ترويض الذات.. كيف تدير الملل؟

ترويض الذات.. كيف تدير الملل؟

مشاهدة

24/02/2019

كان الفيلسوف نيتشه يقول: "يجب علينا دوماً أن نُولّد أفكارنا من صميم آلامنا، فوحده الألم العظيم هو المحرر النهائي للعقل". لربما نحتاج بعض الملل والألم كي نفهم الحياة أو نتقبلها. هذا لا يبدو، على الأغلب، خياراً محبباً أو مطلوباً لذاته، بل نحن مجبرون على قبوله، حيث لا تعطينا الدنيا ما نريد من دون تنازلات وتضحيات وخسارات؛ بل خسارات فادحة أحياناً.

اقرأ أيضاً: ما الذي تفعله الطيور حين تشعر بالملل؟
وقد تبدو الحكمة في أحد أهم مضامينها وحقيقتها، أنّها المقدرة على تقبّل التنازلات، والتخفف من المواقف القصوى والرغبات الجامحة، بل توسّل النسبية والمواقف الوسطى، مع أنّها قد تبدو صادمة لـ"نرجسيتنا المجروحة"، وعلى الضد مما توافقنا على أنه الكبرياء والكرامة والأنفة والمبدئية.
ليس الجميع قادرين على مواجهة الآلام وتحدي الوجع واستخراج الحكمة من أغواره. قليلون من يناسبهم قول هنري فورد إنّ "الفشل هو الفرصة التي تتيح لك أن تبدأ من جديد بذكاء أكبر"، فيما الغالبية تنسجم مع حديث شكسبير عن أنّ "الحزن الصامت يهمس في القلب حتى يحطّمه".

قلة لا تعبأ بتكسير المرايا حين ترى أنّها لا تعكس صورتها، والأكثرية تدمن التحديق بالمرايا لتتأكد أنّ صورتها لم تتغير

قلة من الناس لا تعبأ بتكسير المرايا حين ترى أنّها لا تعكس صورتها التي تحب أو تريد، والأكثرية تدمن على التحديق في المرايا لتتأكد، كل ساعة، من أنّ صورتها لم تُصَبْ بالتغيير. تلك القلة تبني ذاتها باستقلالية كبيرة عن نظرة الآخر إليها، فيما الأكثرية "تفصّل" مقاس ذواتها بشكل أكبر وفق نظرة الآخرين واعتباراتهم. جرأة القلة وتحديها لا تمرّ بالتأكيد من دون مكابدة وألم وملل وصبر وتضحيات، لكنه الألم الذي يُحرّر، ويلملم، ويقلّص المسافة بين "الجواني" و"البراني"، وينتصر على عُقد الذات وانفصامها وازدواجيتها وغربتها. ألم يقل جمال الدين الأفغاني: "بالضغط والتضييق تلتحم الأجزاء المبعثرة"؟.
أظنّ أنه لا تحرّر ذاتياً بلا معاناة وتحدّ؛ فالحكمة والخبرة لصيقتا المعاناة والمغامرة وتحدي الذات. وليس ثمة خبرة تنمو أو حكمة تتراكم من دون ترويض الذات، وإعادة النظر فيها على الدوام. وحُسن إدارة الشكوك والتمعن فيها وتفكيكها يولّد الثقة، و"اليد المرتجفة لا تصيب هدفها"، كما قال الشاعر السوري محمد الماغوط.

اقرأ أيضاً: العودة إلى نيتشه: قراءة في آخر ما صدر حول الفيلسوف "الديناميت"
إنك تتحرر حين تسأل أكثر، وحين تبحث عن الإجابات التي تحررك. تتحرر حين تمتعض من الإجابات التي تُقيّدك. وأول القيود أن تقبل إجابات أو تتحايل على تجميلها، برغم علمك أنّها تعاكس أشواق البشر في الحرية، أو أنّها لا تحترم عقولهم، أو على الأخص أنّها لا تثق بالمرأة.
أما عن ترويض الذات على تقبّل الملل، فهو ما أسهبتْ في مناقشته مقالة طريفة نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية (هنا الرابط) بداية الشهر الجاري، وترجمها باقتدار موقع "درج"، وهو ما اعتمدناه في هذه النافذة. المقالة تؤكد حقيقة أساسية وهي أنّ الملل شيء ينبغي عيشه بدلاً من التخلص منه بسرعة، وقد كان الناس في ما مضى يتقبلون فكرة أنّ الحياة مملّة في معظمها، والمذكرات التي كُتبت عمّا قبل القرن الواحد والعشرين حافلة بالملل. وفي غير أوقات مكوثهم في حجرات الرسم، كان أفراد الطبقة المترفة يذهبون في جولات مشي مُطوّلة ويحدقون في الأشجار. ثم صاروا يقودون السيارات ويحدقون في الأشجار.

الحكمة والخبرة لصيقتا المعاناة وتحدي الذات، وليس ثمة خبرة تنمو أو حكمة تتراكم من دون ترويض الذات

وتلفت الصحيفة الأمريكية المرموقة الأنظار إلى أنّه ليس مفاجئاً أنّ القدرة على تحمل الملل مرتبطة بالقدرة على التركيز والتنظيم الذاتي. وقد أظهرت الأبحاث أنّ من يعانون اضطرابات في الانتباه معرضون أكثر من غيرهم للملل. ويبدو معقولاً أنّ ما يبدو آسراً وجذاباً في البداية في عالمٍ مُفرط التحفيز، يبدو الآن أقل جاذبية، وما كان يصرف الانتباه قليلاً في ما سبق، صار الآن شديد الملل.
ما ينبغي الانتباه له هنا، أنّ ما نقوله ليس مديحاً للملل، كما أنّ هذا النقاش ليس ترفاً، بل أصبح أكثر ارتباطاً بالتربية والتعليم والعيش، ولهذا تنبّه "نيويورك تايمز" إلى أنّ الأمر سيكون أكثر أهمية بأن يُصاب الأطفال بالملل -وأنْ يسمح لهم باختبار ذلك الشعور- وهم في سنٍ صغيرة. وألا يتم تناول الموضوع باعتباره "مشكلة" ينبغي تجنبها أو علاجها من جانب الكبار، بل شيء يجب أن يتعامل معه الأطفال بأنفسهم.

اقرأ أيضاً: الرجل الخارق كما رآه نيتشه: عبوة ديناميت ترى في الشر خيراً مبدعاً
وبخصوص ميل أكثرية المدارس اليوم إلى التكفير عن ذنب ملل التعليم، نراها توقفت عن تعليم الأطفال أهمية التدرب على إدارة الملل وترويض الذات. وعن هذا تذكر الصحيفة أنّه "بدلاً من تعليم الأطفال استيعاب مواد أكثر مللاً وذات بُعدين، مثل حال الكثير من المعلومات القيّمة، صارت المدارس تستسلم لما تقول إنّ الأطفال يتوقعونه: المتعة. يقضي المعلمون أوقاتاً أطول في التحضير لطرقٍ لـ "إشراك" التلاميذ من خلال المواد المرئية و"التعليم التفاعلي" (أو بكلماتٍ أخرى: الشاشات والألعاب)، الذي يتلاءم مع نطاق انتباههم الذي لا يتعدى ألعاباً مثل كاندي كراش. لن يستمع الأطفال إلى المحاضرات الطويلة، ولن يحضروا المناقشات، لذا فهو واجبنا نحن أن نقدم التعليم في حصص أصغر يسهل ابتلاعها.
لكن المؤكد، برأي "نيويورك تايمز"، هو أنّ تعليم الأطفال أن يصبروا على الملل بدلاً من زيادة المتعة سيجهّزهم إلى مستقبل أكثر واقعية، مستقبل ليس فيه توقعات زائفة عما ينطويه العمل أو الحياة نفسها. ففي يومٍ ما، حتى وهم يعملون في وظيفةٍ يحبونها، سيكون على أطفالنا قضاء يوم كامل في الرد على الرسائل الإلكترونية المتبقية من يوم الجمعة. قد يكون عليهم فحص جداول البيانات، أو مساعدة الروبوتات في مستودعات ضخمة مُجهّزة بالإنترنت. قد تقول، وفق "نيويورك تايمز" إنّ ذلك يبدو مملاً. لكن هكذا هي الوظائف وهكذا هي الحياة. ربما علينا الاعتياد عليها مجدداً، واستغلالها لصالحنا.

الصفحة الرئيسية