نشأة الفكر الإخواني العثمانلي في ليبيا .. تاريخ من الخيانة ونقض العهود

نشأة الفكر الإخواني العثمانلي في ليبيا .. تاريخ من الخيانة ونقض العهود


04/06/2019

التدخلات التركية السافرة في الشأن الداخلي الليبي، منذ تفجر الاضطرابات في البلاد في 2011، انتهت بسقوط الدولة الليبية، ولم تكتفِ أنقرة بذلك ولكنها واصلت دعمها للعناصر الإرهابية في البلاد وتزويدها بجسر بحري من العتاد العسكري وكميات هائلة من الأسلحة المختلفة، ومن ذلك دعم ائتلاف "فجر ليبيا" الذي وحدت فيه مختلف الميليشيات الإرهابية للانقلاب على البرلمان الليبي المنتخب بعد فشل عملائها "إخوان ليبيا" في الحصول على أغلبيته، للانقلاب على السلطة التشريعية والاستحواذ على السلطة بالقوة.

تنظيم "الإخوان المسلمين" في ليبيا لا يتمتع بأية قاعدة شعبية، فقد فشل مع أول انتخابات تعددية تشهدها البلاد عقب الثورة الليبية، فقد أخفقوا في حيازة حصة كبيرة من مقاعد المؤتمر الوطني العام (يوليو 2012 - أغسطس 2014)  الذي تسلم إدارة البلاد من المجلس الانتقالي (فبراير  2011 - أغسطس 2012) إذ لم يحصلوا سوى على 17 مقعدا فقط من جملة 200 مقعد، كما فشلوا في الحصول على حصة كبيرة من مقاعد أول برلمان ليبي بعد الثورة والذي تولى زمام السلطة التشريعية في أغسطس 2014، فقد حصدوا 23 مقعدًا فقط.

ورغم تهافت الوجود الإخواني في ليبيا مقارنة بالجارتين تونس ومصر، فإن ليبيا تعد من أوائل الدول العربية التي انتقلت إليها عدوى الوباء الإخواني في المنطقة، نظرًا لأنها تتاخم الحدود الغربية من مصر، مهد التنظيم، على يد المدرس المصري، حسن البنا (1906 - 1949م) الذي أراد إحياء الخلافة العثمانلية بعد سقوطها في أكتوبر 1923م، بيد أن عوامل كثيرة ساهمت في فشل الإخوان في ترسيخ أقدامهم في المجتمع الليبي، منها طبيعة المجتمع الليبي القبلي، الذي لا يقيم وزنًا للتكتلات الإيديولوجية مقارنة بـ العصبيات القبلية، فضلًا عن حظر الأحزاب والحركات السياسية في الدولة الليبية، وطبيعة المجتمع الليبي المحافظ دينيًا، الذي لا يقبل المزايدة على تدينه، ويجد في الفكر الإخواني إيديولوجيا غريبة عليه، وغيرها من العوامل.

النشوء والارتقاء
يعود تاريخ تسرب الفكر الإخواني العثمانلي إلى ليبيا إلى أربعينيات القرن الماضي، عندما بدأت أول عناصر الجماعة تتسلل إلى المملكة الليبية هربًا من العدالة في مصر، بعد اغتيال رئيس الوزراء المصري، محمود فهمي النقراشي (ولد 1888) سنة 1948م، ويذكر الباحث والمحلل السياسي، محمود خليفة جودة، في كتابه "الميليشيات والحركات المسلحة في ليبيا" أن بداية تاريخ وجود الجماعة في ليبيا يبدأ مع هروب ثلاثة مصريين متهمين باغتيال النقراشي وهم: عز الدين إبراهيم، ومحمود الشربيني، وجلال سعدة، الذين استجاروا وقتها بالملك محمد إدريس السنوسي (1889 - 1983م) الذي رفض تسليمهم إلى مصر.

أقام الثلاثة في "برقة" ( المنطقة الشرقية من ليبيا) وامتهنوا عدة مهن في مدينة بنغازي بين التعليم والتدريس والتجارة، وشرعوا في نشر الفكر الإخواني في المجتمع الليبي، وقدموا الحركة بوصفها حركة دعوية تعيد المسلمين إلى دينهم، وقد نجح هذا الثالوث الإخواني في استقطاب أعداد من المدرسين لفكر الجماعة ونشر أفكارها، وبحلول عقد الستينيات كانت أول خلية إخوانية قد تشكلت بفضلهم في حي زاوية الدهماني في طرابلس، وكانت شقة القيادي الإخواني، محمد رمضان هويسة، مقر أول شعبة للتنظيم في ليبيا، الذي كان يقوده حينذاك الشيخ فتح الله محمد حواص (1930 - 2013) ثم بدأ مقر التنظيم في القاهرة يتبادل الاتصالات مع فرعه في طرابلس.

أساليب الانتشار
يذكر أستاذ العلوم السياسية، سعدون نورس المجالي، في كتابه "الإخوان المسلمون والنظام السياسي في الأردن" أن انتشار الفكر الإخواني العثمانلي في ليبيا اتخذ ثلاثة أشكال، أولها كان من خلال الطلبة الليبيين الذين كانوا يتلقون تعليمهم في مصر، وثانيها من خلال المدرسين والأساتذة المصريين من أعضاء الجماعة، والذين كانوا يقومون بالتدريس في ليبيا ويدسون السم في العسل، للطلاب الليبيين. وثالثها من خلال جهود القيادي الإخواني عز الدين إبراهيم (1928 - 2010) الذي يعد مؤسس التنظيم في ليبيا، فقد كان له جهود حثيثة في نشر أفكار الجماعة في مدينة بنغازي تحديدًا.

وهكذا يمكن القول إن بداية تغلغل الفكر الإخواني في المجتمع الليبي كانت من بوابة التعليم، التي يحرص عناصر الجماعة على استغلاله لنشر أفكارهم، نظرا لضعف الملكة النقدية لدى النشء، مما يسهل من عملية نشر هذه الأفكار على نطاق واسع بدون مقاومة تذكر. ولقد استمرت جهود أعضاء الجماعة في نشر أفكارها عبر التعليم حتى اكتسبت مكانة مرموقة في المجتمع الليبي، وشرع التنظيم يقدم نفسه في هيئة اجتماعية وثقافية ودعوية دون أن يكشف عن وجهه السياسي بعد، بل حرص عناصر التنظيم حينذاك على الاكتفاء بتسويق أفكارهم في صورة توعوية لا سيما بين صفوف الشبان، من خلال الأنشطة الاجتماعية والثقافية والدعوية.

النشاط السياسي
دأبت عناصر جماعة الإخوان في نشر أفكارها في أوساط الليبيين من خلال القنوات التثقيفية والاجتماعية، حتى عام 1967م، ففي هذا العام تشكلت أول لجنة قيادية تمثل الجماعة في ليبيا، وكان من بين أعضائها القيادي الإخواني الليبي عمرو خليفة النامي (1939 - 1985م) الذي ابتعث للدراسات العليا في مصر، والإخواني المصري عبد الكريم الجهاني، المتهم بقتل النقراشي، وبقت هذه اللجنة القيادية الإخوانية منذ تشكلها تقوم بتوجيه وإرشاد عناصر الجماعة في ليبيا، وتعمل على توسيع نفوذها، ونشر أفكار التنظيم في المجتمع الليبي.

كان على رأس أولويات التنظيم في ليبيا، هو تدريب وإعداد الشبان الليبيين المنضمين للحركة، من أجل مواجهة السلطة عندما تتأزم علاقة الجماعة بنظام الحكم الذي تسامح مع أعضائها، واستضافهم في ليبيا، فما كان منهم إلا أنهم جازوه جزاء سنمار كما يقول المثل العربي، ففي مقابل التسامح السياسي الذي أبداه الملك إدريس ومن بعده العقيد معمر القذافي، كانت أنشطة الإخوان في ليبيا لا تبرأ من دناءة المكائد السياسية، وإعداد كوادرها من الليبيين للانقضاض على السلطة الحاكمة، بهدف الاستيلاء على الحكم.

الاصطدام بالسلطة
بعد التدريبات التي تلقاها أعضاء التنظيم بصورة أثارت الشبهات، بدأت السلطات الليبية تنتبه لخطورة هذا الكيان السرطاني الذي بدأ يتغلغل في المجتمع، في عهد الملك محمد إدريس السنوسي (1889 - 1983م) الذي وفر لهم الحماية مما كلفه قطع العلاقات مع مصر، وإغلاق الحدود بين الدولتين. وفي أكتوبر 1954، شهدت ليبيا أول اغتيال سياسي عندما قَتل الأمير محيي الدين السنوسي، ناظر الخاصية الملكية إبراهيم الشلحي، ورأى الملك إدريس السنوسي ثمة علاقة بين القاتل وقيادات الإخوان في بلاده، الذين تغلغلوا في الأسرة الحاكمة، مما دفعه لحل الجماعة في 1964م، وملاحقة عناصرها، لا سيما أن الملك سبق وألغى الأنشطة الحزبية سنة 1952م.

وبعد استيلاء العقيد معمر القذافي (1942 - 2011) على الحكم بعد انقلاب على الملك إدريس في سبتمبر 1969م، حاول في البداية استمالة قيادات التنظيم في ليبيا وإدماجهم في نظامه الجديد، لكن مواصلة الجماعة في نشاطها السياسي، رغم صدور قانون تجريم العمل الحزبي في ليبيا سنة 1972، أدى إلى اصطدامها بالعقيد القذافي، لا سيما بعد الكشف عن مؤامرة كانت تحيكها لقلب نظام الحكم سنة 1973.

وفي عام 1973م شرع العقيد القذافي يلاحق عناصر الجماعة في ليبيا، بعدما استشعر خطرها، وحظر جميع أنشطتها، ووصفها بأنها عميلة للولايات المتحدة، التي كان يكن لها العداء، وعرض التلفزيون الليبي مجموعة منهم، اعترفت أنهم أعادوا تشكيل قيادة الجماعة في ليبيا، ومن ثم أعلنوا كرها عن حل هذه القيادة، وتبرؤوا من الفكر الإخواني، وتعهدوا بعدم إعادة تشكيل أي قيادة جديدة للتنظيم في ليبيا، وهو التعهد الذي سيحنثون به بعد أقل من عقِد من الزمان.

تجدد الصدام
رغم الاصطدام المروع مع القيادة الليبية، سنة 1973م، حاول التنظيم إعادة بعث الحياة في فرعه في ليبيا مرة أخرى، وقرر مكتب الإرشاد في القاهرة استئناف أنشطة التنظيم في ليبيا ولكن هذه المرة بصورة سرية، وفي 1980 عاد بعض الطلاب الليبيين المبتعثين في الخارج من أعضاء الجماعة إلى البلاد، وبدأوا في استئناف نشاط الجماعة في ليبيا، ولم يكد يمر عامان حتى ظهرت مجموعة أخرى تنتمي لتيار "سيد قطب" فيما عرف بالإخوان "القطبيين" وهي المجموعة المسلحة التي تبلورت نواتها سنة 1982، من بعض شبان الجماعة المتحمسين للحرب ضد القوات السوفيتية في أفغانستان.

ومع محاولة بعض عناصر الجماعة الأشد تطرفا العودة إلى ليبيا سنة 1982م، بعدما قام مكتب الإرشاد بإعادة تشكيل التنظيم في ليبيا من خلال العناصر القادمة من الخارج، لا سيما الولايات المتحدة، بيد أن السلطات الأمنية الليبية كانت لهم بالمرصاد، واستطاعت اختراق التنظيم، وقامت باعتقال أفراده، وتمت محاكمتهم وتصفية بعضهم.

محاكمة القيادات
بعد إجهاض المحاولة الإخوانية الثانية لإعادة تشكيل التنظيم سرا في ليبيا، هدأت الأمور نسبيًا على مدى عقدين من الزمان إلا قليلا، إذ عاد القلق يساور السلطات الليبية من عناصر الجماعة في ليبيا، فقامت بتوجيه ضربة جديدة لها، ففي يونيو 1998 اعتقلت السلطات الليبية أكثر 152 عنصرا من قيادات وأعضاء الجماعة من أساتذة الجامعات وبعض الطلاب والمهنيين، وقدمتهم لمحكمة الشعب الليبية فيما عرف بقضية (إخوان ليبيا).

وفي فبراير 2002 أصدرت محكمة الشعب الخاصة التي تم تشكيلها لمحاكمتهم، حكمًا بالإعدام على بعضهم وفي صدارتهم عبد القادر عز الدين، المراقب العام للإخوان في ليبيا، ونائبه سالم أبو حنك، كما قضت بالسجن المؤبد على 73 متهمًا آخرين. وقد أدت هذه الضربة القاصمة إلى أن يعيد مكتب الإرشاد التفكير في سياسته تجاه القيادة الليبية، إذ تبين له فشل أسلوب المواجهة بعد هذه العواقب الوخيمة التي تكبدها، فلجأ إلى التوقف عن سياسة التظاهر بعداء السلطات الليبية، وشرع في التقرب للسلطة من خلال سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد معمر القذافي، من خلال تشكيل تحالف ما لبثوا أن انقلبوا عليه فيما بعد.

مؤامرة إردوغان
سعى مكتب إرشاد جماعة الإخوان، لإعادة هيكلة التنظيم في ليبيا من خلال الدفع بقيادات سرية، في الفترة من عام 1998م، حتى نهاية 2005، كان منها القيادي الإخواني سليمان عبد القادر، وبحلول سنة 2006، ومع استتباب السلطة للعثمانليين الجدد في أنقرة حلفاء التنظيم الدولي، وتولي رجب إردوغان حقيبة رئاسة الوزراء، انتهج الإخوان استراتيجية مختلفة من العداء لنظام القذافي، إلى التعاون مع نجله سيف الإسلام.

جاءت تعليمات من أنقرة باتباع أسلوب التقية، ونصح إخوان ليبيا بالتنسيق مع سيف الإسلام القذافي في مشروع " ليبيا الغد"، الذي كان يطرح فكرة دولة علمانية في ليبيا، كأسلوب للمناورة على غرار أسلوب إردوغان في خداع التيار العلماني في تركيا، حتى استولى على جميع مقاليد الحكم، وشرع يدمر مبادئ علمانية الدولة التركية التي أرساها أتاتورك.

الانقلاب الإخواني
نجحت الخطة وحصل أعضاء الجماعة على مكاسب كبيرة من نظام القذافي، بفضل نجله، الذي أقنعوه بالدخول في حوار مع عناصرهم الإرهابية ورجال القاعدة الليبيين، والإفراج عن الإرهابيين عبد الحكيم بلحاج، أمير الجماعة الإسلامية المقاتلة المنحلة، وأبو سفيان بن قمو، سنة 2010، وهما  الآن من أكبر زعماء الإرهاب في ليبيا.

وظل إخوان ليبيا يتبعون أسلوب المهادنة، متربصين الدوائر بالدولة الليبية، حتى انقضوا على نظام العقيد القذافي، وخانوا ابنه سيف الإسلام مع نشوب الثورة الليبية في 17 فبراير 2011، التي كتبت فصلًا جديدًا في تاريخ الجماعة في ليبيا، فبعد مشاركة ميليشيات الجماعة في الحرب ضد الجيش الليبي وقتل العقيد القذافي في أكتوبر 2011، وسقوط الدولة الليبية، خرج الحلف السري بين أعضاء الجماعة وحزب "العدالة والتنمية" الحاكم في أنقرة للعلن، الذي سخر كل إمكانياته لدعم التنظيم حتى أسس ذراعا سياسية له في البلاد في فبراير 2012، تحت مسمى حزب "العدالة والبناء" الذي اختير محمد صوان، رئيسًا له.

عن "عثمانلي"



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية