جماعات الإسلام السياسي.. هل تشوه القيم الإنسانية للأفراد والمجتمعات؟

3490
عدد القراءات

2019-06-02

"أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا.."

تقوم فكرة "الإسلام السياسي"، كما كل الجماعات الدينية السياسية أيضاً، على تحويل قيم التدين والأخلاق والدوافع الفردية التي ينشئها ضمير الإنسان، إلى عمليات ومؤسسات اجتماعية وسياسية منظمة أو مؤسسية، وفي ذلك فإنّ الإسلام السياسي يفسد القيم الأساسية المنشئة لحياة الأفراد والجماعات، كما يفسد أيضاً العمليات المؤسسية والتنظيمية للدول والمجتمعات؛ لأن تحويل القيم الفردية إلى عمل جماعي منظم يقلل، إن لم يدمر، قدرتها الذاتية على التكوّن والعمل والتأثير، وفي الوقت نفسه، فإنّ القيم الجماعية عندما تخسر صفتها الأساسية كونها مستمدة من المصالح والأعمال واتجاهات وجدالات الطبقات والفئات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة فإنه ينزع منها مبرر وجودها، وتفقد قدرتها على الإبداع والتجديد.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي ومستقبل الديمقراطية في العالم الإسلامي

إنّ فعل الخير و/أو الصواب، وتجنّب الشر و/أو الخطأ، لا يكون خلقاً إلا إذا كان فعلاً حراً بلا دافع أو حافز قانوني أو ديني، ولا يعود الفعل نفسه خلقاً حين يكون التزاماً قانونياً أو دينياً، وإن يظل بالطبع فعلاً للخير و/ أو الصوب وتجنباً للشر و/ أو الخطأ، وفي ذلك فإنّ الأخلاق هي الحرية الخالصة لذاتها بلا خوف أو منفعة.

الإسلام السياسي يفسد القيم الأساسية المنشئة لحياة الأفراد والجماعات، كما يفسد أيضاً العمليات المؤسسية والتنظيمية للدول والمجتمعات

والحرية هي الخير الخالص، بما هو كذلك مستقلاً عن الحوافز، وهي أيضاً جوهر الإنسان ومبتدأ تنظيم الدول والمجتمعات والسلطات والتشريعات؛ أي اعتبار الإنسان كائناً حراً يسعى إلى الخير دائماً، بما هو في الأصل جوهره وحقيقته خير خالص وجميل، وأنّ الخطأ أو فعل الشر هو استثناء.

إنّ أسوأ ما وقعت فيه الجماعات والسلطات السياسية والاجتماعية وما نتج عنها من قيم وسياسات وتشريعات وأفكار؛ هو اعتبار الإنسان كائناً تحركه المحفزات والدوافع المباشرة، أو عدم الافتراض أنّه ينزع إلى الخير بطبعه وجوهره، وأسوأ من ذلك بالطبع افتراض أنّه ينزع إلى الشر أو في عبارة عملية أخرى؛ تغليب الاستثناء على الأصل، وهذا لا يعني بالطبع عدم ردع أو محاسبة المخطئ.

اقرأ أيضاً: الصراعات الدينية.. كيف تستنزف جماعات الإسلام السياسي المجتمعات؟

الحاجة الأساسية للإنسان، التي تنشئ الغرائز والدوافع والاتجاهات، هي الحياة، كيف يبقى حياً؟ كيف يحمي نفسه من الموت أو ما يهدده بالموت؟ وفي ذلك فإنّ الغذاء والتكاثر كانتا حاجتين أساسيتين للبقاء، وتشكلت حولهما منظومة واسعة ومعقدة من الأفكار والعلاقات، وعندما يتجاوز الإنسان الخوف والتهديد فإنّ سلوكه يتجه بطبيعة الحال إلى تحسين البقاء والارتقاء.

هكذا فإنّ غاية الإنسان السامية هي تجاوز الخوف لأجل الارتقاء، فلا يمكن للإنسان أن يرتقي بذاته إلا إذا تجاوز الخوف أو الشعور بالخوف، وتكون أهمية الأخلاق وضرورتها في تجاوز الخوف وبناء الأمان والثقة. "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" (الحشر-9).

اقرأ أيضاً: لماذا سقط الرهان على "الإسلام السياسي" في المجتمعات العربية؟

ولذلك نلاحظ في الدول المتقدمة نمواً ضئيلاً في عدد السكان بسبب الشعور بالأمان، والعكس صحيح ففي المجتمعات الفقيرة وفي حالات الحروب والصراعات والكوارث يزيد التكاثر وحالات الزواج المبكر.

وفي تطور التشكيل الإنساني، أصبح الإنسان في حاجة إلى الخوف والمغامرة لإثارة وتحريك الرغبات، وهذا يفسر النزعة إلى تعدد العلاقات، على سبيل المثال؛ فالخوف والمغامرة تزيد الرغبة، والزواج بما هو أمان يقلل الشعور بالحاجة إليه. ويعرف المزارعون أنّ النباتات عندما تعطش تنتج البذور والعكس صحيح أيضاً، ولأجل التخلص من البذور في الثمار يحرصون على سقاية المزروعات للدرجة التي تجعلها لا تخاف، ويعطشونها لأجل الحصول على البذور.

اقرأ أيضاً: أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي

وتكون وفق هذا المنظور العقلانية الاجتماعية والأخلاقية؛ أو الأخلاق؛ بما هي عمليات عقلانية أن يتحرر الإنسان من الخوف ويدير غرائزه واحتياجاته الأساسية، وفق التقدير العقلاني للحياة والبقاء والارتقاء بالحياة، وهكذا أيضاً فإنّ الحب الحقيقي بما هو مكون أساسي في الحياة في مستوى الخوف والبقاء أو في مستوى البقاء يرتقي من كونه غريزة للبقاء إلى عمليات عقلانية وأخلاقية لأجل بناء العلاقات الثنائية والاجتماعية على أساس من الالتزام والمعرفة والفهم المتبادل، .. وربما لا تخرج مشكلات الأسر والمجتمعات وسوء التفاهم عن قاعدة الخوف أو التحرر من الخوف.

اقرأ أيضاً: مستقبل الإسلام السياسي: مآزقه وخياراته

هكذا فإنّ الفرد في حريته واستقلاله ومسؤوليته ينشئ القيم الاجتماعية والأخلاقية بما هي حاجات فردية، وتكون وظيفة المجتمعات والمؤسسات السياسية والتنظيمية أن تجعل من هذه القيم أساساً أو محركاً لأهدافها الاجتماعية والتنظيمية، والتي هي أساساً تقوم حول الفرد وتهيئة الأفراد لوظائفهم ومواقعهم الاجتماعية، وهذا يفسر كيف تنشئ المجتمعات قيم "الفردية" برغم أنّها (الفردية) تتعارض مع المصالح والقيم الجماعية!

أسوأ ما وقعت به الجماعات السياسية اعتبار الإنسان كائناً تحركه الدوافع المباشرة، أو عدم الافتراض أنّه ينزع للخير بطبعه

لكن الجماعات الإسلامية السياسية "الإسلام السياسي" يمكن أن تمضي بالأفراد والمجتمعات إلى أسوأ من ذلك، عندما تزين الأهواء والمصالح وتمنحها صفة دينية وأخلاقية، فيقدم إلى المجتمعات والأفراد التنافس والسعي إلى السلطة والمصالح أو اللؤم والعيب، كما لو أنّه عمل صالح أو مروءة، وبمرور الزمن يتحول في أذهان الناس الخير إلى شر، والفضيلة إلى رذيلة، وتفقد الأعمال الصالحة جوهرها وحكمتها الأساسية، ولا تعود لها قيمة إلا في سياق العمل الجماعي المنظم، وتتحول الغايات المادية والأرضية للجماعات إلى دين ومقدسات.

على سبيل المثال، يكون من لا ينتخب مرشحي الإسلام السياسي في الانتخابات العامة آثماً، ومن يخالفهم يكون خارجاً من الدين أو خارجاً عليه، وتكون النجاحات الانتخابية مصداقاً لقوله تعالى: "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"، ويفسر الفشل بقوله تعالى: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"، وأيضاً "إن يمسسكم قرح فقد مس القوم وتلك الأيام نداولها بين الناس"، "فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون" .. ثم تغيب قيم الازدهار والتقدم والمراجعة باعتبارها الضامن الأساسي لنجاح العمل العام، لتحل مكانها سياسات ومصالح الجماعات سواء كانت أهواءً وفساداً وشرّاً، أو كانت خيراً ومصالح عامة، ويلتبس على الناس الخير بالشر، وما هو دين من عند الله وما ليس من عند الله.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



إسلام تعدّدي وإسلام أُحادي: مدرستا الإسلام الهندي

2019-10-22

في الإسلام الهندي يتنافسُ تياران؛ تيارُ إسلامٍ تعدّدي، يستقي من رؤى العرفاء، ويسترشد برؤية الشيخ محيي الدين بن عربي في "تعدد الطرق إلى الله"، وعدمِ احتكار الطريق إلى الحقيقة والحقانية والخلاص، وعدمِ اختصاصِ النجاة بديانةٍ أو فرقةٍ أو مذهبٍ أو طائفةٍ أو جماعة، لأنها ضربٌ من احتكار رحمة الله. ابنُ عربي يستهجن عمليةَ الاحتكار هذه، ويصنّفها على أنها ردٌّ على كتاب الله، وضربٌ من التحجير على رحمته عندما يقول: "إن ذلك ردّ على كتاب الله، وتحجير على رحمة الله أن تنال بعض عباد الله"، (كما ورد في "الفتوحات المكية، باب 50، ج2، ص100). وهذا تيارٌ تعدّدي في الإسلامِ الهندي، يتفهم تنوّعَ المعتقدات والمقدّسات والطقوس بتنوع الأديان، ولا يستهجنها، ويتقبل بروح ايجابية الاختلافَ في الفضاء الديني، ويتعايش مع مختلف التجارب الدينية، لذلك لا تستفزّه المقدّساتُ والطقوسُ المختلفةُ للهندوسية وغيرِها من الأديان المتنوعة في الهند.

غالباً ما أخفق علمُ الكلام الذي نشأ متأخراً عن عصرِ الوحي في تمثّل روح الوحي، وطالما مكث أسيراً للفهم التبسيطي

وهناك تيارٌ آخر أُحادي في الإسلامِ الهندي، غيرُ متفاعلٍ مع الفضاء الديني المتنوع، ولا يتقبل بروح إيجابية تنوعَ المعتقدات والمقدّسات والطقوس بتنوع الأديان، ولا يتفهم تعددَ التجارب الدينية. وهو شديدُ الوفاء للرؤيةِ الكلامية ولأحكامِ المدونة الفقهية. تسلّطت على ذهنية تيار الإسلام الأُحادي مدرسةُ الحديث، فاضمحل حضورُ العقل في تفكيره، وصار لا يفهم النصوصَ إلا فهماً حرفياً. لذلك لا يطيق التعايشَ مع المُختلِف دينياً وثقافياً، ويتشبّث بآراء المتكلمين وفتاوى الفقهاء في موقفه من المعتقدات والمقدّسات والطقوس المختلفة للهندوسية وغيرِها من الأديان في الهند. واهتم هذا التيار بإقصاء الاجتهادات التي لا تنسجم مع رؤيته لولي الله الدهلوي، وانتقاء بعض مقولاته ومفاهيمه، وإعادة إنتاج فهمها في سياق غريب عن منظومته الفكرية الكلية.

اقرأ أيضاً: علم الكلام الجديد والأشاعرة الجدد
مدرسةُ "ولي الله الدهلوي - أحمد خان – محمد إقبال – فضل الرحمن" تنتمي للتيار الأول، لذلك كانت الأقلَ حضوراً في التفكير الديني في المجال العربي؛ لأن نمطَ فهم الجماعات الدينية ومنهجَها الحرفي في تفسير القرآن الكريم، الواسعِ الانتشار والبالغِ التأثير في التدين السلفي، لا يستسيغ منطقَ التفكير العقلاني المركّب في فهم الدين، ولا يتذوق النكهةَ العرفانيةَ، ولا يتفاعل مع الرائي الذي يعرف أسرارَ الروح، ويفقه لغةَ القلوب، ويستفزّ عقلَه الحديثي الحرفي تأويلُ النصوص، أو أيُّ اجتهاد في الاعتقاد. وذلك ما تسبب بنفور الجماعات الدينية العربية من اللغةِ التي تتحدّثها أعمالُ هذه المدرسة في التفكير الديني الحديث في الهند، فمثلاً لم يُعرف محمد إقبال لدى أكثر قرّاء العربية مُجدِّداً، بل يعرفونه شاعراً. ولم أجد إحالةً لكتابه "تجديد التفكير الديني في الإسلام" في أدبيات الجماعات الدينية، وظلّ هذا الكتابُ مُهمَلاً سنوات طويلة، على الرغم من أنّه تُرجم ونُشر بالعربية قبل أكثر من نصف قرن.

اقرأ أيضاً: علم الكلام الجديد وإشكالية التسمية
استعارت الجماعاتُ الدينيةُ في بلادنا من الإسلام الهندي ما هو أكثرُ وفاءً للرؤيةِ الكلامية ولأحكامِ المدونة الفقهية، وما يتكلم لغتَها ويفكّر بطريقتها، وهي كتاباتُ التيار الأُحادي في هذا الإسلامِ، الذي أنتجه منهجُ تفكير مدرسة "ندوة العلماء"، ومن يمثلها أو يحاكي تفكيرَها، أمثال: "شبلي النعماني، وأبو الحسن الندوي، وأبو الأعلى المودودي"، والأخيرُ هو الأشدُّ أثراً في أدبيات الجماعات الدينية العربية، فقد تبنّت أدبياتُ هذه الجماعات مفاهيمَ أبي الأعلى المودودي؛ لأنها تشبه منطقَ التفكير المتسلّط على ذهنية مؤسّسي هذه الجماعات، وتحاكي اللغةَ التي تتحدّثها أدبياتُها، وتغويها شعاراتُ استعادةِ نموذج دولة الخلافة، الذي ينتمي إلى مرحلة ما قبل الدولة الحديثة، كما نلحظ ذلك بوضوح في كتاباتِ سيد قطب، وغرامِه بنموذج دولة الخلافة، ومقتِه للفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع، ولمشروع الدولة الحديثة ودساتيرها ونظمها وقوانينها، بعد أن سقط ذهنُه في شباك قراءة المودودي السياسية للتوحيد، فتشبّع تفكيرُه بمقولات: "الجاهلية، والحاكمية" وغيرِهما من معتقدات محورية تنطلق منها رؤيةُ المودودي للعالَم، فصار سيد قطب لا يفكّر إلا في آفاق هذه الرؤية، ثم غرقت فيها معظمُ أدبيات الجماعات الدينية في عالَم الإسلام، سنية وشيعية.

اقرأ أيضاً: وليُّ الله الدهلوي والإسلام التعددي الهندي
كتبَ أبو الأعلى المودودي رسالة: "المصطلحات الأربعة في القرآن"، ونشرها على شكل مقالات متسلسلة في مجلة "تُرجمان القرآن"، الصادرة في باكستان عام 1947، ثم جُمِعت هذه المقالاتُ وطُبِعت في كراس. وتلخّص هذه المصطلحاتُ قراءةَ المودودي السياسية لعقيدة التوحيد، وكيف فرضت هذه القراءةُ فهماً لا يرى في التوحيد شيئاً خارج الدولة والسياسة، وتسرّبت رؤيتُه لأدبيات الجماعات الدينية. أعاد المودودي إنتاجَ دلالات مصطلحات "الإله، والرب، والدين، والعبادة" سياسياً خارج سياقها القرآني، وفسّرها في ضوء أحلامه بتأسيس دولةٍ دينية تنبثق من هذه العقيدة، ويعتمد دستورُها ونظمُها وقوانينُها المتنوعة المدونةَ الكلامية والفقهية، فأخرج تلك المصطلحات القرآنية من دلالتها الميتافيزيقية والقيمية، وأسقط عليها ما يريد أن يراه فيها من دلالات سياسية، تنفي أيَّ حق للبشر في بناء الدولة على أساس الفكر السياسي ومكاسبه الكبيرة في العالَم الحديث، وما صنعته تجاربُ الإنسان المتراكمة منذ آلاف السنين في بناء أنماطٍ متعدّدة للدول.

اقرأ أيضاً: شبلي النعماني لم يؤسس علم الكلام الجديد
ذهب المودودي إلى أنّ إنشاءَ البشر لحكومة ودولة في الأرض، من دون العودة إلى الله، ضربٌ من الشرك والعدوان البشري على الله. ولأنه خلط بين حاكمية الله وحكومة البشر فقد عدَّ ذلك عدواناً على الربوبية. البشرُ كما يرى المودودي، بطبيعتهم، قاصرون عن اكتشاف النظام الأصلح لبناءِ وإنشاءِ دولةٍ تضمن حقوقَهم وحرياتهم، لذلك لا يمكنهم بناءُ الدولة وممارسةُ السياسة من دون العودة إلى الله وتفويضٍ منه يتكفلّه التراثُ الكلامي والفقهي (وهو ما جرى الحديث عنه في كتابنا: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، الذي تحدثنا فيه عن تعذر بناء الدولة الحديثة على أساس مدونة علم الكلام والفقه. بيروت، دار التنوير، ط2  2019، ص 43-69، الفصل 2 بعنوان: "تناغم القانون والقيم في الدولة الحديثة"). 

اقرأ أيضاً: السؤال الميتافيزيقيّ الجديد يفرض علينا بناء علم كلام جديد
استقى المودودي المضمونَ الاعتقادي لهذا الفهم للتوحيد من ابن تيمية، وخلع عليه رؤيتَه السياسية. اختزل المودودي صورةَ الله في السياسة، فصارت هذه الصورة في ذهنه كأنها طاغوت مستبدّ خلعَ جلبابَ سلطنته وألبسه لهذه الصورة، ولم يشأْ أن يتدبّر الحضورَ المكثفَ لله عز وجل في القرآن الكريم، وما يحيل إليه هذا الحضورُ من دلالاتٍ ميتافيزيقةٍ وقيمية ثرية، لا صلةَ لها بأي شكل بالدولة والسياسة، (ورد ذكرُ اسمِ "الله" 1567 مرةً في آيات القرآن الكريم، ولو أضفنا لذلك عددَ أسماءِ الله وصفاتِه المتنوّعةِ في القرآن لتجاوزهذا العددَ بكثير، فمثلاً تكرّر ذكرُ كلمة "رب" فقط 124 مرة. ولم يرد اسمِ "الله" ومرادفاته وصفاته مرة واحدة بالمعنى السياسي الذي ذهب إليه المودودي وغيره).   بذلك أهدر المودودي المعنى الذي يمنحه الدينُ للحياة، وأدخل هو، ومن سقط في شباك قراءته السياسية للتوحيد، الإسلامَ في مأزق حضاري، ذلك أنّ أيّةَ ديانةٍ تخلع على نفسها جلباباً سياسياً تهدر الأبعاد الميتافيزيقة للتوحيد والمعانى الروحية والأخلاقية التي يمنحها الدينُ للحياة، وتسقط في مأزق إسقاط قراءة على القرآن الكريم بعيدة عن لغة القلب والروح التي يتحدثها. الدينُ بلا قلبٍ وبلا روحٍ، يفتقرُ للمنابع العميقة التي تمنحُ حياةَ الإنسانِ معناها الوجودي، الذي تفتقده في أي منبع آخر. المودودي في قراءته السياسية للتوحيد أفرغ هذه العقيدة من معناها، وأحالَ الإسلامَ إلى: دينٍ بلا روحٍ، ودينٍ بلا قلبٍ، ودينٍ بلا عقلٍ.
علمُ الكلام الجديد من الهند إلى إيران
مقولاتُ مدرسة الإسلام الهندي التعدّدي التي يمثلها "ولي الله الدهلوي - أحمد خان – محمد إقبال – فضل الرحمن"، خاصة ما أنجزه محمد إقبال من فهمٍ لـ : "الوحي، وختمِ النبوة، والتجربةِ الدينية، والاجتهاد بوصفه مبدأَ الحركة في الإسلام"، استأنفها أحدُ تيارات التفكير الديني في إيران، فبنى عليها وأعاد إنتاجَها كلٌّ من: مرتضى مطهري، وعلي شريعتي، وعبدالكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري. كلٌّ وفق قراءته؛ فمطهري وظّفَ فكرة "الاجتهاد مبدأ الحركة في الإسلام" لإقبال، وشريعتي اهتم بفكرة "ختم النبوة". ولكن عبدالكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري كانا الأكثرَ اهتماماً بآراء مدرسة الإسلام الهندي التعدّدي، والأبعد مدى في قراءة مقولاتهم المركزية، والبناء عليها أفقياً ورأسياً، خاصة المفهوم الجديد للوحي في الإسلام الهندي التعدّدي، ويمثل هذان المفكران أبرزَ من تجلّت في آثارهما هذه المدرسة في التفكير الديني الإيراني، وأصبح فكرُهما أحدَ التيارات الفاعلة والمؤثّرة اليوم، وكانا الأكثرَ براعةً في توظيفِ مقولاتِ مفكري الإسلام التعددي الهندي، وبناءِ رؤىً محوريةٍ عليها في علمِ الكلام الجديد، بعد أن عملا على توسيع آفاقها وتطويرِها وإثرائِها.
ويعود ذلك إلى وجودِ سياقاتٍ تاريخية متفاعلة للإسلامين الهندي والإيراني، وتناغم الفضاء الثقافي والأدبي والفني والروحي الهندي والإيراني تاريخياً، منذ العصرِ الساساني وظهورِ مدرسة جندي شابور، وانتقالِ الثقافة الهندية وآدابها إلى الفارسية في العصر العباسي عبر الترجمة، وتغلغلِ الثقافة الفارسية وآدابها في الهند في عصور لاحقة. (تُرجم كتاب شبلي النعماني "علم الكلام الجديد" للفارسية وصدر سنة 1950م، لكنه لم يصدر بالعربية إلا سنة 2012م، أي بعد 62 سنة من صدوره بالفارسية، وهذا يؤكد التناغم الثقافي في الفضائين الهندي والإيراني).

المودودي في قراءته السياسية للتوحيد أفرغ العقيدة، وأحالَ الإسلامَ إلى: دين بلا روح، ودين بلا قلب، ودين بلا عقلٍ

ففي الهند تنوّعٌ ميتافيزيقي، وعقلٌ تركيبي يثريه تراكمُ تجارب الأديان وتلاقحُها. وفي إيران نجد صدى لهذا التنوع والتركيب، وشيئاً من آثار هذه الروح. الأديانُ في الهند تمرست في قبول المختلف في المعتقد، بعد أن تخلصت منذ مدة طويلة من حروبها وصراعاتها، لذلك أصبحت أكثر خبرة في العيش المشترك، لا يقصي بعضُها بعضَها الآخر في أكثر مراحل التاريخ. هناك ميراثٌ روحيٌّ ورمزيٌّ في هذه الجغرافيا الدينية، لا تنابذ وتضادّ في معظم الأزمان، تلك ميزةُ الفضاء الميتافيزيقي الهندي، الحافل بالتعدّد. وهناك تفاعلٌ وتأثيرٌ وتأثر متبادَل متواصل بين ثقافات الأثنيات والأديان في الهند، حتى إنّ الرموزَ والشعائرَ في هذه الأديان تتوارث وتتناغم فيما بينها، وتتخاطب بلغةٍ رمزية تنتمي إلى جغرافيا يتناغم إيقاع الأرواح فيها.
وذلك ما تفتقر إليه السياقاتُ الدينية والثقافية في الجزيرة العربية وتضاريسها الصحرواية القاحلة، لذلك ظلّ الفضاء الديني فيها يمثّل البيئةَ الأمثل لنموِّ وترعرعِ التيار السلفي، الذي كان ومازال فقيراً ميتافيزيقياً، كافتقار الصحراء وطبيعتها وتضاريسها لتنوع الكائنات والبشر والأديان والثقافات، ولبث الأشد حرفية في تفسيرِه للنصوص، والأكثر تبسيطًا في فهمِه للدين، لذلك توالدت فيه مقولاتُ وآراءُ وفتاوىً لا تنتمي للواقع البالغ التعقيد والتركيب الذي يعيشه المسلم، ولا تحكي متطلباتِ حياته، ليس لأنها لا تستجيب لها، بل لأنها على الضدّ منها.
  غالباً ما أخفق أغلب علمُ الكلام الذي نشأ متأخراً عن عصرِ الوحي في تمثّل روح الوحي، وطالما مكث أسيراً للفهم التبسيطي للنصوص الدينية، وعجز عن أن يرتقي بتأويلِ تلك النصوص، واستبصارِ آفاقها، واكتشاف لغة القلب والروح فيها، عبر التوغل في أعماقها، وما يمكن أن تضيفه من دلالات جديدة، تبعاً لما يستجدّ من مقتضياتِ العمران، واختلافِ وتنوّع أنماطِ عيشِ الإنسان، والتحوّلِ في رؤيته للعالم.

للمشاركة:

بأي معنى هو تجديد الخطاب الإسلامي؟

2019-10-21

تشيع في أدبيّات الإسلاميين عموماً فكرة أنّه لا بدّ من "تحديث" الخطاب الإسلامي كي يستطيع مواكبة الأحداث ليست الراهنة فحسب، ولكن من قبل ذلك عندما بدأ هذا الخطاب يشتبك مع مشاكل نظريّة وعمليّة عالية حول السلطة والمجتمع والفرد والحقوق.

اقرأ أيضاً: الحداثة وعقلنة الخطاب الإسلامي
إنّ تصفّحاً في أدبيات الإسلاميين وفي خطاباتهم؛ مكتوبة ومشفوهة، يوحي لنا بالفكرة التالية: نحن نمتلك مضامين صحيحة -سواء أكانت قديمة تراثيّة أو حديثة أُنتجت على غرار القديمة-، وما نحتاج إليه ويعوزه خطابنا إلى الغير -سواء أكان هذا الغير السياسي ليبرالياً واشتراكياً أو إلى آخر غير دينيّ عامّة- هو "صورة" جديدة لتلك المضامين الصحيحة التي نمتلكها.

ينظر الإسلاميون للدولة على أنّها أداة مُفرغة يمكن ملأها بأيّ مكوّن أيديولوجيّ دون الاعتبار أبداً لطبيعة الدولة الحديثة وعملها

نُلاحظ دائماً هذه الثنائيّة في خطابات الإسلاميين عامّة بين الخطاب والمضمون، ليس فقط على مستوى الطرح النّظري الذي يطرحه هؤلاء الإسلاميّون، بل إنّ ذلك امتدّ إلى فهم منتجات الفكر عامّة، والفكر الغربي بشكل أخصّ. إنّ الأفكار الشائعة حول قبول المنتجات الغربيّة دون الفلسفة الكامنة وراءها، كما وجدنا مَن يقول إنّ الديمقراطيّة آليات وفلسفة، ومن ثمّ فهو يقبل بالآلية دون الفلسفة، كلّ ذلك ليس سوى امتداد للمشكل الوجودي للإسلاميين المتعلّق بهذا السّؤال: أيّ رؤيّة للعالَم تلك التي نروم بناءها لأنفسنا الحاليّة، وما موقعنا في الزمان؟

سعى الإسلاميّون على الدّوام لأن يكونوا في منطقة وسط بين التراث الذي يعتقدون أنّهم يمثّلونه من حيث جوهره الأخلاقيّ والعقديّ (الشريعة) وبين منجزات العصر الذي وجدوا فيه (الحداثة)، وبالتالي فهم يحاولون دوماً أن يقدّموا خطابات تقارب التراث (الشريعة) بمصطلحات العصر (الحداثة) دون وعيٍ بالفارق المنهجيّ بين نظامين من الخطاب -بتعبير ميشيل فوكو- مختلفين من حيث البنية والرؤية والغاية. هذه المنطقة الوسط هي ما أنتجت تلك الإشكالات النظريّة والأخلاقيّة الكبرى في الوعي الإسلامويّ فيما يتعلّق بمفاهيم حيويّة كالدولة والدين والشريعة.

اقرأ أيضاً: من يتحمل مسؤولية تجديد الخطاب الديني؟

يمكن التعريج مثلاً على مفهوم الدولة عند الإسلاميين، حيث ينظرون إلى الدّولة على أنّها أداة مُفرغة يمكن ملأها بأيّ مكوّن أيديولوجيّ، دون الاعتبار أبداً لطبيعة الدولة الحديثة واختلاف عملها عن أيّ شكلٍ من الحكم سابقٍ عليها. ومن ثمّ، فعندما يربط الإسلاميّون مشروعهم بالدولة –والإسلامويّة منذ الأساس هي حركة اجتماعيّة-سياسيّة- فإنّهم لا يعون لهيكل الدولة وطبيعته البيروقراطيّة والقطاعات داخل الدولة التي تُسيّر بمنطق مختلف.

في كتابه "الدولة المستحيلة"، كان وائل حلاق بالأساس مهجوساً بمحاولة كشف الخطاب الإسلامويّ حول الدولة وكيف أنّه خطاب غير معرفيّ في أحسن توصيفاته، وأنّ الإسلاميين لا يفهمون بنية الدولة ولا بنية العصر الذي يحيوه؛ بحيث إنّ مفهوماً كمفهوم الشريعة غدا "قانوناً"، والأمّة ستغدو كجماعة، والأخلاق ستتحوّل إلى ترسانة عِقابيّة.

يقول حلّاق بشكل واضح وذكيّ موضحاً هذا التشوش: "تفترضُ الخطابات الإسلاميّة الحديثة أنّ الدولة الحديثة أداة حكمٍ محايدة، يمكن استخدامها في تنفيذ وظائف معيّنة طبقاً لخيارات قادتها وقراراتهم. كما تفترض أنّ بمقدور القادة أن يحوّلوا آلة حكم الدّولة، حين لا تُستخدَم للقمع، إلى ممثّل لإرادة الشعب، محدّدين بذلك ما ستكون عليه الدّولة […] هكذا، تنظرُ الخطابات الإسلاميّة إلى الدولة الحديثة كما نظر أرسطو والأرسطيّون إلى المنطق، أي كتقنية محايدة أو كأداة توجّه التفكير السليم في ما يخصّ أي موضوع أو مشكلةٍ في العالم". (حلّاق، الدولة المستحيلة، 275-276).

اقرأ أيضاً: تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟

لا أريد الإطالة بالأمثلة، التي هي ناتجة بالأساس عن "توفيقيّة ملتبسة" في الخطاب الإسلامويّ بخصوص تحديث خطابه. غير أنّ التشوّش ليس فقط المفهومي، بل التشوش الرؤيوي لدى الإسلاميين غير متعلّق باللغة من حيث هي أدوات توصيل، بل متعلّق باللغة من حيث هي إمكان وجودي للتعبير عن الذات في الزمان؛ فالفكر نفسه ليس سوى لُغة مقلوبة، وكلّ فهم يُطرح للذات أو للغير ما هو إلّا فلسفة كامنة للغة نكتنفها لأنفسنا. لا يمكن أن تبقى اللغة منضبطة خطابياً، وهي معوجّة وجودياً.

المشكل، أنّ ثمّة أسطورة في مخيال الإسلاميين عموماً أنّه يمكن تحديث الخطاب حول قضايانا القديمة، وأنّ الخطاب منفصل عن القضيّة التي يتضمّنها الخطاب؛ ممّا يوحي أنّ الإشكال العربي-الإسلامي داخلياً وخارجياً هشّ ويحتاج إلى إصلاحات لغويّة ظاهريّة يمكن ترميمها من خلال "حاذق"، ليس إلّا، وأنّ المسألة ليست أنّ هناك زماناً نظريّاً مختلفاً يفرض لغته بحدودها وبمفاهيمها. أيّة علاقة تلك التي يتصورها الإسلاميون حول اللغة؟ أو هل التحديث ظاهريّ إلى هذا الحدّ؟

ينبغي التأكيد أنّ اللغة ليست وسيلة تواصل كما هو شائع، إنّما هي أداة خلْق لمواضيع لم تكن متاحة للغة أخرى تناقش مواضيعَ أخرى.

اقرأ أيضاً: جناية "أل" في الخطاب الديني

بمعنى؛ اللغة ليست فقط "أداة" جافّة لبناء تواصل بين الذوات، بل اللغة نفسها تتدخّل في المضمون. لا ينبني المضمون إلّا عن طريق اللغة، لا بدّ له من المرور باللغة كي يُنجز هذا المضمون، ومن ثمّة إن هناك إشكالية أخرى في مخيال الإسلاميين يمكن تسميتها "توصيل المنفصل"، وتتمثّل في الآتي: إنّ الإسلاميين لا يفرّقون بين "توصيل" المضامين بشتّى وسائل خطابيّة، بحيث تأخذ كلّ وسيلة شكلاً ملائماً وتداولياً لكلّ مقام، وبين "إنشاء الخطاب" والذي لا تنفصل فيه اللغة عن المضمون. لا بدّ من هذا التفريق كي نكتشف هذا العطب.

إنّ اللغة ليست تحديثاً يُدخل على خطابٍ ما، ليغدو هذا الخطاب جديداً -جدّة زمانيّة ونظريّة- وراهناً ومؤمناً بالآن وهنا، وإنّما التحديث هو أن نغيّر من نمط "مَقُولنا" عن أنفسنا من خلال لُغة جديدة وجودياً تؤمن بالزمان، وبكوننا في علاقة "مختلفة" –وليست نقيضة- مع العالم. وهذا التصوّر، الذي أقلّ ما يُوصف بأنّه غير معرفيّ، لا يمكن أن يعي بأنّ التحديث يكون موضوعاتياً وليس لغوياً، إذا فهمنا اللغة بالمعنى الشائع والعمومي.

تحديث الخطاب هو الذي أنتج كلّ هذا التشوّش المفهومي لدى الإسلاميين فصارت الشورى هي الديمقراطيّة والخلافة هي السيادة

إنّ تحديث الخطاب هو الذي أنتج كلّ هذا التشوّش المفهومي الذي ملأ به الإسلاميّون الأماكن والأوراق والأمكنة. تحديث الخطاب هو مَن جعل الشورى هي الديمقراطيّة، والخلافة هي السيادة، والأمّة هي الأمّة المواطِنة الحديثة. تحديث الخطاب هو مَن جعل السياسة هدفاً، وليس مجالاً مفتوحاً لإنشاء سياسات صداقة ملائمة كي نعيش معاً كاحتمال جذري لأنفسنا المتشظيّة من الدولة الأم ومن التاريخ الطويل الذي لم يبتكر مفهوم الفرد الحديث.

ثمّة تفكير رغائبي توسيليّ عند الإسلاميين، وثمّة إرادة لتوسيل العالم واللغة والناس والسياسة لأهداف نظريّة لم يُحسم أمرها بعدُ نظرياً. ليس عيباً أن نفكّر بشكل رغائبيّ، فإنّي أرى أن كلّ تفكير هو تفكيرٌ رغائبي، وكلّ تأويل هو تأويل رغائبيّ، بشكل ما. لكن علينا أن نسأل: أيّة رغائبيّة تلك التي ينبغي أن نعمل عليها؟ رغائبيّة المبنى أم رغائبيّة المعنى؟ رغائبيّة تريد تملّك الموجود لتوسيله وجعله تقنية مستباحة، أم رغائبيّة لإنتاج أفقٍ للتداول معاً؟

ولا يخفى أن تحديث الخطاب الذي قاموا به لم يقف عند مجرّد التحديث الظاهري والشكلي. فالشكلي ليس شكلياً أبداً، وهذا التحديث لخطابهم جعلهم يفتحون نقاشات حول موضوعات لم تكن تخطر لهم. فمن يتابع شأن الإسلاميين يُلاحظ أنّهم لم يقدروا على السيطرة الخطابيّة لخطابهم بالقدر الذي يرومون، بل وجدوا أنفسهم منغمسين في أطروحات نظريّة جديدة طارئة ومهمّة لا بدّ من معالجتها. إن التلفيق اللغوي يجرّ إلى تلفيق معرفي ولا بدّ، وإنّ كلّ طرح يقوم على معالجة الراهن من خلال فصله عن راهنيته ووضعه في غير راهنه، يجرّ إلى كلّ هذا التشوّش الذي يعاني منه الإسلاميّون.

للمشاركة:

ما الذي يخبئه الاتفاق التركي- الأمريكي على وقف "نبع السلام"؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-10-21

لم يكن الاتفاق الذي تمّ التوصّل إليه بين نائب الرئيس الأمريكي، مايك بنس، والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بعد اجتماعات استمرت في أنقرة أكثر من خمس ساعات، وعلى جولَتين، مفاجئاً، بما في ذلك تفاصيل النقاط الثلاث عشرة، ارتباطاً بكون العملية العسكرية التركية "نبع السلام" جاءت في إطار صفقة بين الرؤساء الثلاثة: ترامب وبوتين وأردوغان، وحققت تلك العملية، بنسب متفاوتة، أهداف الرؤساء الثلاثة منها.

حقّق أردوغان أهدافه من العملية العسكرية والمتمثلة بإقامة المنطقة الآمنة في شمال شرق سوريا وبعمق 32 كيلومتراً

فبالنسبة إلى أنقرة؛ حقّق أردوغان أهدافه من العملية العسكرية، والمتمثلة بإقامة المنطقة الآمنة في شمال شرق سوريا، وبعمق 32 كيلومتراً، والمفترض أن تباشر أنقرة إقامة البنى التحتية لإنشاء تجمعات سكانية تستوعب أكثر من مليوني لاجئ سوري، ستتمّ إعادتهم من تركيا، وإسكانهم فيها، وبما يعنيه ذلك من تحقيق الهدف غير المعلن؛ بالفصل بين أكراد سوريا وأكراد تركيا، وهو ما يشار إليه بالتغيير الديموغرافي، بوصفه أحد الأهداف التركية من العملية، كما أنّ البند المتعلق بتسليم الأسلحة الثقيلة من الفصائل الكردية "العمال و الشعب" للقوات الأمريكية، بعد إبعادها عن الحدود التركية، يشكّل استجابة لأحد أبرز الأهداف التركية، فيما ترسل موافقة أردوغان على وقف العملية، لمدة محدودة، استجابته للضغوط والانتقادات الدولية للهجوم والتهديدات بعقوبات اقتصادية؛ أمريكية وأوروبية، ضدّ تركيا، إضافة إلى فتح ملفات مرتبطة بارتكاب الجيش التركي والميليشيات السورية الموالية له، جرائم حرب، وهو ما أكّدته منظمة العفو الدولية.
أما بالنسبة إلى روسيا، التي لا تثق كثيراً بأردوغان، لكنّها تسجّل نجاحات في استثمار خلافات أردوغان مع أوروبا وأمريكا لصالحها؛ فقد طلبت من أنقرة معلومات حول الاتفاق الذي تمّ مع أمريكا، قبيل القمة المرتقبة بين الرئيسَيْن؛ أردوغان وبوتين؛ فالمرجَّح أنَّها المستفيد الأكبر من العملية التركية، في ظلّ هدفها المعلن ببسط سيادة الدولة السورية على كافة أراضيها، وهو ما تحقق مع الساعات الأولى للهجوم التركي، باندفاع الأكراد للتفاوض مع الحكومة السورية، ودعوة الجيش السوري لملء الفراغ وتسليمه بعض المدن والمناطق التي يسيطر عليها الأكراد، وهو ما لم يعترض عليه أردوغان.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تجميد عضوية تركيا بـ"الناتو"؟
الموقف الأمريكي، والذي يثير تساؤلات حول أسباب تناقضه؛ فمن غير الممكن فهم هذا الموقف بعيداً عن الصراعات القائمة بين ترامب من جهة والكونغرس الأمريكي، ويبدو أنّ مرجعيات الموقف الأمريكي مرتبطة بعاملين: الأول؛ الصفقة التي تمّت بين ترامب وكلّ من أردوغان وبوتين، بخصوص الهجوم على الأكراد، نفذها ترامب على طريقة الرئيسَين؛ التركي والروسي، دون الرجوع للمجالس النيابية في روسيا وتركيا، وهو ما يعكس فروقاً جوهرية في كيفية صناعة القرار الأمريكي، مقارنة مع تركيا وروسيا.

اقرأ أيضاً: بعد العدوان التركي: سوريا تربح من الباب الخلفي.. كيف؟
والثاني؛ ملف تركيا في مجلسَي النواب والشيوخ الأمريكيَّين يختلف عن ملفات أخرى شرق أوسطية؛ كالملف السعودي والإيراني، وحتى الملفات المرتبطة بإسرائيل؛ ففي ملفات هذه الدول هناك خلافات بين الديمقراطيين والجمهوريين، بينما تكاد تنعدم هذه الخلافات تجاه الملف التركي، منذ وصول أردوغان للسلطة، وهو ما يفسّر هذا التوافق في الموقف بين الديمقراطيين والجمهوريين تجاه تركيا؛ فالديمقراطيون يرون أنّ الرهانات على إسلام سياسي معتدل، يمكن أن يشكّل نموذجاً بقيادة أردوغان، قد فشل في ظلّ علاقات أنقرة المتشنجة بأوروبا، والعثمانية الجديدة، وملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان، فيما يرى الجمهوريون في تركيا، بقيادة أردوغان، نموذجاً للدولة "المتمردة" من بين دول حلف الناتو، وأنّها ذهبت بعيداً في علاقاتها مع روسيا، وريثة الاتحاد السوفييتي.

تغريدات ترامب لم تكن تخاطب أردوغان بقدر ما كانت موجهة للديمقراطيين والجمهوريين الغاضبين من التعاطي الأمريكي مع الهجوم

ولعلّ تلك الأسباب تفسّر التناقضات في تغريدات ترامب، تجاه تركيا، منذ بدء الهجوم على سوريا، والتي جاءت في إطار مقاربات "العصا والجزرة"، ولم تكن تخاطب أردوغان، بقدر ما كان ترامب يخاطب فيها الديمقراطيين والجمهوريين الغاضبين من التعاطي الأمريكي مع الهجوم التركي، ومواجهة الاتهامات بانقلاب أمريكا على قيمها وحلفائها "الأكراد".
في التفاصيل؛ هناك كثير من التساؤلات التي تطرح حول آفاق الهدنة وإمكانيات الوقف النهائي لإطلاق النار بين تركيا والأكراد، إلا أنّ المرجَّح أن يتم قريباً إعلان وقف إطلاق النار، وفق مرجعية أنّ كافة الأطراف خرجت منتصرة من هذه العملية، كما يرجّح أن تسيطر على المشهد السوري قريباً ترجمات ما التزمت الأطراف الأخرى من الصفقة، وتحديداً المساهمة التركية في القضاء على الفصائل الإرهابية في إدلب، وكشف الغطاء التركي عنها، وتحديداً "جبهة النصرة" و"القاعدة" و"حراس الدين"، والتي يرجح أن تكون أحد أبرز موضوعات البحث في القمة التي ستعقد بين بوتين وأردوغان هذا الأسبوع، ولاحقاً الإجراءات الروسية ضدّ الوجود الإيراني في سوريا، وتدرك إيران أنّها الطرف الأكثر خسارة من اتفاقات أردوغان مع ترامب وبوتين.

للمشاركة:



اعتقالات جديدة في الجيش التركي.. بهذه التهمة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أصدرت السلطات التركية، اليوم، قراراً باعتقال 60 شخصاً، بتهمة الانتماء إلى الداعية فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير المحاولة الانقلابية المزعومة، في صيف 2016.

وذكر موقع صحيفة "سي إن إن ترك"؛ أنّ المعتقلين موظفون يشغلون مناصب إدارية في أفرع قوات الجيش التركي المختلفة، في 27 ولاية.

وزعمت النيابة التركية؛ أنّ العناصر المطلوبة تواصلت مع قيادات "الخدمة" من خلال نظام الاتصال الدوري والمتسلسل عبر الهواتف العمومية التي تستخدمها الحركة بين الجنود، وما يُسمى "الأئمة السريين" الموجودين داخل الجيش.

السلطات التركية تصدر قراراً باعتقال 60 شخصاً من الجيش بتهمة الانتماء إلى جماعة غولن

وفور صدور قرار التوقيف بدأت قوات الأمن شنّ عمليات أمنية متزامنة في الولايات؛ لضبط المتهمين المطلوبين.

ويزعم نظام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وحزبه "العدالة والتنمية"؛ أنّ غولن متهم بتدبير المحاولة الانقلابية، وهو ما ينفيه الأخير بشدة، فيما تردّ المعارضة التركية بأنّ "أحداث ليلة 15 تموز (يوليو) كانت انقلاباً مدبراً لتصفية المعارضين من الجنود وأفراد منظمات المجتمع المدني".

وتشنّ السلطات التركية بشكل منتظم حملات اعتقال طالت الآلاف منذ المحاولة الانقلابية، تحت ذريعة الاتصال بجماعة غولن.

ويوم 10 آذار (مارس) الماضي، كشف وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، توقيف 511 ألف شخص، اعتقل منهم 30 ألفاً و821، في إطار العمليات التي استهدفت جماعة غولن، وحزب العمال الكردستاني، منذ المحاولة الانقلابية المزعومة.

وبأرقام جديدة، خرج صويلو، في كانون الثاني (يناير) الماضي، معلناً أنّ عدد المعتقلين في عام 2018، بلغ 750 ألفاً و239 شخصاً، بينهم أكثر من 52 ألفاً فقط بشبهة الانتماء إلى غولن.

وتستمر المحاكمات منذ 4 أعوام تقريباً، في حقّ مئات الآلاف من المواطنين، بتهمة الانتماء لـ "غولن"؛ حيث تمّ اعتقال ما يقرب من 50 ألف شخص دون إثبات جريمتهم، فضلاً عن استمرار محاكمة الآلاف دون اعتقال.

يذكر أنّ المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، إلى جانب المنظمات المحلية المعنية بحقوق الإنسان في تركيا، كشفت عبر تقارير موثقة انتهاكات حكومة أردوغان في مجال حقوق الإنسان.

وفي وقت سابق؛ أكّد فريق "الاحتجاز التعسفي التابع لمنظمة الأمم المتحدة"، عدم قانونية الاعتقالات التي يقوم بها نظام أردوغان، لآلاف الأشخاص، لمجرد استخدامهم تطبيق التراسل الفوري "بايلوك" للهاتف المحمول.

وحظرت تركيا التطبيق المذكور بعد مسرحية الانقلاب، مبررة ذلك بقولها: إنّ "أنصار غولن استخدموه، مساء يوم 15 تموز (يوليو) 2016 (يوم الانقلاب)، للتواصل فيما بينهم عندما حاولت مجموعة من الجنود الإطاحة بالحكومة، وقتلوا نحو 250 شخصاً".

 

للمشاركة:

داعش ينفذ هجوماً جديداً في العراق.. وتحرّك جديد له في سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أعلن الجيش العراقي في بيان؛ أنّ تنظيم داعش الإرهابي هاجم، أمس، نقطتَين أمنيتَين في منطقة حقول علاس النفطية، بمحافظة صلاح الدين، شمال البلاد، ما أدّى إلى مقتل اثنين من قوات الأمن العراقية.

الجيش العراقي يعلن أنّ تنظيم داعش الإرهابي هاجم نقطتَين أمنيتَين في محافظة صلاح الدين وقتل عنصرَي أمن

وأضاف البيان: "هجمت عناصر من عصابات داعش على نقطتين أمنيتين في منطقة حقول علاس، بمحافظة صلاح الدين، كما انفجرت عبوة ناسفة بعربة تابعة للقوات الأمنية هناك، ما أدى إلى مقتل منتسبَين اثنَين"، وفق ما نقلت وكالات محلية.

كما جاء في بيان الجيش؛ أنّ "المتشددين أطلقوا النار أيضاً على قوات الأمن التي حاولت نقل الجثتَين".

وفي سياق متصل بتنظيم داعش الإرهابي؛ نقل المرصد السوري لحقوق الإنسان، اليوم، أنباء عن عودة قادة وعناصر لداعش إلى تل أبيض في سوريا.

وأكّد المرصد، نقلاً عن مصادر متطابقة، عودة أمير الذخيرة لدى تنظيم داعش، في تل أبيض بصحبة 150 عنصراً إلى المدينة، وسط أنباء عن عودة أبناء البللو، المعروفين بارتباطهم بتنظيم داعش.

ورغم الاتفاق الأمريكي التركي حول وقف النار في شمال سوريا، فإنّ الولايات المتحدة ما تزال تواصل مراقبتها الجوية للمنطقة.

المرصد السوري ينقل أنباء تؤكّد عودة قادة وعناصر لداعش الإرهابي إلى تل أبيض في سوريا.

وبدوره؛ أكّد مسؤول دفاعي أمريكي، طالباً عدم الكشف عن اسمه، يوم الجمعة الماضي، بحسب ما أفادت وكالة "رويترز"؛ أنّ "الولايات المتحدة ستواصل عمليات المراقبة الجوية في شمال شرق سوريا، لمراقبة السجون التي يوجد بها سجناء داعش."

كما حذّرت قوات سوريا الديمقراطية، قبل أيام، من خطر عناصر داعش المسجونين، معتبرة أنّ حماية تلك السجون لم تعد ذات أولوية بالنسبة إليها.

وكانت عدة دول أوروبية، على رأسها فرنسا، قد نبّهت إلى خطر العدوان التركي لشمال سوريا على ملف الدواعش المسجونين في سجون تابعة لقوات سوريا الديمقراطية.

 

للمشاركة:

أوضاع مأساوية.. هكذا يعيش عناصر إخوان مصر في تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

يعيش عناصر الإخوان المسلمين الفارون إلى تركيا أسوأ أيامهم، بعد تخلي الجماعة عنهم، وإيقاف كلّ أشكال الدعم لهم.

وكشف شاب مصري، يتواجد في مدينة إسطنبول التركية، انتحار 3 من عناصر الإخوان المسلمين الفارين إلى هناك، بسبب تخلّي الجماعة عن دعمهم مالياً، ما أدّى لسوء أوضاعهم، وتعرضهم للتشرد والجوع، وفق "العربية".

شاب مصري يعيش في إسطنبول يؤكّد انتحار 3 من الإخوان بتركيا، بسبب سوء أوضاعهم وتعرضهم للتشرّد والجوع

ونشر الشاب المصري، عمر مجدي، تدوينة على صفحته في الفيسبوك، يؤكّد فيها "انتحار 3 من شباب الإخوان، الصيف الماضي"، مضيفاً أنّ "شاباً رابعاً حاول الانتحار قبل أيام، لكن تمّ نقله إلى المستشفى وإنقاذه".

وتساءل الشاب في تدوينته عن سبب إقدام الجماعة على إنفاق 50 ألف دولار على مخيم، في آب (أغسطس) الماضي، لإحياء ذكرى فضّ اعتصام رابعة العدوية، فيما تتخلى عن الإنفاق عن عناصرها الفارين الذين هربوا من مصر بعد إدانتهم في قضايا عنف؛ بسبب مشاركتهم في تظاهرات وعمليات عنف وتخريب لحساب الجماعة.

وكتب الشاب: "أنا بس بفكر الناس إن الصيف الماضي انتحر 3 شباب خارجين من مصر لأسباب سياسية، عمرهم دون الـ 25 عاماً، في ظل غياب كامل لأي مؤسسة دعم وعلاج نفسي في إسطنبول".

وكشف الشاب في تدوينة أخرى؛ أنّ "عدد المقيمين في إسطنبول من المصريين يبلغ 20 ألفاً، ويعاني أغلبهم من أوضاع سيئة مادية ومعيشية، مما يعرضهم لأذى نفسي، وقبولهم لإهانات واحتقارات وحياة لا إنسانية، مقابل البقاء في تركيا وعدم تسليمهم لمصر" .

يأتي هذا بعد 8 شهور من ترحيل السلطات التركية، بمباركة من الإخوان، للشاب الإخواني، محمد عبد الحفيظ، المحكوم عليه بالإعدام في قضية اغتيال النائب العام، والذي قدم لإسطنبول من الصومال قبل ترحيله للقاهرة.

وفي تموز (يوليو) الماضي؛ تكشفت فضائح واختلاسات مالية لقادة الإخوان المقيمين في تركيا؛ حيث بثّ شباب الجماعة تسجيلاً صوتياً منسوباً للقيادي بالجماعة والهارب لتركيا، أمير بسام، كشف فيه استيلاء القيادات على أموال الجماعة، وأموال التبرعات، وقيامهم بشراء عقارات وشققاً سكنية فخمة بأسمائهم وأسماء أبنائهم، سواء في تركيا أو في غيرها.

من جانبهم، هدّد شباب الجماعة بنشر تسجيلات أخرى تكشف فساد ومخالفات قادة الجماعة، خاصة بعد ردود الأفعال الواسعة التي توالت، عقب نشر تسجيل أمير بسام، مؤكّدين؛ أنّ قادتهم يعيشون في تركيا حياة مرفهة ويتقاضون آلاف الدولارات نظير إشرافهم على مشروعات التنظيم، تاركين عناصر الجماعة يعيشون أوضاعاً مأساوية غير آدمية، ويتقاضون رواتب متدنية لا تسدّ رمقهم.

 

للمشاركة:



لماذا لم ينزل نصر الله إلى الشارع؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أمل عبد العزيز الهزاني

خرج مهدداً ومتوعداً من مكانه المجهول، وقتما كان اللبنانيون في الشوارع والميادين يهتفون بمعاناتهم، ويشكون أنهم بلا كهرباء، وبعضهم لم يستطع الاستحمام لأيام لانعدام الماء، وبطالة قضت على ما تبقَّى لهم من أمل. لم يخرج مطمئناً وداعماً للثورة السلمية التي حافظ فيها اللبنانيون على حمل علم واحد وهو العلم اللبناني، بعيداً عن تلونات أعلام الأحزاب والطوائف، في مشهد لم يكن له مثيل.
كان خوف أمين عام حزب الله أن تستقيل الحكومة ويخسر المعادلة التي مكَّنته من تحويل لبنان إلى بلد مشلول، وجسر للعبور إلى دمشق.
لأول مرة في التاريخ الحديث، يتجرَّد اللبنانيون من انتماءاتهم السياسية، ويشكِّلون وحدة واحدة بالمطالبات نفسها والصوت نفسه. فرقتهم السياسة وجمعهم الفقر.
ولأن الفساد هو المتهم الأول، كما هو حال احتجاجات العراق، فإن من الفاسدين من لا يستطيع أحد أن يحاسبهم أو يقاضيهم أو يفضح أسماءهم لأنهم تحت حماية نظام الولي الفقيه.
نصر الله لم يستطع أن يعيد سيناريو 8 مايو (أيار) 2007 وينزل لاحتلال بيروت وإخماد المعارضين، لأنه سمع بأذنيه أنه حتى من يحبونه ويناصرونه كزعيم شيعي مقاوم للاحتلال الإسرائيلي، على حد قوله، اتهموه علناً وعلى شاشات التلفزة بالفساد، وأن وزراءه ونوابه من الحزب وأتباعهم سرقوا قوت الناس، وأثروا على حسابهم.
وحتى لا يكون لحكومة سعد الحريري تأثير في حل جزء من أزمات لبنان، تلكأ جماعة نصر الله في الحكومة في الالتزام والإقرار بالإصلاحات التي تعهد بها رئيس الحكومة دولياً، ليتمكن من الحصول على دعم الصندوق الدولي.
المواطن اللبناني الذي اكتشف أن قوته تنبع من ذاته وليس من انتمائه، أجبر كل أعضاء الحكومة على الموافقة على ورقة الإصلاحات الاقتصادية بالأمس، ولا يزال السياسيون أصحاب النفوذ والتأثير قلقين من أن هذه الخطوة قد لا ترضي الشارع.
وإن رضي اللبنانيون بورقة الحريري الاقتصادية، وهدأ الشارع، وفتحت الطرقات، وسكن الغضب، فإن ما تغير في لبنان أكبر من الإصلاح الاقتصادي.
وأنا هنا لا أعني الثقة بالسياسيين، لأن حتى بعض أتباع نصر الله لم يكونوا راضين باحتلاله بيروت وإرعاب الناس، ويعرف الجميع أن سبب إشهاره سلاحه في وجه المواطن اللبناني كان بسبب نفوذه الطاغي الذي وصل حد التجسس على المطار الدولي والتحكم في حمولة الطائرات. أتباعه أيضاً لم يكونوا فخورين عندما خرج يناشد حلفاء أميركا بالتوسط لوقف القصف الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006، وهم اليوم يرونه يطلب معونات من الناس بعد الحصار الاقتصادي الأميركي على إيران. الثقة أيضاً تأرجحت في الرئيس اللبناني ميشال عون الذي وقف عاجزاً أمام كل مشكلات لبنان منذ صار رئيساً، وسلم واجهة الرئاسة وهيبتها إلى جبران باسيل وزير الخارجية بكل ما تتميز شخصيته من استعلاء. إذن هي ليست فقط الثقة التي فقدت في الفريق «المقاوم» لاستقرار لبنان، بل التحول العميق في موقف الناس وجرأتهم على التحرر والصراخ في وجه زعمائهم الذين تركوهم للعوز، واتهام من كانوا أصناماً يُعبدون بأنهم سبب كل بلاء.
ليعلم اللبنانيون أنهم سطروا مشهداً حضارياً غير مسبوق، ببسالتهم، وإصرارهم، ورفع صوتهم ضد أصحاب السلطة الظالمة، حتى إنهم بدأوا الاحتجاجات مقنعين بأقنعة لإخفاء هويتهم ثم ألقوا بها وتوجهوا للقنوات التلفزيونية لتنفيس غضبهم، وقول الحقيقة التي كانوا يعلمونها منذ عقود؛ وهي أن زعامات لبنانية انتفعت من مراكزهم لأنفسهم وأسرهم، غير عابئين بلبنان واحد يضم الجميع.
بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري استمرت سلسلة من الاغتيالات، التي وجهت أصابع الاتهام فيها لحزب الله ضد خصومه، رغم أنهم خصوم نافذون، فكيف بالمواطن العادي الذي وجد نفسه أسيراً لحكم ديكتاتوري بغطاء ديمقراطي مرقع.
من كان يستطيع أن يحمل مكبراً للصوت ليقول: «إننا كنا معك يا حسن نصر الله، لكن نوابك ووزراءك سرقونا».
منذ 2005، كنا نسمع مظاهرات الناس واجتهادهم للدعاية لأحزابهم بكل ألوانها، وتصريحات قياداتها تهتف بالعزة والكرامة، لكن الحقيقة أن العزة والكرامة ليستا في الرايات الصفراء أو البرتقالية أو الزرقاء، بل في علم لبنان وحده. العزة والكرامة هما ما قدمه اللبنانيون خلال الأيام الماضية.
حاجز الخوف من سلاح نصر الله قفز فوقه المتظاهرون، هم لم يبدلوا مواقفهم السياسية بل اكتشفوا أخيراً أن السياسة الحزبية لا تؤكل عيشاً إلا للطبقة العليا، وأن أتباعهم والمؤمنين بهم عقدياً وسياسياً هم أرقام تنزل للشارع حينما تؤمر بذلك، أداة من أدوات التنافس ضد الخصوم.
أجزم بأن اللبنانيين يعرفون من هم الفاسدون الذين نهبوا مقدرات البلاد، رغم أن لبنان من أكثر الدول التي تتلقى دعماً خليجياً ودولياً مستمراً. هذه تجربة خاضها اللبنانيون بإرادتهم، لم يملِ عليهم أحد النزول للشارع. إن لم يكتمل عندهم الوعي بأن لهم حق المواطنة على الزعيم السياسي الذي يتبعونه فإن خسائرهم ستتضاعف، وسيكون مستقبلهم مخيفاً. المواطن اللبناني قوي رغم ما تلقنه منذ سنوات بأنه مجرد بوق ورجع صدى، لكن اليوم هو صاحب القرار. هذه لحظات لا تنسى، فليحافظ عليها اللبنانيون مهما كانت انتماءاتهم، وحتى لو عادوا لبيوتهم من الشارع ووجدوا كهرباء وماء.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

"التأسيس الثالث" للإخوان.. محاولات بائسة لإحياء التنظيم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

رشا عمار

فشل تنظيم الإخوان في الإفلات من أزمته التي يمر بها منذ أكثر من  6 سنوات، بعد أن لفظه الشعب المصري، حتى باتت الخيارات التاريخية التي كان يلجأ إليها للبقاء وإحياء التنظيم مستحيلة.

تلك الخيارات التي كان آخرها ما يسمى بـ"التأسيس الثالث" أو التأسيس الجديد، الذي كان بمثابة ممر آمن للجماعة في أوقات الأزمات وسنوات المحنة الكبرى، كما يسمونها، لكن هذه المرة فشل هذا الخيار بسبب حالة التناحر والانقسام داخل أبناء التنظيم، مع فشل الجناح المسلح في إعادة التنظيم للمشهد.

ومفهوم التأسيس لدى الجماعة - كما يعرفه بعض الباحثين - هو بلورة كاملة للمشروع الفكري والسياسي والفقهي والشرعي للتنظيم خلال الفترة المقبلة لضمان استمراره في العمل السياسي بتغيير جذري في الأيدولوجيا والأهداف.

وظل التأسيس الجديد مخرجاً مثالياً للأزمات الطاحنة التي مرت بها جماعة الإخوان على مدار عقود، كان أبرزها أزمة اغتيال المؤسس الأول حسن البنا، وحل التنظيم للمرة الأولى عام 1954.

وبحسب مراقبين، فإنه كلما اشتدت الأزمة واحتدم الصراع داخل الإخوان خرج جيل من التنظيم معلناً خريطة جديدة تتضمن تغيرات أيدويولوجية تتوافق وطبيعة المرحلة، وتسمح ببقاء التنظيم.

عملية مستحيلة
وتأسيس الإخوان يتم وفق عاملين محوريين، كلاهما يمثل أزمة داخلية بالتنظيم في الوقت الحالي؛ حيث يتعلق الأول بشرعية القيادة، والثاني هو الاتفاق حول الفكر والأيدولوجيا، وكذلك الأهداف، وفي ظل غيابهما أصبحت إمكانية التأسيس الجديد أمراً أقرب إلى المستحيل.

وتلخصت جهود الإخوان في مجملها خلال السنوات الست الماضية في حسم الصراع المعقد بين شطري التنظيم، وهما: الكماليون من الشباب الراغبين في تحويل المسار كلياً إلى العمل المسلح، والشيوخ الراغبون في الإبقاء على مركزية القرار داخل التنظيم وحفظ سلطتهم حتى إن كانت لا تحظى بتأييد قواعدهم.

ويرى الدكتور محمد حبيب، نائب المرشد المنشق عن تنظيم الإخوان، استحالة تحقيق التأسيس الثالث للجماعة لعدة أسباب؛ أبرزها عدم توافر رغبة حقيقية في تغيير الأيدولوجيا بما يتوافق مع المشروع الوطني وتقبل الآخر، مؤكداً أن الجماعة أحرقت طريق العودة بممارسة التطرف وحمل السلاح بوجه المصريين.

وقال "حبيب" لـ"العين الإخبارية" إن الصراع الذي يبدو في ظاهره خلافاً حول الأيدولوجيا، لكنه في حقيقته تناحر على السلطة والتمويل، فمن يملك السلطة الشرعية داخل الجماعة سيحظى بمليارات التمويلات، التي تقدمها دول وحكومات بهدف تحقيق مخططات محددة، لن ينجح في تحقيقها إلا من سيتمكن من حسم زمام الأمور لصالحه.

وتبنت الجماعة منذ التأسيس الثاني خطاباً إصلاحياً تلاشى تماماً إبان ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 في مصر، التي أسقطت عباءة الإصلاح المزيفة للتنظيم، ليظهر وجهاً آخر للعبة السياسية، وهو العمل المسلح.

وشهدت مصر خلال السنوات الخمس الماضية موجة من أشرس موجات التطرف الإخواني، وجهت ضد الأشخاص والمؤسسات، وطالت يد الغدر المدنيين ورجال الأمن والقضاء، وحتى الأطفال ومرضى السرطان الذين لم يسلموا من نيران التنظيم.

وقد يعتقد البعض على خلاف الحقيقة أن هناك انشقاقاً داخل الصف الإخواني، وهذا غير صحيح - بحسب حبيب- فنحن أمام تنظيم له جناحان، أحدهما عسكري تمثله جبهة محمد كمال "حركة حسم" وآخر تنظيمي سياسي دعوي يمثله الهارب محمود عزت (القائم بأعمال المرشد) الذي يمتلك أدوات التحكم في حركة التنظيم من حيث التمويل والاتصالات الخارجية بالدول وأجهزة المخابرات.

شرعنة القتل
في 2014 أعلن القيادي الإخواني محمد كمال، مؤسس اللجان النوعية في تنظيم الإخوان، تأسيس وشرعنة العمل المسلح داخل التنظيم، ما أثار حالة كبيرة من الجدل داخل وخارج الجماعة، التي لم تعترف فقط بممارسة العنف، بل اضطرت أحياناً للتبرؤ من قيادتها ظاهرياً لإبعاد اتهامات العمل المسلح عنها.

فتأسيس "جبهة الكماليون" كان بمثابة زلزال مدمر داخل التنظيم، حيث اعتبره الباحثون والمراقبون بل أعضاء بالتنظيم بمثابة "التأسيس الثالث للإخوان"، خاصة بعد انضمام عشرات من شباب الجماعة للجبهة، وإعلان وثيقة العنف أو ما عرف باسم "فقه المقاومة الشعبية".

وهذة الوثيقة وضعها محمد كمال لإيجاد إطار شرعي لقتل المعارضين للتنظيم وتنفيذ عمليات ضد الدولة المصرية، بهدف إعادة الإخوان للحكم مجدداً، ما جعل الأمر يبدو أن "تأسيساً جديداً" مكتمل الأركان حدث داخل الإخوان.

وثيقة كمال اعتبرت أيضاً أن معارضي التنظيم كفار، وحرضت على استهداف الكنائس، بزعم أنها قامت بالحشد الطائفي لإسقاط الرئيس المعزول محمد مرسي، وحاولت التأكيد على أن مفهوم المقاومة بالقتل واجب شرعي.

وكالنار في الهشيم انتشرت فكرة التأسيس المسلح بين شباب الجماعة في ذلك الوقت، وأعلنوا تأسيس عدد من الحركات المسلحة، أبرزها: "حسم، ولواء الثورة، والمقاومة الشعبية" وغيرها.

وفي أكتوبر/تشرين الأول عام 2016 نجح الأمن المصري في قتل محمد كمال، بعد اشتباكات وتبادل إطلاق النار، لكن موته لم يكن السبب الوحيد في فشل ما سمى بـ"التأسيس الثالث". إلا أن أزمة شرعية القيادة والاختلاف الأيدولوجي ظلا حاضرين بقوة، لكن مع نجاح الضربات الأمنية المصرية ضد عناصر التنظيم المسلحين، تهاوت جبهة محمد كمال وخفت نجمها وتلاشى تأثيرها، حتى إن الحركات المسلحة التي ظهرت في 2014 لم يعد لها وجود يُذكر.

محاولات فاشلة
وبعد فشل مشروع محمد كمال حاول عدد من شباب التنظيم تقديم مقترحات لم تخرج للنور، بسبب تعنت القيادة التاريخية للإخوان حول فكرة التأسيس الثالث.

وكان أبرز تلك المقترحات ما تقدم به مجموعة من شباب الإخوان في محافظتي الفيوم والمنيا بصعيد مصر، تتناول البدء فيما يسمى بـ"التأسيس الثالث" للإخوان، على غرار التأسيس الثاني في السبعينيات.

واعتمد مشروع التأسيس على ثلاثة محاور أساسية، هي: المشروع السياسي للتنظيم، والقائم على مقومات جديدة، على رأسها ضرورة دعم وصول المرأة والقبطي إلى سدة الحكم وشتى المناصب في البلاد، والاستعانة بفتاوى "راشد الغنوشي، ويوسف القرضاوي، وسليم العوا، ومحمد عمارة، وفهمي هويدي"، في هذا الصدد، الذين أقروا بعدم وجود أي موانع فقهية لوصول الأقباط إلى الحكم.

أما المحور الثاني فشمل ملامح المشروع الفقهي للتنظيم، بنسف جميع الفتاوى التي اعتمد عليها الإخوان في التأصيل لممارستهم السياسية، بداية من الاستدلالات القرآنية وإسقاطها على الواقع السياسي، واتهام المعارضة بالفسوق والكفر والإلحاد، بمجرد توجيه النقد إلى الحاكم أو الوزير أو العضو الإخواني.

كما تضمن المحور الثالث المشروع الفكري للتنظيم من خلال تغيير الهيكل الإداري للتنظيم بالكامل، واعتبار الجماعة مجرد مدرسة فكرية جامعة شاملة أكثر من كونها مجرد تنظيم يقيد حرية الانضمام إليه بشروط "بالية" لا سند شرعياً أو فقهياً لها.

المحور الثالث تضمن أيضاً الإجابة عن تساؤلات شائكة راجت منذ فترة عن معنى الأمة والدولة والقطرية والأممية والخلافة الإسلامية، مع التأكيد على أن مصطلح ما يسمى بـ"الخلافة الإسلامية" أصبح غير صالح للاستخدام حالياً، وأنه كان اجتهاداً سياسياً وليس نصاً دينياً يجب على المسلمين تنفيذه من باب الفرضية والإلزام.

انهيار التنظيم الحديدي
حافظ تنظيم الإخوان على تماسكه رغم الأزمات الطاحنة التي مر بها قبل 2014، لأنه نجح في الحفاظ على فكرة التنظيم الهرمي المتماسك جداً، شديد المركزية والإحكام، بحسب المحللين، لكن هذا التنظيم الذي سماه الباحثين "التنظيم الحديدي" انهار بشكل تدريجي بعد ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 في مصر.

ويرجع المفكر الإسلامي ثروت الخرباوي أسباب ذلك إلى انهيار الثقة بين عناصر التنظيم وقياداته، وهو ما ظهر جلياً في أزمة التمويل التي مر بها التنظيم على مدار سنوات.

وأوضح الخرباوي أن أزمة التمويل كشفت للمرة الأولى عن حجم سرقات واختلاسات أبطالها قيادات كانت تسمى "روحانية" ولها قدر كبير من التقديس والثقة، حيث أبرزهم محمود حسين، الأمين العام للتنظيم، الذي تم اتهامه بسرقة ملايين من صندوق الجماعة وتهريبها لأولاده واختلاس أموال كانت تجمع لأسر المحبوسين في مصر.

ويرى الخرباوي أن تفكك التنظيم الهرمي المحكم هو أخطر ما يواجه جماعة الإخوان، لافتاً إلى أنه: "عائق محوري أمام إمكانية التأسيس الثالث للتنظيم، بل يمثل عائقاً أمام استمرارية الجماعة أصلًا".

ويقول الخرباوي لـ"العين الإخبارية": "جماعة الإخوان فقدت صمام أمانها بعد انهيار مؤسسية التنظيم وفقد الثقة في قياداته".

وأضاف: "حاول القائمون على الأمور من إخوان مصر وأقرانهم بالتنظيم الدولي استعادة السيطرة على الأمور بكل الطرق لكنهم فشلوا، وبالتالي أصبحت الجماعة مختنقة بين قيادات غير معترف بشرعيتها وشباب لا يملكون سلطة أو شرعية، والطرفان منبوذان من المجتمع المصري".

واستطرد أن: "التنظيم الدولي رغم محاولات قطر وتركيا المستميتة لتقويته يعاني حالة انهيار غير مسبوقة، لذلك أرى أن الجماعة لن تصمد أمام أزمتها وعاجلاً ستعلن حل نفسها في مصر وربما تتبعها عدة دول، وليس أمامها خيار بديل".

تاريخ التأسيسين الأول والثاني
في عام 1928 أسس حسن البنا جمعية الإخوان المسلمين، وزعم أنها فكرة تستمد استراتيجيتها وأهدافها وبلورتها من مجموعة أفكار متشابهة يضعها المشاركون في التأسيس.

وبعد اغتيال المرشد الأول للجماعة (البنا) عام 1949 تجلت أزمة الفكرة داخل التنظيم بشكل كبير وسقطت فكرة التماسك، إلا أن المرشد الثاني للجماعة المستشار حسن الهضيبي نجح وقتها في تدارك الأزمة واستمرت الجمعية دعوية من الظاهر، ولكنها تعمل بكل قوة على الوصول للحكم.

وبعد عدة تغييرات سياسية جذرية حدثت في مصر عقب قيام ثورة يوليو 1952، وتوجه الجماعة للعمل المسلح علناً بمجموعة عمليات واغتيالات طالت شخصيات عامة ومسؤولين مصريين، سقطت أسهم الجماعة شعبياً، وحاول الأمن السيطرة على جرائمها.

ووفقاً للكاتب والباحث المصري بشؤون الجماعات الإسلامية طارق أبوالسعد، ظهر التأسيس الثاني للإخوان في مطلع السبعينيات، وكان بطل هذه المرحلة هو عمر التلمساني، مرشد الجماعة الثالث.

وقال أبوالسعد إن التلمساني اعتمد في ذلك على مجموعة ركائز أبرزها الخطاب الجماهيري الشعبي العاطفي، الذي يعبر عن الحلم الإسلامي، فضلاً عن التركيز على شخصية محورية يلتف حولها أبناء التنظيم والحركة الإسلامية ككل، مع إيجاد وعاء تنظيمي ومرتب يضمن تمويلاً جيداً ذا طبيعة رسمية.

ويضيف "أبوالسعد" أن التلمساني عمد إلى إعادة ترتيب وتنظيم الجماعة؛ فكان بحاجة إلى هيكل إداري محكم وواضح، واختار له أن يكون هرمياً يعتمد على القاعدة الإخوانية ويتدرج بها إلى القمة.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

الغنوشي يستقوي بأردوغان لمواجهة ضغوط تشكيل الحكومة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

بعثت الزيارة التي قام بها رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي إلى تركيا ولقاؤه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برسائل للداخل وتحديداً للأحزاب المعنية بتشكيل الحكومة، مفادها استقواء الحركة بحلفائها الإقليميين في المنطقة.

وفي حين قالت وسائل إعلام محلية إن زيارة الغنوشي إلى إسطنبول جاءت للمشاركة في مؤتمر الإذاعة والتلفزيون التركية، تحت شعار ”أزمة العولمة: المخاطر والفرص”، إلا أن مراقبين ربطوها بما تشهده البلاد من جدل بشأن تشكيل الحكومة والمخاوف المتصاعدة من هيمنة النهضة على الرئاسات الثلاث.

ورجّح هؤلاء المراقبين أن يكون الهدف الحقيقي من الزيارة هو البحث عن دعم سياسي وربما مالي لمواجهة الضغوط الداخلية المتصاعدة، وهو ما يثير المخاوف من تعمّق النفوذ التركي في تونس.

ولم تتوقف تركيا برئاسة أردوغان منذ العام 2011، عن توظيف دعمها لجماعات الإسلام السياسي لتوسيع مجال نفوذها في منطقة شمال أفريقيا، من ذلك تونس وبشكل أكبر ليبيا.

وتحاول الأحزاب المعنية بتشكيل الحكومة التصدي لمحاولة النهضة تعيين رئيس للحكومة من داخلها، في حين ينظر مراقبون للأمر على أنه مناورة تهدف إلى تحسين التفاوض، وأن النهضة مازالت مستمرة في سياسة الحكم من وراء ستار رغم ما تبديه قواعدها من رغبة في الحكم بشكل مباشر.
وفيما قرر اجتماع مجلس شورى النهضة، أعلى سلطة داخلية في الحركة، تعيين رئيس حكومة من صفوفها، بمباركة 250 عضوا أجمعت الأحزاب السياسية المعنيّة بمشاركتها في تشكيلة الحكومة الجديدة، على رفضها أن تترأس النهضة الحكومة ووصفت قرار مجلس شورى النهضة بالمناورة السياسية.

وتعارض قواعد حركة النهضة وأنصارها في الجهات، توجّهات قيادة الحزب التي دأبت خلال السنوات الماضية على الحكم من خلف ستار وتدعوها إلى المسك بزمام الأمور وتحمّل المسؤولية وهو ما يمثّل ضغطا عليها في ظل رفض الأحزاب هيمنتها على الحكم.

ومثّل موقف حزب التيار الديمقراطي أول اعتراض على مساعي النهضة إلى قيادة الفريق الحكومي القادم، وأعلن رفضه القاطع للمشاركة في ائتلاف حكومي جديد تترأسه الحركة الإسلامية، معتبرا أن مقترحها غير مطروح تماما للنقاش.

وقال الأمين العام للحزب غازي الشواشي، لـ”العرب”، إن حزبه يرفض المشاركة في حكومة تترأسها النهضة، معللا الرفض بأن النهضة “فشلت فشلا ذريعا طيلة السنوات التي أدارت فيها الحكم بعد الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي سنة 2011”.

واقترح حزب التيار الديمقراطي تعيين شخصية مستقلّة على رأس الحكومة لضمان الحصول على الثقة في البرلمان التونسي.

وقال غازي الشواشي “مجلس شورى النهضة اختار التمسك برئاسة الحكومة، ولكن الحركة ستغيّر موقفها لاحقا عند تكليفها بصفة رسمية من رئيس الجمهورية”.

ويرى الشواشي أن الحركة لا تمتلك أغلبية برلمانية مريحة تؤهلها لاشتراط تعيين شخصية من صفوفها لمنصب رئيس الحكومة، داعيا قياداتها إلى الاستماع إلى الأحزاب المعنيّة بمشاركتها في الحكم.

واعتبر أن “تمسّك النهضة بمنصب رئاسة الحكومة هو نوع من الهروب إلى الأمام ومحاولة لفرض الأمر الواجب وهو مناورة سياسية تسعى من خلالها إلى طمأنة قواعدها الشعبية قبل الانطلاق الرسمي في المشاورات مع الأحزاب المشمولة بمشاورات تشكيل الحكومة”.

ويرى حزب التيار الديمقراطي، أن تشكيل الحكومة على قاعدة برامج يستوجب من النهضة تنازلات سياسية، وتواضعا في تفاوضها مع الأحزاب المعنيّة بالمشاركة في الحكم.

ويتماهى موقف حزب التيار الديمقراطي مع حركة الشعب ذات التوجّه القومي التي تتمسك بموقفها الرافض لتعيين شخصية من النهضة على رأس الحكومة الجديدة.

وقال الأمين العام لحركة الشعب، زهير المغزاوي، لـ”العرب”، إن الحركة تنفتح على الحوار السياسي من أجل تشكيل الحكومة وتتمسك في نفس الوقت برفضها التام لترؤس النهضة للفريق الحكومي الجديد.

ولاحظ المغزاوي أن التفويض الشعبي الذي تحصّلت عليه النهضة من الشعب في الانتخابات التشريعية “فوز منقوص يعادل ربع الناخبين ولا يؤهلها للتفاوض مع الأحزاب المعنية بالحكم باشتراطها تزعم الحكومة”.

وتقترح حركة الشعب تشكيل ما أسمته بـ”حكومة الرئيس”، بحيث يتولى رئيس الجمهورية المنتخب، قيس سعيّد، تكليف شخصية مستقلّة بتشكيل الحكومة لتجنيب البلاد مأزقا سياسيا.

وقال المغزاوي “حكومة ستشكّلها النهضة سيكون مآلها الفشل، من حقها تشكيل الحكومة لكن لا يمكن لها أن تترأسها باعتبارها لم تتخذ أي خطوة في مكافحة الفساد والقيام بالإصلاحات طيلة مشاركتها في الحكم في السنوات الأخيرة”.

وستعمل حركة الشعب على كسب تأييد سياسي لمقترح استغلال الشرعية الواسعة لرئيس الجمهورية التي منحها له الناخبون.

ويرى المغزاوي أن “النهضة تتمسّك برئاسة الحكومة لأنها لا تفكر أبدا في إصلاح أوضاع البلاد، وإنما تبحث عن الغنيمة وتعتبر أن الحكم ليس لخدمة البلاد وإنما فقط للتمكّن من الحكم لخدمة أغراضها وخدمة المشروع الإخواني”.

من جانب آخر، جدّدت حركة تحيا تونس برئاسة يوسف الشاهد رفضها القطعي المشاركة في الحكم والدخول في ائتلاف حاكم مع حركة النهضة. وقال القيادي بحركة تحيا تونس، كريم الهلالي، لـ”العرب”، إن الحركة غير معنيّة بتاتا بأي مفاوضات تتعلّق بتشكيل الحكومة الجديدة.

واعتبر الهلالي أن حزب تحيا تونس ينأى بنفسه عن التجاذبات المتعلّقة بتمسّك النهضة برئاسة الحكومة التونسية باعتبارها اختارت البقاء في صفّ المعارضة البرلمانية.

وحلّت حركة النهضة الإسلامية في المرتبة الأولى في نتائج الانتخابات التشريعية بفوز غير مريح ولا يمنحها أغلبية مطلقة، ويليها حزب نبيل القروي “قلب تونس” ثانيا بـ38 مقعدا، فيما حلّ التيار الديمقراطي (ديمقراطي اجتماعي) ثالثا بـ22 مقعدا، يليه ائتلاف الكرامة المحافظ (21 مقعدا) ثم الحزب الدستوري الحر (17 مقعدا) وحركة الشعب (16 مقعدا) وتحيا تونس (14 مقعدا).

وسيكون أمام حركة النهضة مهلة شهر لتشكيل حكومة قادرة على نيل ثقة غالبية النواب، وهي مهمة بالغة الصعوبة في مجلس مشتت.

وأجرى رئيس الحركة راشد الغنوشي اتصالات أولية مع أحزاب التيار الديمقراطي وحركة الشعب وتحيا تونس، وائتلاف الكرامة، والاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية