حادثة خاشقجي... بحثاً عن الحقيقة لا عن السَّبق!

حادثة خاشقجي... بحثاً عن الحقيقة لا عن السَّبق!

مشاهدة

21/10/2018

في حادثة وفاة الصحفي السعودي جمال خاشقجي، بتنا بحاجة ماسّة إلى الحقائق، وانتظار المادة الصحفية الدقيقة وغير المستعجلة. السَّبق الإعلامي غير المرتكز إلى المعايير المهنية وأخلاقيات الصحافة والإعلام الراسخة بدا غير مرحّب به من جانب الجمهور أو المتلقين؛ لأنه قاد إلى الاضطراب والتشويش واختلاط الحقيقة بالكذب.

من أول الدروس المهمة التي يتعلمها طلبة الصحافة والإعلام ضرورة التمييز بين الرأي والخبر وبين المعلومة والتحليل

إنّ من أول الدروس المهمة التي يتعلمها طلبة الصحافة والإعلام ضرورة التمييز بين الرأي والخبر، وبين المعلومة والتحليل. وفي تغطية أزمة خاشقجي وجدنا فشلاً ذريعاً في التزام هذه القاعدة، تحت وطأة التسييس وتصفية الحسابات، والدعاية الممنهجة، والحرب النفسية. كانت التسريبات وكمية الصور والفيديوهات حول قصة اختفاء خاشقجي، في أغلبيتها لا ترقى إلى درجة القرائن أو الأدلة الدامغة. افتقدنا إلى رواية مُقنعة ودقيقة حتى الآن.

بالطبع هذا لا يعني أنّ الإعلام غير المهني ليس مؤثراً، فالإشاعات والتسريبات والسجال والجدل غير المستند إلى معلومة مؤكدة، وغير المرتكز إلى دليل رسمي دامغ ترك تأثيره على العلاقات السعودية-التركية، والعلاقات السعودية-الأمريكية، وقد نال مؤتمر "دافوس في الصحراء" نصيبه من ذلك، مع تراجع كثير من الحضور عن المشاركة في المؤتمر الذي سينعقد الثلاثاء المقبل.

في تغطية أزمة خاشقجي وجدنا فشلاً ذريعاً في التزام قواعد الصحافة تحت وطأة التسييس وتصفية الحسابات

اليوم كثير من المواد الإخبارية تأتي من أفراد عاديين، وفكرة الصحافي الذي يعرف بالخبر أو المعلومة قبل الآخرين تتراجع في شكل كبير، وبتنا نرى أحياناً مراسلين ميدانيين أضعف من أن يدركوا حقيقة المنطقة التي يغطونها، لكنْ ينبغي أن يكون ذلك مبرراً لإعطاء الصحافي المحترف والمتمرس مزيداً من الأهمية وليس العكس. فوكالة عريقة مثل "رويترز" قد تتأخر ربما في بثّ خبر أو تحليل ما، وقد يكون الخبر نفسه متاحاً على مواقع وفي أماكن عدة قبل فترة من بثّ "رويترز" مادتها، إلا أنّ الغالبية ما تزال تشعر بمزيد من الثقة والاطمئنان حين تقرأ الخبر في "رويترز" أو "الفرنسية" أو "أسوشيتدبرس". إذاً، تراكم الصدقية والمهنية يبقى الأساس.

اقرأ أيضاً: السعودية تعلن سبب وفاة خاشقجي

في هذه الأثناء، ثمة من يرى أنّ وسائل الإعلام الاجتماعي تفرض على الإعلام التقليدي مزيداً من الحرص على تعميق الخبر وتحليله وتقديمه للقارئ أو المستمع والمشاهد في شكل يليق بسعة اطلاعه وكثرة المصادر التي يطّلع عليها أو في متناول يده. وحين يجد شخص ما أن نشرة أخبار "العربية" أو "فرانس 24" أو "بي بي سي" العربية على الساعة الخامسة مساء هي نفسها نشرة السادسة والسابعة مساء مثلاً، فسيتجه، على الأغلب، إلى مصادر أخرى مثل المواقع الإلكترونية أو "تويتر" و "فيسبوك"، ما يعني أن إحساس الإعلام التقليدي بأنه يفقد جزءاً من جمهوره من المفترض أنْ يحضّه على تحسين الأداء وتلبية فضول الجمهور، وهو فضول بات أشدّ عطشاً وأكثر استعصاء على الإشباع. وإذا كان من المهم الاستدراك هنا فعلينا التنويه بأن جزءاً مهماً من مواد "السوشال ميديا" هي من مصادر إعلامية تقليدية.

كانت التسريبات وكمية الصور والفيديوهات حول قصة اختفاء خاشقجي، في أغلبيتها، لا ترقى إلى درجة القرائن أو الأدلة الدامغة

وفي قضية جنائية في الدرجة الأولى، قبل أن تتحول إلى أزمة سياسية وقضية رأي عام، فقد أحسنتْ صنعاً وزارة العدل التركية، حين دعت الخميس الماضي، إلى تجاهل المعلومات غير الصحيحة التي تتداولها مواقع إخبارية ومنصات التواصل بشأن اختفاء جمال خاشقجي. وفي تصريح نقلته وكالة أنباء الأناضول الحكومية، قال وزير العدل التركي، عبد الحميد غل، إن "التحقيقات التي تجريها النيابة العامة، تسير بسرية"، وفي هذا السياق، دعا غل إلى "تجاهل ما يدور في أوساط وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الأخرى حيال قضية خاشقجي، والاستناد في المعلومات على بيانات صادرة عن النيابة العامة".

اقرأ أيضاً: اختفاء خاشقجي ... ما الجديد والقادم؟

الإعلام المحترف لا يعدم المعايير والآليات لتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي في صناعة مادة إعلامية تتسم بالجدية والدقة والغنى واحترام المتلقي. يمكن أيّ إعلامي محترف أو وسيلة إعلامية رصينة أن توظف إشارة صغيرة على "تويتر" أو جدلاً على "فيسبوك" أو "يوتيوب" وتحوّله إلى مادة إعلامية مميزة، وتميزها لا ينفي فضل "تويتر" و "فيسبوك" و "يوتيوب" عليها. إنّ تزاحم الأخبار وحيوية المواقع الإلكترونية وديناميكية "تويتر" و "فيسبوك" يفرض على محرري الصحف والقنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية مزيداً من الحرص على المتابعة لآخر لحظة حتى لا "تحترق" مادتهم الإعلامية وتغدو قديمة بين لحظة وأخرى، وكم من صحيفة تجد فيها مادة مطولة تتناقض مع شريط الأخبار على موقعها الإلكتروني الذي ينقل آخر الأخبار.

إحساس الإعلام التقليدي بأنه يفقد جزءاً من جمهوره من المفترض أنْ يحضّه على تحسين الأداء وتلبية فضول الجمهور

إعلام التواصل الاجتماعي من شأنه الإعلاء من أهمية "السوسيولوجي" في صناعة المادة الإعلامية، وهي حاجة ملحّة وضرورية في ظل عالم عربي يمر بتحولات ومراحل انتقالية وصراعات وانقسامات قد تؤدي إلى إعادة رسم الخرائط وإعادة التوزيع السكاني في المنطقة. ويبدو الإعلام الاجتماعي أكثر صراحة في البوح أو التعبير عن علاقات اجتماعية تتفكك ومجتمعات تتخاصم ويتفتت نسيجها الوطني وتتشظى أكثر فأكثر وتختلف كثيراً في شأن هويتها وماضيها وحاضرها ومستقبلها.

إنّ فئة الشباب هم غالبية مستخدمي "تويتر" و "فيسبوك" و"يوتيوب"، وهم الأكثر اقتناء للهواتف المحمولة الذكية، ما يعني تحدياً أمام أي وسيلة إعلامية جادة ومؤثرة في أنْ تسعى للوصول إلى الأجهزة الذكية التي في أيدي الناس.

وقبل أيام نُقل عن صوفي بونز، مديرة مكتب "وكالة الأنباء الفرنسية" بالمغرب، قولها إنه في نهاية الثمانينيات، تاريخ التحاقها بالوكالة، كانت الكلمات الضابطة هي "السرعة والموثوقية". ولاحظت أنه "بمرور السنين ومع التطور الذي شهدته المحطات الإذاعية الإخبارية المستمرة، ثم بعد ذلك البث التلفزيوني المباشر وأخيراً شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعية، فإننا نرى جيداً أنّ الأخبار تنتشر بسرعة أكبر وبأنّ القيمة المضافة للوكالات لم تعد تتمثل في السرعة بل في مضمار الموثوقية". وأشارت بونز إلى أنه، وفي مواجهة هذه "السرعة الفائقة"، فإن معظم المستهلكين اليوم لا يزالون يفضلون مع ذلك تلقي خبر موثوق، مؤكدة "هنا تكمن القيمة المضافة لوكالات الأنباء".

قصارى القول، إنّ أزمة الصحفي خاشقجي تُعيد إلى الواجهة هذا النقاش، بجوانبه وتعقيداته المختلفة، ولعل من أهم الدروس المستخلصة أنْ ترتفع الأصوات الداعية لحماية الحقيقة، وصون حق المتلقي أو الجمهور أو الرأي العام بالمعلومة الصادقة... بعيداً عن التضليل والتزييف.

الصفحة الرئيسية