه مصدر قوة لإيران، لكنّه بالعمق يمثّل وبالاً عليها وعلى أتباعها.

أنا لا أقبل بالنظام المدني فحسب؛ بل كنت من دعاة قيام هذا النظام، على أن يكون إلزامياً وموحداً لكل اللبنانيين

كما يعاني اللبنانيون، رغم توقيع الفرقاء على اتفاق الطائف عام 1989، والذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، بعد أزمة داخلية سببها الصراع على السلطة، والمكاسب السياسية والمغانم المادية، من أزمة محتدمة ومتفاقمة في ظلّ تطييف السياسة، ومسألة المحاصصة الطائفية التي حوّلت السياسة لعملية إقطاعية، تقتات من المذهبية، وكون الشيعة جزءاً من الكيان اللبناني فإنّ معاناتهم مزدوجة، في ظلّ سيطرة هذا الواقع وتلك الحالة.
ويمكن القول، من جهة ثانية؛ إنّه كان يمكن لإيران أن تقتصر على علاقات سياسية واجتماعية وثقافية مع البعض، ولكان ذلك مصدر قوة حقيقي، لكن أهدافها التوسعية، وتدخلها في الشؤون الداخلية لبلداننا، مع إنشائها لمجموعات وفصائل عسكرية وأمنية، انعكس سلباً علينا، كما أنّه حدّ من وطنية وقيمة المجموعات المرتبطة بها.

اقرأ أيضاً: الحوثيون وطهران: كيف أصبح اليمن مجالاً لحركة النشاط الثوري الإيراني؟

واللافت أنّ محاولات عدة سعت لتدشين أكثر من حراك، بهدف التغيير، وهي محاولات إصلاح داخل البيت الشيعي، خاصة في الفترة التي تلت عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان، إلا أنّ الفريق الشيعي اللبناني ظلّ بعيداً ومتخلفاً عن بقية الأطراف اللبنانية، في ثورتها ضدّ الوجود السوري في لبنان؛ حيث قامت شخصيات شيعية متنوعة، تتفق على أمر واحد، وهو مناهضة توجه الثنائي الشيعي، المتحالف مع النظام السوري وإيران، حركة أمل وحزب الله، بمحاولة الإصلاح والتغيير؛ حيث قاد هذه المحاولة "اللقاء الشيعي اللبناني"، الذي تشكل بعد اغتيال الرئيس الحريري، عام 2005، وأطلق وثيقة تأسيسية بالكلية العاملية، في بيروت، برعاية العلّامة السيد محمد حسن الأمين، وحضور حشد من الشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية، والعاملين في الشأن العام.
الاحتجاجات في لبنان وتحديداً في الجنوب والنبطية والضاحية وهي مناطق تمركز حزب الله وحاضنته الاجتماعية؛ هل تبرز في رأيك تآكل لقاعدته الشعبية وفقدانه الشرعية؟

اقرأ أيضاً: العراق ولبنان: من يقتل الشيعة؟
واضح أنّ البيئة العامة التي كان يعتمد عليها الحزب قد تغير مزاجها، وأنّ الوعي في تزايد، فالانحدار في طور مستمر منذ أكثر من عشرة أعوام، وفيما يخصّ حالات الاحتجاجات في المناطق الشيعية، سواء في الجنوب اللبناني أو في البقاع، فإنّها لا تعبّر عن كلّ الواقع ومجرياته؛ إذ تمّ قمعها في بعض الأماكن، والسيطرة عليها ولجمها في أماكن أخرى.

ومن الضروري أن ننتبه إلى أنّ القوة الظاهرية للشيعة في لبنان، تعود حصراً بسبب الهيمنة السياسية لحزب الله، وقوة السلاح الذي بحوزته، لكن ثمة ضعف يتغلغل في العمق الشيعي عبر العجز الذي تعاني منه مؤسساته الدينية والثقافية والاجتماعية، فضلاً عن التراجع الذي يتحكم في نشاطها؛ فقوة الثنائي الشيعي في لبنان وأدوارهما السياسية والميدانية أضعفت عن عمد باقي المؤسسات، وألغت فعاليتها وأدوارها، حيث يبقى طرف واحد فقط هو المعبر عن الشيعة سياسياً واجتماعياً.
لكن هناك بعض الأنشطة التي نسعى لأن نتيحها في ظلّ هذا المناخ الصعب والمعقّد للعب دور إصلاحي، وبهدف تغيير الواقع القسري، منذ حوالي أربعة عقود، وفي الفترة بين اختطاف السيد موسى الصدر، وانتصار الثورة في إيران.

ماذا عن وضع اتفاق الطائف في ظلّ تعالي الأصوات المنددة بالمحاصصة الطائفية والإقطاع السياسي وفساد النخبة الحاكمة والرغبة في قوانين مدنية للفكاك من سيطرة الطائفة وقوانينها؟
الطائف ليس مقدساً، والنظام السياسي الطائفي الراهن من أسوأ ما يكون، والمفترض البحث جدياً عن نظام مدني بالكامل، بما فيه اعتماد نظام موحّد مدني إلزامي للأحوال الشخصية، وفكّ ارتباط السلطة اللبنانية بكلّ المؤسسات الدينية اللبنانية، حيث إنّ الثنائي الشيعي نجح في تشويه صورة رجالات الشيعة القدامى، سواء كانوا من رجال الدين أو السياسيين، لكنّ الصورة التي رسمها هذا الثنائي لأسلافهم من قادة الطائفة، قد تغيّرت وتبدّلت إلى النقيض مع تجربتهم في الحكم، خلال المرحلة الماضية.

