جزاء الإحسان.. وقصّة ماجد: هذا ما تخبرنا به الحكاية

جزاء الإحسان.. وقصّة ماجد: هذا ما تخبرنا به الحكاية

مشاهدة

17/01/2019

في كتاب اللغة العربية للصف الثالث الابتدائي بدولة عربية درسٌ عن "جزاء الإحسان" يحكي قصّة ماجد الذي ذهب مع والده إلى السوق وقبل أن يدخل متجراً كبيراً رأى رجلاً مُسنّاً يحمل كيسين في يديه ويحاول النزول على عتبات السُّلّم متثاقلاً، فاستأذن ماجد والده ليساعد الرجل المُسنّ، الذي شكره ودعا له.

حرية الإنسان وحقه بالاختيار تقع في صلب أي أخلاقية دينية مُرتجاة لتحقيق الاستخلاف في الحياة، بمفهومه الحضاري الواسع

وتتابع القصة: ما إنْ عبَرَ ماجدٌ الشارع عائداً إلى المتجر، فإذا بسيارةٍ تقترب مُسرعة لم ينتبه لها، بل نبّهه رجلٌ يسير خلفه أمسك بماجد ليبقى مكانه وألا يعبر الشارع كيلا يصدمه السائق الطائش. ويأتي التعليق في نهاية الدرس بأنّ "مساعدة الضعفاء تدفع عن الإنسان الضرر".
إنّ فعل الخير والحثّ عليه وعلى مساعدة الضعفاء والمحتاجين هي قيم إنسانية نبيلة، لكنّ عقلنة هذه القيم تُقدّم دعماً معرفياً يحثّ على تفسير الأخلاق بوصفها معادلاً لإنسانيتنا؛ فمن دونها لا تتحقق ذواتنا وإنسانيتنا ولا تتحرر ذواتنا: "افعل دائماً بحيث تُعامِل الإنسانية، في شخصك وفي شخص الآخرين، على أنّها غاية، وليس أبداً على أنّها مجرد وسيلة"، وفق الفيلسوف إيمانويل كانط في "أسس ميتافيزيقا الأخلاق". ومثل هذا الفهم نجده في أفكار مسكويه الذي يُعدُّ من أبرز الممثلين للنزعة الإنسانية في الفكر الأخلاقي التراثي الإسلامي؛ حيث يقول في هذا السياق: "والفعل إذا كان محضاً فليس يفعله فاعل من أجل شيء آخر غير الفعل نفسه".

اقرأ أيضاً: الدين والأخلاق في الواقع المعاصر.. أزمة تطبيق أم فهم؟
السؤال: هل نحثّ الطلبة على تجنب فعل الخير لو افترضنا أنّ ماجداً صدمته السيارة المُسرعة؟ وهل مساعدة من يخالفنا في الدين أو اللون أو اللغة يبعد عنّا الضرر أيضاً؟
كانت القصّة لتبدو أكثر جرأة لو بنتْ مدماكها على فكرة كهذه. وكانت ستكون أكثر تقدمية لو استوحت فكرة "فانس" بأنّ الأخلاق تعني المسؤولية وأنّها فلسفة فن العيش بحرية ومسؤولية بعيداً عن الأخلاق الأداتية، التي لا تفعل الخير إلا إذا كان ثمة ثمن لذلك، وهي (الأخلاق الأداتية) بالطبع لا تعتبر تحقيق إنسانيتك وتحرير ذاتك ينضويان تحت بند هذا الثمن.

اقرأ أيضاً: الاستقامتان العقلية والأخلاقية إذ تصدران عن ضمير حي
نقدِّر أنَّ تطوير الأخلاقية الإسلامية سيأخذ فرصته في التبلور والرسوخ في حال الاشتغال على فكرة أنْ لا تطابق، في الحقيقة، بين الدين والأخلاق، وخاصة في عصرنا الحالي، فالميثاق العالمي لحقوق الإنسان عابر للقوميات والأديان والجغرافيا والخصوصيات، وهو يستهدف الإنسان أيّ إنسان، وما اكتسب عموميته واتسع نطاقه ومقبوليته باعتباره وثيقة عالمية، إلا لانبنائه على مبادئ الحرية والعقلانية والمساواة، ولأنه أصغى للحرية أكثر مما أصغى للتقييد، وأصغى للمساواة أكثر مما أصغى للخصوصية، وتمثَّل العقلانيةَ التي تثق بالإنسان أكثر من تمثُّله منظومات سلوكية تخشى على الإنسان ومنه أكثر مما تحرره وتثق به وتدفعه لأن يكون خَلوقاً ومنضبطاً، وحراً في الآن ذاته. ونعتقد أنّ من المهم أنْ يُصار إلى التشديد على جوهرية القول: إن حرية الإنسان وحقه في الاختيار وتأكيد إرادته المستقلة تقع في صلب الأخلاق، وفي صلب أي أخلاقية دينية مُرتجاة لتحقيق مفهوم "الاستخلاف" في الحياة الدنيا، بمفهومه الحضاري الواسع.

يمكن إعادة كتابة قصة ماجد دون حاجة لمشهد السيارة، كأن نقول: بعد مساعدته الرجل المُسنّ أحسّ ماجد بسعادةٍ غامرة

والدعوة إلى بلورة أخلاقية إسلامية أكثر اتساقاً وعمومية تعني الاهتمام بقدر أكثر بتنظيم المجال الأخلاقي والثقافي، وجعله أكثر تماسكاً وانضباطاً، وحرية، ودفعاً لإطلاق طاقات الأفراد والمجتمعات؛ حيث لا يبدو متساوقاً السعي لبناء اقتصادات مستدامة وأسواق منفتحة، وسياسات خارجية للدول تقوم على نهج براجماتي يوسِّع الخيارات ويقلِّص التحديات، ويكثِّر الأصدقاء ويقلل الأعداء والخصوم... مع قيمٍ ومُثُل أخلاقية يغلب عليها الانغلاق والتشدد والمحافظة، ومراقبة الحريات الشخصية، ونوايا وخطط ومشاريع التنميط والهندسة الاجتماعية، تحت حجج ولافتات مثل: بناء مجتمعات مقاومِة أو ثورية، أو السعي لـ "أسلمتها" وحمايتها من "الاختراق" و"الغزو الفكري" و"الفساد الأخلاقي"!!
ونعتقد أنّ الانعزال عن الحداثة وفقدان الفكر الديني الإسلامي لقدرته على التجاوب مع الحاجات البشرية المتنامية والدينامية الاجتماعية التي لا تتوقف، مردُّه إلى تأخر النزعة النقدية في هذا الفكر، الأمر الذي يبقي التباس المماهاة بين الدين والتديُّن، والثابت والمتغيِّر، والنهائي واللانهائي مستمراً وشائعاً ومتكرراً، وهو ما يترك أثره على الأخلاقية الإسلامية التي ستأخذ حظها من هذا الالتباس الذي يمنعها من أن تكون أكثر كونية وعمومية.

اقرأ أيضاً: التربية الأخلاقية الفعالة ومحو الأمية العاطفية
في كل الأحوال، هي دعوةٌ لعلم كلام جديد أو لاهوت إسلامي جديد، يُعيد الاعتبارَ للإنسان، ويُعلي من كرامته واحترامه وحماية حقوقه بالحثّ على أن نكون أخلاقيين معه، ونتحلى بالمسؤولية والحساسية معه؛ لأن مكانته المركزية في الحياة تجعله أهلاً لذلك. وفق ذلك يكون جزاء الإحسان صلاح الكون وإشاعة الخيرية، وسعادة بتحقيق الذات وتحريرها بأداء المسؤولية والقيام بالواجب، وربطِ تحضُّرِها وتقدمها بخجلها حين تفشل في مساندة الضعيف والمظلوم والمحتاج، بوصفه إنساناً، بصرف النظر عن لونه وعرقه ودينه وجنسه، وبغير ذلك سنبقى نشهد فيضاً من الفساد والطقوسيات والسرديات والازدواجية وشُحاً في الأخلاق وأداء المسؤولية والشعور بالرحمة والتكافل والتضامن الإنساني.
ووفق ذلك من الممكن إعادة كتابة قصة ماجد، كأن يُقال (دون حاجة لمشهد السيارة!): بعد مساعدته الرجل المُسنّ أحسّ ماجد بسعادةٍ غامرة، وانتابه فرحٌ لاحَظَهُ كثيرٌ من المارّة وزبائن المتجر.

الصفحة الرئيسية