كيف يخدم اليمين الأوروبي المتطرف خطة داعش؟

كيف يخدم اليمين الأوروبي المتطرف خطة داعش؟

مشاهدة

19/03/2019

عندما بدأت عمليات تنظيم داعش في الداخل الأوروبي، سواء في فرنسا أو بلجيكا أو غيرها من الحواضر الأوروبية، تصوّر البعض أنّ الهدف منها هو الثأر المباشر من الدول التي نشطت ضمن التحالف الدولي الذي حارب التنظيم، والذي نجح في إنهاء وجود دولته المزعومة.

اقرأ أيضاً: تقرير يكشف خطورة إرهاب اليمين
بينما لم يكن هذا هو الهدف المباشر لداعش، بقدر ما كان السبب استدعاء وتغذية تطرف مضاد، عبر استغلال موجات اليمين المتطرف، التي تصاعدت للمصادفة مع انتهاء "الدولة الإسلامية"، عام 2015، وهو العام الذي شهد أيضاً صعود اليمين المتطرف في أوروبا، ليس الشرقية فحسب؛ بل أوروبا الغربية، وبالتحديد الدول الإسكندنافية التي أبدت تعاطفاً إنسانياً عظيماً، واحتضنت المهاجرين.

يدقّ حادث نيوزيلندا ناقوس الخطر منبهاً الضمير الأوروبي لخميرة العنف والإرهاب التي تجسدها مجموعات اليمين المتطرف

جسدت الروح التي أبدتها بعض المجتمعات والحكومات المتطرفة من رعاية وإنسانية لافتة، تهديداً كبيراً لسردية داعش الرئيسة، التي تقول إنّ التناقض مع الغرب ديني وإنساني، أساسه الصراع والحرب الدائمة، وإنّ الغرب صليبي، وسيبقى كذلك، وإنّ الصراع بينهما أبدي، جوهره السجال بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر.

إن عداوة داعش راسخة لفكرة الدولة الوطنية التي تنهض على المواطنة، ولا تفرق بين مواطنيها بحسب العرق أو الدين أو الفكر، وأكثر ما أزعج داعش، هي النزعة الإنسانية التي أبدتها تلك المجتمعات في مواجهة هجرات المسلمين إليها، والذي تصور أنها تهدد إيمان الناس بدينهم، ووفق تعبيره، فإنّ الأمر هو فتنة في الدين، فالناس تفرّ من وحشية داعش الذي يتحدث عن تمثيل الدين وقيمه إلى الغرب الكافر من وجهة نظرهم؛ لذا اقتضت خطة داعش أن يتم استفزاز تلك المجتمعات وإشعارها بأنّ هؤلاء المهاجرين يهددون وجودهم في أوطانهم، وأنهم لا يؤمنون سوى بشطبهم من الحياة عبر الغزو، وهو ما تلح عليه دعاية داعش.

اقرأ أيضاً: بين اليمين المتطرف وداعش.. رؤى مشتركة تهدد الإنسانية
في طبيعة الحال؛ فكرة الغزو فكرة مركزية لدى داعش، وقد ظهرت آثارها بوضوح في بيان الإرهابي الأسترالي، برينتون تارانت، الذي نفّذ مجزرة يوم الجمعة الماضي بحق المصلين في مسجدين في نيوزيلندا، والتي أسفرت عن قتل 50 مسلماً، على الأقل، وإصابة العشرات.

يحفل البيان الذي نشره منفذ الهجوم على صفحته وأرسله إلى عدد من السياسيين والإعلاميين بالعديد من الإشارات، والتي تؤكد أنّ الإرهاب اليميني في أوروبا يمضي في المسارات التي رسمتها داعش، فقد وصف "تارانت" الأسباب التي دفعته لتنفيذ هجومه، بأنه طريقة كي يظهر "للغزاة أنّ بلادنا لن تكون بلادهم أبداً، وأنّ أوطاننا ملكنا، وأنه ما دام هناك رجل أبيض ما يزال حياً، فلن يحتلوا أرضنا أبداً، ولن يقيموا مكان شعوبنا".

اقرأ أيضاً: الإرهاب اليميني: القتل باسم الكراهية

تشي كلمات الإرهابي بأنّه يشعر بتهديد وجودي، ويبدو خطاب داعش الأكثر تأثيراً في وعيه، هو لم يعانِ تطرفاً أو إرهاباً أو تهجيراً قسرياً من بلاده، لكنّه يستشعر تهديداً وجودياً للوطن الأوروبي الذي تتوعده داعش، كما أنّه يرى المهاجرين طابوراً خامساً لداعش، يختبئون فيه؛ لذا يستهدفهم، وفق هذا التوصيف، وقد ظلّ يخطط للهجوم منذ عامين؛ أي إنّ الأمر لم يكن فورة حماس أو نزعة شيطانية عابرة تملكته؛ بل تقدير نبت من أيديولوجية متطرفة تعتمد الإقصاء والقتل.

تبدو فكرة الانتقام حاضرة أيضاً، فقد وصف هجومه بأنّه عمل انتقامي. ويستدعي المسلح هنا روح العداء التاريخي والصراع الدائم الذي يرفع شعار "الغرب غرب والشرق شرق ولن يلتقيا"، نفس فكرة القسطاطين، التي تعد فكرة مركزية لدى داعش، وها هي خطة التنظيم في الاستفزاز تؤتي ثمارها، في ولادة إرهاب مضاد يستدعى بالضرورة ردّة الفعل، خصوصاً مع تملق بعض السياسيين الغربيين لتلك الروح، التي تزعزع الثقة في معاني التسامح والتعايش والاندماج وكل المعاني الإنسانية السامية التي عبدت طريق الغرب للتقدم.

يعتقد تارانت أنّ هذا الهجوم سوف يلفت الانتباه إلى حقيقة يعتقدها، تشير إلى الاعتداء على حضارته، وأنّه ليس هناك مكان آمن في العالم، وأنّ الغزاة موجودون في جميع أراضينا، حتى في أبعد مناطق العالم، وأنّه لم يعد هناك أيّ مكان آمن وخالٍ من الهجرة الجماعية، مدعياً أنّه يمثل الملايين من الأوروبيين، مضيفاً أنّه يجب أن نضمن وجود شعوبنا ومستقبل أطفالنا البيض".

اقرأ أيضاً: إرهاب اليمين المتطرف الخطر القادم من الغرب

لا مجال للشكّ في أنّ خطة داعش قد صنعت تصور هذا الشخص، وهذا لا يعني أنّ التطرف غير موجود في البيئة الأوروبية، لكنه -كأيّ شيء آخر- يبقى في حاجة إلى المحفزات والمثيرات، وهذا هو ما فعله داعش وراهن عليه، استثارة التطرف والإرهاب، وتعزيز التناقض وتهديد قيم التسامح والتعايش؛ لذا لا يبدو غريباً أن يخرج بيان عن التنظيم المتداعي في سوريا والعراق بعد ساعات من حوادث نيوزيلندا، تحت عنوان "صبراً نيوزيلندا الأيام دول والجروح قصاص".

يدقّ حادث نيوزيلندا ناقوس الخطر، منبهاً الضمير الأوروبي لخميرة العنف والإرهاب التي تجسدها مجموعات اليمين المتطرف، الذي ما تزال أوروبا، وفق الكود الأوروبي لحقوق الإنسان، تعدّه تعبيراً سياسياً، رغم أنّ هذا اليمين في حقيقة الأمر يهدد صيغة الدولة القومية التي نجحت لحساب بناء إمبراطوريات الكراهية والصراع.

يهدد اليمين المتطرف صيغة الدولة القومية التي نجحت لحساب بناء إمبراطوريات الكراهية والصراع

لا ينبغي الخلط بين الحق في الحياة والحق في تطرف البعض، الذي يفتح باب العدوان على أقدس حقّ، وهو الحق في الحياة.

لا أتصور أنّ مواجهة جادة للعنف والإرهاب لا تبدأ بتوصيف دقيق لما هو سياسي وما هو تطرف وإرهاب، والتفريق الواضح بين فكرة الدولة والمنافسة السياسية الصحيحة، وضوابط وأخلاق التنافس السياسي والفكري.

إنّ بقاء منتديات وأحزاب وقوى اليمين المتطرف في الغرب جزءاً من العملية السياسية والتشريعية والحياة العامة، قد يجعل فرص بزوغ التطرف والإرهاب في أوروبا تخرج من حالة الفردية التي تبدو عليها الآن، بمثل تلك العمليات الإجرامية قد يفاجئنا ظهور تنظيمات تحمل السلاح تحت عناوين قومية أو دينية، وقديماً نجح هتلر في أن يحرق بلاده والعالم معها منطلقاً من عملية سياسية بدت ديمقراطية.

أتصوّر أنّنا يجب أن نستعيد الإيمان بأنّ الديمقراطية قيمة في حدّ ذاتها، لكن الأهم من آلياتها هي صيانة الثقافة التي أنتجتها ثقافة التعايش وحماية حقوق وحريات الأخرين من العدوان، وإلا سيبقى الغرب يمضي في المسار الذى رسمه داعش، الذي قد يكتب نهايات غير سعيدة لمستقبل التعايش بين بني البشر.

الصفحة الرئيسية