كيف تسلّلت الدعوة السلفية إلى حزب النور؟

السلفية

كيف تسلّلت الدعوة السلفية إلى حزب النور؟

مشاهدة

17/06/2019

شحيحة مذكرات التنظيمات المغلقة، وقليلة؛ بل وأحياناً تكون منعدمة، أو لا قيمة لها، ويأتي ما كتبه عضو الهيئة العليا لحزب "النور" السابق، محمود عباس، ليقفز من تلك الطاقات المظلمة إلى المرايا الكاشفة فوق السطح، ليطلعنا على مرحلة مهمّة، وثّق فيها نشأة الحزب السلفي، الذي كان أحد مؤسسيه، في كتاب وصل محتواه إلى 110 صفحات، سرد فيه كيف تغلغلت الدعوة السلفية إلى الحزب، وتحكّمت في شؤونه كافة، ودور ياسر برهامي وجبهته في إزاحة عماد عبدالغفور، أوّل رئيس للحزب، وغيرها، وفق قوله: "عندما رأيت انخداع عدد كبير من الأعضاء ومن غير الأعضاء ببعض الشخصيات، حتى وضعوهم في مصافّ الأنبياء والرسل، وأردت ذكر وقائع الأحداث بالتفصيل، كي يعرف الناس الحقيقة، وخصوصاً أعضاء الحزب، الذين استشكلت عليهم بعض الأمور، وأردت أن أكشف الحقائق حين ظنّ البعض أنّ الأمور استقرت لهم، وما دفعني كذلك لكتابتها؛ هو ذلك الظلم الواقع على كثير من الأعضاء، وخصوصاً رئيس الحزب والمؤسسين".
غلاف الكتاب

تغيير الجلباب والجلد
يقول محمود عباس: "بدأ العمل الحقيقي بجمع التوكيلات، وأخذ الإخوة في كلّ محافظة يدعون للحزب الجديد والمسارعة لعمل توكيلات، وطاف د. عماد كلّ محافظات الجمهورية، حتى أنّه كان يذهب في اليوم الواحد إلى أكثر من محافظة ليلتقي بأكبر عدد ممكن من شيوخ السلفيين".
يتابع: "كان أمامنا واحد من أربعة خيارات:
الأول: الانضمام إلى حزب الوسط، ذي الخلفية الإسلامية، والذي أنشأته مجموعة كانت تحسب على الإخوان، وعلى رأسهم أبو العلا ماضي وعصام سلطان.
الثاني: الانضمام إلى أوّل حزب له مرجعية إسلامية سيتم تكوينه، وكان الأقرب في ذلك الوقت؛ حزب الحرية والعدالة.
الثالث: تكوين حزب جديد له مرجعية إسلامية يتكوّن من أعضاء التيار السلفي.

ظهرت الدعايات بصور المرشحين  للانتخابات إلا صورة المرأة مرشحة الحزب وُضعت مكان صورتها (وردة)

الرابع: الاشتراك في حزب العمل المعارض لنظام حسني مبارك، لكنّني لم أجد للحزب صوتاً أو نشاطاً ملحوظاً".
يتابع: "ذهبت ذات يوم إلى د. عماد في منزله القديم، وهو فيلا بجوار منزله الحالي، فوجدت د. بسام الزرقا، والذي أصبح بعد ذلك أميناً للإسكندرية، وعضو الهيئة العليا للحزب، ومستشاراً سياسياً لمحمد مرسي، وعضواً بالجمعية التأسيسية للدستور، وكان كعادته يرتدي جلباباً، ودار حوار مع د. بسام حول خطورة تكوين الحزب في هذه المرحلة.
ومرّت أيام، وكان اللقاء مع د. بسام، عبر محاضرات سياسية يلقيها على مجموعة من الكوادر، وقام د. عماد بإلقاء كلمة وجه فيها الأعضاء للمرحلة المقبلة مع بعض ّالتوجيهات الصغيرة، مثل: محاولة تغيير الصورة الذهنية عن الإسلاميين، وأن نحاول ارتداء البدل الكاملة، أو على الأقل القميص والبنطلون، فقام د. بسام الزرقا معترضاً؛ بأنّه "لن يغير (الجلباب) وليكن ما يكون"، لكنني بعد فترة وجيزة وجدته قد خلع الجلباب وارتدى (البدلة) كاملة، وأصبح أمين الحزب بمحافظة الإسكندرية، وعضو الهيئة العليا، وأتذكر أول يوم ارتدى فيه الرئيس د. عماد (البدلة) الرسمية، وكنت أنتظره لتوصيله إلى كلية التجارة جامعة الإسكندرية لمقابلة د. المرسي حجازي، الذي كان له دور بارز في كتابة الشقّ الاقتصادي في برنامج حزب النور، والذي تقلّد بعد ذلك وزارة المالية في وزارة د. هشام قنديل الثانية، وكان د. عماد في غاية الخجل؛ لأنّها المرة الأولى التي يرتدي فيها (بدلة) رسمية في حياته".
من الحرمة إلى الحلّ
يتكوّن مجلس أمناء الدعوة السلفية، وفق عباس، من الشيوخ الستة الكبار مؤسسي الدعوة السلفية، وهم: الشيخ أبو إدريس، والشيخ محمد إسماعيل المقدم، والشيخ سعيد عبد العظيم، والشيخ أحمد حطيبة، والشيخ أحمد فريد، والشيخ ياسر برهامي، (كلّهم أطباء إلا "أبو إدريس" خريج كلية الهندسة).

اقرأ أيضاً: كيف حفّز حزب النور سلفيي الدول العربية على العمل الحزبي؟
أما مجلس إدارة الدعوة السلفية، فيتكون من: الرئيس العام لجماعة الدعوة السلفية؛ حيث يشترط أن يكون من مجلس الأمناء، واختياره يكون من قبل مجلس الشورى، وله نائبان، يشترط أن يكون النائب الأول من الأمناء، أما النائب الثاني فلا، ويتكون المجلس من ثمانية عشر عضواً، ينتخب منهم خمسة عشر عضواً، وهو من يتخذ القرار الفعلي؛ حيث يدير العمل على مستوى الجمهورية، وتكون مدة المجلس أربعة أعوام.
الشيخ أبو إدريس

القادة يكسرون المجاديف
ورغم أنّ سلفيي المدرسة الإسكندرانية، بمجلسَيهم، كانوا يُحرمون العمل الحزبي والديمقراطية، إلا أنّ تحوّلاً خطيراً وغريباً حدث فجأة، عقب الثورة المصرية، وفي السطور التالية؛ أكّد محمود عباس ما نذهب إليه قائلاً: "ذهب د. عماد الدين عبد الغفور ليلتقي مجلس أمناء الدعوة السلفية، ويعرض عليهم تصوّره للحزب الجديد بصفته صاحب الفكرة، وظلّ يتردّد بين مجلس أمناء الدعوة السلفية، ومجلس إدارة الدعوة السلفية لمدة أسبوعين كاملين. البعض اقترح أن يتمّ إنشاء الحزب بعد أربعة أعوام، وكانت حجة الدكتور عماد؛ أنّ "القطار قد انطلق، فمن لم يركبه الآن سيفوته الكثير"، وكانت حجة القائلين بالتأجيل ضعيفة، والغريب أنّ منهم من كان يجادل د. عماد في حِلّ وحرمة الحزب أصلاً، والأغرب أنّ منهم من وصل إلى أعلى مناصب الحزب، بل وخارج الحزب أيضاً.

سلفيو المدرسة الإسكندرانية بمجلسَيهم كانوا يُحرمون العمل الحزبي والديمقراطية، إلا أنّ تحوّلاً خطيراً وغريباً حدث فجأة عقب الثورة المصرية

يكمل عباس: فوجئنا بتصريح في الصحف من الشيخ "أبو إدريس"، رئيس مجلس أمناء الدعوة السلفية؛ بأنّ حزب النور لا ينتمي للدعوة السلفية، ووجدنا تصريحاً للشيخ أحمد حطيبة؛ بأنّ الانخراط في الأحزاب والسياسة "نتانة"؛ بل صرّح بعضهم في مساجدهم؛ بأنّه لا ينخرط في عمل الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية إلا "الإخوة المصدْيين"، نسبة إلى الصدأ، أو الإخوة في الصف الرابع أو الخامس من الدعوة، أما الإخوة في الصفوف الأولى للدعوة فلا يجب أن ينشغلوا بهذه "السفاسف"، وأطالت هذه الممارسات فترة تأسيس الحزب.
والسؤال الذي لم يجب عنه محمود عباس، أو يحتاج إلى إجابة: لماذا أنكرت الدعوة السلفية انتماء الحزب إليها؟ ولماذا لم توجه أعضاءها في مرحلة التأسيس للانخراط بالحزب؟

اقرأ أيضاً: كيف تنمو السلفية في السويد؟
إنّ القادة الذين كانوا يرفضون العمل الحزبي، وافقوا عليه فيما بعد، والذين كانوا يرفضون الترشح للبرلمان أصبحوا في المقدمة، وفي المحاضرات التثقيفية بالحزب، ظهر ذلك بمفاجأة مشاركة المهندس عبد المنعم الشحات، الذي كان من غير المؤيدين لإقامة الحزب، لأسباب شرعية جادل فيها د. عماد كثيراً، وجاء وأخذ يلقي محاضرة، ولمحنا في كلماته نبرة سخرية وعدم موافقة على أهداف الحزب والوصول إلى مجلس الشعب أو الشورى، وبعد انتهاء المحاضرة، سألتُه: ما المانع من ترشّح أحد السلفيين لرئاسة الجمهورية؟ فضحك.. وإذا به شخصياً يتبدّل موقفه، ويترشّح عن الحزب على مقعد الفئات في أول انتخابات!
محمد حسّان يدعم النور
بدأت الانتخابات وبدأت عمليات الإقصاء المتبادل والاتهامات والأعضاء الجدد الذين يهبطون من أجل الغنائم والترشح للبرلمان، وتدخّل شيوخ الدعوة السافر في الحزب، وظهر محمد حسان ليدعم الحزب وفي وقت قصير وموعد قريب تمّ الاتفاق على عقد مؤتمر في استاد الإسكندرية، ودعوة عدد من قيادات الدعوة السلفية ومشايخها، محمد حسّان، ومعه المشايخ: سعيد عبد العظيم، وأحمد فريد، ود. عماد الدين عبد الغفور، ووفق محمود عباس؛ "كانت كلمة الشيخ محمد حسان عن محاولة رأب الصدع في صفوف السلفيين، ويبدو أنّه أصيب بكدمات شديدة بالكتف والظهر من جراء تدافع الناس، وتوجهنا بالفعل إلى الدكتور يسري حماد، المتحدث الرسمي للحزب، والمتخصص في العلاج الطبيعي، وظلّ الشيخ على الأجهزة للعلاج قرابة ساعتين ونصف، وكان من جراء ذلك انصراف كثير من المنتظرين".
محمد حسان

الإخوان يسرقون الحزب
ظهرت الدعايات بصور المرشحين، إلا صورة المرأة مرشّحة الحزب، والتي وُضعت مكان صورتها (وردة)، وأقيم مؤتمر لتعريف المرأة بالحزب بدورها خلال هذه المرحلة، وكان المتكلمون في المؤتمر: د. ياسر برهامي، ود. عماد عبد الغفور رئيس الحزب، والداعية حازم شومان، والدكتورة حنان علام، مرشحة المرأة في قائمة حزب النور للدائرة الأولى، الرمل والمنتزه، وقام "برهامي" بإبلاغ أسامة رشاد بأن يطلب من "عبد الغفور" عدم حضور المؤتمر! كيف ذلك وهو رئيس الحزب، ويبدو أنّ مشكلات بدأت تطفو على السطح، وكان الإخوان المسلمون عاملاً رئيساً بذلك؛ إذ إنّهم توغلوا وأرادوا السيطرة، وهنا ظهر أبو إدريس، زعيم السلفيين، الذي أعلن، وفق محمود عباس؛ أنّ حزب النور هو الذراع السياسي للدعوة السلفية، وأنه أعطى توجيهاته لكلّ أعضاء الدعوة بالانخراط في الحزب؛ بل والترقي لكلّ المناصب، وأنّ السبب هو أنّهم وجدوا الحزب يسرق منهم!
 ياسر برهامي

الفصل بين الدعوة والحزب
كان يجب الفصل الإداري في العمل بين الدعوة السلفية وبين حزب النور، حتى يستقيم العمل، وحتى لا تختلط المرجعية الإدارية، وفي إحدى الجلسات؛ سأل م. عبد المنعم الشحات، أشرف ثابت، الذي سيصبح وكيل البرلمان المصري فيما بعد، قائلاً: ما رأيك في قضية فصل الحزب عن الدعوة السلفية؟ فردّ قائلاً: الذي يقول ذلك لا يدري شيئاً، فالدعوة السلفية هي التي أنشأت حزب النور، وهو الذراع السياسي لها.

اقرأ أيضاً: أهو دا اللي صار.. أو هكذا اختطف السلفيون مصر
واتضح، وفق محمود عباس؛ أنّ هناك من كان يبحث عن مجد شخصي، وأنّ هناك تداخلاً كبيراً سيؤدي لمشاكل كبيرة فيما بعد، وأن اللجنة النسائية لم يكن همها طوال فترة ما قبل الانتخابات إلا عمل معارض تباع فيها الملابس بأسعار رمزية، وظنوا أنهم في جمعية خيرية!
وأشار الكاتب إلى أنّه، بعد استبعاد المرشحَين: خيرت الشاطر والعوا، تجدّدت الخلافات مرة أخرى بين أتباع الدعوة السلفية؛ حيث اتفق برهامي وأنصاره والعديد من أعضاء الحزب على تأييد عبد المنعم أبو الفتوح، بينما على الجانب الآخر؛ أعلن سيد عبد العظيم (أحد قيادات الدعوة السلفية) تأييده لمحمد مرسي، والأمر نفسه أعلن عنه محمد إسماعيل المقدم (أحد قيادات الدعوة السلفية).

اقرأ أيضاً: الحركات السلفية في نيجيريا.. هل تختلف عن بوكو حرام؟
ولفت إلى أنّه؛ فور خروج عبد المنعم أبو الفتوح من الانتخابات في مرحلة الإعادة، والتي حسمت بين أحمد شفيق (مرشّح الرئاسة السابق ذو الخليفة العسكرية)، وبين محمد مرسي (مرشّح حزب الحرية والعدالة)، انحاز الكثير من السلفيين إلى محمد مرسي، واتفقوا على إعطائه أصواتهم.
عبد المنعم أبو الفتوح

جريدتان وصراعان
صدرت جريدة حزب النور، وكانت توزع 40 ألف نسخة، في الوقت الذي كانت الدعوة السلفية ما تزال تواصل تجهيزات جريدة "الفتح"، وحتى يرضى ياسر برهامي عن الجريدة، فرض تعيين أربعة تلاميذ له في قسم المراجعة، وبعد مراجعتها يتم إرسالها له ليراجعها، ثمّ يأذن بطباعتها، والعدد الأول طلب برهامي حرقه بحجة أنّ فيه تصريحاً للشيخ محمد إسماعيل المقدم لم يقله، وحاولوا إثناءه دون جدوى، متجاوزاً صلاحيات رئيس الحزب، عماد عبد الغفور.

اقرأ أيضاً: هل تخلّصت التيارات السلفية في مصر من عقدة اختلاط الدعوي بالسياسي؟
يقول محمود عباس: صدرت جريدة "الفتح" كصوت للدعوة السلفية، بعد صدور جريدة "النور" كصوت لحزب النور، بحوالي أربعة أو خمسة أعداد، واتفقنا على توزيعها إلى جانب جريدة "النور"، وسافرتُ إلى القاهرة والتقيتُ بإدارة الجريدة؛ طلعت رميح (رئيس التحرير)، وأحمد الوكيل، ومحمد عبد المنعم، وذلك قبل أن يتركوا الإدارة، بعد عدم الإيفاء بمستحقاتهم المالية، وتمّ تعيين محمد القاضي مديراً للجريدة، دون أيّة خبرة صحفية تذكَر، بمرتب ١٥٠٠٠ جنيه شهرياً.
مشروع زراعة السواك
لم يكن لحزب النور برامج اقتصادية بالمعنى الواضح، ويثبت عباس ذلك بقوله، حين تحدث عن اقتراحات داخل الحزب لزراعة السواك! قائلاً: "قام أخ فاضل وقال، موجهاً كلامه للشيخ محمود عبد الحميد: "لقد قلت في كلمتك إنّنا مؤيَّدون من حوالي ١٠ مليون ناخب في الانتخابات الماضية، سواء من الدعوة أو الحزب أو المحبين لهما"، فقال: نعم، فقال له: "فما المانع من أن نقوم بجمع ١٠ جنيهات من كلّ منهم فيكون لدينا ١٠٠ مليون جنيه، وذلك لعمل مشروع كبير ينفق على الحزب والدعوة معاً؟"، فردّ عليه الشيخ محمود: "نحن لا نفكر في ذلك الآن، ولو فعلنا سنفكر في تصنيع خمار وسواك، وتوزيعه أو بيعه على الإخوة والأخوات"!!

اقرأ أيضاً: تنامي أعداد السلفيين في ألمانيا.. وشمال الراين "معقلهم"
ويختتم الكاتب مذكراته بصراعات متعددة في أروقة المدرسة السلفية، حول الحزب والدعوة، لم تنتهِ ساعتها، ولم تنتهِ بعد، حتى الآن.

الصفحة الرئيسية