تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟

1568
عدد القراءات

2019-06-04

تجديد الخطاب الديني دعوة أطلقت كثيراً من قبل مفكرين وبجهود فردية أو مؤسساتية، والكتب في هذا السياق أكثر من أن تُحصى في مقال، نذكر منها كتاب المفكر المصري الراحل نصر حامد أبوزيد "نقد الخطاب الديني"، ومشروع أبو زيد، إضافة إلى مشاريع مفكرين آخرين كبار من أمثال؛ جورج طرابيشي وعلي حرب وعلي شريعتي والصادق النيهوم وفرج فودة وعبدالجواد ياسين وغيرهم كثير، تهدف في النهاية إلى تجديد الخطاب الديني.

يسلط كتاب "تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع" الضوء على دور الخطاب الديني بتزييف الوعي وتجميل الصورة

ومن هذه الجهود ما قامت به مؤسسة "أروقة" للدراسات والترجمة والنشر وهي تطلق مركزاً بحثياً طموحاً تحت اسم "رَوِيَّة للدراسات".
دشّن المركز نشاطه بإطلاق عدة إصدارات، في العام 2019، تتمحور حول تفكيك خطاب الإرهاب، منها: "الإرهاب والتطرف، قراءة في مقاربات مختلفة" لمحمد الحمامصي، "تفكيك خطاب داعش" لعلوي الملقمي، "الإرهاب من منظور القرارات الدولية" لأنور العليمي، "خرافات الصحوة الإسلامية" لمحمد عزيز العرفج، "تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع" لطلعت رضوان.
 كتاب "تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع" لطلعت رضوان

آفة الأُحادية
يطرح كتاب "تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع" لطلعت رضوان، العديد من الأسئلة: هل يختلف الشباب المنشق عن الإخوان عن شيوخهم؟ وهل تختلف المرجعية؟ وهل سيكون الجيل الجديد، من شباب الإخوان، أقل أصولية؟ وهل يُجدي تجديد الخطاب الديني مع آفة الأحادية؟ وكيف يستقيم تجديد الخطاب الديني مع دعوة "أسلمة مصر"؟ وهل ينجح التجديد بدون علمنة مؤسسات الدولة، وفي ظل العداء للتراث الشعبي؟

اقرأ أيضاً: جناية "أل" في الخطاب الديني
يستعرض الباحث أهم الآفات التي عانت منها البشرية وأخّرت مسيرة التقدم، من تلك الآفات: مقولة "ثوابت الأمة" التي أدّت إلى الدعوة لعودة الخلافة الإسلامية، ويربط الباحث هذه العودة أو الدعوة بدعوة الحزب النازي وسيادة "الأمة النازية"، ويخلص إلى أنّ الأصل في كلتا الدعوتين هو "الأحادية الدينية والعرقية" التي هي أشد أعداء التعددية، والأحادية تؤدي حتماً إلى الجمود والثبات، ويستشهد الباحث بأمثلة من تاريخ المسيحية كقتل الفيلسوفة هيباتيا وحرق الفيلسوف جوردانو برونو، إضافة إلى أمثلة من تاريخ الإسلام كمقتل عبدالحميد الكاتب وابن المقفع والحلاج والسهروردي وفرج فودة وغيرهم.
تنطوي دعوة "أسلمة مصر"، التي يطلقها الأصوليون، على تكفير مبطن للمجتمع والدولة معاً

أسلمة مصر
تنطوي دعوة "أسلمة مصر"، التي يطلقها الأصوليون، على تكفير مبطن للمجتمع والدولة معاً، والسبب من وجهة نظرهم، كما بيَّنه الباحث، "أنّ المجتمعات العصرية تعيش مرحلة الجاهلية الحديثة"، ومن شواهد هذه الدعوة المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية التي انتشرت بعد ثورة يناير 2011.
اللافت للنظر، كما يقول الباحث، "أنّ الدعوة لأسلمة مصر، لم تكن من اجتهادات الإخوان المسلمين والتيار السلفي فقط، وإنّما شارك في هذه الحملة بعض المحسوبين على الثقافة المصرية"، ومن شواهد أسلمة مصر يذكر الباحث كيف أنّ التيار الديني اخترق وزارة التربية والتعليم، في وقت من الأوقات "فتقرر تدريس كتابين للشيخ الشعراوي هما كتاب (معجزة القرآن) وكتاب (الأدلة المادية على وجود الله)".

تجديد الخطاب الديني دعوة أطلقت كثيراً من قبل مفكرين وبجهود فردية أو مؤسساتية

يربط الباحث هذا الفصل بفصل آخر عن الموقف من غير المسلمين، وعن دور الخطاب الديني في تزييف الوعي وتجميل الصورة، مستشهداً بتفسيرهم لمعنى الجزية وهو ما "أدى إلى تبرير ما يحدث في بعض الأحيان من اعتداء على (أهل الكتاب) والذين هم من نفس البلد والوطن".
الهدف من الجزية كما بينه الباحث هو "منع مواطني كل دولة يغزونها من الدفاع عن أنفسهم، أي منعهم من حمل السلاح"، ويخلص إلى أنّ الحل يكمن في حق المواطنة وذلك بتطبيق مبادئ العلمانية "حيث يضع البشر قوانينهم التي تنظم العلاقة بين المحكومين والسلطة التنفيذية وتحكم العلاقة بين المواطنين وبعضهم البعض"، وبدون هذا سيظل مشروع تجديد الخطاب الديني، كما يرى الباحث، "مجرد فكرة مثالية عسيرة على التحقيق على أرض الواقع".

اقرأ أيضاً: إستراتيجيات بناء الخطاب الديني: العدل ومعرفة مراد الله
من جهة أخرى، يرى الباحث أن توأم التعليم والإعلام يلعبان دوراً رئيسياً في احتقان الوضع وتدهور العلاقة بين أتباع الديانتين، والحل، من وجهة نظره، يكمن في حصة الأخلاق، كبديل لحصة الدين، وبجلوس التلميذ القبطي والمسلم إلى جوار بعضهما، "وتدريس نماذج من حكماء مصر القديمة"، وحكماء الأمم الأخرى كبوذا وكونفوشيوس وغيرهما.
الدعوة لأسلمة مصر لم تكن من اجتهادات الإخوان المسلمين والتيار السلفي فقط

تحييد الدين بصفته تاريخاً
لن يستقيم تجديد الخطاب الديني دون فك الاشتباك مع الماضي، كما يرى الباحث، من ذلك "أهمية حسم النزاع بين العقيدتين الإسلامية والمسيحية" وهو موضوع الفصل التاسع، والوعي باختلاف المصاحف، وهو موضوع الفصل العاشر، ويعود لطرق آفة الأحادية كأهم معوقات تجديد الخطاب الديني، في الفصل الحادي عشر. ومن الفصول المهمة في الكتاب الفصل الثاني عشر الذي وضعه في صيغة سؤال: "هل يتحقق التجديد مع العداء للتراث الشعبي؟".

اقرأ أيضاً: الخطاب الدينيّ الشعبيّ واختراق الأصوليات الإسلامية له
ويرى الباحث أنّ تجديد الخطاب الديني لا يجدي بدون تدريس التاريخ الإسلامي في المدارس والجامعات بموضوعية وحيادية، وأنّ من شأن هذه الحيادية أن تقود إلى احترام الدين بوصفه تاريخاً أو تجارب قابلة للنقد والمراجعة، وهو ما سيؤسس لثقافة تفصل بين ما هو ديني وما هو تاريخي أو بشري، ومن ثم كتابة دستور مدني يجيز فيه لجميع المواطنين اعتلاء أي منصب في الدولة بصفتهم مواطنين لامتدينين، ويستشهد الباحث بالهند حيث يمكن للمسلم أن يكون رئيساً للدولة والسيخي أن يكون رئيساً للوزراء، وهي نتيجة لتأسيس مناهج التعليم على أكبر قدر من الموضوعية والحيادية العلمية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف قرأ فرانسوا بورجا الإسلام السياسي؟

2019-09-08

يعتبر المفكر الفرنسي، فرانسوا بورجا، واحداً من أهم ثلاثة مفكرين فرنسيين تصدوا لدراسة وتحليل ظاهرة الإسلام السياسي خلال العقود الأخيرة، وتعد أبحاث بورجا إلى جانب أبحاث؛ جيل كيبل وأوليفييه روا، اللذين تناول كل منهما ظاهرة الإسلام السياسي من منظور مختلف عن منظور الآخر، مراجع لا غنى عنها لفهم أبعاد تلك الظاهرة، سواء من حيث دقة التحليل وشمول التوثيق أو من حيث الموضوعية والتخفف من إسار الأيديولوجيا التي وسمت فكر الاستشراق بصفة عامة. 

 الموقف النقدي المتحفظ إزاء فكر الاستشراق وإرث الاستعمار الفرنسي جعل من كتابه "الإسلام السياسي صوت الجنوب" إشكالياً

ولعل هذا الموقف النقدي المتحفظ إزاء فكر الاستشراق والموقف من إرث الاستعمار الفرنسي لشمال إفريقيا والذي يظهر عند بورجا وكأنّه تطهر من إثم قديم، هو ما جعل من كتابه "الإسلام السياسي صوت الجنوب" كتاباً إشكالياً قابلاً للتوظيف الأيديولوجي في الفكر السياسي العربي، من قبل العلمانيين أو الإسلاميين على السواء، وهي النقطة المهمة التي أشار إليها المفكر المصري الراحل، نصر حامد أبو زيد، في تقديمه للترجمة العربية للكتاب التي أنجزتها لورين فوزي زكري وصدرت عن دار العالم الثالث بالتعاون مع المركز الفرنسي للثقافة والتعاون العلمي في القاهرة 2001.

اقرأ أيضاً: محمد البشاري: جماعات الإسلام السياسي تسعى لاصطدامنا مع الآخر
فالكتاب الموجه أصلاً للقارئ الفرنسي والقائم على الاعتراف بالآخر وتقبل اختلافه الثقافي، والتعامل مع الحركات الإسلاموية كحقيقة واقعة وقوة مؤثرة في المعترك السياسي العربي، ونقد الموقف الغربي المنحاز للأنظمة السلطوية "العلمانية" في قمعها للحركات الاحتجاجية الإسلامية (التي ربما تكون وريثة هذه النظم في المستقبل غير البعيد) كما يرى بورجا، قد يثير حفيظة المثقف العربي إزاء تعاطف الكاتب مع تلك الحركات الذي قد ينزلق إلى تسويغ استخدام الدين في السياسة وشرعنة العنف من جهة، والمساهمة في تغييب  قوى التغيير الديمقراطي اليساري التي أُخرجت من ساحة الفعل السياسي والاجتماعي كحقيقة واقعة بعد أن تناوب على سحقها وتهميشها كل من الإسلامويين وأنظمة الحكم السلطوية القائمة بمساعدة السياسة الغربية، أو تواطؤها النفعي على أقل تقدير.

غلاف الكتاب
لا تقلل تلك الملاحظات من أهمية كتاب فرانسوا بورجا بقدر ما تثبت أهميته وتثير النقاش حوله بما يقدمه من رؤى مختلفة ورصد وتوثيق للظاهرة الإسلامية في دول شمال إفريقيا التي تناولها المؤلف بشكل تفصيلي منذ النشأة، رغم أنّها لا تخرج إلا جزئياً عن الصبغة العامة للإسلام السياسي؛ بسبب طول فترة الاستعمار الغربي لدول المغرب العربي وتأخر استقلالها، وبعدها النسبي عن التأثر باضطرابات المشرق العربي المتوتر منذ نهاية السلطنة العثمانية، واستمرار العلاقة الثقافية بين ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية حتى اليوم. ويكمن اختلاف قراءة بورجا للظاهرة الإسلاموية في كونها بحثاً في الفاعلية الحركية السياسية والاجتماعية يسعى الباحث من خلاله لاكتشاف القوانين العامة المؤسسة للظاهرة والمحركة لها أكثر من كونه بحثاً في الأيديولوجيا أو اشتباكاً مع مقولات ومفاهيم، كما يحرص على إبراز "تعددية" الظاهرة وتمايز تياراتها السياسية ومناقشة أسباب هذه "التعددية" التي تصل أحياناً إلى حد التناقض والتصارع على مستوى الفعالية والحركية السياسية، كما يشير نصر حامد أبو زيد في تقديمه لترجمة الكتاب.

اقرأ أيضاً: ماذا تفعل جماعات الإسلام السياسي بالأتباع والمريدين؟
وانطلاقاً من محاولة التخفف من الحمولة الأيديولوجية يعيد بورجا النظر في التسمية ودلالاتها التي باتت تتخذ لوصف تلك الظاهرة  في كتب المتخصصين أو في الكتابات الصحفية دون تدقيق بخصوصية كل حالة، أو تمييز بنوع الخطاب، مشيراً إلى أنّ "التضخم اللغوي فيما يتعلق بالمصطلحات التي يستخدمها المحللون "الإسلام السياسي"، "الأصولية"، "المتشددون"..." يؤشر ليس على الحيرة في وصف تلك الظاهرة فحسب، إنّما على القلق المتزايد منها، والاهتمام الذي تثيره، والصعوبة التي يواجهها المراقب الخارجي أمام جوهر هذه الاتجاهات وتعددها؛ "فدراسة العقيدة المجموعة في "سور القرآن وأحكامه" أسهل كثيراً من فهم ملايين الأفراد الذين يؤمنون بها".

نصر حامد أبو زيد
لذلك كثيراً ما يحدث الخلط في استخدام هذه المصطلحات بين التقليدية والأصولية والإسلام السياسي، وإن كانت جذور الإسلام السياسي موجودة في المرجعية الأصولية إلا أنّ الأصولية تتخذ موقف الارتياب من المعاصرة  ولا تملك مشروعاً سياسياً لحل مشكلات العصر، إنما ينحصر نشاطها في الإطار الأخلاقي.

الإسلاموية نشأت في الأساس في سياق الحداثة الغربية وكرد فعل عليها وتتقبل كل مظاهرها التكنولوجية الحديثة

أما الإسلاموية فقد نشأت في الأساس في سياق الحداثة الغربية وكرد فعل عليها وتتقبل كل مظاهرها التكنولوجية الحديثة، وهي مشروع سياسي يسعى لتجاوز (سبات العلماء) المندرجين في مؤسسات الدولة حسب وصف عبد السلام ياسين، وضد السلفية التي (قدمت تنازلات مؤسفة للغرب في سعيها لإضفاء طابع الحداثة على الإسلام بدلاً من إضفاء الطابع الإسلامي على الحداثة) كما عبر عن ذلك راشد الغنوشي.
ويهدف الإسلام السياسي إلى الاستيلاء على السلطة من فوق باعتبارها ضرورة لتحقيق يوتوبيا "الدولة الإسلامية" التي يشاركهم فيها إلى حد كبير التيار الأصولي؛ فميلاد الإسلام السياسي داخل المجتمعات العربية، كما يرى بورجا، مرتبط بالظاهرة الإمبريالية وصدمة الحداثة الغربية، ونضال هذه المجتمعات ضد الاستعمار بكل ما يمثله من قيم ورموز. أما تبلوره كمشروع سياسي متكامل ذي أطر تنظيمية حركية وانتشاره المتسارع فقد جاء كرد فعل على الدولة القومية "العلمانية" وفشل سياساتها التنموية وعدم قدرتها على إنجاز التحرر الفعلي من هيمنة الدول الاستعمارية.

اقرأ أيضاً: كيف خرج الإسلام السياسي على موقف أهل السنّة من الدولة؟
ويذهب بورجا إلى القول إنّ الإسلام التاريخي ليس وحده المولد لظاهرة الإسلام السياسي، كما يدعي منظروه، "إنما الإسلام السياسي كظاهرة هي التي تصنع الإسلام الراهن على مقاسها وليس العكس". فاستخدام الإسلام السياسي لشفرة ومصطلحات الإسلام لا يتعدى الاستخدام اللغوي فحسب، وذلك في مواجهة شفرة غربية استعمارية أساساً أعادت الأنظمة الحاكمة إنتاجها في خطابها القومي "العلماني"، ويصبح الإسلام في هذه الحالة مجرد هوية يتسلح به الإسلام السياسي. وهذا الإسلام الذي يسعى لتكوين هويته الخاصة كما يرى بورجا ليس معادياً للغرب.
لماذا احتاج "الجنوب أن يتحدث بصوت آخر"؟
في إطار رصده لانتشار الظاهرة الإسلاموية "الصوت الجديد" في مجتمعات المغرب العربي وآليات نشاطها وتوجهاتها السياسية، بدءاً من تونس إلى الجزائر وبدرجة أقل في المغرب وليبيا، يذهب بورجا للوقوف على أسباب هذا الانتشار إلى تشريح البنية السوسيوثقافية والسياسية في المجتمعات العربية المغربية في ظل الاستعمار، ومرحلة ما بعد الاستقلال التي خضعت فيها تلك المجتمعات لعمليات التحديث القسري الذي تولت نشره الانتلجنسيا المحلية ودولة الاستقلال الناشئة بوتيرة أسرع وأكثر مبالغة وجذرية عما كانت عليه في ظل الاستعمار المباشر، معتمدة في ذلك على قوتها النابعة من الشرعية التي اكتسبتها من إنجازاتها في التحرير الوطني من دون الاهتمام بمعالجة التصدع في الذهنية الاجتماعية الذي أصاب هذه المجتمعات بعد اندثار شفراتها الثقافية أو احتلالها مواقع هامشية، "وبات من يبحثون عن ملجأ أخير لهويتهم في القيم الدينية ينظرون إلى العلمانية بأنّها أصبحت الإطار المرجعي الذي تفرضه السلطة".

يهدف الإسلام السياسي إلى الاستيلاء على السلطة من فوق باعتبارها ضرورة لتحقيق يوتوبيا "الدولة الإسلامية"

لكن فشل الدولة الناشئة في الإيفاء بمتطلبات التنمية في ظل الأزمات الاقتصادية المتتالية وتراجع أسعار النفط، والتفجر السكاني، وازدياد التفاوت في المستوى المعيشي والثقافي والتعليمي بين الريف والمدينة، وازدواجية الثقافة التي أنتجتها سياسة التعريب القومي، مع لفحة رياح الثقافة المشرقية التي حملها المدرسون الموفدون من دول المشرق أو الطلبة العائدون منها مثل؛ الغنوشي، والإسلاميين المتشبعين بأفكار الإخوان المسلمين وحسن البنا أو سيد قطب، والهاربين من بطش الملاحقات الأمنية في تلك الدول، مع أصداء انتصار الثورة الإسلامية في إيران، قد ساعد في تعضيد الأصوات الإسلامية الناشئة وساهم في نقلها من مساجد الضواحي الهامشية البعيدة إلى الجامعة والقطاع الطلابي المديني وساحة المدينة، خاصة بعد توسع الجامعة وانتشار التعليم والهجرة الريفية نحو المدن حاملة معها ثقافتها الدينية ذات الطابع الريفي التي أحسن التيار الإسلامي تعبئتها واستثمار طاقاتها بالاستفادة من تجربة مناضلي الحركات اليسارية الماركسية وأساليب نشاطهم وبالتنافس معهم في آن.

كل ذلك فتح الطريق نحو المواجهة مع الدولة التي أدركت متأخرة خطورة الظاهرة الناشئة وخطورة حرية نشاطها، فأخذت بدورها تنافس معارضيها من قوى الإسلام السياسي على استخدام المجال الديني وتسابقها في إنتاج فائض من التدين والرموز الدينية. وقد ظهرت نتائج هذا السباق جلية عندما انخرط الإسلاميون في النشاط السياسي العلني ودخلوا في اللعبة الديمقراطية وصناديق الانتخابات في تونس أولاً ثم في الجزائر فيما بعد.

توقع بورجا أن يستطيع الإسلام السياسي تجاوز أفكاره وأيديولوجياته المدمرة ويخرج من قوقعته لم تتحقق حتى اليوم

ويشير بورجا في هذا الصدد إلى خطأ تقدير الحاكمين للظاهرة الإسلامية التي اعتبروها في البدء مجرد سحابة صيف عابرة، وحاولوا استمالة بعض رموزها بسياسة الاحتواء والضبط، أو توظيفها ضد التيارات اليسارية الماركسية المنافسة، لكن هذه السياسة لم تفعل غير تقوية التيارات الإسلامية وتبلور خطابها السياسي الصدامي والتكفيري، ما فتح الطريق أمام موجات متتالية من العنف والعنف المضاد الذي سرعان ما وجد تبريره وشرعنته بتأويل المرجعية الإسلامية من قبل هذه التنظيمات حسب مقتضى الظرف، وهو ما يترك سؤال الديمقراطية والعلمانية والحداثة في المجتمعات العربية والإسلامية سؤالاً معلقاً، كما يجعل رهانات بورجا على قدرة الإسلام السياسي على تخطي قوقعته والانفتاح على العصر وقبول قيم الحداثة الغربية التي تؤهله لوراثة الأنظمة القومية باعتباره القوة السياسية الأكثر تنظيماً وجماهيرية بعد أن أفرغت الأنظمة السلطوية الساحة السياسية من المنافسين الآخرين، وفيما لو قوبل بالاعتراف والإنصات لصوته من قبل الغرب، مجرد رغبات وأماني.  فالأنظمة القومية التي يصفها بروجا بالعلمانية تشترك مع الإسلام السياسي بالجذر الثقافي والمرجعية الفكرية وإن اختلفت شعاراتها السياسية.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن فهم علاقة الإسلام السياسي بالحداثة؟
ولعل الاختبار الحقيقي الذي تفشل حركات الإسلام السياسي فيه حتى اليوم هو الموقف من الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين؛ فقد انساق بورجا وراء نقده للفكر الغربي الذي ينتقد موقف الإسلام من المرأة وانبهاره بقدرة الإسلام السياسي على تعبئة النساء في نشاطه السياسي والاجتماعي و"الجهادي" الذي قاده لاستخلاص أن الإسلام السياسي لا يقف ضد حرية المرأة ومساواتها مع الرجل، لكن فاته أن ينظر في أفق القانون الذي يحدد تلك الحرية والموقع الاجتماعي الذي تحتله النساء وفقه والوظيفة الاجتماعية الموكولة لها، كما فاته أن يسأل أي امرأة تلك التي لا يعاديها الإسلام السياسي وما موقفه من المرأة التي لا تقبل بمفاهيمه وأيديولوجيته.
وفي النهاية لا بد من الاعتراف أنّ الأحداث اللاحقة قد أكدت أنّ استخلاصات بورجا المبنية على التحليل الموضوعي العميق للواقع الحي لم تكن وهمية ولا إيهامية؛ فقد وصل الإسلامويون إلى السلطة في أكثر من بلد عربي، لكن رغبة بورجا وأمانيه في أن يستطيع الإسلام السياسي تجاوز أفكاره وأيديولوجياته المدمرة ويخرج من قوقعته لم تتحقق حتى اليوم.

للمشاركة:

"زينب والعرش".. هل يمكن النجاة من إغواءات الصحافة؟

2019-08-31

"الآن أنت رجل طيب، آت لتحويل تلك الغابة لمدينة فاضلة، تملؤك الحماسة، للصدع بكلمة الحق، لا تظن يوماً أنّك يمكن أن تتحول إلى كائن شرير، لكنك ستكون ذلك الكائن يوماً ما.. لكن رويداً رويداً.
نظر عبدالهادي النجار، رئيس التحرير، للشاب الخجول، حديث التخرج، الذي بدا من صفحة وجهه الخير والصلاح، ثم قال: يا يوسف، هنا أسرع مكان تتغير فيه الطبائع".

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر
منذ العام 1972، أعمل فتحي غانم، أحد أشهر رؤساء التحرير في مصر، إزميل نقده، في وسطه الصحفي الذي ينتمي إليه، ليخرج بروايته المنحوتة "زينب والعرش" التي لا يدرك مدى عمقها، وإبحارها، إلا من عاش تجربة كاملة بين جدران السلطة الرابعة، ودخل مطابخها، وسرح في كواليسها.
نقد الذات المهنية
عندما يكون الصحفي روائياً، فإنه باستطاعته أن يجعل من كل شيء محلاً للكتابة، والاستهداف بالقلم، ويذهب للتفتيش في بيئته أولاً، فيمتلك الجرأة على ممارسة النقد الذاتي، هادماً أسوار القدسية، التي عمل على بنائها أرباب المهنة وشيوخها.

رواية "زينب والعرش" لفتحي غانم
لكن غانم فرض الاعتراف على الوسط الصحفي بوجود آفات وخطايا، استشرت فيه، بحيث إنّ كل صحفي يقرؤها، يجد فيها معايشته لتجربته المهنية بصورة أو بأخرى.
يقول عبدالهادي النجار، بطل الرواية، ليوسف المحرر الجديد: "سوف تتعود.. سوف تتخلص بسرعة من كل ارتباك.. فهنا أسرع مكان لتغيير طبائع البشر.."

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد
يواصل النجار حديثه: "لن تكون كما أنت الآن، مثل العذراء..أنت مقبل على عالم غريب عنك.. وأنا الآن أشعر على نحو ما بمسؤولية نحوك.. ولست أدري لماذا أقول لك هذا.. ولكني أخشى عليك من الجو الذي نعيش فيه.. وأغلب الظن أنّك ستتغير كما قلت لك.. ولن تكون كما أنت الآن مثل العذراء.. أنا واثق أنّك لا تفهم ما أقول.. ولكنك ستدرك ما أعنيه بالضبط فيما بعد..".
رجل ضل الطريق
يتذكر الصحفي بداية الطريق، إن التقط الفرصة يوماً ما، ويتساءل، ما الذي جاء بي إلى هنا؟ ربما يتوقف عند كلمات قيلت له من مثل شخص كعبدالهادي النجار، أنّك سوف تتغير يوماً ما "أنت تريد أن تتظاهر بأنّك شرير، ولكن لا تستعجل الأحداث فأنت ما زلت مشروع شرير، وكل ما تفعله حتى الآن هو أنّك تقوم في هذه الحجرة بدور الاستثناء الذي يثبت صحة القاعدة، فأنت بالنسبة لمن يجلسون على هذه المقاعد نوع من الملائكة، ضل طريقه إلى غابة الشيطان ولكنها مرحلة مؤقتة، فلا تنزعج فأنا كفيل بتصحيح هذا الخطأ".

عندما يكون الصحفي روائياً فإنه باستطاعته أن يجعل من كل شيء محلاً للكتابة والاستهداف بالقلم

يعتز رجال المهنة بها وبأنفسهم، اعتزازاً يصل إلى درجة التعصب لها في مواجهة المهن الأخرى، هذا التعصب الذي يعمي البصر والبصيرة عن مثالب أهلها، وسلبيات وسطها وبيئتها.
ربما يزداد الأمر تعقيداً، إذا كانت هذه هي الصحافة؛ إذ إنّها أداة تشكيل الرأي العام، وتوجيهه، اعتاد أصحابها، ممارسة النقد وتوجيه الاتهام حتى في مواجهة السلطة، والمؤسسات الحكومية، والمجتمعات المدنية، لكنهم ربما لا يطيقون توجيه النقد إلى ذواتهم.
يقول حسن، أحد أبطال الرواية، ليوسف، الذي جاء للعمل بواسطة مدكور باشا، أحد ملاك الجريدة: "هذه مهنة لا تفيد فيها وساطة البشاوات.. ولسوف ترى".
العدل هو القوة
امتلك عبدالهادي النجار، فلسفة بالنسبة للحقيقة، فليست عنده حقيقة واحدة مطلقة، يتفق عليها الجميع، إنما هي حقائق متعددة، ومتعارضة، لأّنّ ما هو حقيقي عند أي إنسان، هو مصلحته فقط ولا شيء غير مصلحته.
من يصل إلى رئاسة التحرير، لا يكون في الغالب شخصاً منعماً يوماً، ولم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، بل هو شخص لم يكن له خيار سوى مهنته هذه، بدونها لا يساوي شيئاً، إنّه من ينتصر في النهاية، من يهزم خصومه في جميع معاركه.
لكن من أين جاءت فلسفة عبدالهادي هذه؟
ذات يوم أرشد الشيخ النجار ولده عبدالهادي، إلى كتاب الفخري في الآداب السلطانية، والدول الإسلامية، لمحمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقي، ووجد عبدالهادي القصة، وما يزيد عليها، وبينما هو يقرأ في فصل "الأمور السلطانية والسياسات الملكية" إذا به يقع على هذه الفقرة: "لما فتح السلطان هولاكو بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة، أمر أن يستفتي العلماء أيهما أفضل، السلطان الكافر العادل، وكان هولاكو كافراً، أو السلطان المسلم الجائر، ثم جمع العلماء المستنصرية لذلك، فلما وقفوا على الفتيا أحجموا عن الجواب،... وكان رضي الدين علي بن طاوس، حاضراً هذا المجلس، وكان مقدماً محترماً، فلما رأى إحجامهم تناول الفتيا، ووضع خطة فيها بتفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر، فوضع الناس خطوطهم بعده.

كتاب "الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية" لمحمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقي
كان لما قرأه وقع كالزلزال في نفسه، لقد أفتى كبار علماء المسلمين، بأنّ حاكماً عادلاً كافراً خير من حاكم مسلم ظالم، فهل هذا معقول، أم أنّهم خافوا بطش هولاكو، الذي ما كان يرضى بجواب آخر! على أية حال الفتوى قائمة.. وموقع عليها من جميع علماء بغداد منذ سبعة قرون، وهي تعترف الاعتراف المشين بأنّ هناك إسلاماً وجوراً، وهناك كفر وعدل.

"زينب والعرش" لا يدرك مدى عمقها إلا من عاش تجربة كاملة بين جدران السلطة الرابعة

ذهب عبدالهادي إلى أبيه يسأله رأيه في هذه الفتوى، قال الشيخ النجار: الأمر بسيط أرادوا إحراج الحاكم بأن يلزموه بالعدل، قال عبدالهادي: حتى لو فرّطوا في الدين قال الشيخ النجار: لم يفرطوا بل غلبوا على أمرهم، قال عبدالهادي: اشتروا حياتهم وكان الثمن دينهم، قال الشيخ النجار: اشتروا العدل والرحمة للناس، قال عبدالهادي: وهل جاء العدل على يد هولاكو؟ قال الشيخ النجار بصوت غلبه التردد: لا هولاكو ولا غير هولاكو العدل.. ضاع من بعد عمر بن الخطاب. قال عبدالهادي في مرارة: ما العدل وأين هو وكيف يتحقق؟ قال الشيخ النجار: اهدأ يا بني، واعلم أنّ العدل أصبح هو القوة، صاح عبدالهادي يائساً: إذن الانجليز على حق .. إنهم هولاكو الجديد الذي نرضى به لأنهم الأقوى فهم الأعدل.. ومنذ ذلك الوقت تهدمت قيم راسخة في نفس عبدالهادي، وتحولت إلى أنقاض وأشلاء قيم.
المجتمع ينتقم
بات للعدل مفهوم خاص بعبدالهادي النجار، الذي يتكرر نموذجه من الأربعينيات وحتى وقتنا الحاضر.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة
ينفصل عبدالهادي عن محيطه القديم، فمنذ أن غادر بلدته الواقعة في إحدى قرى محافظات الدلتا في مصر، لم تطأ قدمه إياها مرة أخرى، فقطع رحمه، ولم يعد ينفعهم بشيء.
لكن المجتمع قادر أن يؤذيه، حتى وإن اختلق عليه أقاويل باطلة.
ليس المال وحده
ما الذي يدفع رجل أعمال إلى إنشاء صحيفة تسبب له الخسارة مادياً، وتسبب له مزيداً من المتاعب؟
ذات مرة فاجأ مدكور باشا الجميع: "سوف نصدر جريدة.. ارتفع أكثر من صوت يحتج (هذا يورّطنا أكثر مما يفيدنا).. قل يا باشا صراحة أنك تريد أن تصبح رئيساً للوزراء، هل نترك أعمالنا لنتحول إلى جرنالجية"؟

منذ العام 1972 أعمل فتحي غانم أحد أشهر رؤساء التحرير في مصر إزميل نقده في وسطه الصحفي

ابتسم مدكور باشا قائلاً: نفس الاعتراضات التي قلتها عندما حدثني جاك فيشر في هذا الموضوع.. ولكنني اقتنعت آخر الأمر.. قال لي يا عزيزي مدكور، أنا لا أضع أموالي في مكان قبل أن أوفر له كل وسائل الحماية.. ومن أهم هذه الوسائل أن تكون الصحافة معك.. وأما أن تدفع لها وإما أن تكون لك صحفك الخاصة، وهذا أوفر لك، وهو يضمن لك إمكانيات واسعة للتخطيط لمشروعات أخرى في المستقبل وصدقوني.. إن هذا الرجل يؤمن في شيء بسيط جداً وهو المعلومات، إنّ المال بغير المعلومات لا يساوي شيئاً، ولكن مالاً ومعلومات يساوي سلطة جبارة قادرة على إنجاح أي مشروع، والصحافة لا تنقل المعلومات إلى القارئ فحسب، إنّها تجمع أضعاف ما تنشره للقارئ من معلومات، كلها سوف تكون تحت أيدينا، ولسوف نستفيد منها ولن نكون جورنالجية، بل أقول إنّنا لن نظهر في الصورة على الإطلاق.. كل ما سوف نفعله هو أنّنا سوف نختار الأشخاص المناسبين ونمولهم ليصدروا الجريدة.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز
وإذا كان هذا هو رأي مالك الصحيفة وممولها، فإن رئيس التحرير المحنك، لديه قدرة على السيطرة على الموقف، وإقناع الملاّك الممولين، بضرورة الاستمرار، بدعوى أنّ التأثير في الرأي العام أهم من بضعة ملايين تنفق كل عام فهو الدرع والسيف في مواجهة الخصوم والأعداء.

منذ أن غادر بلدته الواقعة في إحدى قرى محافظات الدلتا في مصر لم تطأ قدمه إياها مرة أخرى
يقول عبدالهادي: المشروع أهم بكثير من أن يتوقف على متوسط عدد النسخ المباعة في العامين الأولين من صدور الجريدة، أو يتوقف على خسائرها المالية التي هي مجرد مصاريف ضرورية لا غنى عنها، ولا يمكن موازنتها في عامين أو ثلاثة، وإنما هي تتوازن في المدى الطويل، الذي تؤكد كل الظروف أنه سيكون في صالح الجريدة.
مات الملك
لكن عندما يطاح بالنظام، وتتبدل الأحوال، فإن عبدالهادي، لا يشعر بخجل، من التحول في اتجاه النظام الجديد، بل ويشعر بنشوة مماثلة وربما أكبر عندما نشر خبر تأميم البنوك ومن بينها بنك النيل، وأراد أن ينشر صورة لمدكور باشا بهذه المناسبة، لولا أنّ الرقيب اعترض قائلاً إنّه لا داعي لتذكير الناس بوجود هؤلاء الباشوات.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
إنّ قوة أي صحفي هي في ما يملكه من معلومات: "لقد اكتشف عبدالهادي أن منبع قوته، فيما يتجمع لديه من أخبار ومعلومات يتمنى الآخرون الوصول إليها، لم يعد الحسب والنسب مصدراً للقوة، ولكن أجمع أكبر قدر من المعلومات.. واحصل على أكبر سيل من الأخبار، وافتح أذنك وعيونك، ووثق صلاتك بكل من يصلح مصدراً لخبر، وعندئذ تملك قوة جبارة يسعى إليها الجميع، البعض يتملقها والبعض يخشاها..".
هو يمتلك ثروة إذن؛ فلِم لا يكون الرجل الأول للاستخبارات في الجريدة: "هو على استعداد دائماً لأن يقدم ما لديه من أخبار، وهو يعرف في نفس الوقت أنّ السلطات تحيطه برجال الاستخبارات".
قال ذات مرة لحسن زيدان، وقد جاء يسأله رأيه في اتصال بعض رجال الاستخبارات به: إذا أرادوا أن يجنّدوك في خدمة فاقبل على الفور لأنّك ستكتشف أن كل الذين تعمل معهم هنا يتصلون بالمباحث ..". يردف بهدوء: على أية حال أنا لا أفزع منهم.
فتشجع حسن وقال: وأنت ما صلتك بهم؟ فقال على الفور: وهل هذا سؤال، يسأله شاب ذكي مثلك، أم أنك تتغابى، أنا رجل الاستخبارات الأول في هذه الجريدة، وإنّ كان هذا لا يمنع من مراقبتي، وتسجيل كل حركاتي وسكناتي، وإحاطتي ومحاصرتي بأجهزة الاستخبارات ورجالهم.
النصر للخبرة
ينتصر عبدالهادي في النهاية حتى على الرقيب، المبعوث من رجال الثورة، وهو ضابط من الضباط الأحرار، وأحد رجالات جهاز الاستخبارات.
في البداية ظن عبدالهادي أن أحمد عبدالسلام دياب "الرقيب" يأخذ تعليماته من الوزراء، لكنه اكتشف عندما رفض "دياب" نشر خبر لوزارة الخارجية، أنّ الوزارة تسمح بنشره، لكن هناك جهة لا يعلمها هي التي رفضت.. اكتشف بعد ذلك قوة أخرى هي الأهم، فانتبه لذلك وعالج خطأه حتى هزم "دياب".