اقرأ أيضاً: لبنان واجتثاث الطائفية
وتنبغي الإشارة إلى أنّ القوى المدنية والشعبية في المجتمع اللبناني، باتت تدرك في ظلّ الحراك الراهن، أنّ قيم المواطنية والمدنية هي وحدها السبيل لعزل الطبقة السياسية الحاكمة، وإلغاء مصادر شرعيتها؛ حيث أطالب الدولة اللبنانية في كلّ مساهماتي الفكرية ومشاريعي الإصلاحي بتعقّب مناطق الخلل، والقيام بواجباتها المنسية، والتي تعاني تحت وطأتها من الانفلات وعدم الانضباط، كوضع حدّ للاحتراب الأهلي والصراع الطائفي، التي تتوافر كلّ شروطه، إضافة إلى منع الخطاب التحريضي الذي ينتشر في أكثر من طائفة، وفي أكثر من منطقة، فما المانع من أن تضع الدولة حدّاً لرجال الدين الذين يثيرون العصبيات والفتن؟
كما ينبغي على الدولة منع انتشار السلاح، على مستوى كلّ الوطن دون استثناءات؛ حيث تنتشر في لبنان الأسلحة على أنواعها وبكلّ المناطق.

سبق وتحدثت عن الفساد في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى؛ ما هي أبرز مصادر وأشكال الفساد ومن المسؤول عن حمايتها من المساءلة والنقد والحساب؟

في الأساس؛ وجود هذا المجلس هو خطأ، وليس من حاجة إليه، ولا يؤدي أيّ دور إيجابي، بل تنحصر وظيفته، هو وغيره من المؤسسات الملية في ترسيخ النظام الطائفي.
ويمكن الكشف عن فساده على أكثر من مستوى، منها تعطيل الانتخابات العامة، منذ أكثر من أربعين عاماً؛ حيث أعاد رئيس المجلس تعيين نفسه بنفسه وهو فوق السنّ القانونية، ومن ثم تعيين ابنه خلفاً له، وهي ممارسات لا تخضع للقوانين التي تحكم عمل مؤسسات المجلس، بشكل عام، والإفتاء الجعفري والقضاء الجعفري، بشكل خاص، وقد رصدت لهما الدولة مبالغ من ضرائب المكلف اللبناني، بلغت عام 2018 أكثر من 29 مليار ونصف مليار ليرة لبنانية، مما يجعلها خاضعة للمساءلة والمحاسبة من قبل أيّ مواطن لبناني.

اقرأ أيضاً: اللبنانيون يعرفون من أوصلهم للتسول
كما أنّ عمل تلك المؤسسات يبدو منحازاً لجهات شيعية ضدّ أخرى، وتعمد إلى التفريط بأوقاف وممتلكات الطائفة وغيرها، وبينما نصت المادة 174 من قانون الملكية العقارية على أنّه "لا يجوز بيع العقار الموقوف ولا يجوز التنازل عنه لا مجاناً ولا ببدل، ولا انتقاله بطريق الإرث، ولا يجوز رهنه، أو إجراء تأمين عليه"، إلا أنّه قد حصل بيع للعديد من المساجد والأوقاف.
وسبق أن طالبت مؤسسات الدولة الرقابية والنيابة العامة المالية التحرك لمحاسبة المتسببين بإهدار المال العام، كما وجّهت بضرورة استثمار أموال الأوقاف في مواردها، والاهتمام بشؤون الفقراء والمساكين، فضلاً عن إلغاء الوظائف التي لا طائل منها، حفاظاً على المال العام، مثل وظيفة "مدرسي الفتوى" التي يشغلها عشرات الأشخاص دون أن تكون لها أيّة صلاحية أو منفعة.

 

 

هل يمكن القول إنّ الكتلة الشيعية متجانسة وتتعاطى كلّها مع وجهة النظر السياسية التي تؤيد المواقف لحزب الله وإيران ونظام الجمهورية الإسلامية؟
المجتمع الشيعي اللبناني غني جداً، وفيه كثير من الكفاءات والطاقات، وقد يبدو للوهلة الأولى أنّه من لون واحد، لكن بنظرة فاحصة دقيقة يظهر العكس، ويتضح أنّ عوامل القوة التي يحظى بها البعض تجعل الأمور تبدو وكأن السيطرة تامة على الشيعة بلبنان، وهنا لا ينبغي تجاهل الدور السلبي للطوائف غير الشيعية، التي تساهم بشكل وازن وكبير ومباشر، عن قصد أو بدونه، في بلورة الأحادية لدى الشيعة، بل يمكننا القول إنّهم يساهمون في توجيه الشيعة لتوثيق الارتباط بإيران.
قبل الجمهورية الإسلامية كانت تتعدّد المرجعيات الدينية الشيعية في الفقه والسياسة، وذلك قبل أن يؤبّد الخميني مرجعية الولي الفقيه فجرى تأميم باقي الآراء الحوزوية لحساب السياسة وتعرض المخالفون للاعتقال أو القمع إلى أيّ حدّ أصاب العمى السياسي والأيديولوجي واقع الشيعة على مستوى الفكر والممارسة؟
قبل انتصار الثورة في إيران واتجاهها لتأسيس كيان ديني سياسي، كانت حوزة جبل عامل، بالحدّ الأدنى، تتمتع بجملة مواصفات علمية وفكرية مميزة، منها الانفتاح وإعمال العقل، والتنوع، والمستوى العلمي الرفيع، وكلّ هذه الأمور تلاشت مع نشر الثقافة الإيرانية. والانحراف الكبير كان بزجّ الدين في السياسة، الأمر الذي شوّه الدين وخرّب السياسة، ثم كانت الأحادية في الزعامة الدينية، وفي هذا الإطار شهدنا سياسة قمع واضطهاد لعدد من كبار العلماء والمراجع في إيران.
ويبقى المطلوب هو السعي نحو الفصل التام بين السياسة والدين، وتالياً ينتفي الكلام حول ولاية الفقيه من أساسه، فإنّه ليس من المطلوب أن يكون للفقيه أيّ دور سياسي إطلاقاً، بوصفه فقيهاً، أما كمواطن فله الحقّ التام بممارسة دوره المواطني.

