17 لاعباً من غزة يغيّرون قواعد كرة القدم

8569
عدد القراءات

2018-07-23

سبعة عشر لاعباً من قطاع غزة، تتراوح أعمارهم ما بين (13 إلى 42 عاماً)، خلقوا للعشق معنى آخر بتلك الساحرة المستديرة، عبر الإرادة والعزيمة القوية. جميع هؤلاء اللاعبين بساقٍ واحدة ويستعيضون عن الثانية بعكاز معدني. ورغم ذلك أرادوا ممارسة رياضة كرة القدم، فغيّروا قواعد اللعبة، فأصبحوا لاعبين بلا أقدام يسعون للوصول إلى العالمية.

سُمي فريقهم بـ"الأبطال" وهم كذلك؛ حيث فقدوا أطرافهم السفلية بفعل الحروب الإسرائيلية المتتالية على قطاع غزة؛ إلا أن ذلك لم يقف عائقاً أمام تحقيق ما يحلمون به، فهم يتدربون بجدّ للوصول لغايتهم، يجمعهم قاسمان مشتركان: حب كرة القدم، وتحدي الإعاقة، لا سيما أنّ غالبيتهم لاعبون سابقون أبعدتهم رصاصات الاحتلال عما يحبون، فجابهوا كل الصعاب وأسسوا فريقاً خاصاً بهم.

يتلقون تدريباً واحداً كل أسبوع

الساعة الخامسة من عصر الإثنين

مع دخول الساعة الخامسة من عصر يوم الإثنين من كل أسبوع، يجتمع فريق الأبطال داخل ملعب بلدية دير البلح، وسط قطاع غزة، ويؤدون مهمات وتدريبات مختلفة باستخدام عكازاتهم، كما يخوضون مباريات ضد بعضهم البعض في فريقين يتألف كل واحد من ثمانية لاعبين، يتنافسون حول كرة القدم فيتقدمون من خط الهجوم، إلى الثبات في خط الوسط، ومن ثم الصمود في خط الدفاع لصد أية هجمات كروية مضادة من الفريق الخصم.

اقرأ أيضاً: هكذا يتابع الغزيّون المونديال رغم الحصار وانقطاع الكهرباء

وحيد رباح (42 عاماً)، فقد قدمه اليسرى أثناء الاجتياحات الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2006، شاهدناه مسرعاً مستعيناً بعكازه المعدني للحصول على الكرة لتمريرها لأحد لاعبي فريقه، لإحراز هدفٍ في مرمى الفريق الخصم. يقول لـ "حفريات" إنّ انضمامه لفريق الأبطال شكل نقطة تحول كبيرة في حياته، "فبعد تعرضي للإصابة حُرمت من ممارسة رياضة كرة القدم التي أمارسها منذ الصغر؛ ولكني الآن عدت لممارسة هذه الرياضة من جديد".

في الساعة الخامسة من عصر يوم الإثنين من كل أسبوع يجتمع فريق الأبطال ويؤدون تدريباتهم باستخدام عكازاتهم

ممارسة رياضة كرة القدم بساقٍ واحدة تختلف عن ممارستها بساقين، كما يرى رباح، "فالاستعانة بالعكاكيز يحتاج إلى جهد كبير، لأننا نستخدم كافة عضلات الجسم، وفي البداية كان الأمر صعباً، ومع التمارين المكثفة وتعاون المدربين معنا أصبحنا نلعب بكل سهولة من دون مساعدة أحد".

ويشير إلى أنهم يتلقون تدريباً واحداً كل أسبوع، وبعد ذلك ينقسمون إلى قسمين، ومن ثم يخوضون مباراة تدريبية، تنقسم إلى شوطين يستعيدون من خلالها النشاط والحيوية، ويستذكرون الأيام الجميلة قبل تعرضهم للإصابة، لافتاً إلى أنهم نجحوا في إيصال رسالة للاحتلال الإسرائيلي بأنه وعلى الرغم من بتر أطرافهم؛ إلا أنه لم ينل من عزيمتهم وقدرتهم على مواصلة الحياة.

اقرأ أيضاً: والدة الشهيدة رزان النجار لـ"حفريات": سلاح ابنتي كان سترة الإسعاف

إبراهيم خطاب، (13 عاماً) أصغر لاعب ضمن فريق مبتوري الأطراف لكرة القدم، فرح فرحاً شديداً بعد فوز فريقه الذي يرتدي لباساً برتقالي اللون على الفريق الآخر الذي يرتدي لباساً أزرق اللون، بهدفين مقابل لا شيء، فلم يكن يتوقع أن يمرر معشوقته المستديرة بقدمه المتبقية، بعد أن أفقده الاحتلال الإسرائيلي القدم الأخرى.

على الرغم من بتر أطرافهم إلا أن الاحتلال لم ينل من عزيمتهم

حسرة وألم وتحدٍ

يقول خطاب لـ "حفريات": "أعشق كرة القدم، وكنت ضمن فريق المدرسة، وخلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة عام 2014، فقدت قدمي اليمنى بعد إصابتي بصاروخٍ أُلقي من طائرة استطلاع إسرائيلية، وفي أعقاب ذلك لم أتمكن من اللعب مرة أخرى، وعندما كنت أشاهد زملائي يشاركون في مباريات كروية كنت أشعر بالحسرة والألم لعدم مشاركتي معهم".

اقرأ أيضاً: الحب ينتصر على لون البشرة في "حارة السمران" بغزة

ويردف اللاعب الصغير: "أخبرني أحد الأصدقاء بتشكيل فريق خاص لمبتوري الأقدام، فسارعت بالتسجيل، وعندما لاحظ مدرب الفريق قدرتي على اللعب بشكل جيد وافق على أن أكون ضمن اللاعبين، شعرت حينها بالفرح الشديد لأني سأعود مجدداً لممارسة الرياضة التي أعشقها، بعد انقطاع دام أربع سنوات".

محمود الناعوق مدير ومؤسس فريق الأبطال، فقد هو الآخر قدميه خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، كان يحلم بممارسة كرة القدم، وبعد مشاهدته مباراة كروية دولية عبر شاشة التلفاز، اعتقد أنه يستطيع تحقيق حلمه؛ ولكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، فاقترح على أحد المدربين الرياضيين هذه الفكرة، وأبلغه أنّ إصابته لن تمكنه من لعب الكرة، لأن هذه اللعبة تحتاج وجود قدم واحدة على الأقل.

يواجهون صعوبات عدة أبرزها عدم وجود جهة رسمية داعمة

تنفيذ الفكرة

لم تغب الفكرة عن بال الناعوق، فأصر على تنفيذها حتى لو لم يكن ضمن اللاعبين، فبدأ بالبحث عن مصابين فقدوا أحد أطرافهم السفلية، لتكوين فريق كرة قدم لمبتوري الأطراف: "بدأ الفريق من ثلاثة لاعبين، وبدأت الفكرة تنتشر بين أوساط مبتوري الأطراف، إلى أن وصل العدد إلى سبعة عشر لاعباً".

اقرأ أيضاً: والدة الشهيد فادي أبو صلاح لـ"حفريات": رحل دون أن يحقق حلمه

ويعرب الداعوق في تصريحه لـ"حفريات" عن اعتقاده بأنه "كان من الضروري تأسيس فريق كرة قدم لمبتوري الأطراف في غزة، ليمثل ذوو الاحتياجات الخاصة فلسطينَ في المحافل الرياضية الدولية، ولتطوير البنية الجسدية والعضلية للمصابين، بعد فقدانهم أطرافهم وبقائهم مقعدين من دون حركة، ومن خلال هذا الفريق استطاع ضحايا الحروب الإسرائيلية النزول إلى الملعب أسوة بالأشخاص الأصحاء، لإيصال رسالة للاحتلال الإسرائيلي مفادها أن الفلسطينيين يحققون أحلامهم رغم جراحهم".

يواجه الفريق صعوبات عدة أبرزها عدم وجود جهة رسمية داعمة لهم وعدم توفر عكاكيز وأحذية خاصة باللاعبين

ويرى الناعوق أنّ "معظم لاعبي الفريق كان لديهم شغف لعب كرة القدم؛ إلا أنّ الاحتلال الإسرائيلي حرمهم ذلك، وعزلهم عن المجتمع، ودمر نفسياتهم حتى دبّ اليأس كل أجسادهم؛ ولكن المعادلة الجديدة التي تحدوا بها المحتل أنهم عادوا للحياة من جديد، بعد انضمامهم لفريق الأبطال، والاندماج مع أفراد المجتمع ومع أنفسهم وممارسة رياضتهم المفضلة".

عقبات وصعوبات

ورغم النجاح الكبير الذي حققه فريق الأبطال في فترة وجيزة؛ إلا أنهم يواجهون صعوبات عدة أبرزها عدم وجود جهة رسمية داعمة للفريق تمكنهم من الاستمرارية وتوفير احتياجاتهم، إضافة إلى عدم توفر عكاكيز وأحذية خاصة باللاعبين، كما صرح الناعوق الذي أعرب عن يقينه في أنّ دعم هذه المبادرة "ستعزّز الأمل بقدرة الشعوب على الانبعاث من جديد، وتحدي اليأس".

اقرأ المزيد...

الوسوم: