6 مظاهر لـ "ترييف المدن" في العالم العربي.. تعرّف عليها

10457
عدد القراءات

2018-09-13

ارتبطت المدن تاريخياً بسلوك التحضر الذي يترافق مع تبنّي سكانها لمنظومة خاصة من الثقافة والقيم والسلوكيات التي تسمى بـ "المدنية"، مع تميز المدن بوجود مرافق وفضاءات عامة لا توجد في الأرياف والبوادي؛ كالساحات العامة والميادين والحدائق والأرصفة. ولكن سرعة النمو في المدن الحديثة أدت إلى فقدان عدد كبير منها الخصائص الحضرية المميزة، وتحولها إلى محض تجمعات سكانية مكتظة.

المدينة العربية.. العجز عن استيعاب الهجرات المتوالية

في بداية القرن العشرين كانت عدّة مدن في العالم العربي تشهد توسعاً سكانياً وحضرياً منظماً مصحوباً بعملية تخطيط مدروسة، بحيث يتم تأسيس بُنى تحتية متكاملة مصاحبة لإنشاء الوحدات السكنية الجديدة، كما كان في حي "مصر الجديدة" بالقاهرة، أو حي "الكرادة" البغدادي.

ولكن تضاعف عدد سكان المدن بشكل سريع وعدم قدرتها على الاستيعاب، نتيجة للهجرات المتوالية من البوادي والأرياف إلى المدن، والتي جاءت لأسباب مختلفة، منها ما هو مرتبط بعوامل طبيعية؛ كالهجرة في سنوات الجفاف، ومنها ما كان بدافع اقتصادي نتيجة ضعف التنمية في الأرياف والمناطق الهامشية وتركز فرص العمل في المدن الكبرى، ومنها ما أتى لأسباب تتعلق بالحروب والصراعات.

تأسس حي "مصر الجديدة" في بداية القرن العشرين وكان مثالاً على التحضير المنظم المرافق للتخطيط

ويشير خلدون النقيب في كتابه "الدولة التسلطية في المشرق العربي" إلى أنّ النسبة المئوية للسكان الحضر في مصر ازدادت من 28% عام 1930 إلى 44% عام 1981، وفي سوريا من 29% عام 1950 إلى 49% عام 1981، وفي العراق من 10% عام 1950 إلى 24% عام 1981.

يؤدي ترافق الفقر مع ضعف خدمات التعليم إلى انتشار ظاهرة أطفال الشوارع

وبالعموم فقد ارتفعت نسبة سكان المدن بالعالم العربي خلال عقود قليلة، من 31% عام 1960 إلى 55% عام 2000. وتعد هذه النسب مرتفعة وأعلى بكثير من قدرة المدن على استيعابها، ما نتج عنه حالة من الفشل الحضري، وكان من مظاهرها:

1. مدن الصفيح والعشوائيات

تنشأ العشوائيات مع توالي الهجرات بشكل مفاجئ وغير منظم، بحيث تعجز المدينة عن استيعابها، وفي غياب التخطيط يبادر المهاجرين الجدد إلى إنشاء مساكن عشوائية بعيداً عن التنظيمات وقوانين البناء التي تفرضها البلديات، ومع مرور الزمن تتحول هذه المساكن العشوائية إلى أحياء كبرى مكتظة بالسكان، ومفتقرة للحد الأدنى من الخدمات والبنى التحتية، وتُعرف مثل هذه الأحياء بأسماء مختلفة مثل؛ "العشوائيات" و"العشش" و"مدن الصفيح".

وبحسب وزارة التخطيط المصرية، يصل عدد سكان العشوائيات في مصر إلى نحو 20 مليون، يعيشون في 1221 منطقة عشوائية، منهم 10 ملايين في القاهرة وحدها، بينما يصل عدد سكان المقابر منهم إلى نحو 5 ملايين، منهم مليون ونصف المليون في القاهرة. بينما تقدر نسبة العراقيين الذين يسكنون في عشوائيات بنحو 16% من مجموع سكان البلاد. في حين تشير تقارير وزارة الإسكان في المغرب إلى أنّ حوالي 4% من السكان يعيشون في مدن الصفيح.

يصل عدد سكان العشوائيات في مصر إلى نحو 20 مليوناً

2. النشاط التجاري غير المنظم

ينتج عن الزيادة السكانية السريعة غير المرتبطة بالتخطيط تفاوت ما بين أعداد السكان وفرص العمل والوظائف المتاحة في المدينة، وهو ما ينعكس في ارتفاع نسب الفقر والبطالة بين السكان، ويؤدي ذلك إلى لجوء العاطلين عن العمل إلى ممارسة أنشطة تجارية غير منظمة، والتي لا تخضع لرقابة السلطات المعنية، ولا تكفل أي حقوق للعاملين ضمنها، كما تؤدي إلى الإضرار بالاقتصاد الوطني بسبب انخفاض قدرة الدولة على تحصيل الضرائب، ومن أشهر الأمثلة على هذه الأنشطة: تجارة الرصيف (البسطات)، والباعة المتجولون، كالبيع على الاشارات، أو بواسطة العربات، والسيارات المتنقلة.

ضبط نحو 6 آلاف متسوّل منهم 1300 طفل في الأردن خلال 2016

وعادةً ما تلجأ السلطات إلى إجراءات للحد من هذه المظاهر كمكافحة وإزالة البسطات، في حين ترى بعض الحلول الأخرى بأن الحل لا يكون في المكافحة وإنما في إنشاء أسواق شعبية منظمة واعطاء الرخص لأصحاب العربات 

وتعلن أرقام وزارة التخطيط العراقية عن وجود نحو 50 ألف بائع متجول في العراق. فيما تشير الإحصاءات إلى وجود 6.5 مليون بائع متجول في مصر، يشكلون ما نسبته 40% من المعاملات التجارية في البلاد. وبحسب وزارة الصناعة والتجارة المغربية فإن عدد الباعة المتجولين يصل إلى نحو 300 ألف بائع متجول، بقيمة تداولات تقدر بـ 45 مليار درهم سنوياً.

تعتبر الأنشطة التجارية غير المنظمة من مظاهر "ترييف المدن" وتنتج بسبب ارتفاع نسب البطالة

3. تجمعات وروابط عشائرية وقروية

ومن مظاهر ترييف المدن أيضاً: ظهور تجمعات على شكل أحياء منعزلة داخل المدن يقتصر سكانها على عائلات وعشائر معينة، أو على اشتراك أهالي الحي بالقدوم من موطن أصلي محدد، كما نجد في العاصمة الأردنية عمّان مثلاً: "حي المعانية"، و"حي الطفايلة"، و"حي المحاسرة"، و"حي القيسية"؛ حيث يحافظ أهل هذه الأحياء على الروابط والعلاقات السابقة على قدومهم للمدينة، ما يعطي مؤشراً على ضعف الاندماج في محيطهم الحضري الجديد. وعادةً ما تنشأ مثل هذه الأحياء كنتيجة لهجرة جماعية غير منظمة.

 يصاحب الهجرات الجماعية غير المنظمة ظهور أحياء منعزلة داخل المدن يتحدد سكانها بناءً على رابط العشيرة أو الأصل

4. التسوّل و"أطفال الشوارع"

لا تقتصر نتائج ارتفاع معدلات البطالة والفقر في المدن المكتظة على ظهور الانشطة التجارية غير المنظمة، وإنما تؤدي أيضاً إلى ارتفاع في نسب وأعداد المتسولين، كما يؤدي ترافق الفقر مع ضعف خدمات التعليم إلى انتشار ظاهرة "أطفال الشوارع".

يصل عدد سكان العشوائيات في مصر إلى نحو 20 مليون

وفي عام 2016 أعلنت وزارة التنمية الاجتماعية في الأردن عن ضبط نحو 6 آلاف متسوّل في العام منهم 1300 طفل. أما في مصر، وبحسب دراسة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية عام 2016، يقدر عدد المتسولين في مصر بنحو 3 ملايين متسوّل. وفي المغرب، تقدر تقارير وزارة التنمية الاجتماعية أعداد المتسولين بنحو 200 ألف متسول. أما في الجزائر، فتعلن وزارة التضامن الوطني والأسرة، عن أكثر من 11 ألف متسول.

يؤدي ترافق الفقر مع ضعف خدمات التعليم إلى انتشار ظاهرة "أطفال الشوارع"

5. تربية المواشي والدواجن داخل الأحياء السكنية

ومن أشهر مظاهر ترييف المدن الأنشطة الفلاحية التي يحافظ عليها المهاجرين في مستقرهم الجديد، كتربية الدواجن والمواشي، بحيث يتم إنشاء زرائب المواشي داخل الأحياء السكنية، أما الدواجن فعادةً ما يتم تربيتها على الأسطح،  وتصبح مشاهد كرؤية الأغنام وهي ترعى داخل وسط حضري، وتسير في الشوارع بجانب السيارات، مشاهد مألوفة. ويؤدي وجود المواشي والطيور الداجنة إلى انتشار مشاكل بيئية وآفات عديدة بين السكان.

تعتبر المحافظة على ممارسة الأنشطة الفلاحية من أشهر مظاهر ترييف المدن

6. غياب الساحات والمرافق العامة

يؤدي غياب التخطيط إلى اكتظاظ المساكن وانعدام المساحات الفاصلة بينها والمحيطة بها، ما يؤدي إلى ظهور مشاكل في التهوية والإضاءة، بالإضافة إلى انخفاض مستوى الخصوصية، وارتفاع آثار الضوضاء.

وعلى مستوى آخر، يؤدي الاكتظاظ إلى اختفاء المساحات التي يمكن تخصيصها لتكون مرافق عامة من ساحات، وحدائق، وملاعب، ونتيجة لذلك يلجأ السكان إلى الشارع والرصيف لممارسة الأنشطة الترفيهية، فتنتشر مشاهد لعب الأطفال في الشوارع، وافتراش الأرصفة وجوانب الطرقات للتنزه.

يلجأ السكان بسبب غياب المرافق العامة للشوارع والأرصفة لممارسة النشاط الترفيهي

لا ينحصر "ترييف المدن" عند حدود "المظاهر"، وإنما يتجاوز ذلك إلى آثار تطال مختلف نواحي المجتمع والدولة، فهو أساس للعديد من الاختلالات السياسة والاقتصادية والاجتماعية، مما يحتم على الجهات المعنية وضع البرامج والخطط الاقتصادية والاجتماعية اللازمة لإنهاء "الترييف" والعودة من جديد إلى مسار "التحضير".

اقرأ المزيد...

الوسوم: