أهو دا اللي صار.. أو هكذا اختطف السلفيون مصر

مصر

أهو دا اللي صار.. أو هكذا اختطف السلفيون مصر

مشاهدة

28/03/2019

"للكلمات تاريخ، وهي أيضاً إلى حدّ ما تصنع التاريخ"؛ بهذه العبارة استهل دنيس كوش كتابه "مفهوم الثقافة فى العلوم الاجتماعية"، الذي صدرت ترجمته العربية عن "المنظمة العربية للترجمة"، للمترجم منير السعدي، ونموذج تطبيق هذه العبارة في مصر ينطبق على كلمات لها تاريخ مثل: "كوزموبوليتان".

اقرأ أيضاً: هل تخلّصت التيارات السلفية في مصر من عقدة اختلاط الدعوي بالسياسي؟
هذه الكلمات هي أيضاً، ربما تكون مثالاً لقراءة التحولات التي مرت بها مصر، بداية من الفترة الليبرالية التي أعقبت ثورة 1919، مروراً بالحقبة الناصرية، وحتى صعود التيار السلفي التقليدي والجهادي فترة حكم السادات ومبارك.
مسلسل "أهو دا اللي صار"، للمخرج حاتم علي

مدينة حرة عالمية
تعني كلمة "Cosmopolitan"؛ شخصاً يعتبر العالم كلّه موطناً له، ومدينة كوزموبوليتان أي مدينة عالمية لا يشعر فيها الإنسان بالغربة، واشتهرت مدينة الإسكندرية بذلك؛ لأنها كانت موطناً لأجناس مختلفة غير الجنسية المصرية، مثل: اليونانيين، والإيطاليين، والأرمن، لذلك هي مدينة متحررة من الأحقاد القومية أو المحلية.

تجربة فنية جديدة تناولت تاريخ مصر الحديث انطلاقاً من مدينة الإسكندرية، وكيف كانت قديماً، وإلى أين صار حالها الآن

من هذا المنطلق؛ كتب السيناريست عبد الرحيم كمال، مسلسل "أهو دا اللي صار"، للمخرج حاتم علي، الذي رصد تاريخ الإسكندرية منذ 1919 وحتى الآن، متتبعاً وجه مصر الحضاري، بداية من ثورة 19، مروراً بالحقبة الليبرالية، ثم الحكم الناصري، ثم صعود التيار السلفي الذي غيّر وجه مصر فترة حكم السادات.
المسلسل الذي قام ببطولته الفنانون: أحمد داود، ومحمد فراج، وروبي، وسوسن بدر، وعلي الطيب، وهشام إسماعيل، وأروى جودة، يتتبع تاريخ مصر المعاصر، لكنه يقدم التاريخ من وجهة نظر الناس، وليس التاريخ الرسمي، فيأتي على لسان أحد أبطال العمل؛ المؤرخ الإنجليزي جوني منصور، أنّ التاريخ الرسمي للدول يكتبه كثيرون، لكن لا أحد يهتم بالتاريخ الشعبي، الذي يحكيه الناس، ويعيشونه بالفعل.
الفنان أحمد داود

قصر نوار باشا
تدور حكايات العمل في أغلبها انطلاقاً من قصر نوار باشا، المبني عام 1918، بمحافظة الإسكندرية، وكيف كان القصر شاهداً على تاريخ المحافظة الساحلية، وتاريخ تحولها من مدينة عالمية، حرة، كوزموبوليتان، إلى مدينة ينتشر فيها الفكر السلفي المتطرف.
قَسّم السيناريست المسلسل إلى عالمين يسيران بشكل متوازٍ، حكاية قديمة، تحكي تاريخ مصر في النصف الأول من القرن العشرين، وحكاية معاصرة، تحكي ما الذي آل إليه حال سكان قصر نوار باشا، المحور الرئيس في العمل، ويقدم الحكاية في شكلها المعاصر، الفنان أحمد داوود، أو يوسف الثالث، والذي يحكيها لحبيبته، وتؤدي شخصيتها في العمل الفنانة روبي.

اقرأ أيضاً: كيف خرجت السلفية من رحم الإصلاح الديني؟
وفي أثناء الحكاية؛ نشاهد مصر وتحولاتها، ثورة 19، وكيف كانت مصر تعيش حياة ليبرالية، يعيش تحت ظلها الجميع، "علي بحر" المطرب والملحن، "وديع البساطي" المسرحي، "جوني منصور" المؤرخ الإنجليزي، "الشيخ زهار" الرجل الأزهري الذي بدأ حياته عضواً في فرقة على بحر، ووديع بساطي الموسيقي، يعزف على الدف، ولم يجد مانعاً دينياً بين الفنّ وتعاليم الشريعة، فقط كانت له تحفظات على نوعية الغناء، فهو ضدّ الفنّ الهابط الذي لا يرتقي بنفوس المستمعين، غير أنّ صعود جماعة الإخوان المسلمين، في نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين، وانضمام الشيخ زهار إليها، أصابه بتحولات غير متوقعة، تدفعه إلى السجن فترة حكم الزعيم، جمال عبد الناصر، ليخرج فترة حكم السادات بشخصية غير التي عاشها، فيبدأ بتكفير المجتمع، ويطلب من أتباعه تغيير الأوضاع بالقوة، من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية في الحكم.
الفنانة روبي

التاريخ الشعبي
قدم المسلسل تاريخاً مغايراً لما أوردته الرواية الرسمية للتاريخ، كانت على رأسها حكاية "ريّا وسكينة"، المتهمتين بقتل نساء الإسكندرية في العشرينيات من القرن العشرين، ليشير السيناريست إلى رواية جديدة، تدَّعي أنّ ريّا وسكينة بطلتان، كانتا تقتلان فقط النساء اللواتي يتعاملن مع المحتل الأجنبي، وأبرز حكايات أخرى كان التاريخ يجهلها، وأعطى نموذجاً لذلك حكاية علي بحر ووديع البساطي، والشيخ زهار، وفرقتهم المسرحية، وكيف أنّ الإسكندرية كانت تضم العشرات من المسارح في تلك الفترة، وكيف كانت تلك المسارح تمتلئ دائماً بالجمهور المحبّ للفنّ.

قدم المسلسل تاريخاً مغايراً لما أوردته الرواية الرسمية للتاريخ، كانت على رأسها حكاية "ريّا وسكينة"، المتهمتين بقتل نساء الإسكندرية

مسلسل "أهو دا اللى صار" أيضاً يعدّ اكتشافاً جديداً لبعض صنّاعه، مثل: علي بحر (محمد فراج)، ووديع البساطي (علي الطيب)، وأصداف (أروى جودة)، والشيخ زهار (هشام إسماعيل)، الذين استطاعوا أن يقدموا حالة فنية جذبت المشاهدين، ربما عن الخط الرئيسي في العمل، لبطليه يوسف ونادرة، (أحمد داوود، وروبي).
يقدم المسلسل تفسيرات كاشفة لتحول مصر تجاه الفكر السلفي، مع صعود جماعة الإخوان المسلمين، والتي يمثلها في العمل الشيخ زهار، (هشام إسماعيل)، وكيف تحول الشيخ زهار، من رجل محبّ للفنّ، وعضو فاعل في فرقة مسرحية، إلى رجل سلفي متشدّد، يرفض الاعتراف بفكرة الوطن، ويرى أنّ الجماعة وفكرها، أهم من الوطن، ومن كلّ الأوطان، ويدعو إلى تكفير المجتمع وتجهيله، ويطالب بتغيير أوضاع الدولة بالقوة والعنف، وكيف تخلى زهار عن الخط الليبرالي الذي كان يميز أصدقاءه، بحر والبساطي وجوني، وأصبح عدائياً ضدّهم، يرى المجتمع بأفق ضيق، يرى من حوله كفاراً، يجهلون حقيقة العالم والحياة.
تجربة فنية جديدة تناولت تاريخ مصر الحديث انطلاقاً من مدينة الإسكندرية، وكيف كانت قديماً، وإلى أين صار حالها الآن، لتنضم إلى تجارب فنية أخرى، مثل: "الراية البيضا"، "وزيزينيا"، و"لا أحد ينام في الإسكندرية"، وجميعها أعمال درامية، كانت تحكي تاريخ مصر في تلك المدينة المميزة، التي تمنّى صناع تلك الأعمال الدرامية أن تعود إلى الحال الذي كانت عليه قديماً.

الصفحة الرئيسية