 

 

 

هناك حركة حقوقية نسوية في لبنان ضدّ أحكام المجالس الشيعية والمحكمة الجعفرية والتي تتصل بوضع المرأة وحضانتها لأطفالها؛ ما هو، في رأيك، السبيل كي تسترد المرأة حقّها المسلوب ومدى ضرورة تعديل هذه الأحكام التي تبدو مجحفة؟
سبق أن طالبت بإلغاء المحكمة الجعفرية، فالمشكلة تكمن بكون المحكمة الجعفرية في لبنان لم تطور نفسها إطلاقاً، هذا في الوقت الذي يتحدث فيه الشيعة عن كون مذهبهم مذهباً يفتح باب الاجتهاد، وفي الواقع ثمة جمود عقائدي يتمثل في الالتزام بحرفية النصوص، دون أيّة محاولة للتجديد في فهم هذه النصوص بما ينسجم مع روحية العصر.

اقرأ أيضاً: "حزب الله" يتلاعب بديمقراطية لبنان
كما أنّ تأسيس المحاكم الجعفرية في لبنان له خصوصية تاريخية؛ حيث جاءت منسجمة مع طبيعة النظام اللبناني الذي سمح لكلّ طائفة بأن تكون لها قوانينها وأحكامها "الطائفية"، وتنظيم أحوالها الشخصية بحسب المذهب، فلم يكن تأسيس المحكمة الجعفرية بطلب من علماء الشيعة.
والأصل في الأمور؛ أنّ علماء الشيعة كانوا يرفضون دوماً تولي منصب القضاء الشرعي، ومن المعروف أنّ رئاسة محكمة التمييز الجعفرية، قد عرضت على الشيخ حسين مغنية، في العشرينيات من القرن الماضي، لكنّه رفضها، ولذا لا نلاحظ أيّ اهتمام بالقضاء، بشكل كبير، من جانب علماء ومراجع الشيعة.

اقرأ أيضاً: الثورة اللبنانية والتنانين الأربعة
وفي كلّ الأحوال؛ نحن بصدد جهاز قضائي لم يتم تطوير أجهزته وقوانينه، فضلاً عن القيم التي يحكم بها؛ إذ تنبغي إعادة النظر بالمنظومة التي يحتكم إليها في المجمل، رغم أنّ تنظيم القضاء الشرعي، صدر منذ أكثر من نصف قرن، وتحديداً في العام 1962، إلا أنّ الشيعة لم يشعروا قبلها بأيّ خلل أو ضعف.

واضح أنّ البيئة العامة التي كان يعتمد عليها الحزب قد تغير مزاجها، فالانحدار مستمر منذ أكثر من عشرة أعوام

وأخيراً، يمكن القول إنّ تأسيس محكمة شرعية ضمن المجلس الشيعي هو أمر في غير مكانه، وهناك حالات تفلت عديدة في الإطار نفسه؛ حيث صار لدينا مكتب شرعي في مؤسسة السيد فضل الله، ومكتب شرعي للشيخ النابلسي في صيدا، وهذا أمر يعكس فوضى وانفلاتاً شديدين.
وفي تقديري؛ يجب تطوير أنظمة محاكمنا الشرعية، كما يجب إغلاق المحاكم الخاصة، والإبقاء على محكمة الدولة الرسمية، خاصة بعد أن تراكمت حالات تعسف وظلم كبيرين تعرضت لهما المرأة، فيما يتعلق بحقوقها بعد الطلاق، وحرمانها القسري من رؤية الأطفال، وفي ظلّ غياب الثقافة الشرعية ليست هناك ضمانات للمرأة لحفظ حقوقها، كمثل أن تكون وكيلة نفسها في أثناء عملية الطلاق، على سبيل المثال.

هل تقبل بقانون مدني للأحوال الشخصية بدلاً من المحاكم الشرعية وقوانينها باعتبارها ضمن الميراث السياسي لحكم الطائفة وهيمنتها المذهبية على أفراده؟

أنا لا أقبل بالنظام المدني فحسب؛ بل كنت من دعاة قيام هذا النظام، على أن يكون إلزامياً وموحداً لكل اللبنانيين، كما أشرت سابقاً، بل أكثر من ذلك؛ فقد أكون العالم الديني المسلم الوحيد في لبنان الذي طالب بالنظام المدني الإلزامي، وقد بتّ ألحظ وجود صدى في الوسط الديني الإسلامي، آخذاً بالنمو شيئاً فشيئاً، ولو أنّه ما يزال في طوره البدائي؛ حيث إنّ شؤون الأحوال الشخصية هي من التنظيمات الاجتماعية التي لنا أن نجتهد في تعديلها وتطويرها بما يتلاءم مع مصلحة البشر، ونظامنا الراهن، الذي يطلق عليه أنّه نظام ديني، بينما هو في حقيقته أبعد ما يكون عن فهم روحية الدين، نتيجة تعقيداته.

اقرأ أيضاً: اغتيال سليماني.. هل يوثر في تشكيل الحكومة اللبنانية؟
في حين أننا نرى أنّ النظام المدني أكثر انسجاماً مع روحية الفكر الإسلامي؛ لذا فإننا لا نترك مناسبة إلا وندعو فيها لإلغاء هذه المحاكم من أساسها.
كما لا يخفى على أحد أنّ الذهنية السائدة في مجتمعاتنا هي ذهنية ذكورية بامتياز، وتأثيرات هذه الذهنية لا يسلم منها بعض رجال الدين، إذا لم يكونوا أكثر ذكورية أحياناً من سواهم! وهذا ما يؤدي لهذه الحساسية الراهنة لدى الجمعيات النسوية، مثلاً، التي في رأينا تقوم بدور جليل، ولا شكّ في أنهنّ سيصلن إلى مبتغاهن، وفي تقديري، سنشهد حركة إصلاحية جراء الانتفاضة الشعبية الحالية بلبنان.

بين 7 أيار عام 2008 و2019، في الأولى احتلّ حزب الله بيروت واقتحم مقرات حزب المستقبل وغطى تمثال رفيق الحريري بأعلام الحزب، ثم محاولاته الأخيرة لبعث تلك المشاهد من خلال الاعتداءات المتكررة والمنفلتة على المتظاهرين لإرهاب المتظاهرين؛ ما هو الثابت والمتحول في المشهدَين، مع الوضع في الاعتبارين السياقَين التاريخي والإقليمي في اللحظتين؟

هذه مساوئ متوقعة من الأحزاب العسكرية التي تحاول العمل السياسي في المجتمعات الديمقراطية؛ فتنطلق من قوتها العسكرية لتفرض نفسها سياسياً، وهذا ما حصل بالفعل، والفارق بين المشهدَين أنّه في السابق كان يمكن إعادة ترتيب الأمور، فقد كان وضع الطبقة الحاكمة مقبولاً إلى حدّ ما، أما اليوم فالانهيار يصيبها بالصميم، وهي آيلة للسقوط، والشعب لم يعد يتحمل الفساد والابتزال السياسي، وفي هذا الجوّ المشحون بالعداء والسلبية، جاء الاعتداء على المتظاهرين السلميين، الذين ينتفضون بشكل حضاري.

اقرأ أيضاً: العراق هدف أمريكا وإيران
وإذا كان ٧ أيار موجهاً ضدّ فريق سياسي واحد؛ فإن مواجهة المتظاهرين اليوم تشكل تحدياً للشعب اللبناني بأكمله، ولن يلتئم هذا الجرح الوطني في المدى المنظور.
ناهيك عن تبدل المعطيات الخارجية، التي لم تعد لصالحهم إطلاقاً، انطلاقاً من وضع إيران الذي لا تحسد عليه، مروراً بأزمة سوريا التي ترخي بظلالها على هذا المحور، وليس انتهاء بتفاقم الأزمات المحلية اللبنانية؛ وكلّ هذا مرشح ليترجم على أرض الواقع في القريب العاجل.
برأيك؛ ما سيناريوهات الاحتجاجات ومآلاتها في بغداد وبيروت في ظلّ الأوضاع الإقليمية المعقدة؟ وهل سيتقلص نفوذ طهران أم ستراجع ذاتها؟
من الصعوبة بمكان تحديد إجابة، فما تزال الأحداث بالشارع تجعلنا نتفاجأ بمآلات ونتائج جمة، لكن من الواضح أنّ مشهد العنف سيتفاقم، والأطراف جميعها لا تتراجع عن مواقعها، وبمعزل عن تقييم التظاهرات، وعن الحديث عن إمكانية نجاحها، لكنها حققت الكثير من الأهداف، وساهمت في فضح مفاسد السلطة، سواء في العراق أو في لبنان، وهذا ما سيؤدي لتغيير على مستوى الطبقة الحاكمة.

للمشاركة:



المسماري يكشف مموّل نقل المرتزقة إلى ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

قال المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسماري؛ إنّ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ينقل أسلحة وإرهابيين متعددي الجنسيات إلى ليبيا، للقتال بجانب حكومة الوفاق في طرابلس.

وأضاف المسماري، في مؤتمر صحفي عقده، أمس: "أردوغان هو المسؤول الأول عن انتشار الإرهاب في أوروبا"، مشيراً إلى أنّ "تركيا في الفترة الماضية زودت الوفاق بمنظومة دفاع جوي أمريكية الصنع"، وفق ما نقلت صحيفة "المرصد" الليبية.

وأكد المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي؛ أنّ تركيا أرسلت الآلاف من المقاتلين المرتزقة للقتال في ليبيا؛ حيث تمّ نقل أكثر من 2000 إرهابي من سوريا إلى ليبيا، بالإضافة إلى ميليشيات لواء سمرقند، وسلطان مراد، ونور الدين زنكي، وعناصر إرهابية أخرى تمول من قطر، وذلك عن طريق مطارَي معيتيقة ومصراتة، موضحاً أنّ قاعدة معيتيقة أصبحت قوة عسكرية تركية خالصة.

المسماري: تركيا أرسلت الآلاف من المقاتلين المرتزقة للقتال في ليبيا بتمويل من دولة قطر

وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قد صرّح بأنّ بلاده ستبدأ بإرسال قوات إلى ليبيا لدعم حكومة الوفاق، برئاسة فايز السراج.

وتشهد العاصمة الألمانية برلين، اليوم، مؤتمراً دولياً حول الأزمة في ليبيا، بمشاركة زعماء مسؤولين من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والإمارات وتركيا والكونغو وإيطاليا ومصر والجزائر، إضافة للأمم المتحدة.

وكانت وسائل الإعلام قد عرضت تسجيلاً مصوراً لمقاتلين سوريين على متن طائرة ركاب ليبية في طريقهم إلى العاصمة الليبية للمشاركة في القتال إلى جانب ميليشيات الوفاق.

 

للمشاركة:

انهيار القطاع السياحي في إيران

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

يعيش قطاع السياحة الإيراني أسوأ أيامه بعد حادثة الطائرة الأوكرانية، التي اعترف الحرس الثوري بإسقاطها قرب طهران، حيث أعلن رئيس اتحاد مكاتب السياحة والسفر في إيران، حرمت الله رفيعي، إلغاء ما لا يقل عن 60% من الرحلات السياحية الدولية إلى إيران.

وقال رفيعي، في تصريح أدلى به لوكالة العمال الإيرانية للأنباء (إيلنا)، أمس: "بعد حادث إسقاط الطائرة الأوكرانية ألغت شركات السياحة الأمريكية والكندية 100% من رحلاتها إلى إيران، فيما تم إلغاء 80% من الرحلات السياحية القادمة من أستراليا ومنطقة أوقيانوسيا، ومن أوروبا تمّ إلغاء 60%، ومن آسيا أيضاً تمّ إلغاء 60% من الرحلات السياحية المتجهة إلى إيران".

حرمت الله رفيعي يعلن إلغاء ما لا يقل عن 60% من الرحلات السياحية الدولية إلى إيران

وكان رفيعي قد أعلن، في وقت سابق، عن طلب إلغاء 70% من الرحلات السياحية إلى إيران.

وفي سياق متصل، أكّد المساعد في دائرة السياحة والتراث الثقافي التابعة لمحافظة فارس، جنوب البلاد، مؤيد محسني نجاد؛ أنّ الأحداث الأخيرة في المجالَين العسكري والسياسي أثرت على القطاع السياحي الإيراني.

وقال محسني نجاد: "جميع السياح الأجانب الذين كانوا قد حجزوا غرفاً في الفنادق الموجودة في هذه المحافظة لعطلة رأس السنة الإيرانية، قاموا بإلغاء حجزهم نظراً للأوضاع الراهنة".

ولفت المسؤول الإيراني في قطاع السياحة إلى أنّ "السياح الخليجيين القادمين إلى إيران، قاموا أيضاً بإلغاء حجز فنادقهم في المحافظة".

كما أعلن محسني نجاد؛ أنّ نسبة الحجز في فنادق المحافظة في الوقت الراهن تصل إلى 5% فقط، واصفاً ذلك بـأنّه "كارثة على أصحاب الفنادق".

وكان الحرس الثوري قد اعترف بأنّه أسقط الطائرة الأوكرانية بصاروخ بعد أن كشفت بعض التقارير الاستخبارتية الكندية والأمريكية ذلك.

 

للمشاركة:

الإمارات تتصدر عربياً..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

كشف تصنيف عالمي جديد لأفضل الدول في العالم لعام 2019 تصدّر دولة الإمارات في ترتيب 8 دول عربية، اعتماداً على معايير الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة والتاريخ والمواطنة.

واحتلت الإمارات المرتبة الأولى عربياً، والـ 22 دولياً، متقدمة على روسيا والبرتغال وتايلاند، وجاءت السعودية الـ 31 دولياً، فيما جاءت مصر في المرتبة الرابعة عربياً والـ 36 دولياً، واحتل المغرب المرتبة الخامسة عربياً والـ 40 دولياً، وفق وكالة وام.

ويصدر هذا التصنيف بشكل سنوي عن الموقع الأمريكي "US News and World" بالشراكة مع مجموعة "BAV"، وجامعة بنسلفانيا الأمريكية.

الإمارات تحتل المرتبة الأولى عربياً والـ 22 دولياً في الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة

وأظهر التصنيف أنّ سويسرا ما تزال أفضل بلد في العالم للسنة الرابعة على التوالي، في حين جاءت كندا في المركز الثاني، متجاوزة اليابان التي هبطت إلى المركز الثالث، بعد أن كانت في المركز الثاني خلال السنة الماضية.

وحلّت ألمانيا في المرتبة الرابعة، تليها أستراليا، أما أسفل الترتيب الذي شمل 73 دولة فقط، فجاء لبنان تتقدمه صربيا، ثم عُمان وبيلاروس وتونس.

هذا وقد أشاد وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، بتصدر بلاده أفضل الدول عربياً في العالم، بمعايير الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة والتاريخ والمواطنة.

وكتب على حسابه في "تويتر" الليلة الماضية: "تصدّر الإمارات عربياً لأفضل الدول في العالم لعام 2019، تصنيف "يو إس نيوز آند وورلد ريكورد" وجامعة بنسلفانيا، اعتماداً على معايير الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة والتاريخ والمواطنة أمر طبيعي، في ظلّ السياسات التي ننتهجها، ومن المهم تعزيز موقعنا عالمياً".

 

 

للمشاركة:



"التويتريون" العرب في مواجهة تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

محمود حسونة
نجح النظام التركي في إشعال الشارع العربي غضباً عليه؛ جرّاء ممارساته العدوانية، وتدخله المباشر وغير المباشر في شؤون أكثر من دولة عربية؛ من خلال مؤامراته، لضرب استقرار دول نجت من موجات «الخريف العربي»، والسعي لاقتطاع أجزاء من دول، واحتلال أخرى نالت من استقرارها هذه الموجات، والتحكم في قرار دول تسعى للتعافي من مخلفات زمن الفوضى والغضب المبرر وغير المبرر في عالمنا العربي.
الممارسات التركية فضحت أهداف أردوغان ونظامه أمام مختلف فئات الرأي العام العربي، وبدلاً من أن تقسم الشارع أو تخلق فجوة بين الحكام والمحكومين، زادتهم التحاماً، فنجم عنها إرادة شعبية وسياسية موحدة؛ للتصدي للمؤمرات التركية، وتحطيم أحلام حفيد العثمانيين على أكثر من صخرة عربية.
وإذا كانت محطاتنا التلفزيونية، ووسائل إعلامنا لم توفَّق في التصدي لموجات الابتزاز والاستفزاز القادمة من أنقرة وإسطنبول، والتي تبثها محطات تركية ومحطات عربية مأجورة، فإن شبابنا نجحوا في التصدي والرد، قولاً وفعلاً، بالتعبير عن الرأي الفاضح لمؤامرات العثماني الجديد؛ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والحملات التي ينظمونها في أكثر من دولة عربية؛ لمقاطعة كل منتج في تركيا، ووقف السياحة العربية إلى هناك.
التويتريون العرب الذين يتصدون لأوهام أردوغان، ومزاعم نظامه وحلفائه من الإرهابيين، لا يعرفون لغة الكلام الأجوف؛ لكنهم يعبرون عن آرائهم مصحوبة بالمعلومات والأرقام والفيديوهات والجرافيك، وكأنهم أصبحوا هم من يحترفون الإعلام، ويدركون كيف يجب أن تكون الرسالة؛ كي تحقق هدفها.
حملات تويترية على أردوغان ونظامه ومنتجاته ومعالمه السياحية في أكثر من قطر عربي، بعد أن ورط نفسه بأفعاله المثيرة للغضب، والمستنكرة من كل غيور على بلده في دول عربية عدة، وآخرها تونس التي وضعه شعبها على القائمة السوداء؛ بعد محاولته الزج بها في أتون معركته؛ للسيطرة على القرار والنفط والغاز والأرض الليبية؛ وقبل تونس كانت ليبيا التي لقنته دروساً، وأعادت إليه جنوده الذين أرسلهم لجس النبض في نعوش طائرة؛ وقبل ذلك كان السعوديون الذين لم يرضهم استثماره السيئ لواقعة مقتل خاشقجي، وأيضاً الإماراتيون الذين لا يكف الإعلام التركي عن محاولات النيل من قياداتهم، غيرة وحقداً؛ بعد تصدرهم وحكومتهم ودولتهم مؤشرات واستطلاعات الأفضل إقليمياً وعالمياً، أما حكاية أردوغان مع مصر وأهلها فقد تحولت إلى مجلد متخم الصفحات ابتداء من دعمه للإرهاب على أرضها، واحتضانه للمناوئين لاستقرار الدولة ولقنوات الأكاذيب التي لا تكف عن التضليل ليل نهار، وليس انتهاء بمحاولات تهديد أمنها القومي بحراً وبراً من الجنوب؛ عبر بوابة «سواكن»، وغرباً بالتدخل في ليبيا، وشمالاً عبر البحر المتوسط، وشرقاً بدعم الإرهاب في سيناء. ناهيك عن السوريين والعراقيين وغيرهم.
وفي مصر، شباب وفتيات في عمر الزهور يجوبون شوارع القاهرة؛ لتوزيع منشورات «قاطعوا التركي»، ويتضمن المنشور 10 أسباب؛ منها: رداً على سياسات أردوغان العدائية ضد مصر، ورداً على قراراته بالتدخل العسكري في ليبيا، وعلى احتضان تركيا لقيادات جماعات «الإخوان»، ودعمه العمليات الإرهابية ضد الدولة المصرية، والتدخل في سوريا.
هذه الأسباب تختصر السياسات التركية تجاه مصر والدول العربية، وتكشف عن مدى وعي الأجيال الشابة بما يرتكبه النظام التركي من حماقات تجاه أمتنا، وما يحيكه من مؤامرات؛ لإغراقها في الفوضى التي يمكن أن تحقق له أوهامه، وأوهام قيادات جماعات الإرهاب الذين يحتضنهم أردوغان، وتحتويهم دولته التي حولها إلى مصنع كبير؛ لإنتاج العنف والقتل والتخريب وتصديره إلى بلاد العرب.
انتفاضة هؤلاء الشباب ضد من يمس بكرامة بلدهم، وبلاد العرب؛ تبعث فينا أملاً بأن الغد أفضل، وأن هذه الأوطان ستكون بين أيديهم مستقبلاً أحسن حالاً؛ لإدراكهم أن الوطن هو أغلى ما لدينا، وأننا أمة واحدة، وجسد واحد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
وعلى تويتر «هاشتاجات» وصفحات عدة تدعو لمقاطعة كل ما هو تركي، وتتضمن رؤى سياسية واقتصادية واجتماعية واعية، ومتابعة لكل تصريحات السياسيين الأتراك ضد بلادنا؛ بل ومفندة للمغالطات والسموم التي تتضمنها مقالات صحفية تركية، إلى جانب فضحها لأكاذيب الفضائيات التركية والمرتزقة من المصريين الذين خانوا الأهل والوطن، وارتضوا أن يكونوا جنوداً في كتائب أردوغان الإعلامية والإلكترونية؛ لهدم المعبد العربي والسعي لتحقيق أوهام السلطان الحفيد.
الغريب أن كل ذلك يحدث في الشارع، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وفضائياتنا تكتفي بمخاطبة ذاتها.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

هل زرت وادي ميزاب في الجزائر من قبل؟.. شاهد أبرز معالمه

2020-01-19

لن يُصدّق السائح الذي يزور وادي ميزاب الساحر للمرة الأولى، أنّه قد يتوه داخل ما اعتقد أنّه مجرّد واحة في وادٍ عميق وضيق؛ إذ إنّ الوادي الزاخر بالتنوّع التاريخي، والذي تمّ تصنيفه ضمن التراث الوطني الجزائري وأُدرج في قائمة التراث العالمي لليونسكو، ينطوي على كم هائل من المعالم والمواقع التي ترجع إلى حقب تاريخية مختلفة.

ويضم الوادي، الواقع في الصحراء على بعد حوالي 600 كلم من جنوب العاصمة الجزائرية، 5 قُصور تاريخية تتوزع على مسافة 10 كلم على طوله، تتخللها الواحات وعدد هائل من المعالم التاريخية التي تتميز في هندستها المعمارية المدهشة؛ حيث بُنيت على هضاب وتضاريس وعرة للغاية، رغم بساطة معدات السكان وأدواتهم في ذلك العصر.

تاريخ الوادي

يعود تاريخ وادي ميزاب إلى ما قبل التاريخ، وتحديداً إلى العام 5000 قبل الميلاد؛ إذ عثر علماء الآثار على صناعات حجرية ونقوش صخرية ومعالم جنائزية ترجع إلى العصر الحجري الحديث، بحسب ما نقله برهان نور الدين عن مديرية السياحة والصناعات التقليدية لولاية غرداية الجزائرية. 

اقرأ أيضاً: أم درمان.. موت مدينة المهدي المقدسة
أمّا المُدن التي تُشكّل الوادي اليوم، فقد شيّدها الميزابيون الأمازيغ في القرن الحادي عشر، بعد قدومهم من مدينة "تاهرت" والتي تُعرف اليوم باسم "تيارت"، وهي مدينة جزائرية كانت عاصمة لما عرف قديماً بالمغرب الكبير؛ حيث غادرها الميزابيون بعد أن شب حريق ضخم في مساكنهم، واستقروا في الوادي الذي بنوا فيه مجموعة من المدن المحصّنة، لتشهد على جهود أجدادهم المبذولة لبناء حضارة الوادي.

مدن محصنة
تعتبر كل مدينة من مدن وادي ميزاب بمثابة قلعة مُحصنّة، شُيّدت لتكون حصناً منيعاً؛ إذ بُنيت جميعها على هضبة يتوسطها مسجد، يُمثّل آخر خط للدفاع عن المدينة في حال تعرضت للغزو أو الحصار؛ حيث تُخزن فيه الأسلحة والغذاء، وتحيط به المنازل على شكل حلقات ضيقة نزولاً حتى جدران المدن.
وتُمثّل مدينة غرداية، التي أُنشئت عام 1053 للميلاد، المدينة الرئيسية في الوادي، فهي عاصمة الميزابيين. ويتميّز قصر هذه المدينة بأزقته الضيقة. وفضلاً عن مسجد المدينة العتيق، تُمثّل ساحة السوق وواحات النخيل، ومقبرة "عمي سعيد" أبرز معالم المدينة.

مدينة غرداية

أمّا المدينة الأقدم بين مدُن الوادي، فهي مدينة "العطف"، أو "تَاجْنينْتْ" بالأمازيغية، والتي تمّ تشييدها قبل ما يزيد عن الألف عام؛ في 1011 للميلاد، ويتميّز قصر هذه المدينة بطابعه المعماري الخاص، فضلاً عن المتحف الذي يضم الأدوات التقليدية القديمة، كما تنضوي المدينة على مجموعة من المعالم السياحية، كساحة السوق، ومصلى الشيخ إبراهيم بن مناد.

مدينة العطف

يلي مدينة "العطف" من حيث تاريخ البناء، مدينة أُخرى تُسمّى بالأمازيغية "آت بنور"، وتُعرف باسم "بنورة"؛ حيث بُني قصر هذه المدينة، والذي يتمركز على ربوة جبل محاذٍ للوادي، عام 1064 للميلاد.

يعود تاريخ وادي ميزاب إلى ما قبل التاريخ إذ عثر علماء الآثار على حفريات ونقوش ترجع إلى العصر الحجري الحديث

وتُعدّ مدينة "بني يقزن"، التي تأسست عام 1321، وسُمّيت نسبة إلى القبيلة التي سكنتها، أكثر مُدن الوادي غموضاً، لما تحويه من قصور مُقدّسة، وهي أشد المدن حفاظاً على أصالتها الميزابية؛ حيث كانت تغلق بواباتها مع حلول الظلام ولا يسمح لغير قاطني المنطقة بدخولها، وظلت كذلك حتى وقت قريب. وأهم ما يميّز هذه المدينة هو سورها الدفاعي الذي يُحيط بها، والذي لا زال موجوداً حتّى اليوم.

وآخر هذه المُدن، التي تقع على مقربة من بعضها البعض، هي مدينة مليكة، التي تمّ إنشاء قصرها عام 1355 للميلاد. ويستطيع الزائر لقصر "مليكة" رؤية غرداية وبني يقزن من هناك، نظراً لعلوها الشاهق. ويُعدّ مصلى "سيدي عيسى" أشهر المعالم في هذه المدينة.
وبالإضافة إلى المدن السابقة، أنشأ المزابيون مدينتي "القرارة" و"المنيعة"؛ حيث تقع الأولى على بعد 110 كلم، وتبعد الثانية 270 كلم، عن ولاية "غرداية" التي تضم المدن الخمس الشهيرة.

صورة جوية لمدينة العطف

تنظيم اجتماعي محكم وثقافة مُحصنة من العولمة

صُممت المدن المزابية لتخدم مبدأ العيش المشترك والحياة الاجتماعية المتساوية؛ إذ أقيمت المنازل قرب بعضها البعض، تفصلها أزقة صغيرة مسقوفة بالغالب لاحترام خصوصية كل أسرة.

اقرأ أيضاً: "تمبكتو" مدينة الأولياء وإرهاب القاعدة
وتتجلى حضارة وادي ميزاب في حفاظ أهله على دينهم الإسلامي وعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة، التي لم تتأثر بمحيطها الخارجي، حيث ظلت محافظة على ثقافتها، وعلى التناسق والتناغم في تركيبتها السكانية.
وقد اختار الميزابيون الصحراء هرباً من طرق القوافل والجيوش الغازية؛ إذ إنّ اعتناقهم للمذهب الإباضي، الذي ينسب إلى عبدالله بن إباض التميمي، ويطلق على أنصاره اسم "أهل الدعوة والاستقامة"، جعل منهم عرضة للاضطهاد، حتّى أنّ بعض المذاهب اعتبرتهم من الخوارج.

ساحة السوق في مدينة بني يقزن
نساء وادي ميزاب
تعرف نساء وادي ميزاب بحشمتهن، حيث قال "جوناثان أوكس" في دليله للسفر إلى الجزائر؛ "ستجد هنا أنّ كل النساء يلتزمن بتقليد لبس (الحايك)، وهو قطعة كبيرة من القماش تلف فيها المرأة جسمها ووجهها، تاركة العينين فقط لتتم رؤيتهما".

يمنع أهل مدن ميزاب تصوير النساء قطعياً ويعتبرون تصوير المرأة جريمة شرف سيواجه مقترفها غضباً عارماً

وتسمح تقاليد الوادي للفتاة غير المتزوجة بإظهار وجهها، وبعد زواجها عليها إخفاؤه وإظهار عين واحدة فقط، وإذا ما تعرضت إحدى هاته النساء لنظرات الرجال ستجدها تشبثت "بحايكها" وتشده على جسدها، لتضمن عدم ظهور أي شيء منه.
وسرى تقليد فيما مضى، حيث تواجه المرأة الجدار مباشرة في حال تقاطع طريقها مع طريق أحد الرجال الغرباء عند سيرها في أزقة المدن وطرقها المسقوفة، ولم يعد الأمر كذلك اليوم، إلا أنّ زائر هذه المدن سيلاحظ أنّ المرأة الميزابية ستفعل المستحيل لتجنب نظرات المارة، وستقوم بتغيير طريقها إذا ما شعرت أنّ رجلاً قادماً تجاهها، ويمنع أهل مدن ميزاب تصوير النساء قطعياً؛ إذ يعتبرون تصوير المرأة جريمة شرف سيواجه مقترفها غضباً عارماً.

للمشاركة:

محللون موريتانيون: الأطماع التركية في ليبيا تهدد أمن المنطقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

إبراهيم طالب

انتقد محللون وخبراء موريتانيون تدخلات تركيا في المنطقة العربية، وخصوصا تدخلها العسكري في ليبيا، وأكدوا أنها تؤدي لزعزعة الأمن والاستقرار ويعكس مطامعها التوسعية في المنطقة.

وجاءت ذلك خلال ندوة نظمها المركز العربي الأفريقي للتنمية في موريتانيا تحت عنوان "التدخلات الأجنبية في الوطن العربي.. التدخل التركي في ليبيا نموذجا"، بمشاركة واسعة من الطيف السياسي والإعلامي والفكري بالبلاد.

واستعرض مدير المركز ونقيب الصحفيين الموريتانيين أحمد سالم ولد الداه، خلال مشاركته في أعمال الندوة، تاريخ التدخلات الأجنبية في الوطن العربي، مشيرا إلى أن مرحلة ما يسمى "الربيع العربي" أدت إلى زعزعة أمن واستقرار المنطقة العربية من ليبيا إلى سوريا وما تلها من اقتتال كبير على المصالح والنفوذ بين القوى الدولية.

وأشار إلى أن تدخل تركيا في ليبيا جاء لتلبية للأطماع التوسعية للحكومة التركية، داعيا الليبيين إلى تفويت الفرصة على هذه النوايا والجلوس إلى طاولة الحوار ونبذ الفرقة من أجل قطع الطريق على القوى الأجنبية في الوطن العربي.

بدوره، قال الكاتب والمحلل السياسي الموريتاني باباه ولد التراد إن شعارات الحرية أصبحت تتخذ ذريعة لتكريس وتشريع التدخلات الأجنبية في المنطقة العربية، مشيرا إلى أن هذه الشعارات تم استخدامها على نطاق واسع من مختلف حملات المستعمرين في الفترات المتعددة.

وشدد ولد التراد على أنه لا يمكن وصف ما تتعرض له المنطقة إلا بـ"الاستعمار الجديد" في إشارة إلى التدخل التركي في ليبيا.

من جانبه، حمل الكاتب والمحلل السياسي الموريتاني المصطفى محمد المختار تنظيم الإخوان الإرهابي مسؤولية ما يحدث من تدخل عسكري تركي في ليبيا.

وأضاف أن الإخوان لا يقيمون وزنا أو قيمة لأوطانهم بقدر  مصلحة التنظيم الدولي وتحقيق أجنداته حتى ولو كانت على حساب المصلحة الذاتية لهذا البلد العربي أو ذاك.

وأشاد محمد المختار في هذه المواقف بسلوك التيارات القومية العربية، معتبرا أنها أشرف وأنبل بكثير من سلوك الإخوان، بالإضافة إلى تعلقهم بأوطانهم وبهويتهم ووقوفهم في وجه المؤامرة والتصدي لها بكل شجاعة.

وأشار إلى خطورة الأذرع الإعلامية المبررة للتدخل العسكري التركي في ليبيا وغيره من أجندة ما وصفه بـ"تحالف الضرار التركي القطري" واختطافها عقول كثيرين من الشباب والأجيال الصاعدة.

وتأتي الندوة بالتزامن مع انطلاق فعاليات مؤتمر "السلام في ليبيا" بالعاصمة الألمانية برلين، الأحد، بمشاركة دولية رفيعة، وسط مساعٍ لإيجاد حل دائم وشامل للأزمة.

وأكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قبل أيام، أن هدف مؤتمر برلين "هو التزام جميع الأطراف المعنية بالحظر المفروض على تصدير الأسلحة لليبيا، الذي ينتهك بشكل صارخ، تمهيدا لفتح الطريق أمام حل سياسي".

وكشفت وكالة الأنباء الحكومية الألمانية النقاب عن مسودة لحل الأزمة، أعدتها الأمم المتحدة، وتنص على وقف دائم لإطلاق النار، وتطبيق شامل لقرار مجلس الأمن بشأن حظر تصدير السلاح إلى ليبيا.

وخلال الأشهر الماضية، جرت 5 اجتماعات تحضيرية للمؤتمر في برلين، بمشاركة ممثلي عدة دول ومنظمات دولية، نوقشت خلالها المسودة الأممية.

وكشفت مصادر خاصة لـ"العين الإخبارية" عن أن هناك تعديلات طرأت على مسودة التفاهم النهائية المطروحة أمام زعماء العالم المشاركين في المؤتمر لم ترد بمسودة مفاوضات روسيا التي لم تصل لاتفاق، مؤكدة أنها تشمل حل المليشيات ورحيل حكومة السراج.

وينتظر المؤتمر مشاركة عالية المستوى، حيث أكدت 10 دول مشاركتها في أعمال المؤتمر، بالإضافة إلى قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج.

وأكد عدد من قادة الدول والحكومات حضور المؤتمر، في مقدمتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية