تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟

تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟
3522
عدد القراءات

2019-06-04

تجديد الخطاب الديني دعوة أطلقت كثيراً من قبل مفكرين وبجهود فردية أو مؤسساتية، والكتب في هذا السياق أكثر من أن تُحصى في مقال، نذكر منها كتاب المفكر المصري الراحل نصر حامد أبوزيد "نقد الخطاب الديني"، ومشروع أبو زيد، إضافة إلى مشاريع مفكرين آخرين كبار من أمثال؛ جورج طرابيشي وعلي حرب وعلي شريعتي والصادق النيهوم وفرج فودة وعبدالجواد ياسين وغيرهم كثير، تهدف في النهاية إلى تجديد الخطاب الديني.

يسلط كتاب "تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع" الضوء على دور الخطاب الديني بتزييف الوعي وتجميل الصورة

ومن هذه الجهود ما قامت به مؤسسة "أروقة" للدراسات والترجمة والنشر وهي تطلق مركزاً بحثياً طموحاً تحت اسم "رَوِيَّة للدراسات".
دشّن المركز نشاطه بإطلاق عدة إصدارات، في العام 2019، تتمحور حول تفكيك خطاب الإرهاب، منها: "الإرهاب والتطرف، قراءة في مقاربات مختلفة" لمحمد الحمامصي، "تفكيك خطاب داعش" لعلوي الملقمي، "الإرهاب من منظور القرارات الدولية" لأنور العليمي، "خرافات الصحوة الإسلامية" لمحمد عزيز العرفج، "تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع" لطلعت رضوان.
 كتاب "تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع" لطلعت رضوان

آفة الأُحادية
يطرح كتاب "تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع" لطلعت رضوان، العديد من الأسئلة: هل يختلف الشباب المنشق عن الإخوان عن شيوخهم؟ وهل تختلف المرجعية؟ وهل سيكون الجيل الجديد، من شباب الإخوان، أقل أصولية؟ وهل يُجدي تجديد الخطاب الديني مع آفة الأحادية؟ وكيف يستقيم تجديد الخطاب الديني مع دعوة "أسلمة مصر"؟ وهل ينجح التجديد بدون علمنة مؤسسات الدولة، وفي ظل العداء للتراث الشعبي؟

اقرأ أيضاً: جناية "أل" في الخطاب الديني
يستعرض الباحث أهم الآفات التي عانت منها البشرية وأخّرت مسيرة التقدم، من تلك الآفات: مقولة "ثوابت الأمة" التي أدّت إلى الدعوة لعودة الخلافة الإسلامية، ويربط الباحث هذه العودة أو الدعوة بدعوة الحزب النازي وسيادة "الأمة النازية"، ويخلص إلى أنّ الأصل في كلتا الدعوتين هو "الأحادية الدينية والعرقية" التي هي أشد أعداء التعددية، والأحادية تؤدي حتماً إلى الجمود والثبات، ويستشهد الباحث بأمثلة من تاريخ المسيحية كقتل الفيلسوفة هيباتيا وحرق الفيلسوف جوردانو برونو، إضافة إلى أمثلة من تاريخ الإسلام كمقتل عبدالحميد الكاتب وابن المقفع والحلاج والسهروردي وفرج فودة وغيرهم.
تنطوي دعوة "أسلمة مصر"، التي يطلقها الأصوليون، على تكفير مبطن للمجتمع والدولة معاً

أسلمة مصر
تنطوي دعوة "أسلمة مصر"، التي يطلقها الأصوليون، على تكفير مبطن للمجتمع والدولة معاً، والسبب من وجهة نظرهم، كما بيَّنه الباحث، "أنّ المجتمعات العصرية تعيش مرحلة الجاهلية الحديثة"، ومن شواهد هذه الدعوة المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية التي انتشرت بعد ثورة يناير 2011.
اللافت للنظر، كما يقول الباحث، "أنّ الدعوة لأسلمة مصر، لم تكن من اجتهادات الإخوان المسلمين والتيار السلفي فقط، وإنّما شارك في هذه الحملة بعض المحسوبين على الثقافة المصرية"، ومن شواهد أسلمة مصر يذكر الباحث كيف أنّ التيار الديني اخترق وزارة التربية والتعليم، في وقت من الأوقات "فتقرر تدريس كتابين للشيخ الشعراوي هما كتاب (معجزة القرآن) وكتاب (الأدلة المادية على وجود الله)".

تجديد الخطاب الديني دعوة أطلقت كثيراً من قبل مفكرين وبجهود فردية أو مؤسساتية

يربط الباحث هذا الفصل بفصل آخر عن الموقف من غير المسلمين، وعن دور الخطاب الديني في تزييف الوعي وتجميل الصورة، مستشهداً بتفسيرهم لمعنى الجزية وهو ما "أدى إلى تبرير ما يحدث في بعض الأحيان من اعتداء على (أهل الكتاب) والذين هم من نفس البلد والوطن".
الهدف من الجزية كما بينه الباحث هو "منع مواطني كل دولة يغزونها من الدفاع عن أنفسهم، أي منعهم من حمل السلاح"، ويخلص إلى أنّ الحل يكمن في حق المواطنة وذلك بتطبيق مبادئ العلمانية "حيث يضع البشر قوانينهم التي تنظم العلاقة بين المحكومين والسلطة التنفيذية وتحكم العلاقة بين المواطنين وبعضهم البعض"، وبدون هذا سيظل مشروع تجديد الخطاب الديني، كما يرى الباحث، "مجرد فكرة مثالية عسيرة على التحقيق على أرض الواقع".

اقرأ أيضاً: إستراتيجيات بناء الخطاب الديني: العدل ومعرفة مراد الله
من جهة أخرى، يرى الباحث أن توأم التعليم والإعلام يلعبان دوراً رئيسياً في احتقان الوضع وتدهور العلاقة بين أتباع الديانتين، والحل، من وجهة نظره، يكمن في حصة الأخلاق، كبديل لحصة الدين، وبجلوس التلميذ القبطي والمسلم إلى جوار بعضهما، "وتدريس نماذج من حكماء مصر القديمة"، وحكماء الأمم الأخرى كبوذا وكونفوشيوس وغيرهما.
الدعوة لأسلمة مصر لم تكن من اجتهادات الإخوان المسلمين والتيار السلفي فقط

تحييد الدين بصفته تاريخاً
لن يستقيم تجديد الخطاب الديني دون فك الاشتباك مع الماضي، كما يرى الباحث، من ذلك "أهمية حسم النزاع بين العقيدتين الإسلامية والمسيحية" وهو موضوع الفصل التاسع، والوعي باختلاف المصاحف، وهو موضوع الفصل العاشر، ويعود لطرق آفة الأحادية كأهم معوقات تجديد الخطاب الديني، في الفصل الحادي عشر. ومن الفصول المهمة في الكتاب الفصل الثاني عشر الذي وضعه في صيغة سؤال: "هل يتحقق التجديد مع العداء للتراث الشعبي؟".

اقرأ أيضاً: الخطاب الدينيّ الشعبيّ واختراق الأصوليات الإسلامية له
ويرى الباحث أنّ تجديد الخطاب الديني لا يجدي بدون تدريس التاريخ الإسلامي في المدارس والجامعات بموضوعية وحيادية، وأنّ من شأن هذه الحيادية أن تقود إلى احترام الدين بوصفه تاريخاً أو تجارب قابلة للنقد والمراجعة، وهو ما سيؤسس لثقافة تفصل بين ما هو ديني وما هو تاريخي أو بشري، ومن ثم كتابة دستور مدني يجيز فيه لجميع المواطنين اعتلاء أي منصب في الدولة بصفتهم مواطنين لامتدينين، ويستشهد الباحث بالهند حيث يمكن للمسلم أن يكون رئيساً للدولة والسيخي أن يكون رئيساً للوزراء، وهي نتيجة لتأسيس مناهج التعليم على أكبر قدر من الموضوعية والحيادية العلمية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل يمكن النظر للعدوان باعتباره غريزة إنسانية؟

2020-01-19

"الدافع وراء الفكرة لا يجعلها صواباً أو خطأ، وتحليل الدوافع ليس حجة على الصواب أو الخطأ". إريك فروم

يوضح عالم النفس إريك فروم (1900 – 1980)، في كتابه؛ "تشريح التدميرية البشرية"، الصادر عن دار نينوى العام 2016، طبيعة العاطفة "النيكروفيلية" التدميرية لدى البشر، والظروف الاجتماعية التي من شأنها أن تغذيها، مُشيراً إلى أنّ ما يصيب الثوريين من استحواذ فكرة العنف والتدمير يؤشر إلى الجاذبية القوية للنيكروفيليا في العالم المعاصر.

هناك نوع خبيث من العدوان؛ أي القسوة والتدميرية وهو نوع خاص بالبشر يغيب إجمالاً عند معظم الحيوانات

ويؤكّد فروم أنّ المساعدة في مواجهة هذه الأزمة لا تكون من خلال استدعاء "القانون والنظام" ومعاقبة المجرمين؛ بل من خلال تغيرات جذرية في بنيتنا الاجتماعية والسياسية، من شأنها أن تعيد الإنسان إلى دوره الأسمى في المجتمع.
إنّ فهم النزعة التدميرية لدى الإنسان يمكن أن يفيد في فهم العنف والتطرف والإرهاب، ويضع الظاهرة في سياق سيكولوجي؛ إذ نحتاج، كما يقول فروم، إلى إنشاء الشروط التي تجعل من نموّ الإنسان، هذا الكائن الذي لم يبلغ تمامه واكتماله الفريد في الطبيعة، الهدف الأعلى لكل التدابير الاجتماعية. فالحرية الحقيقية والاستقلال وإنهاء كل أشكال السيطرة الاستغلالية، تُمثّل الشروط اللازمة لتحريك محبة الحياة؛ وهي القوة الوحيدة التي يمكن أن تهزم محبة الموت.

غلاف الكتاب
في هذا السياق، يقول ج. سي. سمتس؛ "عندما أنظر إلى التاريخ أكون متشائماً، ولكنني عندما أنظر إلى ما قبل التاريخ أكون متفائلاً"، ويقصد بذلك ما يمكن أن يلحقه الإنسان المعاصر بنفسه وبالطبيعة من دمار وضرر، حيث صاحب التدمير التطور الحضاري والتقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي، ما يجعل لعلم النفس مكانة مهمة في استيعاب أزمة الحضارة وترشيدها.

اقرأ أيضاً: كتاب ينقد الأصولية فكرياً من خلال واقعها .. كيف؟
ويتراوح تفسير السلوك العدواني، بين الغريزية والسلوكية؛ أي النظر إلى العدوان باعتباره غريزة إنسانية، أو سلوكاً مكتسباً بفعل البيئة المحيطة، وقد نشر كونراد لورنتس Konrad Lorenz،  وهو باحث في السلوك الحيواني كتاب "في العدوان" عام 1966، مُقرراً أنّ السلوك العدواني للإنسان ناتج عن غريزة فطرية مبرمجة، ويتجلى ذلك في الحروب والجريمة والمشاجرات الشخصية. وفي المقابل، يرد عالم النفس السلوكي، بورهوس سكنر، هذه الظاهرة إلى السلوك الإنساني.

فهم النزعة التدميرية لدى الإنسان يمكن أن يفيد في فهم العنف والإرهاب ويضع الظاهرة في سياق سيكولوجي

ويقول فروم إنّه "يمكن ببساطة رد العدوان الدفاعي إلى سلوك غريزي، لكن هناك نوع خبيث من العدوان أي القسوة والتدميرية، وهو نوع خاص بالبشر وغائب إجمالاً عند معظم الحيوانات". 
ويُدرس كتاب فروم، على أساس التحليل النفسي للسلوك الإنساني العدواني والدوافع المُنشئة لهذا السلوك، والتي قد تكون شعورية، لكنها في أغلب الأحيان لا شعورية، كما أنّها مُتحدة، في معظم الوقت مع بنية طبع مستقرة نسبياً، وبحسب فرويد فإنّ الحياة تحكمها عاطفتان؛ الحب والتدمير، وبذلك يعطى التدميرية البشرية صفة عاطفة إنسانية أساسية.
إنّ عواطف الإنسان هي محاولته في خلق معنى للحياة، وفي أن يخبر أقصى ما يستطيع أو يظن أنّه يستطيع أن يحقق من الشدة والقوة في الظروف المعطاة، والحقيقة أنّ كل العواطف البشرية، الخيرة والشريرة على السواء، لا يمكن أن تُفهم إلا بأنّها محاولة شخص لخلق معنى لحياته؛ حيث يُنشئ الإنسان الخير والشر والجمال والقبح أثناء لحاقه لعواطفه؛ فالناس ينتحرون بسبب إخفاقهم في تحقيق عواطفهم المتعلقة بالحب والشهرة والانتقام، ولا ينتحرون بسبب الحرمان الجنسي.

عالم النفس إريك فروم (1900 – 1980)
لكن ذلك لا يعني أنّ التدميرية والقسوة ليستا مرذولتين، بل هما مدمرتان للحياة، للجسم والروح، ولا تدمران الضحية وحدها، بل تدمران من يقوم بالتدمير أيضاً، إنّهما تعبران عن انقلاب الحياة ضد ذاتها في المجاهدة لخلق معنى لها.

اقرأ أيضاً: قراءة في كتاب الليبرالية: حين تعتدي سلطة المال على الحرية
وكان ف. ت. مارتيني، قد عبّر في عام 1909، عن روح النيكروفيليا في عمله الأدبي "البيان المستقبلي"؛ حيث يمكن أن يفتتن الإنسان بكل ما هو مضمحل، غير حي، تدميري، وميكانيكي، ومثال ذلك شعار "يحيا الموت" الذي كان يطلقه حزب الكتائب الإسباني الفاشي والذي تأسس عام 1934. إنّ ذلك يهدد بأن يصبح المبدأ السري لمجتمع يشكل فيه قهر الطبيعة بالآلة المعنى الصميميّ للتقدم؛ حيث يصبح الشخص الحي ملحقاً بالآلة.

كل العواطف البشرية الخيرة والشريرة على السواء لا يمكن أن تفهم إلا بأنّها محاولة شخص لخلق معنى لحياته

لقد كان فهم الطبيعة الإنسانية شاغلاً للفلاسفة والمفكرين منذ أقدم العصور؛ أي ما الذي يجعل الإنسان إنساناً، وهكذا عرف الإنسان بأنّه كائن عاقل، أو حيوان اجتماعي، أو يستطيع أن يصنع الأدوات، أو الرموز. ويوحي تاريخ البشرية بأنّ إنسان العصر الحديث يختلف كثيراً عن إنسان الأزمنة السابقة، وتظهر الدراسات الأنثروبولوجية للشعوب تنوعاً في العادات التقاليد والقيم والأحاسيس والأفكار إلى حد أنّ كثيراً من الأنثروبولوجيين وصلوا إلى مفهوم مفاده أنّ الإنسان يولد صحيفة بيضاء تكتب عليها كل ثقافة نصها.
وممّا يشجع أيضاً على إنكار الطبيعة الإنسانية الثابتة، كيف كان الإنسان يعقل العبودية لدرجة أنّ فيلسوفاً عظيماً كأرسطو ومثله معظم، إن لم يكن جميع، المفكرين والعلماء حتى القرن الثامن عشر دافعوا عنها، وعلى العموم، يقول فروم، إنّ المرء يشير بارتياب إلى "الطبيعة الإنسانية" في قبول حتمية سلوك بشري؛ كالجشع والقتل والغش والكذب.

للمشاركة:

"الخلافة وسلطة الأمة": لماذا غابت تفاصيلها في النصوص الشرعية؟

2020-01-13

تحتلّ قضية الخلافة الإسلامية ركناً أساسياً في مشروع التيارات الإسلامية، وقد تجسّدت الفكرة بالفعل في الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)؛ حيث أعلن أبو بكر البغدادي نفسه خليفة على تلك الدويلة، في 29 حزيران (يونيو) 2014، وسرعان ما بايعته أغلب الجماعات الجهادية المتطرفة.

اقرأ أيضاً: هل كانت الدولة العثمانية فردوس الخلافة المفقود؟
ارتكب تنظيم داعش من الجرائم ما لا حصر له، من تنكيل واغتصاب واضطهاد للأقليات الخاضعة لسيطرته، كما فعل مع الأقلية الأزيدية، وسرعان ما انهارت تلك الدويلة، وإن توقعت سيناريوهاتٌ عودتَها مجدداً، فحلم الخلافة الإسلامية الطوباوي لم يغب عن مخيلة الإسلاميين للحظة، والخلافة الإسلامية في مخيالهم السياسي هي الكلمة السحرية لحلّ الأزمات الاجتماعية والاقتصادية الهيكلية عبر التطبيق الصارم للشريعة الإسلامية.

غلاف الكتاب
ليست فكرة بعث الخلافة الإسلامية وليدة اليوم، لكنّها فكرة تبنّاها المشروع الإسلامي بعيد إلغاء الزعيم التركي الراحل، كمال مصطفى أتاتورك، للخلافة العثمانية، العام 1923، وقد تصارعت الممالك العربية على من يخلف الدولة العثمانية على إمارة المسلمين، في حين لم تستسغ قطاعات من المسلمين غياب الخلافة ولو كانت صورية، مثلما تجسدت في الدولة العثمانية، وظهرت جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 بعد سقوط الخلافة بعدة أعوام، كانعكاس لتلك الأزمة التي ألمّت بقطاعات مغتربة في مجتمع استعمرته بريطانيا ودمجت فيه أقليات أجنبية عديدة ففرضت ثقافاتها وقيمها.

لم تغب فكرة الخلافة عن مخيلة الإسلاميين للحظة وفي مخيالهم السياسي هي الكلمة السحرية لحلّ كل الأزمات

وكتاب "الخلافة وسلطة الأمة" هو كتاب، أو بيان، المجلس الكبير الوطني التركي، الصادر بعد سقوط الخلافة؛ أي العام 1924، والقاضي بفصل السلطنة عن الخلافة، ونقله عن التركية عبد الغني سني بك (السكرتير العام لولاية بيروت حينها ومتصرف اللاذقية سابقاً)، وله طبعة صدرت عن دار النهر المصرية، العام 1995، قدّم لها المفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد، وألحق بها نصّ محاضرة للشيخ علي عبد الرازق، بعنوان "الدين وأثره في حضارة مصر الحديثة"، ألقاها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في آذار (مارس) 1932، ثم أعقبها بنصّ بيان المجلس الكبير الوطني بأنقرة.
في مقدمة الكتاب يتناول أبو زيد السياق الراهن للإشكالية، مؤكداً أنّ سؤال الخلافة لم يختفِ من الفكر الإسلامي الحديث، وإن استبدل بالحديث أحياناً عن الأمة الإسلامية التي تتجاوز الحدود السياسية والقومية، وفي رسالة المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين، العام 1938، ورد تحت عنوان "الإخوان المسلمون والخلافة": "الإخوان يعتقدون أنّ الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنّها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها والاهتمام بشأنها، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله"، وتصف الوثيقة الخليفة بأنّه "الإمام الذي هو واسطة العقد، ومجتمع الشمل، ومهوى الأفئدة، وظلّ الله في الأرض".

ثمّ يقدم أبو زيد قراءة نقدية في تحولات مشروع المفكر الإسلامي المصري محمد عمارة، الذي بدأ مشواره باحثاً مستنيراً محققاً لكتب رواد التنوير في مصر والعالم العربي، مثل: كتب رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، حتى علي عبد الرازق، قبل أن يصبح مدافعاً صلباً عن المشروع الإسلامي، ومهاجماً شرساً لكلّ رواد التنوير، ففي المرحلة الأولى تناول عمارة أزمة الشيخ علي عبد الرازق، باعتبارها أزمة سياسية، واصفاً عبد الرازق بأنّه امتداد متطور للشيخ محمد عبده في الإصلاح الديني، وأنّه اهتمّ بإعادة نشر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" بدافع وصل الحاضر الذي نعيشه والمستقبل المأمول بأكثر هذه الصفات إشراقاً وأعظمها غنى، وتعلم الشيء الكثير من شجاعة هؤلاء الذين اجتهدوا وقالوا ما يعتقدون، صواباً كان الذي قالوه أو خطأ، دونما رهبة من "الذات المصونة" التي تربعت على العرش في بلادنا، قبل تموز (يوليو) العام 1952، ولكن بعد تحول عمارة إلى المشروع الإسلامي أصبح الكتاب نفسه يخدم أهداف الاستعمار الغربي في محاولته للقضاء على الخلافة، سعياً إلى علمنة المجتمعات الإسلامية بتفريغها من مضمونها الحضاري والثقافي، وإلحاقها بالمشروع الحضاري الغربي!

سؤال الخلافة لم يختفِ يوماً وإن استبدل بالحديث أحياناً عن الأمة الإسلامية التي تتجاوز الحدود السياسية والقومية

ألحق أبو زيد نص محاضرة للشيخ علي عبد الرازق "الدين وأثره في حضارة مصر الحديثة"، حيث اقتبس عمارة عبارةً من المحاضرة صرّح فيها عبد الرازق بأنّ "الحكم بغير ما أنزل الله كفر صريح في القرآن"؛ ما بدا غريباً على أفكار عبد الرازق ولكن سياق حديث الأخير جاء مخالفاً تماماً عما تعمد عمارة الذي أراد أن يصف صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم" بالردة عن أفكاره مما دفع أبو زيد لوصف عمارة بالتدليس.
ينقسم كتاب "الخلافة وسلطة الأمة" إلي مقدمة وتمهيد للمترجم ومقدمة الكتاب وقسمين، يضم القسم الأول تعريفاً بالخلافة وإيضاحها، وتقسيم الخلافة وشروطها، والتدقيق في شرط القرشية، وكيفية اكتساب الخلافة وكونها نوعاً من الوكالة، والغاية من الخلافة ووظيفتها وتبعاتها، ومسؤولية الخليفة، والولاية العامة وسلطة الأمة، كما يضم القسم الثاني تقييد حقوق الخلافة وتفريق السلطنة عن الخلافة، ثم النتيجة، وأخيراً الخاتمة.

اقرأ أيضاً: الإسلام وأصول الحكم: كيف نظر علي عبد الرازق إلى الخلافة؟ ‎
يوضح البيان أنّ مسألة الخلافة من المسائل الفرعية والفقهية، ومن جملة الحقوق والمصالح العامة المختصة بالأمة، ولا علاقة لها بالاعتقاد، فهي ليست من الأمور الاعتقادية، وقد بحث علماء السنّة بحثاً مستفيضاً لإبطال الأفكار الباطلة وردّ الخرافات التي أحاطت بالمسألة أخيراً، تحت عنوان "مبحث الإمامة" للردّ على مذاهب الخوارج والإمامية والإسماعيلية إذ تطرّفت في إنكار تعيين خليفة مثل الخوارج، أو بالغت في تقديس الأئمة مثل الإمامية والإسماعيلية، ويقرّ البيان بأنّ مسألة الخلافة مسألة دنيوية وسياسية، وأنّها من مصلحة الأمة نفسها مباشرة؛ لذا غابت التفاصيل بشأنها في النصوص الشرعية، ولو كانت من الأمور الرئيسة في الدين لذكرها الرسول الأكرم، صلى الله عليه وسلم، ووضّحها وجلّاها، فقد ظلّ  نبي الأمة  يضع السنن لأمته حتى قبيل وفاته، كما أنّ طريقة انتقال السلطة اختلفت من خليفة لآخر من الخلفاء الراشدين قبل أن تصبح ملكاً عضوضاً مع الدولة الأموية.

يقسم البيان الخلافة إلى نوعين، هما: الخلافة الكاملة، والخلافة الصورية؛ والخلافة الكاملة هي الحاصلة بانتخاب الأمة وبيعتها بطوعها ورضاها، أما الصورية؛ فهي التي نالها صاحبها بالقهر والجبر بدون انتخاب الأمة وبيعتها وبدون توافر شروط الخلافة فيه، وتعدّ الخلافة نوعاً من عقد الوكالة من جهتين: فهي خلافة النبوة وخلافة الأمة؛ فالخليفة نائب للنبي الأكرم، وهو وكيل للأمة التي يجوز لها عزله إذا أساء العمل في وظيفته، وبما أنّ الخلافة نوع من الوكالة، فتجري فيها أحكام الوكالة مثل أنّها لا تورَّث، وغاية الحاكم تحقيق العدالة في المجتمع، وتوزيعها وصون حقوق المسلمين وتأمين سعادتهم.

مسألة الخلافة من المسائل الفرعية والفقهية ومن جملة الحقوق والمصالح العامة المختصة بالأمة ولا علاقة لها بالاعتقاد

يستطرد البيان في شرح الخطّ الفاصل بين الخلافة الكاملة، التي تحققت في عهد الخلافة الرشيدة، والخلافة الصورية التي تمكنت من الأمة الإسلامية في العصر الأموي والعباسي، وانتهاء بالسلطنة العثمانية؛ حيث اتسمت الخلافة الصورية بالقهر والقمع وغياب الشورى، فكانت سبباً في تردّي أحوال الأمة الإسلامية، واستناداً إلى حقّ المسلمين في إلغاء البيعة إذا فسد الخليفة، باعتباره وكيل الأمة، يحقّ للأمة نقض البيعة ونقل السلطة إلى من يستحق بناء على الكفاءة والقدرة على تحقيق غايات الخلافة.
سعى الكتاب إلى وضع مسألة الخلافة في سياقها التاريخ، وإبعادها عن مجال المخيال السياسي الإسلامي الذي ما يزال يرى أنّها واسطة العقد،  ورغم مرور ما يقرب من قرن على البيان فصعود التيارات السلفية الجهادية، في وقتنا الحالي، يستدعي مناقشة حقيقية لمسألة الخلافة وسلطة الأمة.

للمشاركة:

هل تمتلك الحركات الإسلامية رؤية تختلف عن الإخوان؟

2020-01-05

استقطبت دراسة الحركات الإسلامية منذ السبعينيات من القرن الماضي اهتمام العديد من الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، محلياً ودولياً، وتعددت الآراء حولها بتعدد إشكالياتها وملابساتها، وتنوعت المواقف منها بتنوع أسمائها وغاياتها وآليات عملها، ومدى اندراجها في الحركية الاجتماعية العامة للمجتمعات التي نشأت فيها، أو انفرادها وانفلاتها منها.

يتعذر عزل مواقف الحركات الإسلامية من الديمقراطية وفصل السياسة والدين عن الظروف التي تعيشها داخل بلدانها

فثمة من اعتبر الظاهرة صحوة إسلامية، وثمة من اعتبرها جزءاً من المشروع العولمي الأمريكي المتفرد بالهيمنة على العالم بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وسواد القطب الواحد في بناء الجيوبوليتكا العالمية الجديدة ورداً على اشتداد تأثير الهيمنة الأمريكية على العالم العربي والإسلامي في آن، وهناك مَن رأى في عودة التدين وعودة الدين الإسلامي إلى قلب الصراعات الاجتماعية  والسياسية  تعبيراً عن فشل السياسات التنموية للدولة الحديثة "العلمانية" التي آلت إلى استبداد سياسي سافر وسلطات شمولية سدت المجال العام أمام أي مشاركة سياسية حقيقية لقوى المجتمع في الشأن العام، ودفعت باتجاه التطرف والعنف.

غلاف الكتاب
وآخرون رأوا فيها حركات اجتماعية تخضع لقانون التطور وتحمل خصوصيات المجتمعات التي نشأت فيها، تتأثر ببيئتها وتؤثر فيها، وهي بالتالي حركات غير متجانسة تختلف مرجعياتها وأيديولوجياتها وأساليب عملها عن بعضها البعض رغم تشابه الأهداف والغايات الأخيرة المتمثلة في أسلمة المجتمع وبناء الدولة الإسلامية أو استعادة دولة الخلافة. فيما اعتبرها آخرون نسخاً مستنسخة تستقي من مرجعية واحدة، أو مجرد تنويعات على النموذج الأصل تعود إلى أصل واحد هو الإخوان المسلمون في الوسط السنّي، أو الحركة السياسية الدينية في إيران أو غيرها.

اقرأ أيضاً: كيف يقرأ باحثو الحركات الإسلامية تجربة جماعاتهم؟
تضمن كتاب "الحركات الإسلامية والديمقراطية: دراسات في الفكر والممارسة" الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، بين دفتيه جملة من الآراء حول الظاهرة الإسلامية قدمها مجموعة من الباحثين العرب المهتمين بهذا المجال أو المتخصصين به، وتوزعت على ست عشرة دراسة بحثية تركزت في ثلاثة محاور رئيسية هي: الإسلام والسياسة، الحركات السياسية الإسلامية، المستقبل. 

يعالج كتاب "الحركات الإسلامية والديمقراطية" الظاهرة الإسلامية ضمن ثلاثة محاور رئيسية: الإسلام والسياسة والحركات السياسية الإسلامية والمستقبل

وتشكل تلك الدراسات بتكاملها إحاطة وافية تسهم في التعريف بالظاهرة الإسلامية وتتبع مساراتها الفكرية، وفهم إشكالياتها من خلال وجهات نظر متعددة وانحيازات أيديولوجية ومرجعيات فكرية مختلفة يجمع بينها الميل نحو الموضوعية ودقة البحث العلمي في الدراسات التطبيقية والمقارنة. ونظراً لسعة الكتاب وتعذر إنصاف جميع المشاركين فيه في هذا الهامش المتاح، سنلجأ إلى استعراض المحاور دون التفصيل في الفصول رغم أهمية ذلك.
تركزت دراسات  المحور الأول على محاولة التفريق بين علاقة الإسلام بالديمقراطية، وعلاقة المسلمين بالديمقراطية، كما عبر عنها الباحث الإسلامي فهمي هويدي، وشاركه بذلك الباحث السعودي زكي أحمد، حيث إنّ العلاقة الأولى لا تشترط أن تقوم على التنافي والتضاد بقدر ما تقوم على التمايز والخصوصية بين منهجين ومشروعين حضاريين يشتركان في بعض القيم الأساسية والمثل العليا، بينما العلاقة الثانية مسكونة بالالتباس ومثقلة بعبء التاريخ والذاكرة؛ إذ ظل الغرب في الذاكرة الإسلامية مقترناً بالقهر والاستعمار ومرادفاً للفساد الأخلاقي حيناً وللكفر أحياناً أخرى.
لذلك التبس الموقف من الديمقراطية وصار رفضها رفضاً للمشروع الغربي الذي تمثله، والذي مارس الذل والقهر بحق العرب والمسلمين. وما أن ينفك الالتباس بين التجربة الديمقراطية والسياسة الاستعمارية للدول الغربية حتى ينفك الاشتباك مع الديمقراطية، بل مع المشروع الليبرالي الغربي عموماً.

وقد ألمحَ أكثر من باحث إلى أنّ إشكالية علاقة الإسلام بالديمقراطية ليست بنت اليوم، إنما هي إشكالية قديمة قدم النهضة الإسلامية، وقد حفلت مؤلفات ومواقف مفكري النهضة بالكثير من الاجتهادات المهمة في مقاربة مفهوم الديمقراطية من مفهوم الشورى الإسلامي، ولم يجدوا حرجاً من التوفيق بين المفهومين ولا حتى في استعمال اللفظ الغربي للمفهوم.

اقرأ أيضاً: هكذا أثرت الحركات الإسلامية على الاستقرار السياسي في العالم العربي
لكن الإشكالية ما تزال تطرح ويعاد طرحها مع كل أزمة أو توتر جديد في علاقة الشرق العربي والإسلامي بالغرب من جهة، ومع الأزمات والاختناقات السياسية الداخلية التي تمر بها البلدان العربية من جهة ثانية؛ فلا يمكن الحديث عن مواقف الحركات الإسلامية من الديمقراطية وفصل السياسة عن الدين دون النظر إلى الظروف التي تعيشها تلك الحركات داخل بلدانها، وإلى شكل الدولة ونوع علاقة السلطات الحاكمة بشعوبها والتي لم تقدم نموذجاً ديمقراطياً يمكن الحكم من خلاله على ديمقراطية الآخرين، سواء أكانوا إسلاميين أم علمانيين، كما أنّ الدول الغربية نفسها لم تقدم نموذجاً ناصعاً للديمقراطية في تعاملها مع شعوب العالم الثالث.

كثير من العلمانيين والأصوليين كل منهما يفكر في الصلة بين الدين والسياسة تفكيراً لاتاريخياً

كما يميل العديد من المساهمين في البحث، كزكي أحمد وسيف الدين عبد الفتاح إسماعيل مثلاً،  إلى عدم النظر إلى الحركات الإسلامية ككتلة واحدة صماء، إنّما إلى التفريق بين تياراتها ومواقفها المختلفة من المشاركة السياسية ويرون أنّ ثمة تغيراً في مواقف العديد من تلك التيارات بحسب الظروف السياسية لبلدانها؛ فمنهم من بات يتبنى الديمقراطية صراحة، ومن تلك التيارات من لا يرفضها رفضاً قاطعا، أو يقبلها قبولاً مشروطاً رغم إصراره على المرجعية الإسلامية والشريعة الإسلامية والدولة الإسلامية، لكنه يقبلها مقابل الديكتاتورية والحكم الفردي التسلطي على الأقل، ومنها ما يزال متصلباً عند مفهوم "الحاكمية" والدولة الدينية ويقف موقف الرفض والعداء من الديمقراطية باعتبارها ليست من الإسلام ولا تلتقي مع قيمه ومبادئه وأنّ العلاقة بينهما علاقة تعارض وتناقض دائم، ولا يعني القبول بها غير قبول المغلوب بثقافة الغالب.
ومن الضروري التمييز بين هذه الحركات السياسية المتطرفة التي باتت تحتل صورة المشهد الإسلامي بغايات إعلامية غير بريئة وبين الحركية الإسلامية بشكل عام؛ حيث أصبح الفكر الإسلامي رديفاً للاستبداد والتسلط السياسي، والنظام السياسي الإسلامي قريناً للتعصب الديني فيما كان تاريخه الطويل تاريخ التسامح والتعايش.

اقرأ أيضاً: السودان.. أي مستقبل ينتظر الحركات الإسلامية بعد الإطاحة بالبشير؟
ويُحمّل الباحث لؤي صافي المسؤولية في ذلك للفكر العلماني والفكر الإسلامي المعاصر على السواء؛ "فالأول قد أسقط نتائج التجربة الغربية على الفكر التاريخي الإسلامي، فيما حاول الثاني إعادة تشكيل المحتوى المعرفي الموروث باستخدام قوالب فكرية مستعارة من تجربة أخرى" كما فعل المودودي وغيره.

في حين تتطلب عملية تطوير نموذج سياسي مناسب للبنى السياسية والاجتماعية المعاصرة الجمع بين مقتضيات الانتماء الحضاري إلى الثقافة الإسلامية ومتطلبات تطوير نظام سياسي قادر على الاستجابة لتحديات الحاضر وتلبية احتياجات المستقبل.

اقرأ أيضاً: مفارقة المآزق الأخلاقية عند الحركات الإسلامية
أما في واقع الحال، كما يشير الباحثان عبد الإله بلقزيز وبرهان غليون، فقد ذهب العلمانيون في اتجاه تبني نماذج العلمنة الغربية الشاملة ووجوب إقرار نظام الدولة العلمانية وكأنّ الدول العربية تعيش في كنف الدولة الدينية على مثال دولة الكنيسة في الغرب التي أوجبت قيام نقيضها في أوربا النهضة، في حين ذهب الأصوليون للحديث عن ضرورة إخضاع الدولة للدين وإقامتها على أركان الشريعة وكأن الدولة العربية القائمة دولة علمانية حقيقية على مثال الدولة الأوروبية.

اقرأ أيضاً: تأثير حزب العدالة والتنمية التركي على الحركات الإسلامية
وجوهر المفارقة لدى كلا الطرفين أنّ كلاً منهما يفكر في الصلة بين الدين والسياسة تفكيراً لا تاريخياً، فلا الدولة الحديثة الناشئة بعد الاستقلال تخلت عن الشريعة الإسلامية ورعاية الدين والمؤسسات الدينية، ولا التاريخ الإسلامي شهد قيام دولة دينية تقوم على دمج المجال الديني بالمجال السياسي، إنما كانت الدولة تستخدم الدين استخداماً أيديولوجياً لإضفاء الشرعية على السلطة وتجند الفقهاء لأداء دور الشرعنة، أما هاجس علمنة الدولة عند العلمانيين فقد تضخم في مقابل تضخم هاجس أسلمة الدولة والمجتمع مع صعود الحركات الإسلاموية ومجاهرتها في إعادة إخضاع السياسي للديني.
الحركات الإسلامية والمستقبل
يتميز القسم الثاني من الكتاب بتركزه على الجانب التطبيقي عبر مجموعة من الدراسات والتحليلات المقارنة في رصد التغيرات والتحولات في الغايات والأهداف، والوسائل والآليات العملية، التي طرأت على الفكر الإسلامي الحركي شدد الباحثون فيها بمجملهم كما في المحور السابق على ربط الظاهرة الدينية الإسلامية بالظروف الزمانية والمكانية التي نشأت فيها، وعلى مدى اتساع المجال العام أو ضيقه في البلد الذي تنشط فيه الحركة ونوع علاقتها بالسلطة الحاكمة والقوى السياسية الأخرى ضمن هذا المجال، والتركيز على تعدد تياراتها واختلاف مرجعيات تلك التيارات عن بعضها البعض، والتقليل بالتالي من حجم وتأثير التيارات العنفية والجهادية التي نشأت في ما تسميه "زمن المحنة" وما زالت تعيش ذاكرة وهواجس ذلك الزمن.

الحركة الإسلامية بفصائلها المتعددة لا تمتلك حتى اليوم رؤية علمية واستراتيجية للنظام الدولي سوى رؤية الإخوان للعالم

فقد حاول الباحث الكويتي عبدالله النفيسي في ما سماه "محاولة تقويمية" بعد أن أسهب في تحليل نشوء الفكر الحركي الإسلامي تلمس الفروق بين المرحلة الدعوية والنشاط الجماهيري في نشأة حركة الإخوان المسلمين والفكر التنظيمي الذي تميز به مؤسسها حسن البنا وبين المرحلة القطبية والمراحل اللاحقة في الحركة نفسها، وبينها وبين الحركات المتولدة منها، وكذلك بينها وبين حزب التحرير الذي أسسه النبهاني واتخذ العمل الفكري والتثقيفي وسيلة لنشاطه وهدفه في إقامة الدولة الإسلامية، وبينها وبين جماعة الجهاد الإسلامي وجماعة التكفير والهجرة اللتين شكلت أفكار سيد قطب أهم الأطر المرجعية والمصدرية لهما في الاستعلاء على المجتمع "مجتمع الجاهلية"وضرورة انعزاله وهجره واستبداله بمجتمع الحزب المثالي، واعتبار القبول بالعمل السياسي بمشاركة الآخرين بمثابة منح الشرعية لدولة الكفر.

اقرأ أيضاً: العنف في بنية الحركات الإسلامية (1).. إذ يلبس لباس القداسة
كما يشير النفيسي إلى تحول حزب الدعوة العراقي الشيعي إلى تبني مقولة "ولاية الفقيه" بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ودعمها للحركات والأحزاب الإسلامية علماً أنّ الحزب قد تأسس قبلها بعامين على الأقل. 
وقد عبر الباحث التونسي خالد شوكات في دراسته عن ذلك بغياب الوعي التاريخي والواقعي لدى الحركات الإسلامية الذي أوقعها في التطرف والعنف والانعزال و"الوقوع في منطق "الفرقة الناجية" المتجدد بصيغ حاضرة، على عمقه التاريخي ورسوخه في المخيال الاجتماعي؛ فالحركة الإسلامية بفصائلها المتعددة لا تمتلك حتى اليوم رؤية علمية واستراتيجية للنظام الدولي سوى رؤية الإخوان للعالم ما قبل الحرب العالمية الثانية، وكيف لمن لا يملك تصوراً لماهية هذا الخارج  ومكوناته وبرامجه أن يواجه ممانعته وتدخله؟".

فيما ذهبت دراسات أخرى أكثر تفاؤلاً إلى استخلاص المتغيرات الإيجابية في تحولات الحركة الإسلامية من خلال المراجعات النقدية والتقويم الداخلي التي تشهدها منذ أواخر الثمانينيات كما بين ذلك الباحث زكي أحمد في رصده (لتحول الحركة الإسلامية من السرية إلى العلنية، ومن الانغلاق إلى الانفتاح، ومن العمل الذاتي الداخلي إلى الكسب الاجتماعي العام)، ويتلمس الباحث إيجابية ذلك التحول من خلال تغير الموقف من الرأي الآخر من المقاطعة نحو الحوار، والموقف من الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والمشاركة السياسية التي باتت تطرح بوتيرة متصاعدة ومكثفة في الخطاب الإسلامي المعاصر، وتوجه غالبية الحركات الإسلامية نحو رفض العنف والتشدد والميل نحو الاعتدال والمرونة، وقبولها التحول إلى حزب سياسي والتنازل عن العنوان الإسلامي وحذفه من اسم الحركة كاستجابة براغماتية لمتغيرات الظروف السياسية المحلية والدولية.

اقرأ أيضاً: العنف في بنية الحركات الإسلامية (2).. الاستعلاء الإيماني
لكن في مقابل هذه الرؤية الإيجابية ثمة دراسات ذهبت في اتجاه مختلف ترى أنّ واقع الحركات الإسلامية ونشاطها السياسي وخلافاً لما يراه البعض من أنّه مظهر إيجابي ودليل عافية وصحة  يعبر عن صحوة إسلامية، هو واقع لا يشي إلا بمستقبل أشد سوداوية من الحاضر وبنتائج أكثر كارثية ومأساوية منه؛ فقد ذهب الباحث السوري علي نوح في استخلاصه أنّ ما نشهده اليوم من انتشار المد الديني هو انتكاسة جديدة تعبر عن هروب الإنسان العربي من الواقع المؤلم نحو الماضي وليس صحوة بقدر ما هو "حيلة المفلس في التفتيش في جيوب الماضي"؛ لأنّ هذه العودة تفتقد إلى الأسس العقلانية التي تجعل منها صحوة حقيقية تجعل الإنسان العربي بمستوى الشعوب المتمدنة حتى يتمكن من مشاركة الآخرين في صنع الحضارة.

للمشاركة:



اللبنانيون يرفضون حكومة دياب..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

وقعت، أمس، مواجهات بين المتظاهرين المعترضين على الحكومة اللبنانية الجديدة، والقوى الأمنية، في ساحة رياض الصلح، وسط بيروت، أثناء محاولة عدد من المتظاهرين الدخول إلى السراي الحكومي.

وأصيب في المواجهات 20 شخصاً، على الأقل، في صفوف الجانبين تمّت معالجة 18 منهم ميدانياً، وفق ما كشف الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني، جورج كتانة، لوكالة "فرانس برس".

وحاول متظاهرون تجمّعوا قرب مقر رئاسة الحكومة إزالة الأسلاك الشائكة وسياج حديدي وإزاحة المكعبات الإسمنتية، كما رشق المحتجون بالحجارة والمفرقعات النارية قوات مكافحة الشغب التي ردّت باستخدام خراطيم المياه وقنابل الغاز المسيل للدموع،  وتمكّن عناصر مكافحة الشغب من تفريق المتظاهرين الذين كانوا قد تخطّوا تقريباً كلّ العوائق الموضوعة أمام مدخل مقر رئاسة الحكومة.

مواجهات بين المتظاهرين المعترضين على الحكومة اللبنانية الجديدة والقوى الأمنية أمام مقرّ رئاسة الحكومة

وعبّر عدد من المتظاهرين، خلال مشاركتهم في احتجاجات أمس، عن رفضهم لحكومة دياب، مؤكدين أنّها ليست الحكومة التي طالبوا بها، وأنّها "ليست حكومة إنقاذ من اختصاصيين بعيدة عن المحاصصة"، مضيفين: "بعد مئة يوم، وكأنّ الشعب لم يقل شيئاً، نرفع صوتنا ضدّهم، لكنّهم يقومون بما يناسبهم".

 وكتبت وزيرة العدل، ماري كلود نجم، في تغريدة: "مُدانٌ ومرفوض هذا العنف، وتدمير أرزاق الناس وسط بيروت، الحراك قام لغاية نبيلة وليس لتخريب المدينة على حساب أهلها وتجّارها".

يذكر أنّ المظاهرات الاحتجاجية في لبنان، بدأت في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وسط بيروت، عقب قرار اتخذته الحكومة بفرض ضريبة على تطبيق "واتس أب"، وسرعان ما انتقلت المظاهرات لتعم كافة المناطق اللبنانية.

ويواجه لبنان انهياراً اقتصادياً مع شحّ في السيولة وارتفاع مستمر في أسعار المواد الأساسية، وفرض المصارف إجراءات مشددة على العمليات النقدية وسحب الدولار، حتى تحولت فروع البنوك إلى مسرح يومي للإشكالات بين مودعين يطالبون بأموالهم وموظفين ينفذون القيود المفروضة.

 

 

للمشاركة:

الأردن: توجيه تهمة الإرهاب لثلاثة أشخاص.. ماذا فعلوا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

وجهت محكمة أمن الدولة الأردنية، اليوم، تهمة ارتكاب أعمال إرهابية ومحاولة الالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي والترويج لأفكاره، بحقّ ثلاثة أشخاص.

وذكر القضاء الأردني، وفق ما نقلت صحف محلية؛ أنّ اثنين من المتهمين الثلاثة نفذوا عملية طعن ثلاثة سياح أجانب وثلاثة أردنيين في مدينة جرش الأثرية، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

وكشفت التحقيقات؛ أنّ المتهمين نفذوا عمليتهم الإرهابية انتقاماً لمقتل زعيم تنظيم "داعش" الإرهابي، أبو بكر البغدادي، بتوجيه مع أحد الإرهابيين الذي قدّم لهم فتوى بجواز قتل السياح.

محكمة أمن الدولة توجه تهمة ارتكاب أعمال إرهابية ومحاولة الالتحاق بداعش والترويج لأفكاره بحقّ ثلاثة أشخاص

وتتلخص وقائع القضية، وفق لائحة الاتهام، في أنّ المتهم الأول من حملة الفكر التكفيري (داعش)، وهو صديق للمتهم الثاني، حيث باشر المتهم الأول بعرض فكره الإرهابي على المتهم الثاني واقتنع الأخير بهذا الفكر .

ثمّ خطط المتهمان للالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي، وتواصلا مع شخص يدعى "أبو زينة" من تنظيم داعش.

ثم اتفقا مع المتهم الثالث على الترويج لتنظيم داعش، بعد أن اجتمعوا داخل مزرعة يعمل بها المتهم الثالث، وأثناء محاولة المتهم الأول الالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي، عرض عليه المدعو "أبو زينة" من داعش أن ينفذ عملية إرهابية، وأعطاه فتوى بجواز الاعتداء على السياح الأجانب، لتكون العملية انتقاماً لمقتل زعيم التنظيم "أبو بكر البغدادي".

الإرهابيون حصلوا على فتوى بجواز الاعتداء على السياح الأجانب لتكون العملية انتقاماً لمقتل البغدادي

وفكروا في البداية بتنفيذ عملية ضدّ كنيسة في منطقة دبين، ثم اتفقوا أن يتولى المتهم الأول تنفيذ العملية بالاعتداء على السياح الأجانب في جرش.

وكان الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام في الأردن، عامر السرطاوي، قد أوضح أنّ المصابين هم ثلاثة سياح ومرشد سياحي ورجل أمن أصيب اثناء محاولة القبض على المهاجم.

 

للمشاركة:

الحوثيون يستغلون المنابر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

 لا تتوانى ميليشيات الحوثي الإرهابية عن استخدام أية وسيلة كانت لترفد قواتها بعناصر جدد يحاربون إلى جانبها، في ضوء الخسائر البشرية والمادية الفادحة التي تكبدتها خلال المعارك الأخيرة.

هذه المرة حاولت الميليشيات استغلال الدين بتحويل منابر الجمعة إلى وسيلة للتحريض والتجنيد؛ حيث عمد خطباء الميليشيات الحوثية في العاصمة، صنعاء، الأول من أمس، إلى الدعوة لتجنيد المزيد من المقاتلين، وإن كانوا أطفالاً، للزجّ بهم في جبهات القتال.

وأكّد مصلون في عدد من المساجد، في العاصمة صنعاء، نقلت عنهم صحيفة "الشرق الأوسط"؛ أنّ "خطب مساجد الحوثيين بمعظم مناطق العاصمة صنعاء، أمس، تمحورت حول التحريض على القتل والعنف والشحن الطائفي ودعوة اليمنيين للهبة والقتال بجبهة نهم والموت في سبيل مشروعها الظلامي الكهنوتي".

خطباء الميليشيات الحوثية في صنعاء يدعون لتجنيد المزيد من المقاتلين حتى إن كانوا أطفالاً

والاحظ المصلون أنّ جلّ خطب الميليشيات، أمس، على منابر المساجد كانت متشابهة بشكل كبير في استنجادها للمواطنين، وطلب الدعم والمساندة والإنقاذ منهم لمقاتليها، الذين تلقوا ضربات موجعة بمختلف الجبهات على أيدي قوات الجيش الوطني.

وبحسب المصلين؛ فإنّ خطباء الميليشيات دعوا مرتادي المساجد إلى "النفير والهبة الشعبية والدفع بأبنائهم إلى جبهات القتال والجهاد دفاعاً عن العرض والدين".

في سياق متصل، كشف مصدر بمكتب الأوقاف والإرشاد، بالعاصمة صنعاء، أنّ المسؤولين الحوثيين في وزارة الأوقاف ومكتبها في الأمانة الخاضِعَين لسيطرتها، استدعوا، الخميس الماضي، عدداً من الخطباء والمرشدين لإعطائهم أوامر وتعليمات لحثّ المواطنين والسكان في خطبهم ودعوتهم إلى رفد جبهات الحوثيين بالمقاتلين، خصوصاً جبهة نهم، الواقعة شرق العاصمة صنعاء".

وقال المصدر بمكتب الأوقاف، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، خشية انتقام الميليشيات؛ إنّ قيادة الجماعة طلبت من خطبائها الطائفيين أن يعملوا على تخويف جموع المصلين، وتحذيرهم من على المنابر، من خطورة اجتياح نهم ودخول صنعاء من قبل قوات الشرعية.

خطب مساجد الحوثيين بصنعاء تمحورت حول التحريض على القتل والعنف والشحن الطائفي

بدورهم، أكّد سكان محليون بصنعاء لـ "الشرق الأوسط"، تركيز غالبية خطباء الجماعة في خطبتَي الجمعة بصنعاء، على بثّ خطاب الكراهية وتحريض الناس ليتحركوا إلى الجبهات، وإلحاق أبنائهم بالجهاد والقتال ضدّ من وصفوهم بـ "المنافقين والتكفيريين"، و"المرتزقة والغزاة".

من جانبهم، تحدّث مواطنون، يقطنون بالقرب من مساجد بصنعاء، عن مغادرة مصلين كُثر لعدد من المساجد فوز تحريض خطباء الجماعة الناس على الانضمام لجبهاتها القتالية العبثية.

ورأى المواطنون، أنّ العزوف الجماعي للمصلين عن مساجد الميليشيات جاء عقب موجة من الغضب الشديدة التي اجتاحتهم فور سماعهم خطب الميليشيات المتكررة المحرضة على العنف والقتل ونشر المذهبية والطائفية، التي سعت وتسعى الميليشيات منذ انقلابها لزرعها في أفكار المواطنين بصنعاء وبقية مناطق سيطرتها.

يذكر أنّ الميليشيات الحوثية تحكم قبضتها وسيطرتها حالياً على غالبية المساجد في العاصمة، وذلك بعد اعتقالها للمئات من الدعاة والأئمة والخطباء والمرشدين والزجّ بهم في السجون، واستبدالهم بخطباء موالين لها طائفياً.

وفي الوقت الذي وجهت فيه الميليشيات من خلال خطبائها الطائفيين، دعوات مكثفة من على منابر المساجد لجموع المواطنين بصنعاء للدفع بهم للانضمام لصفوفها والقتال بجبهاتها، دقت الميليشيات الانقلابية، أواخر الأسبوع الماضي، ناقوس الخطر، وجابت سياراتها شوارع وأحياء صنعاء بهتافات مختلفة عبر مكبرات الصوت، تدعو اليمنيين للنفير العام والهبة الشعبية لإنقاذ ميليشياتها في جبهة نهم.

مستشفيات العاصمة استقبلت على مدى الأيام الخمسة الماضية المئات من القتلى والجرحى الحوثيين

وذكرت المصادر المحلية؛ أنّ ميليشيات الموت أفردت دوريات مسلحة مهمتها جمع الشباب والأطفال من المارة في شوارع وأحياء وحارات صنعاء ونقلهم قسراً، بعد خداعهم والتغرير بهم، للقتال إلى جانب عناصرها.

وفي سياق متصل؛ كشفت مصادر طبية في صنعاء لـ "الشرق الأوسط"؛ أنّ "مستشفيات العاصمة استقبلت، على مدى الأيام الخمسة ماضية، المئات من القتلى والجرحى التابعين للميليشيات، الذين سقطوا إثر المواجهات المستمرة على امتداد خطوط التماس في جبهة نهم، البوابة الشرقية للعاصمة صنعاء".

في المقابل، أكّد شهود عيان في أحياء متفرقة بصنعاء، أنّ الميليشيات الحوثية شيعت، خلال اليومين الماضيين فقط، أكثر من 60 عنصراً من قتلاها الذين لقوا حتفهم خلال المعارك الدائرة في جبهة نهم.

وتتكبد الجماعة الحوثية في جبهة نهم خسائر بشرية كبيرة، في ظلّ استمرارها في التحشيد والدفع بعناصرها، ومن تجنّدهم من الأطفال وطلبة المدارس، للقتال في محارق خاسرة ومحسومة سلفاً.

 

للمشاركة:



حالة مرضية في العراق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

خيرالله خيرالله

يُعاني عدد لا بأس به من السياسيين العراقيين من حالة مرضية. يعود ذلك الى الرغبة في استرضاء ايران في وقت يعرف هؤلاء ان نظام "الجمهورية الإسلامية" يعاني من ازمة عميقة، بل ازمة مصيرية، كشفتها عملية اغتيال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الايراني. ادّت هذه الحالة المرضية في العراق الى ردود فعل غير طبيعية ردّا على تصفية الولايات المتحدة لسليماني بعيد مغادرته مطار بغداد مع أبو مهدي المهندس نائب قائد "الحشد الشعبي" مطلع هذه السنة. كانت البداية طلب مجلس النوّاب العراقي، في غياب معظم النوّاب السنّة وكل النواب الاكراد، انسحاب القوات الاميركية من العراق.

كلام عراقي كثير قيل منذ تخلّص الاميركيين من سليماني، بما في ذلك ما صدر عن رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر الذي يريد التخلّص من القواعد الاميركية من دون الإشارة الى الوجود الايراني في العراق، وهو وجود اقلّ ما يمكن ان يوصف به انّه طاغ. لم يتردد مقتدى الصدر، الذي عاد الى تحت الجناح الايراني قبل اشهر قليلة وشوهد في مجلس "المرشد" علي خامنئي الى جانب قاسم سليماني، في التهديد والوعيد للاميركيين قبل ان يدعو الى تظاهرة "مليونية" في بغداد لا يبدو انّها ستقدّم او تأخر. قبل كل شيء، لم تكن التظاهرة "مليونية". فضلا عن ذلك، بدأ مقتدى الصدر نفسه يعدّل من لهجة خطابه
بدعوته الى مجرد "غلق القواعد الأميركية الموجودة على الأراضي العراقية" مؤكدا ان "الهدف والمطلب الأساسي هما جدولة خروج قوات الاحتلال فعليا وبشكل منظور على الأرض". قام مقتدى الصدر بنقلة نوعية تؤكّد انّه ليس سوى ضحيّة أخرى للحالة المرضية التي يعاني منها قسم كبير من الطبقة السياسية العراقية.

متى يعود أي سياسي عراقي، من السياسيين الحاليين، الى نفسه، يدرك في العمق انّ الدبابة الاميركية هي التي عادت به الى بغداد وان المشروع الايراني ليس سوى مشروع ذي افق مسدود في المدى الطويل. لكن ما العمل عندما يكون هذا السياسي او ذاك مضطرا الى ان يأخذ في الاعتبار انّ عليه مراعاة ايران الى ابعد حدود بعدما اكتشف ان لديها القدرة على منع أي شخص لا يعجبها من الوصول الى موقع رئيس الوزراء، كما حصل مع حيدر العبادي او مع اياد علّاوي، كما لديها ما يكفي من النفوذ لاقالة ضابط كبير مثل عبدالوهاب الساعدي لعب دورا مهمّا في الانتصار على "داعش" في الموصل وفي كلّ معركة.

من حسن الحظ انّه لا يزال في العراق عدد من السياسيين القادرين على التمتع بحدّ ادنى من الاستقلالية مع امتلاك لبعض من ذاكرة ايضا. لا شكّ ان الاكراد يمثلون نوعا من الاستثناء العراقي هذه الايّام على الرغم من ان اميركا خذلتهم بعد الاستفتاء على الاستقلال في الخامس والعشرين من أيلول – سبتمبر 2017. لم تقدم واشنطن على أي خطوة من اجل مساعدة مسعود بارزاني في ترجمة نتائج الاستفتاء، التي جاءت لمصلحة الاستقلال، على ارض الواقع. امتلك مسعود بارزاني ما يكفي من الحكمة وقدّم استقالته معترفا بفشله في تحقيق الحلم الكردي القديم. تعاطى مع الواقع ورضخ له. استوعب ان الدعوة الى استفتاء في ظروف معيّنة لم يكن خطوة في الاتجاه الصحيح على الرغم من ان نسبة مؤيدي الاستقلال في إقليم كردستان بلغت 92 في المئة.

ما يؤكد ان اكراد العراق متصالحون الى حدّ كبير مع الواقع ومع الحقائق العراقية تصرّف برهم صالح رئيس الجمهورية في مؤتمر دافوس. التقى برهم صالح الرئيس دونالد ترامب وتعاطى معه بصفة كونه رئيس الدولة الأكبر في العالم. لهذه الدولة فضل على كلّ سياسي حالي في العراق. لم يتجاهل الاكراد انّه لولا الجيش الاميركي لكان العراق لا يزال تحت حكم صدّام حسين وذلك بغض النظر عن ايّ مقارنة بين عراق ما قبل 2003 وعراق الآن. وهي مقارنة لمصلحة صدّام. اجتمع رئيس الجمهورية العراقية الكردي مع الرئيس الاميركي مع علمه المسبق انّ ايران ستعترض على ذلك وستستخدم ازلامها لشنّ حملة تهويل عليه. رأى برهم صالح اين مصلحة العراق وذلك على الرغم انّه لا يعتبر من السياسيين المعادين لإيران.

ما يؤكّد أيضا وايضا ان الاكراد يتعاطون مع الواقع العراقي كان موقف الرئيس الحالي لإقليم كردستان نيجرفان بارزاني في دافوس. ففي جلسة حوارية في اطار المنتدى الاقتصادي العالمي قال نيجرفان: "عندما يتعلق الامر بما يحصل في العراق فإننا نتحدث عن جيل تراوح أعمار المنتمين اليه بين 15 و23 عاما، أي أن هؤلاء لم يعايشوا فترة صدام حسين أو أميركا بل يسعون الى حياة أفضل مقارنة ببقية الشعوب". وأضاف: "المتظاهرون غير راضين عن أداء الطبقة السياسية وقد أوصلوا رسالتهم عبر الاحتجاجات. نستغرب ان هناك من يلقي كل اللوم على الخارج، فإذا افترضنا أن 70 في المئة متأثرون بأطراف خارجية، فإن هنالك 30 في المئة يتظاهرون بدوافع تلقائية، لذا لا بد أن نشعر بالمسؤولية ونراجع أنفسنا". وشدد على أن "الأكراد جزء من العراق ولا نستطيع النأي بأنفسنا عما يحصل لذلك نعمل على تهدئة الأوضاع ولدينا تواصل مع بغداد من اجل تحقيق هذا الغرض". وعن وجود القوات الأميركية في العراق، قال نيجرفان بارزاني، إن "القوات الأميركية موجودة بناء على طلب الحكومة للمساعدة في التصدي لداعش ومهماتها واضحة ومحددة. نرى أن قرار البرلمان العراقي غير صائب وصدر بغياب الأكراد والسنة، فالعراق لا يزال بحاجة الى الدعم الأميركي لأن خطر داعش لا يزال قائما". خلص الى التأكيد مجدّدا أن "المشكلة تكمن في عدم وجود شيء اسمه الولاء للعراق، في حين يجب أن يكون العراق جامعا لكل المكونات".

يوجد منطقان عراقيان لا يمكن ان يكون هناك قاسم مشترك بينهما، اقلّه في الوقت الحاضر، وذلك في انتظار ما ستؤول اليه الامور في ايران. هناك منطق لا علاقة له بالمنطق مثل منطق مقتدى الصدر وآخر متصالح مع الواقع اسمه المنطق الكردي. ارتكب الاكراد في الماضي أخطاء كثيرة. الظاهر انّهم استفادوا من هذه الأخطاء. استفادوا من ان الشعارات لا تطعم خبزا. انّهم على العكس من معظم قادة الأحزاب الشيعية من نوع مقتدى الصدر يعرفون ان مصلحة كلّ عراقي في المحافظة على العراق وان الخطر الأكبر هو ذلك الذي تمثّله ايران وليس الولايات المتحدة التي راهنت رهانا خاطئا على ان في الإمكان إقامة نظام ديمقراطي في العراق... وهي تدفع حاليا ثمن هذا الرهان!

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

إيران: طريق العودة للواقعية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

حسن فحص

لا يمكن ان يكون الحديث الذي ادلى به وزير الخارجية الايرانية محمد جواد  ظريف مع وسيلة اعلام المانية نقلته محطة "أي بي سي نيوز" حول استعداد بلاده للحوار مع الولايات المتحدة الامريكية على الرغم من عملية الاغتيال التي قامت بها لقائد قوة القدس في حرس الثورة الجنرال قاسم سليماني، موقفاً نابعاً من رغبة ظريف في هذا الحوار، لكنه يعبر عن وجود توجه لدى النظام للعودة الى الحوار، الا انه يريد حواراً متكافئاً تقوم قبله واشنطن بالغاء العقوبات الاقتصادية التي فرضتها على ايران والعودة عن قرار الانسحاب من الاتفاق النووي. وهي شروط لا يبدو حتى الان أنها تحظى بموافقة واشنطن التي تصر على حوار من دون شروط، ومن دون التطرق الى ورقة العقوبات الاقتصادية التي تعتقد بانها الاداة الاكثر فعالية في خنق النظام الايراني واجباره على الجلوس الى طاولة والتفاوض على شروط جديدة في الملفين النووي والصاروخي والنفوذ الاقليمي غرب آسيا.

الحديث الذي امتنعت وسائل الاعلام الايرانية بمختلف انواعها عن نقله او التعامل معه، يأتي مؤشراً على رغبة لدى النظام الايراني بتجاوز مرحلة التصعيد التي شهدتها المنطقة بين طهران وواشنطن بعد عملية الاغتيال الامريكية والرد الايراني على قاعدتي الحرير في اربيل وعين الاسد في الانبار. وان طهران تريد الاكتفاء بالحد الذي وصفته " بالصفعة" التي وجهتها للقوات الامريكية، والانتقال الى توظيف خسارتها باغتيال سليماني في البعد السياسي ان كان في محاولة جر واشنطن لتقديم تنازلات والعودة الى طاولة المفاوضات او من خلال ترك الامر للانشطة التي من المفترض ان تتولاها القوى الحليفة لها "الوكلاء" في المنطقة في اطار ما رسمه المرشد الاعلى وقيادة حرس الثورة بدعوة الشعوب لانهاء الوجود الامريكي في منطقة غرب آسيا.

ولم تتوقف اشارات التهدئة التي تصدر عن رئيس الدبلوماسية الايرانية تجاه دول المنطقة، خصوصا باتجاه الدول الخليجية وتحديدا العربية السعودية، والحديث عن مفاوضات مباشرة قريبا بين الطرفين، والتي من المفترض انها لن تقتصر على الازمة اليمينية وتفعيل الحل السياسي في هذا البلد، بل ستشمل ازمات المنطقة كافة، ان كان في العراق او سوريا او لبنان، خصوصا وان النظام الايراني لا يرغب في الذهاب بعيدا في المواجهة العسكرية مع واشنطن، وان ما تركه من مهمات على عاتق حلفائه "الوكلاء" في مناطق النزاع والتماس المباشر مع القوات الامريكية يمكن التحكم به ومساراته اما تصعيدا لممارسة الضغط لتسهيل وتسريع التفاوض، واما نحو التهدئة وكبح جماح هذه القوى وعدم الانتقال الى مواجهة وحرب عصابات مفتوحة قد يكون من الصعب التحكم بمآلاتها.

العودة الايرانية للحديث عن التفاوض ومع واشنطن بالتحديد، من غير المستبعد ان يكون مجرد خطأ او مناورة من ظريف بعيدا عن التفاهم مع قيادة النظام بجناحيها السياسي والعسكري، وهي لا تتناقض مع التصعيد الذي جاء في كلام ظريف امام البرلمان الايراني تجاه الترويكا الاوروبية ولغة التشدد التي سيطرت على مواقفه، بل تصب في اطار تعزيز الرغبة الايرانية بالتوصل الى تفاهمات مع واشنطن بعد ادراك العجز الاوروبي عن اتخاذ خطوات تخفف من حدة الضغوط الامريكية.

والانتقال الى لغة التفاوض في ظل استمرار سيل التصريحات والتهديدات الصادرة عن القيادات السياسية والعسكرية (حرس الثورة) ضد القوات الامريكية في منطقة غرب آسيا، قد لا تعني ان طهران في صدد الاستمرار بالتصعيد المفتوح كما توحي هذه المواقف، بل قد تعني الاستعداد للانتقال الى التهدئة وتوظيف التطورات لفتح مسار يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقة بين الطرفين، انطلاقا من ان التأخير في تثمير هذه التطورات قد يرتد سلبا ويعقد الامور ويأخذها الى مستويات تكون فيها السلبية أعلى من الايجابية.

فبالاضافة الى الرد الذي قامت به طهران ضد  قاعدة عين الاسد الامريكية واختيار الطرفين السكوت عن الخسائر البشرية، يشكل مؤشرا واضحا عن نية الطرفين في عدم تجاوز حافة الهاوية، والاحتفاظ بخطوط العودة الى التهدئة والتفاوض، ولعل ما شهدته الساحة العراقية من خطوات قامت بها القوى والاحزاب وفصائل الحشد الشعبي من الامساك بخيوط العملية السياسية في الحكومة والبرلمان والدفع باتجاه اصدار قرار يطالب القوات الامريكية الخروج من هذا البلد، الى جانب ما حققته على خط توحيد صفوف الاحزاب الموالية لها وتنظيم التظاهرة "المليونية" التي شكلت نقلة نوعية في العلاقة بين طهران السيد مقتدى  الصدر زعيم التيار الصدري، ما يعني انها ستكون بحاجة الى فتح المجال امام مساعي التهدئة على الساحة العراقية من اجل تثمير هذه الخطوات في العملية السياسية واختيار رئيس جديد للوزراء، لا يشكل قطيعة تامة مع واشنطن بل يساهم في التهدئة بحيث لا يخرج كلا الطرفين خاسرا في العراق.

والى جانب الموضوع العراقي، فان طهران ايضا تريد توظيف ما حققه حليفها حزب الله على الساحة اللبنانية ونجاحه بتشكيل حكومة جديدة يبدو انه سيبذل كل طاقته وجهوده من اجل  توفير الاجواء لنجاحها من خلال تسهيل عملها واتصالاتها الدولية والعربية، وقد بدأ مسار التهدئة هذا منذ استقالة الرئيس سعد الحريري من رئاسة الوزراء اذ لم تشهد خطابات الامين العام لحزب الله ان كان حول الازمة اللبنانية او في ما يتعلق باغتيال سليماني واحداث العراق مواقف تصعيدية ضد الدول الخليجية وتحديدا السعودية.

تشابك الملفات التي تواجهها ايران في المنطقة وما فيها من تعقيدات، قد تسمح للحكومة الايرانية برئاسة حسن روحاني بتوظيف الوضع المتشعب والتحديات التي يفرضها على المؤسسة العسكرية ان يقوم بخطوة الى الامام تخدم رؤيته في الامساك بزمام المبادرة على قاعدة تقاسم الادوار بينه وما يعنيه من انفتاح على المجتمع الدولي وتفكيك ازمة العقوبات مع واشنطن، وبين النظام المشغول في احكام قبضته على الساحة الداخلية وليس آخرها الانتخابات البرلمانية المرتقبة.

عن "المدن"

للمشاركة:

هل سلّمت الولايات المتحدة العراقَ إلى إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-26

ترجمة: مدني قصري


هل خسرت الولايات المتحدة خمسة آلاف جندي وأهدرت تريليون دولار منذ عام 2003 في العراق، لتسليم هذا البلد في النهاية إلى إيران؟ السؤال ملحّ ومطروح بحدة في الوقت الحالي؛ لأنّ الغارة الأمريكية في 3 كانون الثاني (يناير) الجاري التي قتل فيها الجنرال قاسم سليماني في بغداد، قد حرمت الشبكات القوية الموالية لإيران في العراق من هذا الرجل، ولكن دون تعطيل أو تفكيك نظامها. كما أنّ إدارة ترامب أتاحت لإيران ومؤيديها، محل النزاع والرفض منذ أسابيع من قبل السكان المحليين، إمكانية تعبئة القومية العراقية التي تستنكر بشدة الهيمنة الإيرانية ضد "الشيطان الأكبر" الأمريكي، وضده وحده. ومع ذلك، لم يكن من الممكن حدوث مثل هذه الكارثة دون ستة عشر عاماً من سياسة الولايات المتحدة الهرطقية الخاطئة في العراق، والتي لا تزال إيران تستمد منها أكبر فائدة.

اقرأ أيضاً: سعي أمريكي لإعادة التموضع ورسم قواعد الاشتباك في العراق وسوريا.. كيف؟
خلص بوش إيران من عدوّين لدودين من خلال القضاء على نظام طالبان ثم الإطاحة بصدام حسين

فتح بوش العراق أمام إيران
في "حربه العالمية على الإرهاب"، لم يفهم جورج دبليو بوش أنّه من خلال القضاء على نظام طالبان في أفغانستان في عام 2001، ثم الإطاحة بصدام حسين بعد ذلك بعامين، أنّه خلص جمهورية إيران الإسلامية من عدوّين لدُودين يرابطان على حدودها. يقوم الحرس الثوري، الذي تم تشكيله لمقاومة العدوان العراقي على إيران عام 1980، بتطوير شبكاته في مجال الأطلال التي خلفها الغزو والاحتلال الأمريكي في العراق. فالحرس الثوري يستثمر منهجياً الفراغ الذي فتحته واشنطن عام 2003، بحل الجيش العراقي، وطرد أعضاء حزب البعث والعنف ضد المسلحين السنّة. علاوة على ذلك، فإنّ الأحزاب الموالية لإيران هي المستفيد الأكبر من المؤسسة في عام 2005، تحت رعاية الولايات المتحدة، لنظام ذي نمط طائفي، حيث تتمتع أقوى الميليشيات ذات الجذور الطائفية بكل الامتيازات. فضد هذا النظام الظالم والفاسد، الذي تفرضه واشنطن لصالح إيران، انفجر الاحتجاج العراقي منذ تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي.

حماية الميليشيات الموالية لإيران من قبل أوباما
من خلال عزمه على تسوية الإرث الكارثي لسلفه في العراق، ساهم باراك أوباما من حيث لا يدري، في تفاقم دواليب سياسة بلاده الموالية لإيران. وعلى هذا النحو عزّز موقف رئيس الوزراء نوري المالكي، وهو متعصب شيعي، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيران (حيث عاش لفترة طويلة في المنفى)، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية في عام 2011. حراس الثورة، بعد نسج شبكتهم في عراق ما بعد صدام، يحتلون الآن المجال السياسي العسكري الذي انسحبت منه الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، يرسخ المالكي ويعمق التمييز ضد المجتمع السنّي، وهو ما سمح لتنظيم القاعدة، على الرغم من هزيمته عسكرياً، بأن يتجدّد في شكل "داعش"، الملقب خطأً باسم "الدولة الإسلامية". أدى تشتت الجيش العراقي وفراره أمام "داعش" في الموصل، عام 2014، كرد فعل، إلى ظهور الميليشيات الشيعية المعروفة باسم "الحشد الشعبي". يشرف الحرس الثوري على أكثر مكوناته فعالية، ويربطه عضوياً بإيران. في كفاحهم ضد الجهاديين، يتمتعون بغطاء جوي من الولايات المتحدة، مما يسمح لهم بتوسيع أراضيهم ونفوذهم، تحت سلطة الجنرال سليماني. وتتيح المعركة ضد "داعش" أخيراً أمام طهران إمكانية التنسيق بين عمل مؤيديها على المسرحين العراقي والسوري؛ حيث لعبت الميليشيات الموالية لإيران القادمة من العراق، دوراً متزايد الأهمية، لا سيما في معركة حلب.

تنكّر ترامب للشعب العراقي
لذلك ورث دونالد ترامب سياسة عراقية "خارج الأرض"؛ حيث تتدخل الولايات المتحدة عن طريق الجو، لتتحكم في عدد من المحاور التي تقلع منها طائراتها، في حين أنّ إيران قد قامت بترسيخ قنوات متعددة، وأدوات ضغط كثيرة في بغداد وبقية البلاد. بدأ التحذير الأول في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017: استفتاء استقلال الأكراد العراقيين، الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة، أدى إلى هجوم من قبل الميليشيات الموالية لإيران التي استولت على كركوك ومواردها النفطية الهائلة. أُجبِر الأكرادُ العراقيون أخيراً على التخلّي عن حلمهم الانفصالي، من أجل التفاوض، بشروط حددتها طهران إلى حد كبير، على رفع العقوبات المفروضة عليهم من قبل السلطة المركزية. كان من الممكن أن تكون الانتفاضة الديمقراطية التي أثارت العراق منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 فرصة حقيقية للولايات المتحدة لإعادة الاتصال أخيراً بالواقع الشعبي في ذلك البلد. إنّ ضراوة إدانة قبضة إيران الخانقة هي بالفعل السمة الغالبة لهذه الموجة من الاحتجاجات، بما في ذلك في جنوب البلاد الذي تقطنه أغلبية شيعية (هكذا أصبحت القنصليات الإيرانية في مدينتي كربلاء والنجف المقدستين الشيعيتين، هدفاً لهذا الغضب الوطني).

عزّز أوباما موقف رئيس الوزراء نوري المالكي وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيرا، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية عام 2011

لكن سرعان ما ظهر ترامب عاجزاً عن اعتبار العراق مجالاً آخر غير مجال المناورة ضد إيران. قرارُه، ردّاً على مقتل أمريكي متعاقد من الباطن في كركوك، بتفجير منشآت الميليشيات الموالية لإيران في العراق، قد سارع بالهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد، فانتقمت واشنطن من خلال تصفية سليماني، الذي كان بالأمس محمياً من القوات الجوية الأمريكية. يُنظر إلى هذه الغارة غير المسبوقة من قبل النظام الإيراني وملاحِقه العربية كإعلان حرب حقيقي، مع الإغراء بالرد على واشنطن خارج العراق. إنّ مثل هذا التصعيد ما كان يمكن أن يحدث في أسوأ ظروف الاحتجاج الشعبي في العراق ومحاولته تخفيف الخناق الإيراني المفروض على البلاد. أما بالنسبة لرئيس الوزراء العراقي، فقد شارك في بغداد يوم 4 كانون الثاني (يناير) في تكريم سليماني، على خلفية من شعارات الميليشيات الموالية لإيران، وعلى خلفية الشعارات المعادية لأمريكا. في اليوم التالي، صوت البرلمان العراقي بالإجماع من بين 170 نائباً حاضرين (من أصل 328)، مؤيداً للانسحاب الفوري لخمسة آلاف جندي أمريكي ما زالوا موجودين في العراق، في إطار القتال ضد "داعش".
الولايات المتحدة لن تلوم إلا نفسها في النهاية، في ظل ثلاث إدارات متعاقبة؛ لأنها قذفت بالشرق الأوسط إلى حافة الهاوية. لكن النساء والرجال في العراق، وربما بقية المنطقة، هم الذين يدفعون الثمن وسيدفعون المزيد من الثمن.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
lemonde.fr

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية