كيف تناولت السينما المصرية تأثيرات هزيمة 67؟

مصر

كيف تناولت السينما المصرية تأثيرات هزيمة 67؟

مشاهدة

22/10/2018

لم تكن هزيمة العام 1967 أو ما عُرف بـ "النكسة" مجرد حدث عسكري عابر في التاريخ العربي والمصري بشكل خاص، وإنما كان لها آثار معنوية بالغة، لا تزال امتداداتها حاضرة في الثقافة العربية الراهنة، كما عبّرت عنها السينما والأدب في حينه، فظهرت مجموعة من الأفلام المهمة التي تناولت هذا الحدث، وفيما يلي عرض لأبرز هذه الأعمال:

"ثرثرة فوق النيل".. حالة من الضياع

في العام 1966 نشر نجيب محفوظ رواية بعنوان "ثرثرة فوق النيل" وكان بطلها "أنيس"، المثقف الذي يكاد يفقد عقله ويقترب من الهلوسة بسبب ما يصل إليه الحال حوله في المجتمع والدولة من تردٍّ وانحدار؛ حيث يعاني مع مديره في الوظيفة، ثم يخرج ليهيم في الشارع و"يثرثر" بأفكار وتساؤلات عن المجتمع والنظام والقانون، ويبدو بأنّ أنيس الوحيد الذي لا يزال مهتماً بشأن المجتمع، من بين مجموعة من أصدقائه المثقفين، الذين قرروا اعتزال الشأن العام تماماً، واللجوء إلى عالمهم (مملكتهم) الوهمي الخاص، الذي لا مكان فيه إلا للعبث والانبساط و"الكيف".

غلاف رواية نجيب محفوظ "ثرثرة فوق النيل"

نشرت الرواية على مشارف هزيمة العام 1967، وبعد الهزيمة بدأ المخرج "حسين كمال" وكاتب السيناريو "ممدوح الليثي" بالعمل على تحويل الرواية إلى فيلم حمل الاسم نفسه وعُرض العام 1971. وكما في الرواية، يمثل "عماد حمدي" دور "أنيس"، الموظف الذي يصاب باليأس وينضم إلى جلسات أصدقائه في عوامة طافية على النيل، وهي جلسات استمتاع باللذات وتعاطي الحشيش، يسخرون فيها من كل شيء، في تأكيد مهم على حالة العدمية والعبث، والقناعة التامة باستحالة إحداث أي تغيير في واقع ومصير مجتمعهم وبلدهم.

يصل "أنيس" إلى حالة من الهلوسة حين يدور في الشوارع متحدثاً مع نفسه

ومجتمع الأصدقاء هم مجتمع نخبة، فيهم الصحفي والكاتب، والفنان، ويمثل أدوارهم كوكبة من نجوم السينما المصرية، كعادل أدهم، وأحمد رمزي، وأحمد توفيق، وسهير رمزي، وميرفت أمين، وماجدة الخطيب.

اقرأ أيضاً: السينما العربية تطرق أبواب الدين: الانتقال من الترفيه إلى التنوير

الفيلم حمل رمزيات عديدة، وهو قد اكتسب معاني جديدة عن رواية محفوظ بسبب توقيت إنتاجه وعرضه بعد الهزيمة؛ حيث اعتبر بمثابة تعبير عن الحالة التي وصل إليها المجتمع المصري، والنخبة المثقفة خصوصاً، الذين يصابون بالصدمة واليأس التام، ويهربون إلى عالم وهمي يختلقونه، مبتعدين عن واقع المجتمع من حولهم، عالم قائم على السخرية، والانبساط، و"الكيف"، والانفصال التام عن القضايا والمشاكل الملحّة.

يخلق الأصدقاء عالمهم الخاص هرباً من الواقع ومشاكله

هكذا يعيش الأصدقاء في "مملكة" موازية وهمية، يسمونها "المملكة السلطانية"، والتي يتم فيها توزيع المناصب ومنح الألقاب. وبعد اكتشاف قدرات "أنيس" في مجال "الكيف" والحشيش يتم تعيينه في منصب "وزير شؤون الكيف"، وحين يحملونه احتفالاً بتنصيبه، تعود الذاكرة بأنيس إلى مشهد شبيه حين رفع فوق الأكتاف يوماً ما في إحدى المظاهرات، ولكن آنذاك كانت الهتافات للحرية والكرامة، أما الآن فالهتاف: "يعيش وزير شؤون الكيف"!

تقرر المجموعة مغادرة العوّامة والخروج إلى العالم الخارجي، فيذهبون في رحلة إلى الأرياف، ويتوقفون لزيارة المقابر الفرعونية، وهنا نشاهد مثالاً آخر لمدى العبثية التي وصلوا لها، فنجدهم يتسلقون التماثيل ويلهون بها كنوع من السخرية المتعمدة من الهرب إلى تاريخ البلاد وحضارتها.

تتسلق المجموعة الأهرام وتعبث بها في تعبير عن مدى الاستهتار لديهم

وفي هذه الرحلة، وبينما هم يدورون بين المزارع الريفية، يصدمون فلاحة مصرية ويتسببون في موتها، الحادثة التي بدت لوهلة أنها تضعهم أمام مأزق وتوقظهم من غفلتهم، ولكن من جديد، تسود حالة العبث واللامبالاة التامة، ويقررون الهروب بسرعة، ومواصلة حالة عدم الاكتراث. وقد رمزت هذه الفلاحة البسيطة إلى البلد نفسها التي تضيع بسبب التهور واللامبالاة التي وصل إليها المجتمع ونخبه.

تعود المجموعة إلى عالمها الوهمي في العوامة، قبل أن يأتي مشهد الختام مع قرار حارس العوامة "عم عبده"، الرجل البسيط، بفك السلم الوحيد الذي يربط المملكة بالبر، فتبقى العوامة طافية للأبد على وجه النيل، مبتعدة عن البر، ومنقطعة عنه تماماً، في رمزية للدخول في مرحلة ممتدة ومستمرة من حالة الضياع.

"زائر الفجر".. المجرم مجهول

وفي ذات الفترة عمل ممدوح شكري على إخراج فيلم "زائر الفجر" الذي عُرض لأول مرة العام 1972، واستمر عرضه مدة أسبوع فقط، قبل أن يتم منعه من قبل الرقابة، ما تسبب بدخول فريق الفيلم في حالة إحباط، وإصابة شكري بحالة اكتئاب حادّة انتهت بمرضه وموته، لتعود الرقابة بعد ذلك وتسمح بعرضه مع حذف مقاطع منه العام 1975.

لم تكن هزيمة العام 1967 مجرد حدث عسكري عابر في التاريخ العربي والمصري بشكل خاص إنما كان لها آثار معنوية بالغة

يحكي الفيلم قصة الصحفية "نادية" (تقوم بأداء دورها  ماجدة الخطيب)، التي تنتمي لمجموعة يسارية ثورية، وقد اعتقلت لأول مرة في عهد الملك فاروق العام 1952، على إثر مشاركتها في توزيع منشورات، وبعد وقوع الهزيمة العام 1967، تدخل ناديا مع المجموعة في مرحلة جديدة، فيحاولون استئناف النضال بعد إدراكهم أنّ التغيير الثوري لن يتحقق عن طريق "الزعيم"، تبادر المجموعة إلى عقد اجتماعات سرية يحاولون خلالها تفسير أسباب الكارثة التي حلّت بالبلاد ووضع طريق وبرنامج جديد للعمل.

تنتمي "ناديا" لمجموعة ثورية تحاول وضع برنامج جديد للعمل بعد الهزيمة

في تلك المرحلة كانت الأجهزة الأمنية قد شرعت في ملاحقة الناشطين والمعارضين الذين أخذوا يلقون مسؤولية الهزيمة على نظام الحكم، وكانت ناديا مرهقة بسبب شعورها الدائم بالمراقبة، والتتبع، والتهديد، وكانت تعبر عن خوفها من التعرض للاعتقال، والسجن، والموت، إضافة إلى معاناتها من المشاكل على المستوى الاجتماعي؛ حيث انفصلت عن زوجها، الدكتور فريد (يوسف شعبان)، الذي كانت تجد فيه مثالاً للرجل المنهمك بشؤونه الشخصية غير المكترث بالشأن العام، وغير المبالي بالهزيمة، وقد وصفته بأنه: "مشي في طريق المصالح والفلوس، ماله ومال البلد والسياسة، ده تلاقيه ما سمعش إنه في هزيمة حصلت".

اقرأ أيضاً: كيف قدمت السينما العربية صورة الإرهابي؟

تقول ناديا لإحدى رفيقاتها: "دايما يقبضوا على الناس في الفجر"، ومن هنا يأخذ الفيلم اسمه "زائر الفجر"، وتبين لها: "أنا مش خايفة من الموت.. أنا خايفة بس يجي بدري قبل ما اشوف الي نفسي فيه"، وبسبب معاناة ناديا من ضعف القلب تنتهي حالة الضغط التي تعيشها بالموت.

تنهار الصحفية "ناديا" وتموت بسبب الملاحقة وحالة البلاد بعد الهزيمة

تستقبل الشرطة بلاغاً بوفاة نادية، ويتولى وكيل النيابة "حسن" (عزت العلايلي) التحقيق في موتها، ورغم إثبات التقرير الجنائي أنها ماتت بسبب هبوط مفاجئ في القلب، يبدأ حسن تحرياته عن نادية، ليجد اختلافاً في الشهادات، بين مدافع ومهاجم، ولكن معرفة حسن بمرضها جعله يشكّ بأن هناك من كان يعلم بحالها وقام بممارسة الضغوط عليها ليتسبب بوفاتها دون ارتكاب جريمة مباشرة.

تنتهي تحقيقات حسن بالكشف عن شبكة دعارة تديرها الكوافيرة "نانا" (تحية كاريوكا)، ويقف وراءها مسؤولون كبار، وعند هذه النقطة تتوقف التحقيقات بأمر من أحد كبار المسؤولين، في إشارة إلى حجم الفساد المتغلغل في أجهزة الدولة، فيشعر حسن بغيظ شديد، ويلخص كل شيء بالقول: "دلوقتي عرفت ليه انهزمنا في 67!". ينتهي الفيلم بسؤال حسن لسعاد، آخر من رافقت نادية قبل وفاتها وأول من عرفت بالوفاة: "وما بلغتيش البوليس ليه؟"، فتجيب: "ومين المجرم الّي أبلغ عنه؟!".

الإفراج عن "نانا" تجسد للحظة انتصار منظومة الفساد على العدالة

استطاع ممدوح شكري أن يصوّر -عبر قصة نادية- المجتمع والدولة في مرحلة ما بعد الهزيمة، فيقوم بطرح سؤال المسؤولية، وينحاز إلى الحراك الثوري الصاعد آنذاك. وهكذا، كان "زائر الفجر" مخاطبة صريحة للناس في وقته، خلافاً للاتجاهات التي حاولت خداع الناس وإلهاءهم، الذي ظهر في أفلام حاولت التركيز على المتعة واللذة، وهو ما يفسر منع الفيلم في حينه.

"عودة الابن الضال".. عصر الحروب الأهلية

في العام 1976، عُرض فيلم "عودة الابن الضال"، وهو من إخراج يوسف شاهين، ومأخوذ عن رواية بالاسم نفسه لصلاح جاهين، جاء الفيلم معبراً عن تحولات كبرى عرفتها مصر من خلال قصة عائلة مدبولي الريفية البسيطة.

ينتهي فيلم "عودة الابن الضال" بمشهد الاقتتال والدماء المسفوكةوالتي تبدو نتيجة حتمية لغياب الأمل والطموح

يتمحور الفيلم حول "علي" (أحمد محرز)، الشاب الذي يترك عائلته في مقتبل حياته، مهاجراً إلى المدينة، سعياً وراء الأحلام والطموح، وللخلاص من الواقع البائس في القرية، لينهي دراسته هناك ويعمل مهندساً في قطاع الإنشاءات، ولكنه يقع فريسة في يد من يستغل أحلامه في مشاريع وهمية، حين ينهار أحد الأبراج التي كان يشرف على إنشائها، بسبب فساد وغش من قبل المستثمرين أصحاب المشروع، ولكن المسؤولية تُلقى على عاتقه، فيتم الزجّ به إلى السجن مدة ثلاثة أعوام.

يشتهر كل من يوسف شاهين وصلاح جاهين بالاعتماد على الرمزية، وفي هذا الفيلم رمز "علي" لثورة يوليو وهزيمتها العام 1967، حيث الخروج من القرية وواقعها البائس هو خروج تنظيم الضباط الأحرار من جموع الفلاحين ومن الواقع البائس في نهاية العهد الملكي، أما أحلام علي وطموحه فترمز إلى الوعود والآمال الكبرى التي حملتها الثورة، من التحرر الوطني ومحاربة الاستعمار، إلى العدالة الاجتماعية، والتأميم، والقضاء على الإقطاع. أما المستثمرون الذين قضوا على علي وأحلامه، فهم رجال الدولة الفاسدون الذين حوّلوا الأحلام إلى "الهزيمة"، ومثّلت فترة السجن صورة الهزيمة، التي تعمد صانعو الفيلم جعلها تعادل مدة  سنوات عبد الناصر ونظامه الأخيرة بعد النكسة  (1967 - 1970).

خرج "علي" من الواقع البائس في الريف إلى المدينة سعياً وراء أحلامه

وبعد الخروج من السجن، يعود علي إلى قريته، ليجد أخاه "طُلبة" قد أصبح صاحب مال، له مزارع ومصنع، أما أهالي القرية فأصبحوا عمالاً عنده يتحكم فيهم ويظلمهم، وقد انتظروا عودة علي حتى ينصرهم ويخلصهم من ظلم طُلبة، لما عرفوا عنه من العدل والوقوف إلى جانب الحق. ولكن علي يخذلهم ويخيب آمالهم، فهو قد عاد مهزوماً منكسراً، ولم يعد يعرف معنى الأحلام والآمال الكبرى، ولم يعد مؤمناً بإمكان تحقيقها، وذلك في ترميز إلى ما نتج عن هزيمة 1967 من مشاعر اليأس والإحباط، التي اجتاحت النخبة المصرية بعد الهزيمة.

التفاف أهالي القرية حول علي بعد عودته

تتزامن عودة علي مع إنهاء ابن أخيه "إبراهيم" للثانوية وخوضه نفس الرغبة في التحرر، حيث يريد أن يسافر خارج مصر، ويذهب لدراسة علم الفضاء، فهو متأثر بمشهد صعود الإنسان إلى القمر، وبعالم الفضاء المصري "فاروق الباز"، ولكن أباه "طُلبة" يمانع هذا الطموح ويقف دونه، حيث يريد من إبراهيم أن يدرس البيطرة ليعمل في مزارعه، وهنا تحضر من جديدة فكرة الرغبة والطموح عند الأجيال الجديدة للتحرر، وتمثل ممانعة الأب سعي الكبار والمتنفذين لتبديد أحلام الأجيال الشابة.

يرمز الصراع في عائلة مدبولي لدخول عصر الحروب الأهلية العربية

وفي رمزية أخرى مهمة، يرمز الصراع الذي يضرب عائلة مدبولي، إلى دخول عهد الحروب الأهلية العربية، بعد الهزيمة (1967)، حيث أنتج الفيلم العام 1976 بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية بسنة، وينتهي الفيلم بمشهد الاقتتال والدماء المسفوكة، وهي التي تبدو النتيجة الحتمية لغياب الأمل والحلم والطموح.

الصفحة الرئيسية