القرن الإفريقي والتسليح.. مخاوف من وقوع الأسلحة بأيدي حركة الشباب المتشددة

القرن الإفريقي والتسليح.. مخاوف من وقوع الأسلحة بأيدي حركة الشباب المتشددة

مشاهدة

19/02/2019

شهد القرن الإفريقي، خلال العام الماضي، تحولاً نوعياً أخرجه من الاضطرابات الأمنية التي عرفها طوال العقود الثلاثة الأخيرة، منذ انهيار الدولة في الصومال في بداية التسعينيات، وانفراط العقدة الأمنية هناك، وما لحقه من الحرب الحدودية الإثيوبية-الأرتيرية في نهاية التسعينيات، حتى وضع العداء بينهما باتفاق جرى برعاية إماراتية سعودية، في حزيران (يونيو) الماضي.

في العديد من المناسبات أعربت الشرطة الفيدرالية الإثيوبية عن قلقها من تزايد تهريب الأسلحة التركية إلى البلاد

لكن سرعان ما أًصبحت منطقة القرن الإفريقي ساحة للتنافس بين قوى إقليمية متصارعة على النفوذ والهمينة في المنطقة، ولعبت الرياض وأبو ظبي دوراً مكملاً في التغيرات الذي شهدتها المنطقة العام الماضي؛ حيث جرى إنجاز المصالحة التاريخية الإثيوبية–الأرتيرية، بتوافق وجهد مشترك للطرفين، وهذا ما يمكن استخلاصه من خلال زيارات الرئيس أسياس أفورقي لدولة الإمارات، عقب كلّ زيارة يقوم بها للسعودية والعكس.
في مقابل تلك المساعي؛ ظهر تحرك تركي – قطري مناوئ للمحور الأول؛ حيث تحتفظ تركيا بأكبر قاعدة عسكرية لها في الخارج في الصومال، كما أعلنت قطر عدة مرات مساندتها بمساعدات عسكرية وتنموية لحكومة الرئيس محمد عبد الله فرماجو منذ بدء الأزمة الخليجية، وفق ما أوردت وكالة "رويترز" للأنباء.

موقع رويترز: قطر تتبرع للصومال بمدرعات عسكرية

انتهاك حظر السلاح في الصومال
وفي خطوة جديدة من فصول هذا التنافس على توسعة النفوذ بين المحاور المتصارعة على الساحة الصومالية، أعلنت الدوحة، الشهر الماضي، أنها سلّمت الجيش الصومالي 68 مدرعة عسكرية بحضور وزير الدفاع في الحكومة الفيدرالية، وقائد الجيش الوطني، وسفيري قطر وتركيا، إضافة إلى ضباط في القوات المسلحة الصومالية، بحسب وكالة الأنباء الصومالية، علماً بأنّ المجتمع الدولي يفرض حظراً على توريد الأسلحة للصومال، وحسبما ذكر تقرير أصدرته مجمومة الأزمات الدولية (crisisgroup) في حزيران (يوليو) الماضي، "يتنامى تأثير قطر على قيادات بارزة في الأجهزة الأمنية والعسكرية الصومالية، منذ بداية الأزمة الخليجية"؛ حيث ذكر التقرير أنّ من أبرزهم "فهد الياسين؛ مراسل قناة "الجزيرة" السابق، الذي تم تعيينه في أيلول (سبتمبر) الماضي، نائباً لرئيس جهاز الأمن".

غابوي: إمدادات الأسلحة لحكومة مقديشو تمثل انتهاكاً لحظر الأسلحة المفروض على الصومال وتطيل أمد الصراعات العشائرية

وفي سياق متصل، رأى الكاتب الصومالي ورئيس تحرير موقع "صوماللاند تايمز" يوسف غابوبي أنّ إمدادات الأسلحة القطرية لحكومة مقديشو تمثل "انتهاكاً لحظر الأسلحة المفروض على الصومال، وأنّ الدعم القطري لنظام الرئيس فرماجو بالأسلحة من شأنه إطالة أمد الصراعات العشائرية".
وأضاف غابوبي، في حديثه لـ "حفريات": "استناداً للتقارير الأممية تنتهي معظم الأسلحة التي بحوزة قوات نظام الرئيس فرماجو بمقديشو، في نهاية المطاف، إلى أيدي قوات حركة الشباب المتشددة".

صومالي لاند تحتج لدى مجلس الأمن
ومن جانبها، طالب مسؤولون من جمهورية صومالي لاند، بإخضاع أيّة عملية بيع أو تبرع بمعدات عسكرية لمقديشو للرقابة الدقيقة والجادة.

اقرأ أيضاً: تركيا في القرن الإفريقي ومخاطر عسكرة البحر الأحمر
وسجل وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي في صومالي لاند، ياسين حاجي محمد، اعتراضه على تبرع قطر بـ 68 مركبة مدرعة للصومال، مؤكداً أنّ خطوة الدوحة "تعد انتهاكاً لقرار مجلس الأمن، ما يؤدي إلى تصعيد النزاع طويل الأمد الذي أسفر عن عواقب وخيمة في البلاد، وتزيد من حالة عدم الاستقرار في المنطقة".

سلمت الدوحة لحكومة الرئيس فرماجو 68 مدرعة عسكرية

وفي خطاب لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي ترأسه جمهورية الدومينيكان، في كانون الثاني (يناير) الماضي، قال الوزير إنّ تحويل الأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى للجماعات المتشددة يمثل انتهاكاً لحظر السلاح الحالي على الصومال، ويشكل تهديداً لصومالي لاند، وأمن الدول المجاورة مثل كينيا.

اقرأ أيضاً: إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية في القرن الإفريقي: إنه وقت المصالحة
وأشار الوزير إلى قرار مجلس الأمن رقم (2444)، لعام 2018، الذي أعاد تأكيد حظر الأسلحة المفروض على الصومال، وقال إنّ "هذه الأسلحة عادة ما تنتهي في أيدي حركة الشباب وغيرها من الحركات المرتبطة بتنظيم داعش".
وقال موقع "راديو دالسان" إنّ قلق صومالي لاند يأتي بعد أيام من تأكيد الشرطة الكينية أنّ ثلاثة من البنادق الخمس المستخدمة في الهجوم الإرهابي، الذي وقع في نيروبي، تمّ شراؤها في البداية من قبل الحكومة الفيدرالية في الصومال.

ياسين: يجب إخضاع أيّة عملية بيع أو تبرع بمعدات عسكرية لمقديشو للرقابة الدقيقة والجادة

تهريب أسلحة تركية إلى إثيوبيا
وتعاني إثيوبيا، من جهتها، من تزايد عمليات تهريب الأسلحة التركية إلى البلاد عبر السودان، وغيرها من الدول المحيطة، والتي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر القليلة الماضية، إثر التغيرات الداخلية التي شهدتها البلاد.
وتشير خريطة تهريب الأسلحة التركية إلى إثيوبيا إلى أنّها تتم عبر انتشار شبكات التهريب على الحدود مع السودان، عبر منطقة المتمة الإثيوبية، في إقليم أمهرا شمالاً، والقلابات السودانية بولاية القضارف، وتمكنت الشرطة الفيدرالية، في الأشهر الثلاثة الماضية، من وقف تهريب 1560 مسدساً و15 رشاشاً، إضافة إلى 5 قطع سلاح "كلاشنيكوف"، وجميعها تركية الصنع.

اقرأ أيضاً: كيف تُعيد الاستثمارات والتطبيع هندسة الأمن في القرن الأفريقي؟
ويعد إقليم أمهرا أكبر سوق لتجارة السلاح في إثيوبيا، وتوجد فيه شبكات كبيرة تقود التهريب من ليبيا لإثيوبيا عبر السودان، مشيراً إلى أنّ عمليات أخرى تتم عبر جيبوتي والصومال.
ويقول المحلل السياسي الإثيوبي، أبيبو أببيوهو، لـ"حفريات" إنّ "الأسلحة المهربة التي تثير العنف القبلي بمختلف أقاليم البلاد تمثل خطراً حقيقياً على إصلاحات حكومة آبي أحمد في هذا الظرف الحساس، الذي تمر به إثيوبيا؛ حيث يمكن أن يؤدي أيّ انفلات أمني إلى صراعات مسلحة تؤدي إلى انهيار الدولة، ما يستدعي من السلطات الكشف عن الجهات التي تدعم تزايد تدفق الأسلحة التركية إلى إثيوبيا ومحاسبتها".

اقرأ أيضاً: مَن يسعى لزعزعة الاستقرار في إثيوبيا والقرن الإفريقي؟
ويرى أببيوهو أنّ الإصلاحات التي يقودها آبي أحمد، أصبحت مهددة "بسبب تزايد تهريب الأسلحة التي يتم إحباطها من قبل السلطات، وبشكل يكاد يكون يومياً، ومن خلال طرق مختلفة عبر ناقلات نفط وسيارات أخرى".
ويرى بعض المراقبين للمشهد؛ أنّ اتساع الحدود بين إثيوبيا والسودان ووعورة بعض المناطق،‏ أسهم في تزايد تهريب السلاح عبر الحدود، وأنّ تهريب الأسلحة إلى أديس أبابا في الوقت الحالي، أدّى إلى توسع تجارة السلاح وارتفاع عمليات تهريبه.

يتم تهريب الأسلحة التركية إلى إثيوبيا عبر انتشار شبكات التهريب على الحدود مع السودان

من جانبه، أعلن نائب المدير العام لجهاز الأمن الإثيوبي، دملاش جبر ميكائيل، عن اتصالات مع أنقرة، لمطالبتها بوقف تهريب أسلحتها إلى بلاده، مشيراً، في تصريحات صحفية، إلى أنّ الفترة الأخيرة شهدت "تزايداً في تهريب الأسلحة التركية وإدخالها إلى البلاد".
واستعرض ميكائيل إنجازات بلاده في التصدي لما أسماه "مدّ الأسلحة التركية المهربة"، موضحاً أنّ جهاز الأمن الإثيوبي أحبط عدة محاولات لتهريب أسلحة، غالبيتها تركية الصنع، عبر السودان، مضيفاً أنهم بدأوا بإجراء اتصالات مع السودان كدولة معبر، وتركيا كدولة منشأ.

اقرأ أيضاً: لماذا تعد جيبوتي الخاسر الأكبر في توازنات القرن الإفريقي الجديدة؟
المسؤول الأمني كشف أيضاً عن عدد من العمليات التي قام بها جهاز الأمن في بلاده، لافتاً إلى أنّهم، وبتعاون مثمر مع المواطنين، استطاعوا إحباط تهريب أسلحة وأموال، كما تمكنوا من توقيف عدد كبير من المتورطين في إثارة أعمال العنف بمختلف أقاليم البلاد.
وفي العديد من المناسبات، أعربت الشرطة الفيدرالية الإثيوبية عن قلقها من تزايد تهريب الأسلحة التركية إلى البلاد، كما أعلنت الشرطة، في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، ضبط ثالث شحنة أسلحة مهربة من تركيا بضواحي أديس أبابا، في عملية مشتركة من قبل شرطة العاصمة وجهاز الأمن الوطني.
في المجمل، يمكن قراءة هذه التحركات على أنها جزء من عملية التنافس على النفوذ القائم على منطقة القرن الإفريقي؛ ففي الآونة الأخيرة، يلاحظ بأنّ صراع قوى عديدة بدأت تظهر إرهاصاته على ساحة التسليح، وبحسب التقارير الإخبارية؛ بات النفوذ التركي والقطري يتعاظم في الصومال بصورة مطردة.

الصفحة الرئيسية