يقول عبدالهادي بطل الرواية ليوسف المحرر الجديد: سوف تتعود فهنا أسرع مكان لتغيير طبائع البشر

"مع تكرار هذه المواقف تبين لعبدالهادي أّنه أمام حالة جديدة، تختلف تماماً عن كل ما كان يعرفه في الماضي، فهناك قوة أكبر من الوزراء، تكمن في الرئاسة.. وعليه أن يرتب أموره على هذا النحو، وأن يسعى إلى الاتصال بها".
كان عبدالهادي شخصاً ذكياً مخضرماً، أدرك مبكراً أنّ كل الرجال الذين حوله، قد ضمّهم التنظيم السري الجديد للثورة، حتى أنه بادر يوسف منصور "ابن الناس الطيبين" قائلاً: "ضموك للتنظيم ولا لسة؟".
لقد أدرك عبدالهادي، لعبة الإدارة بالصراع، وكان يعلم أن هناك قوة ما تريد أن تظل لعبة "القط والفأر" مشتعلة بينه وبين "دياب" لكنه استطاع في النهاية أن يكون رئيساً لمجلس الإدارة، معتبراً أنّ كل ما يجري هي جولة على رقعة شطرنج.
"هو فيه حد في شغلنا ده بيضحك ولا بيتهني بحاجة" نطق عبدالهادي بهذه الكلمات في النهاية، فقد كان يرى أن مرض القولون العصبي هو مرض الصحفيين الذي يؤرق حياتهم.
يقول عبدالهادي لحسن زيدان: "نحن لسنا في جورنال؛ نحن في غابة.. أنت كذاب ولست مكسوفاً من كذبك، طماع ولست مكسوفاً من طمعك... أنا مستعد أوصل بأي طريقة وأياً كانت، ولو أتت فرصة مش هفكر في أي حد.. أنت عايز تقعد هنا مكاني.. إنتي شبهي وعشان كده بحبك".

للمشاركة:

"النسوية".. المرأة الغربية ماتزال تعاني التمييز

2019-08-28

النسويّة مجموعة متنوعة ومختلفة من النظريات الاجتماعية والحركات السياسية والفلسفات الأخلاقية، التي تحركها دوافع متعلقة أساساً بقضايا المرأة، وهي حاضرة اليوم بزخم في مختلف النشاطات الإنسانية، من الفنون إلى العلوم، وإن بمستويات مختلفة من النشاط والاهتمام.

المساواة بين الجنسين المعنية بالسياسة العالمية لم تصبح عملاً شائعاً إلّا في أواسط ثمانينيات القرن العشرين

كان نضال الحركات النسوية لتحقيق المساواة مع الرجل في مجال الحقوق السياسية من أقدم وأهم المجالات التي اشتغلت عليها الحركات النسائية، لكنّ المساواة بين الجنسين، المعنية بالسياسة العالمية، لم تصبح عملاً شائعاً إلّا في أواسط ثمانينيات القرن العشرين، وقد نشأ أصلاً من العمل في سياسة التنمية والأبحاث المتعلقة بالسلام، ولكن في نهاية الثمانينيات نشأت أول موجة من أعمال المساواة بين الجنسين، والتي يمكن حصرها في أربعة تنويعات أو فروع رئيسة، هي:
الفرع الأول: "النظرية الليبرالية للمساواة بين الجنسين"، وطرحت السؤال الآتي: أين كانت المرأة في السياسة الدولية؟
واشتغلت هذه النظرية على إظهار مدى انخراط النساء في السياسة العالمية، والأساليب التي استبعدت فيها النساء من السلطة، ومن لعب دور كامل في الحياة السياسية، والعمل في المقابل على أن تتمتع النساء بالحقوق والفرص نفسها التي يتمتع بها الرجال.

النسويّة مجموعة متنوعة ومختلفة من النظريات الاجتماعية والحركات السياسية والفلسفات الأخلاقية
والفرع الثاني من نظرية المساواة بين الجنسين؛ هو "المساواة الاشتراكية /الماركسية"؛ حيث يجري التأكيد في المساواة الاشتراكية على الاضطهاد التاريخي للنساء، والنظام الأبوي لسيطرة الذكور، بينما تركّز المساواة الماركسية على دور القوى المادية والاقتصادية بالدرجة الأولى في تقرير حياة النساء، وأنّ سبب عدم تحقيق المساواة للنساء يعود إلى النظام الرأسمالي، وإسقاط هذا النظام هو الطريق لتحقيق المساواة، بحجّة أنّه النظام الأكثر اضطهاداً للنساء.
أمّا الفرع الثالث؛ فهو "ما بعد الحداثة"، والقضية الرئيسة هنا هي الجنس (gender)، كبنية اجتماعية للفوارق بين النساء والرجال، وليس على المرأة بحدّ ذاتها، ثمّ نوع الدور الذي يناط بكل من الرجل والمرأة في بنية السياسة العالمية وعملياتها، وكيف ساهمت السياسة العالمية في إنتاج أنواع معينة من النساء والرجال.

النظرية الليبرالية للمساواة بين الجنسين اشتغلت على إظهار مدى انخراط النساء في السياسة العالمية وأساليب استبعادهن من السلطة

أما الفرع الرابع فيتمثل في "المساواة الاستشرافية بين الجنسين"، والهدف المركزي هنا هو إعادة وصف للحقيقة من وجهة نظر نسائية، وتطوير نسخة أو رؤية أنثوية عن الحقيقة والعالم.
وفي هذا المجال؛ جرى تدريس وتنظير العلاقات الدولية منذ مدة طويلة، وكأنّ النساء لا وجود لهنّ في السياسة العالمية التي يختص بها الرجال فقط، أو كأنّ الرجال والنساء يتأثرون ويؤثرون بالسياسة العالمية بالطرق نفسها، وفي تلك الحالة لن تكون هناك حاجة إلى تجنيس (gendering) التحليل للسياسة العالمية.

اقرأ أيضاً: نسويات مغربيات في مرمى تكفير المتشددين والتحريض على قتلهن
لكن بعيداً عن حقل السياسة والعلاقات الدولية، يسترعي الانتباه أن تقاليد الكتابة عن حالة النسوية كفكرة تتعلق بنضال النساء من أجل الحقوق، والمعاملة غير العادلة لهنّ والحطّ من قدرهنّ، سبقت بكثير الكتابة والاهتمام بالسياسة والحقوق السياسية والتعبير عنها كحركة سياسية بقرون، ولم تنتهِ حتى على اعتبار أنّها بدأت كفكرة منذ بداية القرن الخامس عشر؛ إذ تمّ التعبير عنها للمرة الأولى بواسطة الفرنسية العلمانية المثقفة، كرستين دي بيزان (Christine de Pizans) من خلال كتابها "كتاب مدينة السيدات"؛ الذي أكّدت فيه: أنّ "قيمة الفرد في الحياة ليست في الجسم كجنس؛ بل في كمال السلوك والفضائل"، وقد استمرت الكتابات المشابهة خلال الـــ400 عام اللاحقة من عدد من النساء اللواتي لم يكنّ يُعرّفن عن أنفسهن بأنهنّ "نسويات"؛ إذ لم تظهر كلمة أو مصطلح "النسوية" إلا في القرن التاسع عشر.

كرستين دي بيزان (Christine de Pizans)
ويتم اليوم التعبير عنها بالموجات: الأولى والثانية والثالثة والرابعة، بحسب تصنيف الأدبيات العالمية حول النسوية والحوارات النقاشات المختلفة حولها.

جرى تدريس وتنظير العلاقات الدولية منذ مدة طويلة وكأنّ النساء لا وجود لهنّ

المثير في دراسة النسوية؛ أنّها حركة فضفاضة من الأفكار والنشاطات الإنسانية، بصرف النظر عن مقاربتنا المعاصرة لها، سواءً نظرنا إليها من جهة أنّها "فكرة" جوهرية، تنطلق من فرضية رئيسة، تقول بحسب وصف الكاتبة والناشطة النسوية الأمريكية، ماري شير: "المرأة إنسان"، أو كما تقول الكاتبة البريطانية دورثي سايير: "المرأة مثلها مثل أيّ إنسان عادي ومثل الرجل بنفس الرغبات الفردية والحقوق كأي فرد"، أو نظرنا إليها كــ"إطار "فكري"، بحسب وصف الفيلسوفة النسوية الأمريكية، نانسي هارتسوك؛ "كأسلوب للتحليل وطريقة لطرح الأسئلة والإجابة عن الأسئلة"، أو حتى لو نظرنا إليها على أنّها، كما تقول البروفسورة والناشطة النسوية الأمريكية،  جلوريا جين واتكنس، المعروفة باسم (بيل هوكس): "مشروع سياسي جمعي"، معني بإنهاء كلّ أشكال الاستغلال والتمييز وعدم المساواة في المعاملة للنساء.

اقرأ أيضاً: شيرين عبادي: نعم أنا نسوية ومسلمة.. أين التعارض؟
إنّ جميع المقاربات السابقة في الحقيقة تعبّر في عمقها عن التحولات التي مرت بها الموجات الأربع للحركة النسوية المعاصرة.
ونحن هنا لا نتحدث عن النسوية كنوع من الترف الفكري تحت ذرائع مختلفة، أهمها عدم الأهمية، مقارنة بقضايا عالمية أخرى تشغل المجتمعات اليوم في السياسة والاقتصاد والأمن؛ بل لأنّ مسألة النسوية ما تزال ملحّة، والطريق أمام تحرر المرأة ما يزال متعرجاً، والمشكلات والعوائق أمام تقدم وتحرر المرأة زادت وتعقّدت أكثر من السابق.

كتاب "النسويّة"  لديبورا كاميرون

ومن بين الكتب الحديثة التي صدرت حول الحركات النسوية المعاصرة، وتناولت الموضوعات أعلاه، كتاب الأستاذة في اللغات والاتصال في كلية وركستر – أكسفورد/ ديبورا كاميرون (Deborah Cameron) ؛ الذي نشرت طبعته الأولى بالإنجليزية، العام 2018، تحت عنوان "النسويّة" (Feminism).

كتاب "النسويّة" لديبورا كاميرون من بين الكتب الحديثة التي صدرت حول الحركات النسوية المعاصرة

الكتاب؛ الذي يتألف من 142 صفحة، مع مراجع قليلة، ركز بالتحديد على التجربة الغربية خاصة الأنجلو-أمريكية؛ لذلك نلاحظ أنّه لم يتحدث عن التجارب النسوية خارج المنظومة المعرفية الغربية؛ حيث اشتغلت المؤلفة على قضايا المرأة الغربية ابتداءً من قضايا المساواة الاقتصادية والاجتماعية في ظروف العمل والأجور وقضايا الحق بالإجهاض والاستغلال الجنسي، وغيرها من القضايا المسكوت عنها خارج المنظومة الأنجلو-أمريكية، مع بعض الإشارات البسيطة إلى آراء بعض النسويات المسلمات في الغرب، خاصة فيما يتعلق بالجدال حول لباس المرأة البرقع والنقاب، والتأثير المعاصر لحركات اليمين المتطرف (اليمين البديل)، والشعبوية في الغرب وروسيا والهند وتركيا وبولندا في التضييق على الحركات النسوية.

اقرأ أيضاً: عاملات لا يصرخن عبر "هاشتاغات" .. نسويات بلا نسوية
يتألف الكتاب من مقدمة و7 فصول، تناولت في المقدمة باختصار تاريخ الحركة النسوية في الغرب، بالحديث عن نشاطها من أجل المطالبة بالحقّ في التصويت في الانتخابات التي بدأت في القرن التاسع عشر، ووصلت قمتها في بدايات القرن العشرين وخلال هذه الفترة كان النقاش يدور حول محورين مختلفين هما: وجهات النظر حول طبيعة المرأة، والتركيز على أنّها مشابهة للرجل، وذلك بهدف التأكيد على أنّها تستحق نفس الحقوق السياسية للرجل.

كتاب "أصل العائلة" لفريدريك إنجلز
والثانية الأدوار الاجتماعية للمرأة؛ حيث يتم التركيز على أنّ المرأة مختلفة عن الرجل، وبالتالي لا يمكن تمثيلها سياسياً كما الرجل، وزاد من صعوبة ذلك؛ أنّ الحركات النسائية كانت مختلفة الأهداف؛ فالنساء ذوات البشرة السوداء في أمريكا كنّ يناضلن من أجل مطالب وأهداف تختلف عن النساء ذوات البشرة البيضاء، وفي بريطانيا أدّى هذا الفصل بين المحورين، العام ١٩٣٠، إلى ظهور مقاربتين هما: النسوية القديمة، والنسوية الحديثة؛ حيث تطالب الأولى بالمساواة مع الرجل في التوظيف والعمل والأجور، بينما تطالب الثانية بتحسين ظروف النساء كأمهات وزوجات، من خلال إعالة وتعويض الأرامل والمساعدات المالية الشهرية للعائلات.

اقرأ أيضاً: بخصوص النسوية العربية العابسة
وتؤكد المؤلفة أنّ مثل هذه المحاور ظلت تتفاعل لدى الحركات النسائية مع الزمن والتطور الاجتماعي من خلال الموجات المختلفة للحركات النسوية.
في الفصل الأول؛ تناولت مفهوم السيطرة (Domination)، أو الهيمنة على النساء، وحقيقة هذه الهيمنة عبر التاريخ الإنساني والتحولات التي أدّت إلى سيطرة الرجل على المجالين الخاص والعام للمرأة، بعد أن كانت المرأة هي المسيطر لكن دون العبور بالمناظرات الميثولوجية المعروفة في هذا المجال؛ بل ركزت مثلاً على مقاربات معروفة، مثل عمل فردريك إنجلز في كتابه الشهير "أصل العائلة" (1884)، وتحليل النظام الأبوي "البطريركية"، والتحولات التي طرأت على نظام السيطرة الأبوي مع الزمن حتى العصر الحالي.

اقرأ أيضاً: هكذا تقف الحركة النسوية في إيران بوجه نظام الملالي
وهنا تشير المؤلفة إلى مسألة في غاية الخطورة؛ هي أنّ هذا النظام الأبوي قد جدّد نفسه في القرن الواحد والعشرين من خلال ممارسات إجبار النساء على رعاية الأطفال وبروز جماعات أبوية مسلحة شاملة جماعات دينية متشددة؛ وجماعات علمانية لحقوق الرجال ترتبط عادة بجماعات ومنظمات عنصرية وقومية، مثل: "تفوق البيض" وتفوق النساء، وكراهية المسلمين واليهود، والتي يجمعها عادة مصطلح "اليمين البديل"، وهذه الجماعات حققت الآن الكثير من القوة والتأثير السياسي.
ولعلّ أهم مثال على ذلك الإدارة الأمريكية الحالية، في ظلّ رئاسة دونالد ترامب، ونائبه المسيحي المحافظ المتشدّد، مايك بنس، الذي يعارض حقوق الإجهاض.
ولم يتوقف الأمر على ذلك؛ بل تبنّت بعض الجماعات الدينية "المتشددة" (fundamentalist groups )  في الشرق الأوسط وإفريقيا، مثل داعش وبوكوحرام، التقاليد القديمة للنظام الأبوي من خلال أسر واغتصاب النساء واستعبادهن.
في الفصل الثاني: تناولت مسألة حقوق النساء (rights) مؤكدة نقطة مهمة في نضال النساء من أجل حقوقهن في الغرب؛ حيث كان الحديث عن الحقوق لدى الساسة والزعماء يقتصر على "حقوق الرجل الأبيض" فقط، وليس الحقوق الطبيعية للإنسان، ومثال على ذلك؛ إعلان الاستقلال الأمريكي الذي كتبه الرئيس الأمريكي، توماس جيفرسون، العام 1776، ثمّ تناولت بالتفصيل الخلافات بين الحركات النسوية حول مسألة التأثيرات الثقافية والحضارات في الحقوق والمساواة بين الرجل والمرأة داخل المناظرات الليبرالية في الغرب، والنسويات من جنوب آسيا، والمسلمات المقيمات في بريطانيا، مث؛ل ياسمين رحمان، وعالمة الاجتماع والناشطة الجزائرية ماري – إيمي هيلي – لوكاس، التي أيدت قرار فرنسا بحظر النقاب في المدارس في فرنسا بحجة أنّ الدولة مطالبة بحماية الأطفال من الممارسات المدمرة التي تفرض عليهم من عائلاتهم  حول الرموز الدينية وقضايا الحجاب والنقاب والسفر.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: ما الجديد؟
ثم تناولت مسألة العمل في الفصل الثالث، مشيرة إلى الحواجز والظروف التي ما تزال تحول دون تقدم المرأة في العمل، عبر ما اصطلح عليه "السقف الزجاجي" (glass ceiling) الذي يعني الحواجز التي تحول دون عمل المرأة وتقدمها في بعض الأعمال والوظائف، وتخلص المؤلفة إلى أنّ المعضلة التي تواجه النساء ليست "هل أذهب إلى العمل أم أبقى في البيت (مع أنّ البيت هو مكان عمل لكثير من النساء)؟ بل كيف تفاوض مطالب العمل سواء مدفوع الأجر أم لا في عالم يتمحور حول مطالب الرجل لا مطالبهن".
أما في الفصلَين الرابع والخامس؛ فتُناقش مسألة الأنوثة (femininity)، وتأثيرها على قضايا المرأة، وتشير إلى ريادة الفيلسوفة الفرنسية الوجودية، سيمون دي بوفار، من خلال كتابها المعروف "الجنس الآخر" (1940)، حيث ركّزت على مسألة البنية الاجتماعية للمرأة، وأنّها ليست فقط مُعطى أو قضية بيولوجية، ومن هنا ظهر التمّيز بين مفهوم الجنس والنوع الاجتماعي، في الدراسات النسوية، والجنس وممارسته وتأثيره على قضايا المرأة وحرية الممارسة الجنسية للمرأة، أو ما يسمى "نسويّة النشوة"، وتأثير الثورة التكنولوجية والإنترنت على ثورة الجنس منذ الثمانينيات.

كتاب "الجنس الآخر" لسيمون دي بوفار
في الفصلَين السادس والسابع: تناولت المؤلفة تأثير الثقافة، ومستقبل الحركات النسوية، مشيرة إلى العقبات التي تواجه المرأة في الغرب في المجال السياسي-الثقافي من قبل اليمين البديل (اليمين المتطرف) المعادي للنسويّة (meninists)؛ الذي ما يزال ينظر إلى المرأة باحتقار وعدائية، معتقداً أنّ الرجال هم ضحايا للحركات النسوية، وأنّ النضال يجب أن يكون موجهاً نحو تثبيت حقوق الرجال في القرن الواحد والعشرين؛ لذلك هم يركزون على السياسات الثقافية (الأفكار، والصور، والقصص، والنظريات) على اعتبار أنّها تلعب دوراً مهماً في استمرارية أو فقدان حالة عدم المساواة؛ حيث يؤمنون بأهمية التغيير الثقافي كشرط للتغيير السياسي، لا العكس.
لقد استطاع اليمين البديل المعادي للمرأة أن يسخّر الشعور لدى الكثير من الرجال في الديمقراطيات الغربية؛ بأنّ "الامتيازات الثقافية" هي المتبقية لهم، على اعتبار أنّ الرجل هو "خالق الثقافة"، وأنّ المرأة أدنى منزلة في الثقافة والتميز والنبوغ العلمي؛ لذلك يتم التقليل من إسهامات ونبوغ النساء في مختلف المجالات الأدبية والعلمية، وتقلّ نسبتهن في جوائز نوبل على سبيل المثال، تحت تأثير ما يطلق عليه بمفهوم "تأثير ماتيلدا" (the matilda effect)  (نسبة إلى ماتيلدا جوسلين كيج/ الناشطة الأمريكية في مجال الحقّ بالمشاركة في التصويت  في الانتخابات التي كتبت عن هذه الظاهرة في القرن التاسع عشر)؛ حيث يتم تجيير إنجازات وجهود النساء لمصلحة الرجال الذين يعملون معهن غالباً كمساعدات بحث واستشارات.
وتؤكّد أنّ هذه النظرة قديمة وتعود جذورها إلى كتابات تشارلز داروين، في كتابه "أصل الإنسان" (1871)، وكتاب الطبيب وعالم الجريمة الإيطالي الذي تأثر بداروين؛ سيزار لومبروزو "الإنسان المجرم" (1876).
في النهاية؛ تؤكّد المؤلفة أنّه رغم كلّ التحديات التي واجهت الحركات النسوية في موجاتها الأربع، إلا أنّ النظرة الجوهرية القائمة على أنّ المرأة هي إنسان أولاً وأخيراً لن تنتهي.

للمشاركة:



"التعاون الإسلامي" يبحث التصعيد الإسرائيلي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-15

تعقد منظمة التعاون الإسلامي، اليوم، اجتماعاً طارئاً على مستوى وزراء الخارجية بطلب من المملكة العربية السعودية.

وزير الخارجية السعودي يدعو المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته أمام الانتهاكات الإسرائيلية بحقّ فلسطين

ويبحث الاجتماع التصعيد الإسرائيلي الخطير، المتمثل في عزم رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو؛ "فرض سيادة الكيان الصهيوني على جميع مناطق غور الأردن وشمال البحر الميت والمستوطنات بالضفة الغربية في حال إعادة انتخابه، واتخاذ الإجراءات السياسية والقانونية العاجلة للتصدي لهذا الموقف العدواني".

ودعا وزير الخارجية السعودي، إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الله العساف، المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته أمام الانتهاكات الإسرائيلية ضدّ الشعب الفلسطيني.

وأعلن العساف، خلال كلمته في الاجتماع الطارئ لمنظمة التعاون الإسلامي: إدانتة بلاده ورفضها القاطع لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بشأن ضمّ أراضٍ من الضفة الغربية المحتلة.

يوسف العثيمين يؤكّد إدانة المجتمعَين العربي والإسلامي لمحاولة إسرائيل تغيير الهوية التاريخية لفلسطين

وقال: "الرياض مطالبة أمام الشعوب الإسلامية باتخاذ جميع الإجراءات للتصدي للتصعيد الإسرائيلي".

وأكّد أنّ أيّة جهود لا تضمن تمتع الشعب الفلسطيني بحقوقه هي ناقصة، ولن تؤدي إلى سلام دائم وشامل، مشدداً على "التمسّك بالسلام كخيار إستراتيجي.

بدوره، شدّد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، يوسف العثيمين، في كلمته على حورية ومركزية القضية الفلسطينية.

وأضاف: ندين العمل العدواني للحكومة الإسرائيلية وما يشكل من انتهاك لقرارات مجلس الأمن"، وأكّد إدانة المجتمعين محاولة إسرائيل المستمرة لتغيير الهوية التاريخية لفلسطين.

كما طالب المجتمع الدولي بوضع حدّ لسياسات إسرائيل العدوانية ضدّ الشعب الفلسطيني.

وزير الخارجية الفلسطيني يحذّر من تحوّل الخلاف مع إسرائيل إلى صراع ديني بسبب انتهاكاتها

من جهته، حذر وزير الخارجية الفلسطيني، رياض المالكي، من تحوّل الخلاف مع إسرائيل إلى صراع ديني، بسبب انتهاكاتها، كما أكّد أنّ إعلان نتنياهو، نيته ضمّ غور الأردن ينسف الاتفاقيات والقرارات الدولية.

وفي مسعى أخير منه لتجنيد أصوات اليمين في إسرائيل؛ يحاول نتنياهو استمالة أصوات الإسرائيليين في الانتخابات المقبلة، من خلال تلك التصريحات المتعلقة بعزمه ضمّ غور الأردن، وشمال البحر الميت، والمستوطنات في الضفة الغربية إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي.

 

 

للمشاركة:

بعد شهرين على وفاته.. الموت يغيب أرملة السبسي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-15

غيب الموت، اليوم، أرملة رئيس الجمهورية التونسية، الراحل محمد الباجي قايد السبسي، شاذلية سعيدة فرحات السبسي، عن عمر يناهز 82 عاماً، في العاصمة تونس، بعد تعرضها لنوبة قلبية تطلّبت نقلها بشكل مستعجل إلى المستشفى.

وأكّد نجلها، حافظ قايد السبسي، خبر وفاتها، في تدوينة على حسابه الخاص بفيسبوك. قائلاً إنّ والدته "كانت متأثرة جداً، وماتت حزناً على فراق زوجها، إثر نوبة قلبية فاجأتها، أمس السبت، تمّ على إثرها تحويلها للمستشفى العسكري حيث توفَّت".

ولدت شاذلية سعيدة فرحات السبسي، في 1 آب (أغسطس) 1936، بتونس العاصمة، وهي محامية وسياسية.

وتزوجت شاذلية، في 8 شباط (فبراير) 1958، الباجي قائد السبسي، وهي تصغره بعشرة أعوام، وللزوجين الراحلين أربعة أبناء: بنتان (أمل وسلوى)، وولدان (حافظ وخليل).

ويذكر أنّ الرئيس الراحل، الباجي قايد السبسي، كان قد توفي، نهاية تموز (يوليو) الماضي، عن عمر 92 عاماً، قبل أشهر من انتهاء ولايته، وقررت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، إثر وفاته، تقديم موعد الانتخابات الرئاسية، إلى 15 أيلول (سبتمبر) الجاري، في حين بقيت الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر في 6 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل.

وتشهد تونس، اليوم، انتخابات رئاسية مبكرة، يشارك فيها أكثر من 7 ملايين مواطن.

 

 

للمشاركة:

أمريكا تكشف المسؤول عن هجوم "أرامكو"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-15

حمّل وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، إيران مسؤولية الهجوم الذي تعرّضت له منشأتان تابعتان لشركة "أرامكو"، أمس، رغم إعلان جماعة الحوثي الإيرانية المتحالفة مع طهران مسؤوليتها عنها، قائلاً: "تشنّ إيران الآن هجوماً غير مسبوق على إمدادات الطاقة العالمية".

وقال وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو: إنّ "إيران تقف خلف نحو 100 هجوم على السعودية".

وزير الخارجية الأمريكي يحمّل إيران مسؤولية الهجوم التي تعرّضت له منشأتان تابعتان لشركة "أرامكو"

 وأضاف في تغريدة على حسابه، أمس: "على العالم أجمع إدانة هجوم إيران على إمدادات الطاقة العالمية"، مشيراً إلى أنّ الرئيس الإيراني، حسن روحاني، ووزير خارجيته، جواد ظريف، يتظاهران باللجوء للدبلوماسية.

وأكّد الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، في اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أمس، استعداد بلاده للتعاون مع السعودية في كلّ ما يدعم أمنها واستقرارها، مشدداً على التأثير السلبي لهذه الهجمات على الاقتصاد الأمريكي، وكذلك الاقتصاد العالمي.

في حين أكّد الأمير محمد بن سلمان أن للمملكة الإرادة والقدرة على مواجهة هذا العدوان الإرهابي والتعامل معه.

محمد بن سلمان يؤكد أنّ المملكة قادرة على مواجهة هذا العدوان الإرهابي والتعامل معه

وفي وقت سابق؛ أعلن المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، العقيد الركن تركي المالكي؛ أنّ التحقيقات تجري بشأن الهجوم الإرهابي الذي استهدف معملي شركة "أرامكو" السعودية، لمعرفة الأطراف المتورطة.

في المقابل؛ نفت إيران ضلوعها في الهجوم الذي استهدف، السبت، منشأتين نفطيتين لشركة "أرامكو" في السعودية، ووصف، عباس موسوي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية اتهامات الولايات المتحدة لطهران بمهاجمة المنشأتين بأنها "فارغة".

وأضاف المتحدث: "مثل هذه الاتهامات عديمة الجدوى، لا معنى لها وغير مفهومة".

من جهتها، أعلنت دولة الإمارات، اليوم؛ أنّ بلادها تنتظر نتائج تحقيق السعودية في هجمات بطائرات مسيرة على منشأتين لشركة "أرامكو" في المملكة، السبت.

قرقاش: الهجوم الإرهابي على معملي "أرامكو" يطالنا جميعاً ويشير إلى التحدي الإستراتيجي

وقال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، أمس: إنّ "الهجوم الإرهابي على معملي أرامكو يطالنا جميعاً، ويشير إلى التحدي الإستراتيجي الذي تواجهه المنطقة وضرورة تضافر الجهود تجاهه".

وأردف قرقاش، في تغريدة على حسابه بتويتر: "الإمارات أدركت طبيعة التحديات المحدقة والمشتركة مبكراً، واختارت بكلّ مسؤولية أن موقفها وموقعها مع الرياض"، وتابع قائلاً: "نعم، مسارنا واحد، ومصيرنا واحد".

وكان المتحدث الأمني بوزارة الداخلية السعودية؛ قد صرّح بأنّه "عند الساعة الرابعة من صباح أمس، السبت، باشرت فرق الأمن الصناعي بشركة "أرامكو"، في إخماد حريقَين في معملَين تابعيَن للشركة بمحافظة بقيق وهجرة خريص، نتيجة استهدافهما بطائرات بدون طيار "درون".

 

 

للمشاركة:



بأي معنى جاءت العقوبات الأمريكية ضدّ إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-09-15

ترجمة: مدني قصري


إذا كانت بعض العقوبات الاقتصادية قد وجّهت بلا شك ضربة للقوة الإيرانية، يبدو أنّ البعض الآخر كان لغرض رئيسي هو تأثير وسائل الإعلام.

عقوبات ذات كفاءة قابلة للنقد في بعض الأحيان ولكنها ذات قوة تواصل قوية

هذا هو حال، على سبيل المثال، العقوبات المفروضة في حزيران 24 (يونيو) 2019، والتي استهدفت على وجه التحديد آية الله خامنئي والعديد من قادة الحرس الثوري. من الآن فصاعداً، تُحظر أي تجارة مع الأفراد والكيانات المستهدفة. وسيتم تقييد وصولهم إلى الأسواق المالية والمعاملات المالية بشكل عام، إن لم يتم منعهم منعاً تاماً. كما تم تجميد أرصدتهم في الولايات المتحدة. يُحذر المرسوم البنوكَ من أنّه إذا تبين أنّ بعضها يتداول مع المستهدفين بهذه العقوبات، فسوف يُحرَمون من  الوصول إلى السوق الأمريكية.

 تأمل واشنطن أن تثير في النظام الإيراني إحساساً بتهديد وشيك على بقائه قادم من الخارج ومن الداخل

تأثير رمزي بدل الضغط الحقيقي
يبدو أنّ العقوبات الأمريكية تسعى للحصول على تأثير رمزي، أكثر من سعيها لتحقيق ضغط حقيقي. في الواقع، من غير المرجح أن يمتلك خامنئي، أو أي من قادة الحرس الثوري المستهدفين، أصولاً في الولايات المتحدة، بالنظر إلى العلاقات المتوترة بين القوتين منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي (1). وكما يُذكرنا الخبير الاقتصادي كايلن بيرش، فما دامت إيران تخضع للعديد من العقوبات الاقتصادية الأمريكية منذ الثورة الإسلامية في عام 1979، كما هو موضح أدناه، فإنّ قادتها قد قاموا بالضرورة بتقييد، أو حتى بإيقاف أي نشاط، سواء أكان قريباً أو بعيداً، مع الولايات المتحدة: تنطبق هذه المعاينة أيضاً على العقوبات المفروضة على وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في 31 تموز (يوليو). مع هذه العقوبات "الرمزية"، تأمل واشنطن في أن توضّح للشعب الإيراني أنّها ليست ضده، لكن ضد زعمائه.

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية ضدّ إيران... وسيلة ضغط أم أداة اتصال؟

في الواقع، تندرج هذه الإستراتيجية ضمن نطاق واسع من التذمر الشعبي في إيران، والذي تم التعبير عنه خلال شتاء 2017-2018 في جميع أنحاء البلاد، من خلال أعمال شغب كبرى (2) أدت إلى مقتل حوالي 20 محتجاً واعتقال حوالي 7000 منهم. وفي الآونة الأخيرة، تم التعبير عن هذا الاحتجاج في الأشهر الأخيرة من خلال المظاهرات الاحتجاجية على ارتداء الحجاب الإجباري، على سبيل المثال، أو من خلال دعم "الحركة الخضراء"، وهي حركة سياسية تدعو إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على الحياة الاجتماعية والسياسية والاجتماعية في ايران.

يبدو أنّ العقوبات الأمريكية تسعى للحصول على تأثير رمزي أكثر من سعيها لتحقيق ضغط حقيقي

رفع الضغط على الاقتصاد الإيراني 
وفقًا لإليزابيث روزنبرغ (3)، مستشارة العقوبات السابقة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، فمن خلال زيادة الضغط على الاقتصاد الإيراني وبالتالي إحداث انحطاط في الحياة اليومية للإيرانيين، تأمل الولايات المتحدة في دفع الإيرانيين نحو تحدٍ أكبر إزاء السلطة الحاكمة، أو حتى نحو ثورة جديدة، وبالتالي تغيير النظام. وتأمل واشنطن على الأقل في أن تثير في النظام الإيراني إحساساً بتهديد وشيك على بقائه، قادم من الخارج ومن الداخل على السواء، مما سيدفعه إلى التفاوض من أجل تخفيف الضغط الأمني الذي يشعر أنه خاضع له.

العقوبات لا تنتج تغيير النظام
ومع ذلك، فإنّ هذه الاستراتيجية تشكل العديد من المخاطر، كما أشار إلى ذلك المستشار السابق روبرت مالي، الذي يعارض بحزم العقوبات التي تطبقها الإدارة الأمريكية حالياً: بالنسبة له، أظهر الإيرانيون في الماضي أنّهم لا يتفاوضون أبداً تحت الضغط والتهديد. وهو الرأي الذي يشاركه فيه ديفيد كوهين، الرئيس السابق لوزارة الخزانة الأمريكية المكلف بالعقوبات ضد إيران في عهد إدارة أوباما: العقوبات لا تنتج تغيير النظام، "لا توجد سابقة تاريخية لعقوبات طويلة المدى تسبب مباشرة تغيير النظام"، وفقاً له (4). علاوة على ذلك، كما أظهر الباحثان جاكلين كلوب وإيلك زورن (5)، فإنّ الأنظمة الاستبدادية لديها ميل واضح لتكثيف استخدامها للعنف عندما تشعر بالخطر كقمع أعمال الشغب لفصل الشتاء 2017-2018 ، تميل إلى الزيادة في هذا الاتجاه.
مع هذه العقوبات الرمزية تود واشنطن أن توضّح للشعب الإيراني أنّها ليست ضده ولكن ضد زعمائه

عقوبات الولايات المتحدة أمام مقاومة العديد من القوى الكبرى
دفعت العقوبات الأمريكية، التي تقوض بشكل غير مباشر الدول المرتبطة اقتصادياً بإيران فضلاً عن أنّها تقلل من فرص الإبقاء على سريان اتفاقية فيينا، بعدد متزايد من الدول إلى السعي للتحايل. في الواقع، تجاوز هذه العقوبات ليس غير قانوني من وجهة نظر القانون الدولي؛ لأن قرار واشنطن أحادي الجانب. ومع ذلك، يواجه المتمردون غرامات و / أو تدابير ثأرية (6). إنّ أكثر الحالات تأثيراً هي قضية الصين التي، وفقاً للتحقيق الذي أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" بتاريخ 3 آب (أغسطس)، واصلت استيراد النفط الإيراني منذ شهر أيار (مايو)، على الرغم من انتهاء الإعفاءات الأمريكية التي سمحت للدول الثمانية المذكورة أدناه بشراء النفط من نظام الملالي دون انتهاك العقوبات الاقتصادية الأمريكية. ووفقاً لهذا الاستطلاع، فإنّ دولاً أخرى في شرق المتوسط،  ربما لا تزال تستورد النفط. تركيا، التي كانت في السابق مستفيدة من نظام الإعفاء، وسوريا، الحليف الإقليمي الرئيسي لإيران، من بين البلدان المشتبه بها الرئيسية.

 

نظام مقايضة متطور
عبّر الاتحاد الأوروبي صراحة عن رغبته في مواصلة تجارته مع إيران، وقد أنشأ في 31 كانون الثاني (يناير) 2019 ، بمبادرة من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، المقايضة مع إيران باستخدام نظام INSTEX) Instrument in Support of Trade Exchanges) (أداة لدعم التبادل التجاري). هذا النظام ومقره في باريس، ويرأسه المصرفي الألماني بير فيشر، لا يعمل إلا في حال ما وضعت إيران، من جانبها، بنية معكوسة: تم ذلك منذ 24 حزيران (يونيو) مع إنشاء STFI (أداة التجارة والتمويل الخاصة بإيران). لقد اتضح أنّ نظام INSTEX معقد بشكل خاص (7)، ولكنه يتمثل بشكل أساسي في السماح للشركات الأوروبية والإيرانية بالتداول دون إجراء معاملات مالية مباشرة. وبالتالي، فإنّ هذا التبادل لا يندرج تحت العقوبات الأمريكية، التي يتم التحايل عليها من خلال ما وصفه رئيس الدبلوماسية البلجيكية، ديدييه ريندرز، في 1 شباط (فبراير) 2019 بـ "نظام مقايضة متطور".

مثلث الاتحاد الأوروبي وروسيا وإيران
ومع ذلك، فحتى لا تثير غضب الولايات المتحدة، اقتصرت INSTEX في الوقت الحالي على الضروريات الأساسية؛ أي المواد الغذائية والأدوية (8). في هذا الشأن أعلنت ناتالي توتشي، المستشارة الخاصة للممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، فيديريكا موغريني، في 12 تموز (يوليو)، في مقابلة مع "يورونيوز"، أنّه من المحتمل إضافة المنتجات النفطية الإيرانية إلى قائمة معاملات INSTEX مع مساعدة دبلوماسية تقدمها روسيا في هذا الشأن: "الفكرة هي خلق مثلث ما بين الاتحاد الأوروبي (...) وروسيا وإيران".

الأنظمة الاستبدادية لديها ميل واضح لتكثيف استخدامها للعنف عندما تشعر بالخطر كقمع أعمال الشغب

التحايل على العقوبات
في الواقع، أثار مشروع INSTEX الإغراء خارج حدود الاتحاد الأوروبي: أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 14 شباط (فبراير)، الانضمام إلى المشروع، وإعادة إنتاج هيكل مماثل في تركيا، في حين أن الكرملين انضم إلى المشروع الأوروبي في 18 تموز (يوليو). يقال إنّ الصين مهتمة بالمشروع، وفقاً لما قاله علي ربيع، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، في 16 تموز (يونيو)، لكنها في الوقت الحالي في مرحلة مراقبة. في نفس اليوم صرح نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف،  أن "INSTEX" قد أجرت أولى معاملاتها في 30 تموز (يوليو)، ولكن "لكي يتم تشغيلها بالكامل، يجب إكمال بعض الإجراءات البيروقراطية بين INSTEX و STFI".

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية على حزب الله وسياسة الضغط القصوى على طهران

علِمت الولايات المتحدة بتكتيك التحايل على العقوبات، وقررت، في 1 آب (أغسطس)، منح إعفاءات من العقوبات للاتحاد الأوروبي والصين وروسيا فيما يتعلق بالتجارة مع إيران بشأن جزء من القطاع النووي المدني، من أجل مناورة الحلفاء الأوروبيين والمعارضين الإستراتيجيين لواشنطن، موسكو وبكين. كانت هذه القوى، بموجب اتفاقية فيينا، في الواقع، ملتزمة  منذ عام 2016 في إيران، بتحويل مفاعل الماء الثقيل في أراك، إلى منشأة، ومركز تخصيب في فوردو، وفاعل في محطة بوشهر. فمن بدون هذه الإعفاءات، الممنوحة لمدة 90 يوماً، كانت الولايات المتحدة ستفرض عقوبات عليها.
سياسة القسر والإكراه
وبالتالي، فإذا كان للعقوبات الأمريكية ضد إيران تأثير لا جدال فيه على اقتصاد البلاد وعلى الحياة اليومية لسكانها، فإنّ آثارها النهائية؛ أي عودة إيران إلى طاولة المفاوضات، لا تزال بعيدة، ما دامت طهران تكرر أنّها لن تستسلم للضغوط. هذا لا سيما وأنّ هذه العقوبات ذات الطبيعة الإعلامية تتجاوز في بعض الأحيان الجانب العقابي المطلوب رسمياً؛ وعلاوة على ذلك، فإنّ هذا العقاب الأخير لا يصبح فعالاً إلا عندما تحترمه الدول الأخرى، وهو ما لا يبدو عليه الحال في الوقت الحاضر. يبدو أنّ الرئيس ترامب في الوقت الحالي يفضل الطريقة القوية التي حقّق بها نجاحه (9) ويواصل سياسته القائمة على  القسروالإكراه.


الهوامش:
(1) وبشكل خاص في عام 979 ، تاريخ الثورة الإسلامية في إيران واحتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية، والذي استمر من 4 نوفمبر 1979 إلى 20 يناير 1981.
(2) كانت هذه الاحتجاجات تهدف إلى الاحتجاج على عدم الاستقرار الاقتصادي في البلاد، وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، والفساد، وآية الله علي خامنئي.
(3) وفقًا لمقابلة مع السياسة الخارجية بتاريخ 26/04/2019.
(4) بيان من مقابلة أجرتها صحيفة لوس أنجلوس تايمز بتاريخ 05/05/2019.
(5) انظر Klopp ، Jacqueline & Zuern ، Elke. (2007). سياسة العنف في الديمقراطية: دروس من كينيا وجنوب إفريقيا. السياسة المقارنة. 39 ، 127-146.
(6) يضع رؤساء الدول في الاعتبار الغرامة القياسية التي فرضتها الولايات المتحدة على بنك BNP Paribas ، الذي تمت إدانته في 1 مايو 2015 لدفع ما يقرب من 8 مليارات يورو لمخالفته الحصار الذي تفرضه واشنطن على كوبا وإيران والسودان وليبيا من 2000 إلى 2010. BNP  ليس الوحيد الذي تم تغريمه من قبل الولايات المتحدة: بالإضافة إلى هذا هناك بنك فرنسي وبنوك بريطانية، ولوكسمبورغية وألمانية وهولندية وسويسرية ونمساوية تم تغريمها من قبل واشنطن.

(7) باختصار، تحدث التبادلات المالية فقط بين المستورد والمصدر الأوروبيين، وبين المستورد والمصدر الإيرانيين: لا تحدث تدفقات مالية مباشرة بين إيران وبلد آخر. INSTEX بالتالي يعمل كنوع من غرفة مقاصة (تعويض).
(8) أدى هذا القيد إلى عدد من الانتقادات لآلية INSTEX ، طالما أن هذه المنتجات تم تجنيبها بالفعل من العقوبات الأمريكية. في الوقت الحالي، يبدو أن نظام المقايضة في مرحلة تطوير و "اعتراف" بشكل أساسي.
(9) عاشق كبير للمفاوضات ومؤيد للطريقة القوية، أي بمعنى دونالد ترامب، لشكل من أشكال التطرف إلى جانب غياب التنازلات، فقد أصدر الرئيس الأمريكي كتاباً بعنوان "ترامب: فن التفاوض" ، نُشر في عام 1987 في الولايات المتحدة وفي عام 2017 في فرنسا.


المصدر: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

هل غادرت تركيا المركب الإخواني؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-15

عبدالأمير المجر

تناقلت وسائل الاعلام مؤخرا خبر احالة القيادي في حزب العدالة والتنمية، ورئيس الوزراء ووزير الخارجية التركي الاسبق احمد داود اوغلو الى لجنة تأديبة، تمهيدا لفصله من الحزب بسبب انتقادات، وصفت بالحادة، لسياسة الحزب ورئيسه رجب طيب اردوغان. وللحديث عن هذا الموضوع استضافت احدى الفضائيات محللين سياسيين تركيين، فلفت انتباهي ماقاله احدهما، وهو يصف واقع تركيا بعد ان تبخرت الكثير من احلام حزب العدالة والتنمية، بسبب سياساته الخارجية. قال: تحدثوا عن "العمق الاستراتيجي"، واذا بنا في كارثة ستراتيجية! وتحدثوا عن "صفر مشاكل" مع العالم، واذا بنا نغرق بالمشاكل!

مقولة "صفر مشاكل" اطلقها احمد داود اوغلو نفسه، في بداية تسلمه حقيبة الخارجية، لكن الامور آلت الى ما هي عليه اليوم، حيث تعيش البلاد واقعا سياسيا يمكن وصفه بالمأزوم. فهل كانت هذه المشاكل كلها نتيجة لسياسات حزب العدالة والتنمية ام فرضت على تركيا وتصدى لها الحزب بوصفه الحزب الحاكم؟

للانصاف، ان بعضها فرضت على تركيا، وبعضها الاخر، وهي الاهم، يتحملها الحزب الحاكم من دون ادنى شك، بسبب ايديولوجيته غير الواقعية التي القت بتركيا في اتون صراعات هي في غنى عنها تماما. حزب العدالة والتنمية الاخواني كان قد نهض بمشروع تنموي كبير، منذ عقدين، وبسبب ذلك اكتسب شعبية واسعة مكنته من البقاء في السلطة كل هذه المدة. بل تمكن من تغيير الدستور وتقعيد الدولة التركية على هواه، بعد ان حوّل النظام الى رئاسي. لكن الذي لم يعرفه الكثيرون، ان هذا الحزب، وحسب ما تذكر مصادر عليمة، تلقى دعما غير مباشر من الولايات المتحدة، بعد وصوله السلطة، وربما قبل ذلك، بهدف صناعة دولة اسلامية "سنية" لتكون الضد النوعي لإيران "الشيعية" بغية تحقيق هدف ابعد، الا وهو صناعة وتسويق سرديات ثقافية جديدة، في المنطقة، بديلة عن السرديات السابقة.. يسارية ماركسية ويسارية قومية ويمينية ليبرالية وغيرها. اذ كان المطبخ الدولي يعد المنطقة لاحداث كبيرة، ويجب ان يكون هناك غطاء ثقافي كبير، يعطي زخما لهذه السرديات الجديدة. وهو ما حصل.

تمكن اردوغان، وبسبب المليارات الاميركية في البنوك التركية مع بداية تسلمه السلطة، من تنفيذ مشروعه التنموي، وباتت تركيا مثلا يحتذى، لاسيما لمن لديهم ميولا اسلامية، وقوة سياسية ثقيلة، مؤهلة لان تكون ندا لايران. ورافق هذا زخم عاطفي تمثل بموقف جديد على السياسة التركية، تمثل بشعار الوقوف مع القضية الفلسطينية، لقطع الطريق على الغريم الايراني الذي رفع الشعار نفسه. واتجه الدعم التركي، كما الايراني، لحركة حماس والفصائل الاسلامية الراديكالية الرافضة للحوار مع اسرائيل، مع ان تركيا، الدولة، تعترف باسرائيل وتقيم معها علاقات طبيعية منذ الخمسينيات، ولم يتغير جوهر هذا الموقف بعد وصول حزب العدالة والتنمية الاخواني للسلطة!

مع بداية احداث "الربيع العربي"، عملت تركيا على مستويين. الاول، جاء نتيجة لتصورها بان الانظمة المستهدفة ستسقط بارادة اميركية، ولابد من تواجد تركي في الميدان السياسي وحتى العسكري، لكي لا تترتب عليها استحقاقات قاسية، لاسيما تلك التي حصلت على ابوابها، كالازمة في سوريا، وتداعياتها الكردية. اما المستوى الثاني فتمثل بدعم الاحزاب الاخوانية في البلدان المضطربة، لتعيد رسم خارطة علاقاتها مع البلدان العربية بنكهة عثمانية محدّثة! وهو ما عمل عليه اردوغان وبقوة ومضى بعيدا فيه من دون تحسب لحساسية الشرق الاوسط وخرائطه الجيوسياسية، وتنافس مع ايران في هذا الامر باكثر من ميدان، وبالغطاء الثقافي المشار اليه والحضور العسكري المتمثل بـ"التنظيمات الجهادية" التي صارت تركيا ممرها، واحد اهم ميادينها اللوجستية، لاسيما في سوريا التي غرقت فيها تركيا تماما، ووجدت نفسها فيما بعد منكشفة استراتيجيا تقريبا، بعد ان عرفت ان دولة كردية بصناعة اميركية تسربت من وسط الخراب السوري، الذي اسهمت بصنعه. لكن تصادم المصالح الروسية والاوروبية مع اميركا انقذها وخلط الاوراق في اكثر من ميدان، ابرزها مصر وليبيا وتونس وغيرها. الاّ ان الاهم هو قطيعتها الكبيرة مع السعودية، وانحيازها لقطر بعد الازمة الخليجية، وبذلك انحسر عمقها الاستراتيجي اكثر، وتحول الى طوق مخيف! وبات "صفر مشاكل" مع المحيط، طرفة سياسية. وهكذا بدأت اوراق هذا الحزب تتساقط، وشعبيته تتقلص، والوضع الاقتصادي بدا يتداعى، ليخسر اهم معاقله (بلدية اسطنبول) في الانتخابات المحلية الاخيرة، ووجد نفسه امام مستقبل ينذر بالمزيد من الكوارث.

هل حصل هذا بعيدا عن التأثير الاميركي في المنطقة؟ نرى ان الامر مدبر، كما بدأ مدبرا ولهدف لم يعد خافيا على المتابعين، فالسلطة في تركيا يجب ان تعود علمانية، لان المرحلة استوفت استحقاقاتها والثقافة الحاملة لتلك المرحلة يجب ان تتغير.

نشك ان اردوغان قرأ الواقع الدولي وخارطة التوازنات بروح رجل الدولة، بل بروح العقائدي الذي لا يناسب واقع وموقع دولة بثقل تركيا، فاقدم على مغامرته في سوريا بهذه العقلية وعمّق خلافاته مع السعودية ومصر وقوى سياسية مهمة في ليبيا وتونس وغيرها، ليحصد هذه الثمار المرة، ويبدأ رحلة المغادرة، عاجلا او آجلا.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

ألمانيا: كيف تتم حماية النساء في مراكز استقبال اللاجئين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-15

مارا بيرباخ/ع.ح

إجراءات حماية اللاجئات في مراكز إيواء اللاجئين غير كافية، وفقا لما يؤكده كثير من الناشطين. ما الذي يتوجب على النساء اللاجئات القيام به في هذه الحالات؟

هل تشعر طالبات اللجوء بالأمان في سكن مشترك؟ حظي هذا السؤال باهتمام كبير في ألمانيا مؤخرًا بعد العثور على امرأة من كينيا وقد فارقت الحياة بالقرب من ملاذ اللجوء الذي عاشت فيه مع ولديها. ووفقاً لتقارير وسائل الإعلام ، فقد زُعم أن (ريتا أوجونجي) تعرضت للتهديد من قِبل أحد جيرانها الرجال قبل اختفائها والعثور على جثتها فيما بعد.

أثارت القضية اهتمامًا متجددًا لدى المدافعين عن حقوق المرأة والنشطاء المساندين للاجئين الذين يقولون إنه لا يتم عمل ما يكفي للحفاظ على سلامة النساء في مراكز إيواء اللاجئين المشتركة.

يُطلب من معظم طالبي اللجوء في ألمانيا عادة الإقامة في هذه المراكز لفترة طويلة. تم تشديد الإجراءات هذا الصيف من خلال "قانون العودة المنظمة"، والذي ينص على أنه يتعين على طالبي اللجوء من البالغين البقاء في مراكز الاستقبال لمدة تصل إلى 18 شهرًا أثناء فحص طلبهم.

ثلث طالبي اللجوء من الإناث

شكلت النساء والفتيات 35 في المائة من إجمالي الأشخاص الذين طلبوا اللجوء في ألمانيا بين عامي 2015 و 2018. وغالبًا ما يكون التكيف مع الحياة في ألمانيا أكثر صعوبة بالنسبة لهم، إذ تشير الدراسات إلى أن اللاجئات لديهن احتمالات أقل لدخول سوق العمل مقارنة بالرجال، كما أنهن أقل عرضة للتواصل والتعامل بشكل منتظم مع السكان المحليين. وفي مراكز إيواء اللاجئين الجماعية فإن النساء غالباً ما تواجهن - وخاصة إذا كانوا هناك بمفردهن أو مع أطفالهن فقط - أوقات أكثر صعوبة يشوبها الشعور بقلة الأمان والراحة.

تقول الناشطة اللاجئة إليزابيث نغاري من مجموعة "نساء في المنفى وأصدقاء": "بالنسبة للنساء، هناك دائمًا تهديد بالتعرض للعنف والمضايقات الجنسية. لا تشعر الكثير من النساء بالأمان لأنه لا توجد لديهن خصوصية."

بغض النظر عن الجنس، يمكن أن تكون الحياة في مراكز استقبال اللاجئين الجماعية ليس سهلة بالنسبة للكثيرين. إذ يعيش أشخاص من ثقافات مختلفة معًا، في أماكن لا تضمن لهم كم كاف من الخصوصية، فضلا عن ما يعينه الكثيرون من الصدمة التي أصيبوا بها نتيجة ما تعرضوا له قبل أو أثناء رحلتهم إلى ألمانيا.

يقول سيمون إيلر والذي يعمل لصالح مشروع "نتحدث!" وهو مشروع يهدف إلى مساعدة اللاجئات في بافاريا: "إن بنية المراكز الإيواء الجماعية الكبيرة - مثل مراكز الإرساء - تدعم العنف، ما يزيد من احتمال نشوب نزاعات بين اللاجئين".

النساء أكثر عرضة للتحرش الجنسي والاعتداء

يتفق معظم الخبراء على أن النساء هن الأكثر عرضة لأن يصبحن ضحايا للعنف الجنسي في مراكز إيواء اللاجئين. وغالبا ما يكون المعتدون هم  طالبو لجوء يعيشون معهم في هذه المراكز وأحيانا موظفون في هذه المراكز، مثل أفراد الأمن الذين غالبًا ما يكونون من الرجال.

ومن جانب أخر، تشير دراسة أجريت حول " حول النزاعات في أماكن إقامة اللاجئين"، إلى أن تصميم مراكز إيواء اللاجئين، هي من بين احد أسباب العنف بدافع التحرش الجنسي.

وبحسب الدراسة فإن  "قسما صغيرا  فقط من مراكز إيواء اللاجئين الجماعية، تكون الغرف مزودة بحمامات خاصة. وفي كثير من الأحيان، لا يمكن الوصول إلى المراحيض والاستحمام إلا عبر ممر مشترك، وفي أحيان أخرى قد توجد تلك المرافق خارج مكان السكن. في بعض الأحيان، لا يمكن إغلاق أماكن الاستحمام من الداخل وفي أحيان أخرى في بعض أماكن إقامة اللاجئين، لا يمكن إغلاق الغرف ".

وتشير الدراسة التي نُشرت في عام 2017 إلى مراكز إيواء اللاجئين في ولاية شمال الراين - وستفاليا فقط، وهي أكبر ولاية في ألمانيا. ولكن استنادًا إلى المقابلات التي أجراها موقع مهاجر نيوز مع الخبراء والمدافعين عن اللاجئين، فإن نتائج الدراسة لا تزال تنطبق إلى اليوم على مراكز مختلفة في ألمانيا. يقول سيمون إيلر إن الغرف في مراكز الإرساء في بافاريا لا يمكن قفلها مثلا"

الصمت خوفاً من أثر الشكوى على طلب اللجوء

في بعض الحالات احتلت قصص النساء اللواتي وقعن ضحية لاعتداءات في مراكز طالبي اللجوء عناوين الصحف. من هذه الحالات الاغتصاب الوحشي الذي تعرضت له امرأة في الأربعينيات من عمرهاوالتي قالت إنها تعرضت لاغتصاب جماعي من شابين في مركز استقبال أولي لطالبي اللجوء في آيزنهوتنشتات. وفي جيسن ، حكم على طالب لجوء بالسجن لمدة سبع سنوات بعد أن اغتصب بوحشية طالبة لجوء.

هناك أيضا قصص عن وقائع تحرش جنسي بصورة يومية، فقد نقلت محطة البث البافارية مؤخراً رواية لشابتين من طالبي اللجوء قالتا إن الحراس ورجال الأمن كثيراً ما يدخلون إلى أماكن الاستحمام النسائية، وأضافتا: "بدا لنا أنهم جاؤوا عن عمد لرؤيتنا عرايا".

ويصعب معرفة عدد النساء اللواتي تعرضن لحوادث اعتداء على وجه التحديد. ليس فقط لأنه لا توجد إحصاءات رسمية على المستوى الاتحادي حول العنف الجنسي والتحرش في مراكز اللجوء، ولكن أيضاً لأن العديد من النساء لا يتقدمن لمشاركة أو رواية قصصهن. متحدث باسم مجلس اللاجئين في زارلاند قال لمهاجر نيوز: " نعرف حالات كثيرة عن اعتداءات جنسية وتهديدات ضد النساء.  لكن الضحايا يخشون أن يعلنوا عن ما تعرضوا له.. والسبب هو قلقهن من أن يكون لذلك تأثير سلبي على طلب اللجوء".

ماذا عن الوضع القانوني؟

لا يوجد قوانين واضحة بخصوص مراكز إيواء اللاجئين والإجراءات التي يتوجب عليها أن تتخذها للحفاظ على سلامة المقيمين في المركز من العنف الجنسي. لكن الاتحاد الأوروبي وضع، ومنذ عام 2013، معايير تخص طالبي الحماية الدولية.  إذ يتوجب على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي " اتخاذ التدابير المناسبة لمنع الاعتداء العنف القائم على أساس الجنس، بما في ذلك الاعتداء الجنسي والتحرش الجنسي داخل مراكز اللجوء. "

في ألمانيا تم إصدار توجيهات تتعلق بـ"منع العنف" في مراكز إيواء اللاجئين. لكن غالبا ما تكون غير ملزمة ويتتعامل مع العنف الجنسي بشكل روتيني في أغلب الأحيان.

لهذا السبب تختلف مراكز اللاجئين في ألمانيا، عندما يتعلق الأمر بحماية النساء. ففي الوقت الذي ينتهي فيه الأمر ببعض طالبات اللجوء في الملاجئ المخصصة للنساء فقط إلى الحصول على دعم مكثف من المتطوعين والعاملين الاجتماعيين، فإن أخريات ينتهي الأمر بهن في ملاجئ، حيث يتعين على النساء غير المتزوجات أن يعشن بجانب الرجال في غرف من دون أقفال، كما لا تتوفر خدمات دعم خاصة بالنساء.

ما الذي يمكنك القيام به إذا كنتِ لا تشعرين بالأمان؟

بحسب حديث أجراها موقع مهاجر نيوز مع بعض الخبراء، على النساء اللواتي يتعرضن للمضايقة ولا يشعرن بالأمان هو التحدث إلى الإخصائي الاجتماعي الموجود في مركز استقبال اللاجئين.

قد تتمكن المنظمات مثل "ذا لوكال شابتر اوف كاريتاس" ودياكوني والصليب الأحمر الألماني من تقديم المساعدة أيضاً.

يمكن للنساء المحتاجات إلى المساعدة أيضًا الاتصال بمجلس الدولة لشؤون اللاجئين (تحتوي هذه الصفحة الرئيسية على جميع مجالس اللاجئين المتواجدة في الولايات الستة عشر)، والذي ينبغي أن يكون قادراً على توجيههن نحو المنظمات المحلية التي تساعد وتحمي النساء.

يقدم الخط الساخن "الخط الساخن "هاتف مساعدة العنف ضد المرأة" المشورة للنساء اللواتي تعرضن للعنف والتحرش بـ 17 لغة مختلفة، بما في ذلك الإنكليزية والفرنسية والعربية والفارسية. الرقم هو: 08000 116 016

إذا كنتِ ضحية لجريمة ، فإن رقم شرطة الطوارئ في ألمانيا هو 110.

عن "دويتشه فيله"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية