النوم.. سلطان أثار عقل الفلاسفة وحيّر العلماء

يظل "النوم" من بين القضايا المثيرة التي تتعلق بالكائنات الحية، بوجه عام، والإنسان، بوجه خاص، حيث يبحث فيه العلماء والأطباء، ومازالت العديد من النظريات العلمية، تحاول فهم أسبابه والتغيرات التي ترافق هذه الحالة، على مستوى الحالة الذهنية والعصبية والمزاجية، وتقلباتها تبعاً لتأثيرات النوم على الإنسان، ومقدار الساعات التي يقضيها وتفاوتاتها من شخص لآخر، بحسب العامل الجيني، الذي يحسم تلك الاختلافات ويحددها، وذلك منذ لحظة الشعور بالخمول والنعاس، عندما تبدأ الرغبة في النوم. وقد اكتشف العلماء أنّ النوم هو النشاط الذي يستهلك وقتاً أكثر من بين الأنشطة الأخرى، التي يقوم بها الإنسان في حياته، ويبلغ نحو 25 عاماً.
النوم هو النشاط الذي يستهلك وقتاً أكثر من بين الأنشطة الأخرى

حكاية مثيرة
ثمة قصة هندوكية توثق لبدايات اهتمام الفلاسفة وشغفهم بالنوم لدى الإنسان؛ إذ حددوا ثلاث حالات تتعاقب على العقل البشري، تعرف الحالة الأولى بـ "فيزوانارا"؛ أي اليقظة، وهي حالة الوعي بالعالم المحسوس التي يكون بمقدور الإنسان فيها استخدام حواسه، ومعرفة ما يدور حوله، وفي نشاطه الذهني، والحالة الثانية "تيجازا"، وهي النوم الحالم، والتي يصبح فيها الإنسان واعياً لأحلامه التي تستعيد ما مر به من أحداث ماضية، وتم تخزينها في وجدانه وعقله، والحالة الثالثة والأخيرة "براجنا"، وهي النوم العميق الذي لا تتخلله الأحلام، وسموها، بحسب الرواية الهندوكية، منتهى وغاية السعادة للعقل، وفي تلك الحالة الأخيرة، يغلف اللاوعي كل أفكاره ومعلوماته، وتختفي كل الانطباعات الدقيقة من ذهن المرء وعقله.

اقرأ أيضاً: كيف يؤثر السهر على نشاط الدماغ؟

وبحسب الملاحظات العلمية الأولية، فإنّ معظم الحيوانات تنام كما ينام الإنسان، إلا أنّ ذلك يختلف في درجات النوم، وعمقه وسطحيته، بيد أنّ ميكانيكية النوم واحدة لدى تلك الكائنات، وكلما هبطنا في درجات سلم التطور إلى الحيوانات الأقل شأناً من الإنسان، تقل فترات النوم، وكأنما يتلاشى تماماً، لكن في كل الأحوال، تتمتع الحيوانات بفترات نشاط، تعقبها فترات من الخمول. وهناك إشارة علمية توضح أن النوم واليقظة بمعناهما المتداول، ينبعان بشكل أساسي من شبكة عصبية، يتحكم فيها المخ، وكلما تطور المخ وتعقد، أضحى للنوم معنى مغاير، تتجلى فيه الذكريات القديمة، والمشاعر والانطباعات المضمرة، والتي تحملها خلاياه العصبية، وتنبعث في صورة أحلام، تبدو عادية وواقعية، وأحياناً غرائبية و"كابوسية".
 الطفل حديث الولادة، ينام في المتوسط 18 ساعة متقطعة يومياً

النوم يلتهم أعمار البشر
تشير العديد من الدراسات العلمية إلى أنّ متوسط ما يحتاجه الإنسان للنوم يبدو مختلفاً، ولا يمكن تحديده، بدقة؛ إذ إنّ الطفل حديث الولادة، ينام في المتوسط 18 ساعة متقطعة يومياً، وتبدأ تلك الفترة في التضاؤل كلما تقدم في العمر، وفي فترة المراهقة تعدل تلك الفترة إلى ما يربو على تسع ساعات، وهي أكثر قليلاً من فترات النوم التي يحتاجها الإنسان البالغ في اليوم الواحد، والتي يمكن تحديدها بفترات تتراوح، بين سبع أو ثماني ساعات، وهو ما يعني أننا نقضي أكثر من ثلث عمرنا في النوم.

عام 1964 تمكن بريطاني من البقاء بلا نوم 11 يوماً، وفي 1977، مكثت بريطانية بلا نوم 18 يوماً متواصلة

وبحسب أتوال مالهوترا، مدير علاج النوم في جامعة كاليفورنيا، فقد نقلت عنه "بي بي سي"، أنّ هناك مرضاً جينياً نادراً اسمه "الأرق الأسري القاتل"، ويبلغ عدد العائلات التي يوجد في جيناتها ذلك المرض حوالي 40 عائلة فقط في العالم، ويترتب على ذلك، تحول البروتينات في الجهاز العصبي إلى بريونات، فتفقدها وظيفتها الرئيسية؛ حيث تنخر البريونات النسيج العصبي وتقتله، وتحدث ثقوباً في الدماغ، تؤدي إلى تأثر منطقة معينة في الدماغ، وتكون أشد تضرراً بهذا المرض وهي منطقة التحكم في النوم داخل المخ، مما يسبب أرقاً مزمناً.
ويسجل العام 1964، فوز شاب بريطاني، تمكن من البقاء دون نوم، وذلك لمدة 264 ساعة، بشكل متواصل؛ أي ما يعادل 11 يوماً، في منافسة، وهو الأمر ذاته، الذي تكرر مع سيدة بريطانية، في العام 1977، تمكنت من المكوث بلا نوم لمدة 18 يوماً متواصلة. لكن في كلتا الحالتين، ليس هناك رصد لأي أعراض، وقعا تحت تأثيرها، خلال تلك الفترة، سواء جمسانية أو عصبية.

اقرأ أيضاً: مشاكل قلة النوم في رمضان.. كيف تتخلص منها؟
وبحسب دراسة، أصدرها، الدكتور كونور وايلد، عالم الأعصاب، فإنّ الدماغ أثناء النوم، يحصل على الاسترخاء في السائل الدماغي النخاعي؛ حيث يتم إخراج البروتينات غير المرغوب بها المرتبطة بألزهايمر، ولكن مع الكثير من النوم، يمكنك تجربة ما يسميه العلماء "نوم الخمول"، وبمجرد ما يحصل الاستيقاظ، كما هو مفترض، خارج نطاق نوم حركة العين السريعة، تكون معدلات نبضات القلب أبطأ ودماغنا أقل نشاطاً، بالإضافة إلى ضغط الدم، وهو ما يساعد على عملية الاستيقاظ دون التعرض للصدمة.
عندما نستيقظ في منتصف نوم حركة العين السريعة، تنقطع العديد من الأنشطة

كيمياء المخ
ويضيف: "عندما نستيقظ في منتصف نوم حركة العين السريعة، تنقطع العديد من الأنشطة، ما يؤدي إلى نوم الخمول والشعور المترنح، بيد أننا عندما ننام أكثر من اللازم، يكون الخروج من حالة النوم أصعب، كما يضعف الإدراك قليلاً".

باحثون: القيلولة في النهار لمدة لا تتجاوز 40 دقيقة لا تؤثر على فترة النوم في الليل

ويحدد العلم مركبين أساسيين يتحكمان في النوم الخفيف والعميق؛ أحدهما، "سيرتونين" وهو المكلف بالنوم السطحي، والآخر هرمون اسمه "نورادرينالين" والمسؤول عن النوم العميق، وبالتالي، فإن النشاط في الكائن الحي يؤدي إلى تكوين مادة أو عدة مواد كيميائية، بتركيزات قليلة للغاية، وكلما مر الوقت زاد تركيزها، وعندما يبدأ تأثيرها على مراكز محددة في المخ، يحدث تحور في نشاطها بحسب ما تقتضيه حاجة الجسم، من نوم أو غيره، حيث يؤدي ذلك التحوير إلى إرسال نبضات عصبية وكهربائية إلى مراكز النوم واليقظة، فتفتحها أو تغلقها، في مواقيت بعينها.
وفي مجلة "العلوم النفسية"، في العام 2002، أوضحت وفقاً لما اكتشفه العلم بعد بحوث جديدة، واختبارات علمية حديثة، أنّ القيلولة لمدة تتراوح بين 10 إلى 40 دقيقة، يمكنها أن تمنح جسم الإنسان ووظائفه المختلفة الراحة، وتعيد له الحيوية والنشاط، وبمقدورها شحن قدراته على التفكير والتركيز، بالإضافة إلى أنها تزيد من إنتاجيته وحماسته للعمل، وتخفف من مستوى هرمون التوتر المرتفعة في الدم، بسبب النشاط البدني والذهني، الذي قام به الإنسان في بداية اليوم.

اقرأ أيضاً: 6 خرافات مشهورة عن النوم.. هل سمعت بها؟
ومن ناحية أخرى، أشار الباحثون إلى أن القيلولة في النهار لمدة لا تتجاوز 40 دقيقة لا تؤثر على فترة النوم في الليل، أما إذا امتدت لأكثر من ذلك، فقد تسبب الأرق وصعوبة النوم ليلاً، بيد أنه لظروف معينة، قد يستعيض الكثيرون عن القيلولة، بغفوة لبضع دقائق، والتي قد يتعرض لها الأشخاص عادة من فرط التعب، وربما، تحدث في وسط أدائه أنشطة حياتية عادية، أو أعمالاً يومية بسيطة، كمشاهدة التلفزيون، أو المذاكرة، لكنها تساعد الجسم والمخ على الشعور بالراحة والاستقرار.

 

الأقسام: