8 أسباب تحول دون المواجهة العسكرية في الخليج

الخليج العربي

8 أسباب تحول دون المواجهة العسكرية في الخليج


01/12/2019

مع وقوع كلّ حادثة اعتداء تكثر التكهنات وتتراكم التحليلات المرجحة لقرب وقوع الحرب والمواجهة العسكرية الحاسمة في منطقة الشرق الأوسط، لكن، وباستمرار، فإنّ هذه التحليلات تخيب ولا تقع الحرب، ويبدو الاعتقاد الحتميّ بوقوع الحرب والمواجهة العسكرية وكأنّه إرث من زمن مضى كانت فيه حركة الجيوش وأصوات السلاح هي العامل الحاسم في السياسة الدولية، في حين يبدو أنّ شروط وأدوات الفعل في السياسة الدولية قد تبدلت على نحو لافت، ولم يعد الفعل العسكري في مقدمة الخيارات، لتنتقل بذلك الصراعات إلى مساحات واسعة من المناورات التي تستخدم فيها أشكالاً مختلفة من أدوات الضغط، وهو ما يبدو أنّه السائد في حالة الأزمة الأمريكية - الإيرانية الراهنة.

2019.. عام بلغ فيه التوتر أقصاه
ازدادت حدّة التوترات في منطقة الخليج إثر انسحاب الرئيس الأمريكيّ، دونالد ترامب، في أيار (مايو) 2019، من الاتفاق النوويّ مع إيران، وما تبع ذلك من فرض عقوبات عليها، وذلك حتى استجابتها لجملة الشروط التي حددتها واشنطن، ومن بينها إنهاء دعم "الإرهاب"، وإنهاء التدخل العسكريّ في سوريا، ووقف برنامج تطوير الصواريخ الباليستية، والبرنامج النوويّ.

تقوم العقوبات الاقتصادية الأمريكية ضد إيران على تصفير الصادرات النفطية وقطع جميع الاتصالات المالية العالمية بالبنوك الإيرانية

في المقابل، اتّهم الرئيس الإيراني، حسن روحاني، الولايات المتحدة، بأنّها تسعى لإسقاط نظام الحكم في إيران، وأكّد أنّ إيران لن تتفاوض في ظلّ وجود عقوبات مفروضة عليها، مع التهديد بالعودة للعمل في البرنامج النووي.
وفي هذا السياق من الشدّ والتوتر، شهد عام 2019 سلسلة من أحداث الاعتداءات في المنطقة، التي وقفت خلفها إيران، بأشكال مباشرة وغير مباشرة، وشملت حوادث استهداف ناقلات نفط، وقصف مواقع مدنية وعسكرية ونفطية، سواء في المياه الدولية في الخليج العربي وخليج عُمان، أو داخل أراضي المملكة العربية السعودية، إضافة إلى إسقاط طائرة استطلاع أمريكية، وذلك عبر زوارق بحرية وصواريخ وطائرات مسيّرة، منها ما أطلق من اليمن، ومنها ما ظلّت الشكوك تحوم حول مصدره، إضافة إلى التهديدات الإيرانية المتكررة بإغلاق مضيق هرمز.

من آثار الاعتداء على مطار أبها السعودي في حزيران الماضي

هدفت طهران من وراء تصعيد حالة التوتر الأمني إلى محاولة زيادة كلفة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها؛ دفعاً لواشنطن للحدّ منها والعودة إلى طاولة المفاوضات، وجاءت هذه الحوادث وفق حسابات وتقديرات لإيران، قامت على أساس أنّ الولايات المتحدة لن تقدم على عمل عسكري مباشر ضدّها، فما هي المعطيات والمؤشرات التي استندت إليها طهران في حساباتها؟
لم يتم المسّ بجندي أمريكي واحد حتى الآن
من منظور الولايات المتحدة، فإنّ كلّ ما حدث من أحداث لم يرقَ إلى التهديد والتحدي المباشر لها؛ فلم يتم الاعتداء عليها في أيّ منها بشكل مباشر، عبر الاعتداء على أحد جنودها أو قواعدها وقطعها العسكرية المنتشرة في المنطقة؛ فهذا هو الاعتبار الأوّل بالنسبة للولايات المتحدة، أما الاعتداء على الحلفاء فيأتي في مرتبة لاحقة لا تستدعي التدخل العسكري المباشر.

اقرأ أيضاً: أردوغان يحبط مساعي إعادة قطر للبيت الخليجي
وحتى حادثة إسقاط الطائرة المسيّرة، في 20 حزيران (يونيو) الماضي، فلا تنظر لها واشنطن باعتبارها حادثة خطيرة، ومن هنا فإنّ حسابات طهران تدرك هذا الاعتبار وتبقيها ضمن أسس ومنطلقات مناوراتها.

حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن الأكبر في العالم،تتواجد في مياه الخليج

هاجس التكلفة
عامل آخر يؤدي إلى استبعاد واشنطن قرار خوض الحرب، وهو عامل ما يزال مسيطراً على نخب السياسة الأمريكية منذ تجربة حربَيْ أفغانستان والعراق، عامَيْ 2001 و2003، يتمثل في هاجس التكلفة والخسائر التي اقترنت بالحربين، من الخسائر البشرية الكبرى، المقدّرة بآلاف الجنود، والتكاليف المادية الباهظة التي وصلت تقديراتها إلى ترليونات الدولارات، وبناء على هذا الاعتبار، فإنّ الكونغرس الأمريكي يقف بشكل دائم ضدّ قرار شنّ الحرب، كما أنّ الرئيس ترامب حَمَلَ تعهداً في حملته الانتخابية مفاده عدم الانخراط والتورّط في حروب ومغامرات عسكرية خارج البلاد، انطلاقاً من اعتبار التكلفة أيضاً، وقد كرّر نقد أسلافه من الرؤساء لخوضهم الحروب، وتتأثر عقيدة ترامب في السياسة الخارجية بعقلية "رجل الأعمال" القائمة على البحث عن الربح المباشر، والحرص على تجنب الخسائر؛ حيث يكون حساب التكلفة المادية فوق كلّ اعتبار عند اتخاذ كلّ خطوة وقرار.

مسرح الحرب الممتد
المعطى الثالث يتمثل في الواقع الجغرافي العسكري الحالي في الشرق الأوسط، وما يقتضيه من تمدّد لمسرح الحرب بالضرورة، واتّساع نطاق الأهداف المتاحة والمحتملة؛ وذلك نظراً لقدرات إيران العسكرية، وامتداد أذرعها العديدة في المنطقة، ما يجعلها قادرة على إصابة الولايات المتحدة وحلفائها، ومن بينها "إسرائيل"، على نحو واسع، وضمن نطاق جغرافي يمتد من أفغانستان حتى البحر المتوسط، وبالتالي تكبيدها خسائر بشرية ومادية كبيرة، تحرص الولايات المتحدة على تجنّبها.

اقرأ أيضاً: كيف تبدو خرائط التنافسية بين موانئ الخليج؟
وبذلك فإنّ الانتشار والنفوذ العسكريّ الإيراني في المنطقة وفّرا عامل ردع للولايات المتحدة، في حين أنّ   الانتشار الأمريكي في المنطقة حال اندلاع حرب يتحول إلى بنك من الأهداف وبالتالي الخسائر الباهظة.

"ذو الفقار" الإيراني صاروخ باليستي قادر على إصابة أهداف ضمن مدى 700 كم

تراجع أهمية نفط الخليج بالنسبة للولايات المتحدة
السبب الرابع يتمثّل في عدم اعتماد الولايات المتحدة على النفط القادم من الخليج، كما كان الحال في العقود الماضية، وذلك يعود بالأساس إلى رفعها لإنتاجها المحليّ من النفط، وبذلك هي لم تعد عُرضة أيضاً للاضطرابات في أسعار النفط، واحتمال ارتفاع أسعاره عند حدوث التوترات وإغلاقات المضائق الدولية. 

اقرأ أيضاً: هل يمكن الحوار مع إيران ثانية دون علم الخليج؟
وكان الاهتمام الأمريكي البالغ بالمنطقة قد ارتبط بمسألة تأمين صادرات النفط، وضبط التحكم بأسعاره، والحيلولة دون إجراءات حظر تصديره. وعام 1973، عندما وقعت حرب تشرين الأول (أكتوبر)، وجاء قرار "الأوبك" بتوظيف سلاح النفط في المواجهة وتسييس عملية تصديره، وما أدّى إليه ذلك من ارتفاع لأسعار النفط، تضاعف الاهتمام الأمريكي بالمنطقة، وجاءت توصية الكونغرس في حينها بضرورة عدم تكرار التجربة، أما بعد تراجع اعتماد الولايات المتحدة على نفط الخليج، فلم يعد يمثّل مصلحة حيوية لها، وتراجع إلى درجة المصالحة المهمّة، بالتالي؛ لم تعد هناك حاجة ماسّة وملحّة إلى التدخّل ودفع التكلفة في سبيل تأمين وصوله.

المنطقة لم تعد أولوية أولى
ويترافق ذلك مع انصراف الاهتمام الأمريكي نحو مناطق وأقاليم جديدة باتت أكثر أهمية بالنسبة إلى الاقتصاد الأمريكي، وبالتحديد منطقة شرق آسيا، التي باتت في مقدمة أولويات الإدارات والنخب الاقتصادية والسياسية الأمريكية بعد صعود العملاق الصيني واقتراب الاقتصاد الصيني من معادلة حجم الاقتصاد الأمريكي، ومنافسته في مبيعات العديد من الصناعات.
غياب الدعم الأوروبي
عامل آخر يُضعف إمكانية اندلاع مواجهة عسكرية هو موقف الدول الأوروبية ورفضها لمثل هذا الخيار، ومعارضتها من الأصل للانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، وهو ما يجعل واشنطن وحيدة ومعزولة دولياً إزاء قرار من هذا النوع، خلافاً لحالة الحرب على العراق، عام 2003، التي كانت دولة مهمة مثل بريطانيا شريكاً أساسياً فيها، ما ساهم في كسر وحدة الولايات المتحدة في حينه.

اقرأ أيضاً: جماعة الإخوان بعد خسارتها مصر والخليج ..."ضربتان في الرأس تُوجع"
وفي هذا السياق؛ جاء تشكيك الإعلام الأوروبي المتكرر بعد كلّ حادثة هجوم أو اعتداء، والاكتفاء باعتبار الحوادث مريبة، دون إدانة أية جهة محددة، والدعوة لانتظار مخرجات التحقيقات.

تتمسك الدول الأوروبية بالعودة إلى مسار الاتفاق النووي الإيراني

قرب الموعد الانتخابي
تدرك طهران أنّ مناوراتها تأتي في وقت حرج بالنسبة إلى الرئيس ترامب والإدارة الأمريكية، وذلك قبل نحو عام واحد من موعد الانتخابات الأمريكية، وهو خيار من المجازفة بمكان أن يقدم رئيس أمريكي على دخول حرب غير معلومة المدى والحدود وهو على مشارف خوض انتخابات التجديد.
ويحاول ترامب الالتزام بوعوده الانتخابية؛ إذ كان قد وعد بانسحاب الولايات المتحدة من بؤر التوتر والصراع في الخارج، وعدم الدخول في حروب مكلفة، وهو ما قام به مؤخراً في سوريا، بالتالي؛ فإنّ أيّ تورّط في خطوة مثل هذه سوف يؤدي إلى الإضرار بشكل بالغ بفرصه الانتخابية.
نجاعة العقوبات الاقتصادية
إضافة إلى كلّ ما تقدّم؛ فإنّ القناعة مترسّخة لدى الإدارة الأمريكية بمدى نجاعة وتأثير العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، وهو الخيار الأقل كلفة بالنسبة للولايات المتحدة، والذي يؤدي بالنهاية إلى إضعاف قدرات وإمكانيات الدولة الإيرانية.

يحاول ترامب الالتزام بوعوده الانتخابية بانسحاب الولايات المتحدة من بؤر التوتر والصراع في الخارج وعدم الدخول في حروب مكلفة

وتقوم العقوبات الاقتصادية الأمريكية على ركيزتين؛ الأولى: تصفير الصادرات النفطية التي تشكّل نحو 40% من الدخل الإيرانيّ، عبر فرض العقوبات التجارية والمالية على أية دولة تستورده. والثانية: قطع جميع الاتصالات المالية العالمية بالبنوك الإيرانية، وبالتالي عزل إيران عن النظام المالي الدولي، وذلك من خلال "سويفت"، الشبكة المالية الدولية للتداول والاتصالات بين البنوك حول العالم، والتي تسيطر واشنطن على قرارها بفضل هيمنة الدولار على التجارة العالمية، وكذلك لاعتبار أنّ نسبة كبيرة من موجوداتها مودعة في الولايات المتحدة، وبالتالي تكون مضطرة للتقيّد بالقرار الأمريكي، وإلا فإنّها تكون مهددة بتجميد موجوداتها في حالة المخالفة.
وبسبب تأثرها، وصفت إيران هذه العقوبات، على لسان رئيس البرلمان الإيراني، علي لاريجاني، بأنّها "إرهاب اقتصاديّ"، ويبدو ترامب مقتنعاً بهذا النوع من السياسات، وهو المعروف بتفضيل أسلوب الضغط والابتزاز لتحقيق أهدافه، خاصّة أنّها تجعله في غنى عن الدفع بالجنود والعتاد والمال في سبيل تحقيق غايات يمكن الوصول إليها عبر هذه الأدوات.

الصفحة الرئيسية