رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية
7700
عدد القراءات

2019-06-10

مفكر ومترجم ومحقق لبناني، رجل موسوعي، لا ينافسه في ذلك سوى قلة قليلة من الأسماء في المنطقة، إنّه رضوان السيد الذي جمع في النهل العلمي بين العلوم الدينية (درس في مؤسسة الأزهر الشريف) والعلوم الإنسانية (درس في ألمانيا)، وهذه ميزة قلّما يتمتع بها من يتخصصون في مجاله، باطلاعه ومتابعته للفلسفات والمناهج الحديثة والمعاصرة من جهة، وتواصله المتجدد مع أساتذة وزملاء من مختلف المشارب والمرجعيات، من جهة أخرى.

اقرأ أيضاً: صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية

في سياق تكريس ثقافة الاعتراف، اجتمعت ثلّة من الأسماء الفكرية والبحثية في المنطقة، ومن الخارج أيضاً، يتقدمها صديقه السيد ولد أباه وبرانون ويلر، لتنشر كتاباً ضخماً، احتفاءً بالرجل، جاء تحت عنوان: "الأمة والدولة والتاريخ والمصائر: دراسات مهداة إلى الأستاذ رضوان السيد بمناسبة بلوغه الستين"، حيث جاء المجلد الذي صدر عن الشبكة العربية للأبحاث ونشر منذ بضع سنين، في حوالي 900 صفحة.

يتميز رضوان السيد بمتابعته للفلسفات والمناهج الحديثة وتواصله المتجدد مع أساتذة وزملاء من مختلف المشارب والمرجعيات

سبق لرضوان السيد أن اشتغل بالتدريس بجامعة صنعاء، وعكف على مدى عامين في الجامع الكبير بالمدينة العريقة على قراءة المخطوطات الكلامية والفقهية والتاريخية الزيدية، والكتابة عنها، ونشر بعضها في نشرات علمية، وقد بقيت "الهجرة اليمنية" في فكره وکتابته، كما نقرأ في الكتاب سالف الذكر، علامة بارزة في مجال العمل على التراث الديني والثقافي للأمة؛ حيث عرف الأشعرية والصوفية بالأزهر، وعرف المعتزلة لدى أستاذه جوزف فان إس بألمانيا؛ إذ هو أكبر المتخصصين المعاصرين فيهم. وتابع الاهتمام بالإمامية والإسماعيلية والزيدية لدى أستاذیه؛ مادلونغ وهالم، قبل الرحلة اليمنية وبعدها. وفي عُمان ازدادت معرفته بالإباضية بعد أن كان قد كتب في تجربتهم الأولى في مفاهيم الجماعات، وما يزال يتابع التأمل والعمل على تجاربهم الكلامية والسياسية والفقهية، وتأثيراتهم في التيارات والمذاهب الإسلامية الأخرى.

اشتهر بنقد الإيديولوجيات الدينية والمادية وبدعوته لصيانة الدولة الوطنية ومؤسساتها الدينية
اشتهر السيد لدى الباحثين الشباب في المنطقة، من الذين يرغبون ويحلمون بالنشر في أهم المجلات الفكرية العربية، بإدارته العلمية لمجلة "الاجتهاد" الشهيرة، رفقة الفضل شلق، ابتداءً من العام 1988، والتي تركت فراغاً كبيراً بعد توقفها في غضون 2004، (ولعل ذلك بعض من تبعات اعتداءات 11 سبتمبر)؛ حيث سينصرف رضوان السيد، محملاً بتجربته الغنية مع مجلة "الاجتهاد"، للعمل مستشاراً للتحرير بمجلة "التسامح" التي ما تزال تصدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بعُمان، وأصبح اسمها اليوم "التفاهم"، وتعتبر في طليعة المجلات الفكرية؛ العربية والإسلامية.

اقرأ أيضاً: جادو عزّ الدين.. رحيل شاهد على ذاكرة النضال والوحدة
وقبل هذه التجربة، كان مشرفاً على مجلة "الفكر العربي"؛ حيث نقرأ له في هذا السياق، أنّه صار بالمصادفة رئيساً لتحرير المجلة العام 1979، لكن الأمر ما كان كذلك عندما قام عامداً بإصدار مجلة "الاجتهاد"، ففي العام نفسه حصل على درجة الأستاذية من الجامعة اللبنانية، وكانت أعماله العلمية في مجال الفكر السياسي الإسلامي قد صنعت له اسماً في أوساط الدارسين.

اقرأ أيضاً: سحبان خليفات إذ يُعيد منھج التحليل اللغوي إلى أصوله العربية الإسلامية
نذكر من أهم ملفات مجلة "الاجتهاد"، السبّاقة إلى الخوض فيها من منظور معرفي رصين: الإمبراطورية العثمانية والإمبراطوريات الأخرى، حضارة الإسلام وحضارة العالم، الوعي والتاريخ في حضارة عالمية، والتاريخ العالمي والنظام العالمي، والأصولية الإسلامية وعودة الدين إلى المجال العام، حوار الحضارات وصراع الدول والأمم، الإسلام باعتباره مشكلة عالمية. بما يُفيد أننا إزاء حضور جليّ لرؤى شاملة في فكر السيد، ومن هنا جاءت أولى أعماله للظاهرة الإسلامية الحركية؛ حيث تبلورت هذه الرؤية واهتماماتها في كتابه الثاني عن الظاهرة والصادر في 1997، وسماه: "سياسيات الإسلام المعاصر".

اشتهر السيد بإدارته العلمية لمجلة "الاجتهاد" التي تركت فراغاً كبيراً بعد توقفها

يقول الباحث الموريتاني السيد ولد أباه، والذي على الأرجح، هو محرر مقدمة العمل سالف الذكر، والموقع باسم لائحة من الباحثين: "عرفنا نحن الطلاب الجامعيين العرب بمصر والمغرب والخليج الباحث والكاتب رضوان السيد أول ما عرفناه، مطلع الثمانينيات من القرن الماضي من خلال مجلة الفكر العربي، التي صدرت عن معهد الإنماء العربي ببيروت، العام 1977، وتولى الشاب رضوان السيد القادم من الدراسة بألمانيا، رئاسة تحريرها منذ العام 1979. کانت مجلة الفكر العربي طليعة المجلات الفكرية العربية آنذاك، ومع أنّ الدكتور رضوان، ما رأس تحريرها إلا لخمس سنوات ونيّف؛ فإنّ الفرق بدا واضحاً فيما قبل وما بعد. ولا يزال الزملاء المعنيون يذكرون له تحويله المجلة إلى منتدى فكري ونقاشي بالغ العصرية والعمق في مجالات العلوم الإنسانية. فمنذ العدد رقم 18 وإلى العدد رقم 45، صار كل عدد من أعداد المجلة كتابة متخصصة في موضوع، يسهم فيه كبار الدارسين العرب والأوروبيين من: الجامعة الفكرة والدور، وإلى المدينة العربية والمدينة العالمية، والاستشراق والأنثروبولوجيا، والدولة والأسطورة، والفكر السياسي العالمي والتحولات، والعرب والعالم، والدين والدولة، ومصائر التجربة السياسية العربية الحديثة".

"سياسيات الإسلام المعاصر"
ومن أهم المناصب العلمية التي ظفر بها رضوان السيد: سكرتير تحرير مجلة الفكر الإسلامي، الصـادرة عن دار الفتوى بالجمهورية اللبنانية؛ رئيس تحرير مجلة الفكر العربي، مدير معهد الإنماء العربي بالوكالة، مدير المعهد العالي للدراسات الإسلامية، مستشار مختص بقضايا العالم الإسلامي، لدى الصيب الأحمر الدولي، عضو المجلس الاستشاري لجائزة الشيخ زايد للكتاب، بأبو ظبي، في دولة الإمارات العربية.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن روكس العزيزي؟
وللسيد العديد من المؤلفات والترجمات، من أبرزها: الأمة والجماعة والسلطة، 1984؛ مفاهيم الجماعات في الإسلام، 1985؛ الإسلام المعاصر، 1987؛ الجماعة والمجتمع والدولة، 1997؛ سياسات الإسلام المعاصر، 1997؛ ترجمة كتاب "بردة النبي" للكاتب الأمريكي روي متحدة؛ المستشرقون الألمان: النشوء والتأثير والمصادر، ومؤلفات أخرى عديدة، بالإضافة إلى ذلك فله مقالات سياسية وفكرية في عدة صحف.

للسيد العديد من المؤلفات والترجمات من أبرزها: الأمة والجماعة والسلطة، ومفاهيم الجماعات في الإسلام

ومن بين الأعمال التي احتفت بفكر رضوان السيد، نقرأ على الخصوص كتاب "الجماعة وتحولاتها: التجربة السياسية العربية ــ الإسلامية في فكر رضوان السيد"، لشمس الدين الكيلاني، وصدر عن الشبكة العربية للدراسات والنشر.
مما يُحسبُ لرضوان السيد، وهذه ميزة تؤكدها شهادات العديد من الباحثين المغاربة، أنّه من الذين يفتحون أبواب النشر في هذا المنبر أو ذاك، ولا يتكبر، متواضع مع الجميع، رغم علاقاته الوازنة مع صنّاع القرار، وخاصة في لبنان والسعودية، ولكن في مقام العلم، يحترم مقتضى أن تكون عالِماً: التواضع للجميع، وفتح أبواب الاستشارة للجميع، وهذه خاصية يمكن التأكد منها عملياً، أثناء الزيارات الكثيرة التي يقوم بها "مولانا"، كما يُلقب عند المفكرين والباحثين، للمغرب، على هامش مشاركته في ندوات ومؤتمرات ومحاضرات.

اقرأ أيضاً: هاني فحص عابر الطوائف ونابذ المذهبية
اشتهر رضوان السيد بنقد الإيديولوجيات الدينية والمادية، حتى إنّ أحد مقالاته الصادرة منذ بضع سنين عن الأسماء البحثية التي تحرر في مجال القراءات الحداثية للقرآن الكريم، وصدر حينها في صحيفة "الشرق الأوسط"، تسبب في إثارة نقاش عربي واسع؛ لأنّه انتقد بعض الانزلاقات التي طالت هذه القراءات، وخصّ بالذكر التيار البحثي الذي يقوده على الخصوص المفكر الجزائري محمد أركون.

المفكر الجزائري محمد أركون
أما نقده للإيديولوجيات الإسلامية الحركية، فتحصيل حاصل، خاصة تلك التي تسعى لإقامة "دولة الخلافة"؛ لأنّه من دعاة صيانة الدولة والدين وصيانة الدولة الوطنية، ونقرأ له في هذا السياق: لا مفر من "العمل من جانب المثقفين وكلّ المفكرين على دعم مشروع الحكم الصالح والرشيد بغض النظر عن اسمه، لكي يشعر الناس بأنّ مصالحهم الأساسية مرعية، فينصرفون عن العنف وأوهام الدولة الدينية البديلة. هذا عمل حيوي جداً، لا يمكن لأي مثقف عربي أن يتخطّاه بقطع النظر عن عواطفه تجاه هذا الحزب أو غيره. فقيام حكم من هذا القبيل يمكن أن يحل نصف المشكلة"، موجهاً الدعوة بالمناسبة للاشتغال على نقد المفاهيم، وهذه "مهمة لا يقوم بها إلا المفكّرون الكبار الذين لم يقوموا بشيء خلال الخمسين سنة الماضية. الآن لدينا مفاهيم جديدة سواء في الإسلام أو في الاجتماع والسياسة وفي الدولة، وكلها مفاهيم قاتلة، مثل تطبيق الشريعة أو القول بأنّ الدولة ركن من أركان الدين، ومثل الجهاد في الداخل والخارج. أو الاعتقاد بأنّ الإصلاح الديني لا يتم إلا بالطريقة الأوروبية، وكذلك القول بأنّ الإسلام التقليدي هو المشكلة. وهذه المسائل تتراوح بين معالجة على يد إسلامي متطرّف، ومرة أخرى على يد علماني متطرّف أيضاً. فتحولات المفاهيم، هي التي أدّت إلى الانحراف بالدين وضيّعت الأمل في إمكانية قيام مجتمعات مطمئنة. لقد صار الدين عنصر انقسام وليس عنصر توحيد".

في ما يتعلق بشعار "الوسطية" الذي ترفعه بعض الحركات الإسلامية ينتقد السيد بشدة هذا التوظيف

بخصوص الجماعات الإسلامية الحاملة للسلاح اليوم، فيرى السيد أنّها "جماعات مأزومة لأنّها وليدة الأزمة الشاملة، وليس بإمكانها أن تنتظم سياسياً وفق مقتضيات الحكم الديمقراطي، وتقيم نظاماً مدنياً يعيش في عالم العصر وعصر العالم"، ولأنّه من دعاة صيانة الدولة والدين، كما سلف الذكر، فغالباً ما يدعو صناع القرار الديني لتأهيل المؤسسات الدينية، معتبراً أنّه "شئنا أم أبينا، ليس لدينا اليوم سوى المؤسسات الدينية للقيام على الشأن الديني، بما يعنيه رعاية العبادات والفتوى والتعليم الديني والإرشاد. وهي مؤسسات ليست ناهضة، لكنها هي الحافظة بقية السكينة في الدين وفي المجتمع. كما أنّه لا يستطيع القيام بهذه المهام غيرها. يجب أن يقع عليها تصالح اجتماعي جديد، فتصبح بينها وبين السلطات مسافة. ليست ضدّ السلطات، ولكنها لا تعمل عندها. هي في خدمة المجتمع وخدمة دينه ومصالحه الدينية الحميمة. المؤسسات الدينية ضرورية باعتبارها من بين أدوات طمأنة المجتمع بأنّ دينه بعيد عن العنف، وأنّ هناك مهمات شرعية يجب القيام بها حتى لا يقال بأنّ الإسلام مهمل".

اقرأ أيضاً: خليل عبد الكريم: الشيخ الأحمر
في ما يتعلق بشعار "الوسطية"، الذي ترفعه بعض الحركات الإسلامية، ينتقد السيد بشدة هذا التوظيف، معتبراً أنّنا إزاء "صفة يطلقها حزبي على تنظيمه، وإنّما يجب أن يُقال أبناء الحركة الإحيائية"؛ حيث يُفرّق بين الحركات الإحيائية والحركات الإصلاحية والخيرية، وهو الذي نشر عدة دراسات عن الحركات الإحيائية التي ظهرت خلال العشرينيات والثلاثينيات في أنحاء متفرقة من العالمين؛ العربي والإسلامي، والتي حلّت محل الحركات الإصلاحية، التي كان من بين رموزها محمّد عبده والطاهر بن عاشور وعبد الحميد بن باديس. هذه الحركات كانت نهضوية تتخذ من الغرب والتحديث، مرجعية لها ودعمت ذلك بالاستناد إلى الكتاب والسنّة، بخلاف السائد مع إسلاميي اليوم.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



حسين مروّة.. وُلد شيخاً ومات طفلاً برصاص الحقد الطائفي

2020-06-04

يُحكى أنّ النسر إذا بلغ أربعين عاماً، فإنه يطير إلى قمة عالية، ثم ينتف ريشه، ويضرب منقاره بصخرة صلبة حتى يكسره، وكذلك يفعل بمخالبه، ثم يمكث في عزلته شهوراً، فإذا بمنقار جديد أكثر حدة يخرج مكان القديم، ومخالب أشدّ قوة تنبت بدلاً من تلك التي أصابها الزمن بالوهن، بينما يكسو الجسدَ ريشٌ جديد، أكثر بريقاً، فيعود النسر شاباً ليعيش بعدها أربعين سنة أخرى .

في جنوب لبنان، ولد حسين مروّة لعائلة شيعية، حيث كان الانتماء للطائفة أمراً ينطوي في جوهره على حمولة اجتماعية ودينية تؤطر حياة الفرد، وتوجهه في سياقات محددة سلفاً. أراد له والده أنْ يصبح رجل دين، ولُقّبَ في مهده بالشيخ، وما إن اشتدّ عودُه حتى أرسله إلى العراق ليدرس في الحوزة العلمية بالنّجف، علّه يصبح ذات يوم مرجعية يلجأ إليها الناس، ويحيلون عليها.

درس حسين مروة التراث، ومضى يمارس التفكيك المفاهيمي لمعطياته، واضعاً يده على مكامن الفكر الثوري فيه

عند العتبات المقدسة استيقظت مداركه، ومضى عقله النقدي يعمل النظر  في كل ما حوله، وكل ما درسه على يد المرجعيات الدينية هناك، لتدوّي في أعماقه جملة دفعته نحو العبور إلى حيث مرافئ الخلاص خارج مدارات المذهبية الضيقة: "ألا مرجعية سوى الإنسان"، لينخرط في صفوف اليسار مدافعاً عن العدالة الاجتماعية، وسرعان ما استيقظ المناضل في قلب الشيخ الذي لم يهدأ بعدها أبداً.
خلع الشيخ عمامته، ليعمل في سياق الحركة الوطنية العراقية كاتباً وخطيباً ومناضلاً، ونتيجة لمواقفه، قام نوري السّعيد بإبعاده عن العراق، وسحب منه الجنسية العراقية التي كان قد حصل عليها، ليعود إلى بيروت عام 1949 وقد بلغ الأربعين من عمره.
كبرياء النسور
بكبرياء النّسور، رفض مروة الهزيمة، ونفضَ عن كاهله وطأة ما تعرض له من ظلم، لينبت له ريش جديد، استعاد به عنفوان جناحيه قبل أنْ يطرق بقوة أبواب السماء .

إذا دفع الحجر اندفع، وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكانه بمقتضى الطبيعة

واصل حسين مروة كتاباته الصحفية، ونضاله السياسي، خارج أطر المذهبية، ليصبح مفكراً لكل لبنان، ينتمي للوطن ولكل ما هو إنساني، ويرفض كل ما هو طائفي، وهو ما كان يمثل خطراً للحركات السياسية التى ارتكزت أيديولوجيتها على منطلقات دينية طائفية، بينما ظل هو غير عابئ بالتهديدات، ينزع غطاء الشرعية السماوية عن الفرقاء الذين انخرطوا في مجاهل حرب أهليّة طاحنة مزقت الوطن شرّ ممزق. يقول "حنّا مينه": "لم يكنْ مُعلّماً فحسب، بل كان أخاً كبيراً، يسوق الكلام، كأنما يطرح أسئلة، ينتظر جوابها، في حين يتولى هو نفسه الإجابة، عبر حوار هادئ".

تثوير التراث
درس مروة التراث، ووضع يده على الكيفية التي بات يُقرأ بها على عواهنه، ليقرر كسر حلقة السرد والتكرار الرتيبة، ومضى يمارس نوعاً من التفكيك المفاهيمي لمعطياته، واضعاً يده على مكامن الفكر الثوري في ثناياه، وفي أحيان كثيرة كان يقوم بتثوير هذا الفكر العربي القديم لغة ومضموناً، فالتصوف مثلاً -في ظنه- لم يكن مجرد حالة إنعزالية يصاحبها الزهد، وإنما يرمز إلى حركة ثورية يكشف عنها المحتوى الأيديولوجي للفكر الصوفي نفسه، والذي ينطوي، وفق مروّة، على نظرية ثورية بوضعها التاريخي، فحركة الزهد في مراحلها الأولى، وفي تطوراتها اللاحقة، تكشف عن كونها موقفا ثورياً يرفض في جوهره ما ذهب إليه أطراف النزاع السياسي المتأجج منذ مقتل الخليفة عثمان بن عفان، قبل أنْ تتحول بنية هذا السلوك الانعزالي إلى رؤية فلسفية أكثر شمولاً، يراها أصبحت تمثل مرجعية فكرية لقوى المعارضة منذ العصر العباسي، وهو ما يفسّر قيام السلطة بملاحقة المتصوفة ومحاكمتهم، وإنزال أشدّ العقاب بهم، وقد بلغ الأمر ذروته بصلب الحلاج، قبل أنْ يتم إفراغ التّصوف من مضمونه بتحوله (الطرقي)، ليصبح وسيلة لتخدير الجماهير، وتثبيط كل جنوح نحو التمرد والثورة.

أصبح مروة بلا منازع مؤسس مدرسة النقد الواقعي الاشتراكي في مواجهة النزعات الرجعية والمثالية

وفي معالجته لمسألة القوانين الموضوعية في الطبيعة، مضى مروة يتتبع النزعات المادية، مؤكداً أنّ المعتزلة استشرفوا وجود تلك القوانين التى تجري وفقها الظاهرات الطبيعية كلها، مدللاً على ذلك بالرجوع إلى مبحث "الجزء الذي لا يتجزأ" وإلى مختلف آراء المعتزلة في مسألة الجوهر والعرض، متتبعاً ما أسماه بمحاولات معتزلية لتصور هذه القوانين، مستخرجاً ومحللاً المقاربات التى ترجح ذلك، مثل مقولات الشهرستاني حول خضوع كل جسم طبيعي لقوانين ثابتة: "إذا دفع الحجر اندفع، وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكانه بمقتضى الطبيعة"، وهو ما يجد فيه محاولات لتلمس الوجود الموضوعي لقوانين الطبيعة، والتي تتلاقي في الوقت نفسه مع طروحات معمر بن عباد السلمي: "الحياة فعل الحي، القدرة فعل القادر، الموت فعل الميت"، ويتجلى كل ذلك في قوله الصريح إنّ "حركات الفلك وكل ما اشتمل عليه الفلك من ذي حركة أو سكون، وتأليف وافتراق ومماسة ومباينة، فعل غير الله"، اتفاقاً مع كلام الجاحظ الوارد في قوله: "إنّ للأجسام طبائع وأفعالاً مخصوصة بها".

معول النقد الديالكتيكي
أعملَ حسين مروة معول النقد الديالكتيكي، لا لهدم التراث، وإنما لتقويض الخطاب الصّنمي القروسيطي الذي اعتاد العرب أنْ يتحدثوا به كلما قرأوه، واضعاً يده على الطريقة التي عملت بها حركة القوى الاجتماعية، في تفاعلها بما حولها من البنى التحتية، وما فوقها من بنى سياسية، وعلاقتها بالأنماط التاريخية في صيرورتها وحركتها بين مرحلة وأخرى، محاولاً استنطاق التراث، واستخراج مقولاته العليا وقوانينه المادية التي اتفقت إلى حد كبير مع رؤيته الماركسية.
الماركسية بنزعة جمالية
اكتسبت الماركسية، مع مروة، نزعة جمالية، ونهجاً واقعياً جديداً، ليصبح بلا منازع مؤسس مدرسة النقد الواقعي الاشتراكي، في مواجهة النزعات الرجعية والمثالية، حيث اهتم بالجانب العملي التطبيقي، منطلقاً من طبيعة الاحتياجات الإنسانية وقوانين تطور المجتمع، وفق منهجية نقدية تهتم بكيفية عمل الخصائص التعبيرية، وسبر أغوار تلك العلاقة بين النص ومدلولاته الرمزية، وكيفية عمل تلك المدلولات ومدى ما تقدمه من حمولات معرفية.

رفض كل ما هو طائفي، وهو ما كان يمثل خطراً للحركات السياسية التى ارتكزت أيديولوجيتها على منطلقات دينية طائفية

اقتربت الأربعون سنة الأخرى من الاكتمال في حياة النسر المحلق دوماً عكس التيار، وقد أصبح العقل المفكر للحزب الشيوعي اللبناني الذي بات في مقدمة الصفوف في مواجهة الصهيونية، رافعاً راية إعادة تقييم وصياغة المشروع العروبي في ظل ارتهانات الواقع، ورافضاً في الوقت نفسه الانصياع لمحاولات الاستقطاب التى مارسها حزب الله، قبل أنْ تتحول إلى تهديدات صريحة في ظل تواطؤ القوات السورية التى بات حسين مروة بالنسبة لها أكثر إزعاجاً.
وفي السابع عشر من شباط (فبراير) عام 1987، حدث ما كان متوقعاً، وأسكتت رصاصات الغدر صيحة الرفض التي انطلقت في مجاهل الحرب الأهلية البغيضة، وللمفارقة أشارت كل أصابع الاتهام لحزب الله، ليسقط الشيخ المناضل الذي أرسله والده في الصغر للتفقه في المذهب، ولم يكن يعلم أنه سوف يسقط شهيداً بيد أتباعه انصياعاً لقوانين حرب ملعونة، وهو ما لخصه مهدي عامل في تأبين رفيقه قائلاً: قتلوك لأنك شيعي وشيوعي.

للمشاركة:

الصحفي الفلسطيني الذي اغتيل في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. ماذا تعرف عن حنّا مقبل؟

2020-05-28

يُعد الصحفي والمناضل الفلسطيني حنّا مقبل من أهم الرموز في تاريخ الثورة الفلسطينية، فقد آمن بأهمية الكلمة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وعكف على التصدي للرواية الصهيونية، وبناء وعي شعبي يقوم على أسس الديمقراطية وحرية الرأي، وبلورة الهوية النضالية الفلسطينية بوصفها هوية جامعة؛ فبرأيه إنّ من يناضل من أجل فلسطين هو فلسطيني "ولو ولد في الهنولولو" ومن لا يناضل، ليس فلسطينياً ولا علاقة له بفلسطين "وإن ولد في القدس".

ساهم مقبل في إصدار صحيفة (فتح) التي تعد أولى الدوريات الفلسطينية وكانت تصدر من العاصمة الأردنية عمّان

وقد دفعه إيمانه بضرورة توحيد الخطاب الفلسطيني لبناء جهاز إعلامي يوحد خطابات فصائل منظمة التحرير، كما أنّ طموحه بإنشاء مجلة عربية قومية تحت عنوان "دفاتر عربية" يشي بالنزعة القومية لدى الرجل الذي انتخب أميناً عاماً لاتحاد الصحفيين العرب. ورغم تاريخه الحافل بوصفه مُفكراً وصحفياً ومناضلاً اغتاله الاحتلال الإسرائيلي، إلّا أنّ كثيرين لا يعرفون من هو الشهيد حنّا مقبل.
من هو حنّا مقبل؟
ترعرع حنّا عيد مقبل، المولود عام 1939 في قرية الطيبة القريبة من رام الله، في وسط وطني رافض لوجود الاحتلال الإسرائيلي، وقد اختار الدراسة والعمل في القدس في بداياته؛ فحصل على دبلوم بالمراسلة في مجال الصحافة من جامعة الإسكندرية، قبل أن ينتقل إلى العواصم العربية والأوروبية، وقد عمل في جريدة "فلسطين" ثم في جريدة "الدستور" الأردنية وفي عدد من الصحف الأخرى.

  كتاب "سيرة الأرجوان والحبر الثوري" الذي يتناول سيرة حنا مقبل ومختارات من مقالاته

وقد حمل مقبل قضية شعبه باكراً، وأولى في كتاباته أهمية كبيرة لبناء الديمقراطية في منظمة التحرير الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني كشرط أساسي لمواجهة الاحتلال، وقد جُمعت مقالاته في عدة كُتب منها؛ "كتاب حنّا" الذي أعده الروائي الفلسطيني رشاد أبو شاور إلى جانب ابنة الشهيد سلام مقبل، بالإضافة إلى كتاب صدر عام 2017 عن الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين يروي سيرة الشهيد على لسان رفاقه ويجمع عدد من المقالات المُختارة له.

وتعتبر مقالات مقبل تأريخاً لمرحلة مفصلية من التاريخ الفلسطيني؛ فقد كان شاهداً على انتقال الثورة الفلسطينية الناشئة من الأردن إلى لبنان، والفصول التي عايشتها هناك، فضلاً عن كتاباته عن حرب تشرين (أكتوبر) والتسوية التي تلتها بين مصر وإسرائيل.
في صفوف الثورة الفلسطينية
بعد هزيمة الدول العربية في حرب حزيران عام 1967، التحق مقبل بحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، وعمل في جهازها الإعلامي، ليتبوأ العديد من المواقع النضالية والمهنية البارزة على امتداد حياته الحافلة بالحفاظ على ثقافة المقاومة الوطنية والتحريض ضد الاحتلال الإسرائيلي وفضح جرائمه التي يرتكبها بحق الفلسطينيين والعرب.

 

 

وساهم مقبل في إصدار صحيفة "فتح" التي تُعد أولى الدوريات الفلسطينية، والتي كانت تصدر من العاصمة الأردنية عمّان، حيث عمل مديراً لتحريرها، كما ساهم في تأسيس وقيادة "جهاز الإعلام الفلسطيني الموحد" عام 1972، الذي اتفق عليه في إطار توحيد مختلف أدوات منظمة التحرير الفلسطينية العسكرية والمالية بما فيها الإعلام، حيث تم توحيد المجلات والمنشورات الفصائلية المختلفة في صحيفة "فلسطين الثورة" الأسبوعية، التي شغل منصب رئيس تحريرها كمال ناصر، حتى استشهاده عام 1973، ليتولى مقبل منصب رئيس تحرير المجلة.

اقرأ أيضاً: لماذا صار زمن إشهار الثورة الفلسطينية أقسى الشهور؟
واستمر نشاط مقبل في نشر ثقافة الوحدة الوطنية والديمقراطية والمقاومة، ليبدأ في عام 1978 بإنشاء مؤسسة "القدس برس"، محاولاً من خلالها أن يضخ للناس "ما يمكن أن يساهم في جلاء الحقيقة" بحسب تعبيره.
أميناً عاماً لاتحاد الصحفيين العرب

انتخب حنا مقبل عام 1979 أميناً عاماً لاتحاد الصحفيين العرب ثم جدد انتخابه عام 1983 لأربعة أعوام أخرى

ساهم الصحفي الفلسطيني في تأسيس "الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين"، الذي رفع شعار "بالدم نكتب لفلسطين"، وتولى منصب أمين سر الأمانة العامة للاتحاد حتى عام 1980، وكان قد انتخب عام 1979 أميناً عاماً لاتحاد الصحفيين العرب بصفته ممثلاً عن فلسطين؛ ثم جدد انتخابه عام 1983 لأربعة أعوام أخرى؛ إذ عُرف بوحدوية صوته وحرصه على إيصال هموم شعبه وآماله دون انحياز فصائلي.
وكان يمارس كل هذه المهام إلى جانب مهامه كعضو في اللجنة الدولية لحماية الصحفيين، المنبثقة عن منظمة الصحافيين العالمية "I.O.J" وإدارة وكالة "قدس برس"، ووكالة "الشرق برس"؛ إذ كان مقبل طاقة متقدة من النشاط والحيوية في سبيل تطبيق مقولته إنّ "الثقافة الوطنية من الطبيعي أن تنحاز لفلسطين، وتؤسس لواقع لا يقبل إلا بالتحرير والعودة".
شهيد الكلمة
في صباح يوم الخميس الموافق 3 أيار (مايو) من العام 1984، وأثناء توجه مقبل لمكتبه في نيقوسيا بقبرص برفقة مديرة مكتبه "ريموندا فران"، أقدم مجهولون على إطلاق النار عليهما باستخدام مسدسٍ كاتمٍ للصوت، لتخترق إحدى الرصاصات صدره بعد أن اخترقت بطاقة الصحافة التي كانت في جيب قميصه، كما تعرّضت مديرة مكتبه لإصابات بليغة نقلت على إثرها للمستشفى وتعافت من جروحها لاحقاً، فيما فارق مقبل الحياة شهيداً للكلمة الحرة، ونقل جثمانه إلى العاصمة الأردنية عمّان، حيث دفن في مقبرة أم الحيران.

نظارة لا تزال ملطخة بدم المناضل الفلسطيني حنا مقبل وأثر الرصاص على بطاقة عضويته في اتحاد الصحفيين العرب

ومن المفارقات التاريخية أنّ الأمم المُتحدة أقرّت يوم الثالث من أيار، يوماً عالمياً لحرية الصحافة، يحتفل به العالم في كُل عام، إحياءً لـ "إعلان ويندهوك" التاريخي الذي تم في اجتماع للصحفيين الأفارقة، في ويندهوك عاصمة ناميبيا يوم 3 أيار (مايو) 1991، حيث خُصص هذا اليوم للاحتفاء بالمبادئ الأساسية، والتعريف بانتهاكات حق الحرية في التعبير، والتذكير بالصحافيين الذين واجهوا الموت أو السجن في سبيل القيام بواجبهم.

اغتيل حنا مقبل صباح يوم الخميس 3 أيار من العام 1984 أثناء توجهه لمكتبه في نيقوسيا بقبرص

ويحيي الفلسطينيون، بشكل خاص، هذا اليوم مستذكرين جرائم وانتهاكات جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحفيين الفلسطينيين، الذين يتعرضون لشتى أنواع التضييق والملاحقة أثناء القيام بواجبهم، والذي لم يكن مقبل أولهم ولن يكون آخرهم؛ فقد رحل ليكون حلقة أخرى في مسلسل جرائم الاحتلال وانتهاكاته المستمرة بحق الصحفيين والكتاب الفلسطينيين، الذي اغتال غسان كنفاني، ووائل زعيتر، وهاني جوهرية وغيرهم.
وسام الاستحقاق والتميز الذهبي
في العام 2015 منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس، حنا مقبل وسام الاستحقاق والتميز الذهبي، تكريماً لدوره في تاريخ العمل الصحفي الفلسطيني، وتثميناً لمواقفه وتاريخه النضالي في الدفاع عن وطنه وشعبه وقضيته العادلة، حيث حضر مراسم التكريم زوجته ونجلاه.

تكريم زوجة حنا مقبل ونجليه من قبل الرئيس الفلسطيني عام 2015

وفي العالم 2017، أصدر الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين كتاب "سيرة الأرجوان والحبر الثوري حنا مقبل: بالدم نكتب لفلسطين"، الذي يتكون من 500 صفحة، وتحمل مقدمته عنوان الحبر الساخن والفعل الثوري، لرئيس الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين؛ مراد السوداني، ونصاً لابنته سلام مقبل، وشهادات لأصدقائه رشاد أبو شاور وخالد أبو خالد وجهاد حتر، فضلاً عن عشرات المقالات السياسية التي كتبها مقبل طيلة حياته في عدد من المنابر الإعلامية.

اقرأ أيضاً: في ذكرى اغتياله: هكذا أنقذ غسان كنفاني الحكاية عن فلسطين
كما أطلقت نقابة الصحفيين ودائرة الإعلام في جامعة بيرزيت الفلسطينية، جائزة الشهيد حنا مقبل للإعلام، كخطوة لتشجيع طلبة الإعلام في الجامعات الفلسطينية.

 

للمشاركة:

الطيب صالح جعل أبطاله يقاومون الاستعمار بالغزوات العاطفية

2020-05-23

"يبدو لي أحياناً أنّ البشرية تائهة وأنا تائه معها"

- الطيب صالح.

كثيراً ما يقولون إنّ طمي النهر مشبع دوماً برائحة الحياة، فعلى ضفافه تتناثر عديد الحكايا التي حطت رحالها مع الفيضان المقدس منذ آلاف السنين، ينحني النهر في تدفقه نحو الشمال وقد فقد الكثير من عنفوانه، لكنه لم يزل قادراً على منح الحياة أينما حل، عند خاصرته المنحنية تنشأ "كرمكول"، واحدة من آلاف القرى التي وهبها النيل سر الخلود، حيث تختلط أحاديث العابرين بوشوشات الطبيعة، في نسق استثنائي تكتمل به سردية هذا التعالق بين النهر والإنسان.

امتلك  الطيب صالح جرأة طرح التساؤلات الصعبة وجرأة الاجابة عنها وجرأة التحليق خارج مسارات السرب

في العام 1898 دخل القائد البريطاني "كتشنر"، العاصمة السودانية الخرطوم على رأس جيشه، لتسقط دولة الدراويش المهدية، وتتواصل المعارك هنا وهناك على ضفاف النهر، ثورة تلو الأخرى، مذبحة هنا ومجاعة هناك، تعقبها أوبئة تتحالف مع الفقر والمرض، لتزيد أوجاع السودان الواقع تحت ضغط التبعية لمصر، وقبضة الاستعمار البريطاني الثقيلة.

ميلاد من رحم ثورة لم تكتمل

في الثامن من آب (أغسطس) لعام 1924، حمل طلبة الكلية الحربية في السودان بنادقهم في تظاهرة صاخبة، احتجاجاً على إبعاد القوات المصرية عن السودان، وسرعان ما انفجرت الثورة، لتأخذ الأحداث منحى صدامياً عقب اغتيال السيرلي ستاك سردار الجيش سردار الجيش المصري وحاكم السودان العام، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) كانت الفرقة (11) السودانية تخوض معركة دموية غير متكافئة ضد الجيش البريطاني، في محاولة لعبور النيل الأزرق، وفك الحصار عن فرقة المدرعات المصرية بالخرطوم، لتنتهي الثورة ببسط بريطانيا سيطرتها الكاملة على السودان.

على ضفاف النيل ينشأ الطيب صالح، ليصنع بين أجواء الطبيعة عالمه الذي يشعر معه بالانتماء

وفي العام 1929، انتهت آخر هبات النوبة، ليسود بعدها صمت حذر أنحاء السودان. في العام نفسه، أنهت بريطانيا ترتيبات اتفاقية تقسيم مياه النهر في منطقة حوض النيل بالوكالة عن بلدانه المحتلة التي يعبث الاستعمار بمقدراتها، ويمارس نهباً منتظماً لثرواتها. في تلك الآونة، وفي "كرمكول"، تشق صرخة خافتة في ذلك البيت الطيني البسيط، أجواء الصمت، حيث يخرج الطيب صالح إلى حياة برائحة طمي النيل، ومذاق الفقر الذي خلفته سنوات الحرب والاستعمار، لكنّ كل هذا لم ينل من روح المكان، فالحياة دوماً عند ضفاف الأنهار تعرف طريقها جيداً مهما كانت التحديات.

على ضفاف النيل ينشأ الطيب صالح، ليصنع بين أجواء الطبيعة عالمه الذي يشعر معه بالانتماء: "ذلك هو العالم الوحيد الذي أحببته دون تحفظ، وأحسست فيه بسعادة كاملة وما حدث لي لاحقاً كان كله مشوباً بالتوتر". ويسهب في وصف تأثير المكان على تشكل شخصيته فيقول: "في جنبات الطبيعة في هذه البيئة بدأت مسيرة حياتي، ورغم أنني تعرجت في الزمان والمكان بعد ذلك، لكن أثر البيئة لا يزال راسخاً في أعماقي، وأعتقد أنّ الشخص الذي يطلق عليه لفظ كاتب أو مبدع يوجد طفل قابع في أعماقه، والإبداع نفسه فيه البحث عن الطفولة الضائعة، حين كبرت ودخلت في تعقيدات الحياة، كان عالم الطفولة بالنسبة لي فردوساً عشت خلاله متحرراً من الهموم، أسرح وأمرح كما شاء لي الله، وأعتقد أنه كان عالماً جميلاً".

اقرأ أيضاً: فؤاد زكريا مؤذّن العقل في مالطا التعصب

كعادة الصغار آنذاك، يحفظ القرآن في كتاب القرية الصغير، قبل أن يتم تعليمه الابتدائي، ومع ظهور علامات التفوق عليه، يرسله أبوه ليتابع دراسته الثانوية في واحدة من المدارس الإنجليزية بأم درمان، حيث أظهر نبوغاً في دروس الشعر والأدب، ورغم محاولات المستر "لانج" توجيهه لدراسة الآداب، إلا انّ مؤثرات الطفولة على ضفاف النيل دفعته لدراسة الزراعة، لكنه في الجامعة اكتشف عدم قدرته على مواصلة دراسة العلوم، فقطع دراسته بكلية الخرطوم الجامعية التي التحق بها في العام 1949، ليعمل مدرساً للغة الانجليزية في إحدى المدن الصغيرة بالسودان الأوسط.

أسطورة الكهف الأفلاطونية

الخروج من الكهف

في أسطورة الكهف يتصور أفلاطون وجود أناس، قيدوا بأغلال، يعيشون في كهف تحت الأرض، يفتح على ممر طويل في آخره نور، حيث ظل هؤلاء منذ نعومة أظافرهم لا يستطيعون التحرك، أو رؤية أي شيء سوى ما يقع أمام أعينهم، تمنعهم الأغلال من إدارة رؤوسهم، بينما تتأجج من خلفهم نار، ولا يرون شيئاً غير الظلال التي تلقيها النار على حائط منخفض يوجد في مواجهتهم، بحيث لو أرغمنا أحدهم على أن ينهض فجأة، ويدير رأسه، ويسير نحو النور الحقيقي، فإنه سوف يعاني آلاماً حادة، ولن يتمكن من فتح عينيه بسهولة، إلى حد يعجز معه عن رؤية العالم الذي كان يرى ظلاله من قبل، فهو ينتمي إلى عالم الظلال، ويراها وحدها الوجود الحقيقي. إنّ أولئك الذين ولدوا وعاشوا في الكهف، لا يعرفون وجود حياة خارجه، ويعتقدون أنّ العالم فقط ينحصر في هذا الفراغ الموجود بين جنبات هذا الأسر الأبدي.

في موسم الهجرة تتمظهر ثنائية الشمال/ الجنوب في شكل عالمين يتوازيان تتخلق من خلالهما ثنائيات الحب والكراهية والعقل والعاطفة

لم يكن الأمر يتطلب من الطيب صالح سوى فتح كوة صغيرة، ومن ثم الخروج إلى فضاء أكثر اتساعاً، حيث قرر وحده أن يبحث عن طريقه، ويفتح نافذة صغيرة يطل منها على عالم الشمال، قبل أن تستهويه المغامرة، فيغادر كهفه إلى الأبد.

يهاجر الطيب صالح إلى بريطانيا في شتاء عام 1953، ليلتحق بالعمل في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية، وكان قد انتهى، في العام نفسه، من قصته القصيرة الأولى "نخلة على الجندول"، والتي تستعيد ذلك الحنين الجارف إلى النهر وإلى عالم "كرمكول".

حط عصفور الجنوب رحاله في أقصى الشمال، الذي قابله ببرودة لم يعرفها من قبل، ليدرك أنّ "كرمكول" لم تكن مثل كهف سقراط، وأنّ ظلالها الوارفة تمثل لروحه القلقة سحراً لا يمكن الاستغناء عنه، كان الجليد المتراكم على الجنبات، وتلك النوافذ المغلقة دوماً في شتاء لا يرحم، أمراً جعله يدرك أنّ مغامرته بدأت بالفعل، وأنّ عليه مواصلة التحدي، على الرغم من شعوره الجارف بالرهبة والحنين إلى الجنوب؛ عن تلك الأيام الأولى يقول: "جئت إلى بلد لم أكن أرغب فيه، لأعمل عملاً هو كذلك ليست لي رغبة فيه، تركت الأهل والأحباب والدور الفسيحة، لأجد نفسي داخل غرفة صغيرة برودتها لا تطاق، في بلد غريب بين قوم غرباء".

في لندن، عكف الطيب صالح على دراسة الآداب والفنون، وعرف طريق المسارح الكبرى

في لندن، عكف الطيب صالح على دراسة الآداب والفنون، وعرف طريق المسارح الكبرى، يلتمس بين جنباتها عالماً عرف من خلاله طريقه أخيراً نحو عوالم الحكايا، ودنيا الأدب اللانهائية. رويداً رويداً، اعتاد عالم الشمال، ليصبح رئيساً لقسم الدراما بهيئة الاذاعة البريطانية، وتزوج من شقراء لندنية من أصل اسكتلندي، لكنّ روحه كانت ولم تزل تنتمي إلى الجنوب الدافىء وضفافه التي لا تتوقف عن النبض بالحياة، حيث شكلت معطيات الجنوب معالم كتاباته، التي عرفت طريقها إلى كبريات المجلات الإنجليزية مثل:"حفنة تمر"، و"دومة ولد الزين"، وفي العام 1964 كتب روايته الطويلة الأولى"عرس الزين" .

 روايته الأشهر "موسم الهجرة إلى الشمال"

موسم الهجرة إلى الشمال

في العام 1966 خرجت روايته الأشهر "موسم الهجرة إلى الشمال" إلى النور، حيث طرح فيها هذا الجدل في العلاقة بين الشمال والجنوب على القارئ العربي، بعد أعوام من أفول الاستعمار الغربي، من خلال البطل "مصطفى سعيد"، حيث الوطن القابع تحت نير الاحتلال يمثل بالنسبة له صورة من كهف أفلاطون، يستحيل معها العالم المحسوس في الشمال إلى هدف للانتقام، بحيث تتمظهر ثنائية الشمال/ الجنوب في شكل عالمين يتوازيان، تتخلق من خلالهما ثنائيات أخرى متعددة، كالحب والكراهية، والعقل والعاطفة، فتحيلنا هذه التناقضات الحادة إلى موقف آخر أكثر إشكالاً، يجسده التيه الذي يعانيه بطل الرواية، فعلى الرغم من نبوغه العلمي ونفوره من جهل الجنوب، ومكانته التي حصل عليها في الشمال، إلا أنّ دوافع الانتقام التي جسدتها غزواته العاطفية، تورطه في قضية تضع عقله أمام كل تناقضات ذاته، بحيث لا يجد الخلاص من إكراهات الواقع سوى بالهجرة العكسية، والعودة مرة أخرى هروباً إلى الجنوب، قبل أن يبتلعه النهر في موسم الفيضان، ليحصل أخيراً على خلود من نوع آخر.

رحيل عصفور الجنوب

وكأن الطيب صالح، وبجرأة متناهية، يضع نفسه قبل القارئ في قلب الصراع، يصارع في ذاته بعضاً من مكونات "مصطفى سعيد"، في سردية يتحول فيها التضاد بشكل دائم إلى نوع من الاشتباك اللحظي، الذي يؤدي وظيفته في النهاية لصنع رؤية متكاملة لا تناقض فيها ولا تضاد.

اقرأ أيضاً: تيسير السبول: سار مع الوهم وانتحر بعد هزيمة العروبة

في شتاء شباط (فبراير) لعام 2009، يموت عصفور الجنوب حيث هاجر، حيث نفس الجليد الذي استقبله منذ أكثر من نصف قرن، عله كان أكثر دفئاً وهو يودع أديباً عربياً امتلك جرأة طرح التساؤلات الصعبة، وجرأة الاجابة عنها، وقبل ذلك كله جرأة التحليق خارج مسارات السرب، قبل أن يدفن في مسقط رأسه، مدوّناً موسم الهجرة إلى الخلود.

للمشاركة:



منع انتخاب مرشح تركيا بالتزكية رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة.. ما السبب؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

منعت عدد من الدول انتخاب المرشح التركي، فولكان بوزكير، بالتزكية رئيساً للدورة السنوية الـ75 الراهنة للجمعية العامة للأمم المتحدة، ما يعني أنّه بات يحتاج الآن إلى إجراء عملية انتخابية لم يحدد موعدها بعد، وسيحتاج خلالها إلى الحصول على 51 في المئة من الأصوات.

مارست الإمارات العربية المتحدة، وأرمينيا، وقبرص، واليونان، حقّ النقض (الفيتو) لمنع تسلم تركيا لهذا المنصب المهم في المنظمة الدولية، وفق صحيفة "الشرق الأوسط".

الإمارات وأرمينيا وقبرص واليونان، تمارس حقّ النقض لمنع تسلم تركيا رئاسة الجمعية العامة

وأكدت المندوبة الإماراتية الدائمة لدى الأمم المتحدة، لانا نسيبة، أنّ اعتراض الإمارات العربية المتحدة لا يتعلق بشخص بوزكير، بل بالتدخلات العدائية لحكومة الرئيس رجب طيب أردوغان في الشؤون الداخلية للدول العربية، مطالبة إياه بتقديم "تأكيدات" لضمان "وفائه بمسؤولياته بطريقة مستقلة ومحايدة"، وبأن "ينأى بنفسه صراحة عن أفعال تركيا".

وكتبت نسيبة، رسالة إلى رئيس الجمعية العامة أفادت فيها أنه "بناء على تعليمات من حكومة الإمارات العربية المتحدة بشأن انتخاب التركي فولكان بوزكير، وبالإشارة إلى رسالة وجّهتها كل من أرمينيا وقبرص سوياً، ورسالة أخرى من اليونان، التي اعترضت بشكل منفصل على انتخاب بوزكير عن طريق الإجراء الصامت، وطلب إجراء انتخاب رئيس الجمعية العامة في دورتها الـ75 بالاقتراع السري، وبالإضافة إلى القضايا التي أثارتها أرمينيا وقبرص واليونان، والتي نعترف بها ونتقاسمها بالكامل، ومن دون كسر الإجراء الصامت، تودّ حكومتي أن تعرب عن مخاوفها طويلة الأمد حيال تدخل تركيا المتواصل في الشؤون السيادية للدول العربية، ما ترفضه الإمارات العربية المتحدة بشكل قاطع، وتسعى بكل احترام إلى الحصول على تأكيدات بأن بوزكير سيفي بمسؤوليات رئيس الجمعية العامة بطريقة مستقلة ومحايدة".

وكررت نسيبة باسم بلادها "التنديد بانتهاكات تركيا المتصاعدة للمجال الجوي اليوناني، والنشاطات التركية غير القانونية المستمرة في المياه القبرصية، وأعمالها الاستفزازية الأخرى في المنطقة، ومن أبرزها الإعلان المشترك الذي اعتمده وزراء خارجية قبرص ومصر وفرنسا واليونان والإمارات العربية المتحدة في 11 ايار(مايو) الماضي 2020"، مؤكدة أنّ "مذكرات التفاهم للتعاون البحري والعسكري التي أبرمتها تركيا وحكومة الوفاق الوطني (الليبية) - على التوالي - تتعارض مع القانون الدولي وعقوبات مجلس الأمن على ليبيا".

المندوبة الإماراتية الدائمة لدى الأمم المتحدة: طموح تركيا للسيطرة على الأراضي العربية ذات السيادة يهدد استقرار المنطقة

وأعلنت "رفض دولة الإمارات العربية المتحدة بشدة خطط تركيا للقيام بنشاطات حفر بموجب اتفاق باطل يتعارض مع المبادئ المعية للقانون الدولي"، مضيفة أنّ "التدخل العسكري التركي في ليبيا، واستمرار (تركيا) في توفير الأسلحة ونقل المقاتلين من سوريا في انتهاك لالتزامات تعهدت بها في مؤتمر برلين في فبراير (شباط) 2020، يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية في ليبيا والدول المجاورة في شمال أفريقيا"، كما أنّها "تحبط آفاق الحل السياسي السلمي للنزاع في منطقة الساحل، وتزعزع استقرار المنطقة، وتنتهك القانون الدولي".

وندّدت "بأشدّ العبارات" بـ "النشاطات العسكرية المستمرة لتركيا في كل من سوريا والعراق، في انتهاك للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجامعة العربية ذات الصلة".

وقالت نسيبة إنّ "هذا السلوك غير القانوني يضعف هذه الدول، ويخلق الظروف التي يمكن للمنظمات الإرهابية مثل (داعش) استغلالها".

وعبّرت عن "مخاوف جدية أبدتها أرمينيا وقبرص بشأن سياسة تركيا المستمرة، المتمثلة في إنكار الإبادة الجماعية للأرمن التي ارتكبت في الإمبراطورية العثمانية".

وخلصت إلى أنه "في ضوء هذا الإرث وآثاره الضارة المستمرة، نشعر بالجزع من إيواء تركيا للمتطرفين الدينيين، والطريقة التي تسعى من خلالها إلى استخدام تحريضهم على الكراهية الطائفية لتعزيز الأجندة السياسية التركية في مصر وليبيا وعدد من الدول العربية الأخرى".

ورأت أنّ "طموح تركيا للسيطرة على الأراضي العربية ذات السيادة والتدخل في الشؤون الداخلية العربية في أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط يأتي على حساب السلام والاستقرار عبر المنطقة ويتناقض مع المبادئ التي تأسست عليها الأمم المتحدة".

للمشاركة:

شركة طيران الإمارات تستأنف رحلات الركاب إلى هذه المدن

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

تفوقت شركة طيران الإمارات على مثيلاتها من الشركات العالمية بسرعة تجاوز تبعات جائحة كورونا والتي عصفت بالقطاع، وأطاحت بشركات عالمية، حيث أعلنت الشركة، اليوم، استئناف تسيير بعض رحلات الركاب، وذلك بعد أن أعلنت حكومة الإمارات إعادة فتح المطارات أمام الخدمة الترانزيت، التي يتوقف الركاب بموجبها في الدولة لتغيير المسارات، أو لتزود طائراتهم بالوقود.

وقالت طيران الإمارات، التي تتخذ من دبي مقراً لها، وهي إحدى أكبر شركات الطيران التي تسير رحلات طويلة المدى في العالم، إنّها ستسير رحلات ترانزيت إلى 29 وجهة في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية بحلول 15 حزيران (يونيو) الجاري، وفق ما نقلت شبكة "سكاي نيوز".

شركة طيران الإمارات تعلن استئناف تسيير رحلات الركاب وتقديم خدمات الترانزيت

وذكر المكتب الإعلامي لحكومة دبي، في بيان صحفي، أنّ رحلات الركاب أصبحت متاحة بين دبي و16 مدينة تشمل كلاً من: البحرين ومانشستر وزوريخ وفيينا وأمستردام وكوبنهاغن ودبلن وجي.إف.كيه بنيويورك وسول وكوالالمبور وسنغافورة وجاكرتا وتايبه وهونغ كونغ وبرث وبريسبان.

وأضاف البيان أنّه بمقدور الركاب المسافرين بين آسيا والمحيط الهادي وأوروبا والأمريكيتين، استخدام رحلات ربط بشكل آمن وفعال عبر دبي.

كما جاء في البيان أنّه اعتباراً من 8 حزيران (يونيو) الجاري، ستقدم طيران الإمارات رحلات إلى كراتشي ولاهور وإسلام آباد لإعادة المقيمين في دولة الإمارات والمسافرين من باكستان الراغبين في استقلال رحلات ربط إلى وجهات إماراتية أخرى.

وبذلك يرتفع عدد الوجهات التي تغطيها الرحلات المنتظمة لطيران الإمارات من دبي إلى 29 مدينة، بما في ذلك الرحلات التي تعمل حالياً إلى كل من: لندن هيثرو، فرانكفورت، باريس، ميلانو، مدريد، شيكاغو، تورنتو، سيدني، وملبورن، بالإضافة إلى مانيلا اعتباراً من 11 الشهر الجاري.

للمشاركة:

الأردن يخفف إجراءات مواجهة كورونا.. هذه القرارات الجديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

أعلن رئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز، اليوم، بدء تخفيف إجراءات مواجهات فيروس كورونا المستجد.

وتتضمن الخطة، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا)، سلسلة من الإجراءات والقرارات لإعادة تشغيل المزيد من القطاعات الاقتصادية والخدمية.

الأردن يفتح غالبية القطاعات ويخفف القيود على حركة وتنقل المواطنين ابتداء من يوم السبت

وتستند الخطة إلى مصفوفة إجراءات مرتبطة بمستوى الخطورة الصحي؛ حيث من المنتظر أن ينتقل الأردن مع بدء تنفيذ الخطة إلى مستوى خطورة صحية جيد يسمح بفتح القطاعات المختلفة وتخفيف القيود على حركة وتنقل المواطنين.

وقررت الحكومة الأردنية فتح مجموعة من القطاعات والأنشطة التجارية اعتباراً من يوم السبت المقبل من الساعة 6 صباحاً حتى الساعة 12 ليلاً، وفتح المساجد والكنائس أمام المصلّين لأداء جميع الصلوات، وفتح الحضانات، مع الالتزام بالضوابط والقيود الصحيّة والوقائيّة.

كما تقرر فتح المطاعم والمقاهي وفق ضوابط وقيود، وفتح الأندية والفعاليات الرياضية (بدون جمهور)، وفتح قطاع الفندقة والضيافة والذي يشمل الفنادق والنُزُل، وفتح المواقع السياحيّة لغايات السياحة المحليّة، والسماح بالطيران الداخلي، والسماح بالزيارات الى السجون ودور الرعاية، وإلغاء نظام الزوجي والفردي على المركبات مع السماح بالتنقل للمواطنين بين كافة محافظات المملكة.

وقال رئيس الوزراء: إنّ الاجراءات الحكومية حققت "انفراجاً" في عدة قطاعات، لافتاً إلى أنّ الأردن في مستوى "معتدل الخطورة".

فتح الأردن المساجد والكنائس أمام المصلّين لأداء جميع الصلوات مع الالتزام بالضوابط والقيود الصحيّة والوقائيّة

وذكر الرزاز أنّ "البدء مبكراً في إجراءات الوقاية ساهم في النتائج التي وصلنا إليها اليوم"، مشدداً على ضرورة المحافظة على التشاركيّة التي تعزّزت بشكل كبير خلال الأزمة.

وبما يتعلق بالقطاع الاقتصادي قال الرزاز: لسنا بمعزل عن الانكماش الاقتصادي العالمي، الذي سببه تعطّل القطاعات الحيويّة؛ كالسياحة والتجارة وغيرها، مشيراً إلى أنّ ٤٩٨ ألف عامل أردني استفادوا من برامج الحماية التي أطلقها البنك المركزي، والمؤسّسة العامّة للضمان الاجتماعي وصندوق المعونة الوطنيّة.

وأضاف رئيس الوزراء: تأتينا طلبات من دول عربية للقدوم والعلاج في الأردن، وسنبدأ ذلك وفق خطة في الأيام المقبلة، مؤكداً أنّ صادرات المملكة زادت من المواد الطبية والزراعية منذ بداية الجائحة.

للمشاركة:



المقاطعة الخليجية: هل أدركت قطر أنّ الرهان على الوقت لحل الأزمة خاسر؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

مرت 3 أعوام على قرار الدول الأربع؛ السعودية والإمارات والبحرين ومصر، في 5 يونيو/حزيران 2017، قطع العلاقات الدبلوماسية وخطوط النقل مع قطر بسبب إصرارها على دعم التنظيمات المتطرفة في المنطقة والعالم، ورغم ذلك لا تزال الدوحة سائرة في سياساتها التي تعمق الأزمة.

فمنذ هذا التاريخ، حاولت الدول الأربع جاهدة إعادة تصويب سياسات الدوحة التي تتبنى دعم التطرف وزرع الفتن، للعودة إلى الصف العربي والخليجي، غير أن قطر تمسكت بموقفها ورفضت الفرصة تلو الأخرى لإظهار حسن نواياها.

ولم تكتف قطر بذلك فقد انتهجت خطاباً إعلامياً وسياسياً، محوره الكذب وتزييف الحقيقة.

ومع مرور 3 أعوام على مقاطعة قطر، ما زالت الدوحة تتمسك بنفس الخطاب الساعي لتزييف الحقيقة، وتكرر المزاعم نفسها بالطريقة نفسها، متجاهلة أن تلك الفترة كانت كفيلة أنها تثبت بالفعل صواب مواقف دول الرباعي العربي.  

3 أعوام على المقاطعة وما زالت الدوحة تصر على خطاب إعلامي وسياسي معتمد على رسالتين متناقضتين، الأولى موجهة للخارج تحمل مظلومية وتشكو من حصار مزعوم، والأخرى موجهة للداخل وتتحدث عن انتصار وهمي وإنجازات من درب الخيال تكذبها الأرقام والحقائق على أرض الواقع.

وتحاول الدوحة اختزال سبب الأزمة في التصريحات التي نشرتها وكالة الأنباء القطرية في 24 مايو/أيار ٢٠١٧ لأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، والتي أعلن فيها رفض تصنيف جماعة الإخوان ضمن الجماعات الإرهابية، وكذلك دافع عن أدوار حزب الله وحركة حماس وإيران والعلاقة معها، وزعمت قطر بعد ذلك أن الوكالة تم اختراقها.

الحقيقة أنّ الأزمة أعمق من ذلك بكثير، الأزمة جاءت نتيجة سياسة قطرية متواصلة لدعم التطرف وزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، تعود لسنوات مضت، طالما حذرت منها الرباعية العربية. 

وبينت دول المقاطعة أن قطر لا تزال تواصل سياساتها، والتدخل في شؤون دول المنطقة، وتستخدم وسائل إعلامها لترويج خطاب الكراهية. 

وتعيد "العين الإخبارية" التذكير بأسباب الأزمة وخلفياتها، ولوضع الأمور في نطاقها الصحيح، حتى تكون الحقيقة واضحة للرأي العام الخليجي والعربي والعالم. 

ولفهم أزمة قطر الثانية (5 يونيو/حزيران 2017)، لا بد من العودة إلى أزمتها الأولى (5 مارس/آذار 2014)، لارتباط بعضهما ببعض. 

جذور الأزمة 

بدأت أزمة قطر الأولى يوم 5 مارس/آذار 2014 بإعلان السعودية والإمارات والبحرين سحب سفرائها من الدوحة، لعدم التزامها باتفاق مبرم في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، بالرياض، ووقّعه أميرها تميم بن حمد آل ثاني، بحضور العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز وأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وأيده بقية قادة دول مجلس التعاون الخليجي.

وانتهت الأزمة يوم 16 من نوفمبر/تشرين الثاني 2014، بتوقيع قطر اتفاقا جديدا في اليوم نفسه، وتعهدها بالالتزام بكلا الاتفاقين (اتفاق الرياض 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2013 واتفاق الرياض التكميلي 16 نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٤). 

وأبرز بنود الاتفاقين التي وقع أمير قطر تميم على الالتزام بها: وقف دعم تنظيم الإخوان، وطرد العناصر التابعة له من غير المواطنين من قطر، وعدم إيواء عناصر من دول مجلس التعاون تعكر صفو العلاقات الخليجية، وعدم تقديم الدعم لأي تنظيم أو فئة في اليمن يخرب العلاقات الداخلية أو مع الدول المحيطة. 

كما تعهد تميم أيضاً بالالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول مجلس التعاون الخليجي بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدم إيواء أو تجنيس أي من مواطني دول المجلس ممن لهم نشاط يتعارض مع أنظمة دولته إلا في حال موافقة دولته. 

ومن أبرز البنود أيضا الالتزام بالتوجه السياسي الخارجي العام الذي تتفق عليه دول الخليج، وإغلاق المؤسسات التي تُدرِّب مواطنين خليجيين على تخريب دولهم. 

كما وقّع تميم على بند يمنح دول الخليج الحرية في اتخاذ إجراءات ضد قطر في حال عدم التزامها. 

وافت المنية العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز يوم ٢٣ يناير/كانون الثاني ٢٠١٥، وانقلبت قطر كليا على تعهداتها وأطلقت الحبل على الغارب لدعم جماعة الإخوان، ودعم وإيواء المتشددين وتوفير ملاذات آمنة لهم، وتنفيذ أجندات  تضر بالأمن القومي الخليجي والعربي بالتعاون مع حلفاء الشر (تركيا وإيران). 

تمادي قطري
وبعد أن استنفدت دول الرباعي العربي كل الوسائل لإقناع قطر بالرجوع إلى طريق الحق والالتزام بما تعهدت به ووقف دعمها للتطرف، أعلنت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر في يوم ٥ يونيو/حزيران ٢٠١٧ قطع علاقتها مع قطر، بسبب إصرار الأخيرة على دعم التنظيمات المتشددة في عدد من الساحات العربية.

وفي 22 يونيو/حزيران ٢٠١٧، قدمت الدول الأربع إلى قطر، عبر الكويت، قائمة تضم 13 مطلبا لإعادة العلاقات مع الدوحة، كلها تدور في فلك ما سبق أن تعهد به أمير قطر في إطار اتفاق الرياض ٢٠١٣ واتفاق الرياض التكميلي ٢٠١٤. 

وبدلا من أن تبدأ قطر في تنفيذ المطالب الـ13 للدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب الهادفة إلى تصويب سياسة نظامها استمرت في المكابرة، والتدخل في شؤون دول المنطقة الداخلية بشكل يمس أمنها القومي، عبر التآمر مع العملاء على الأرض أو عبر شن حملات افتراء وترويج أكاذيب منظَّمة وممنهجة تقوم بها قناة "الجزيرة" وإعلام قطر، وتنظيم منتديات ومؤتمرات تستهدف الدول المقاطعة. 

وبدأت قطر تعمل في تحالفات علنية وبشكل صريح تضم تركيا وإيران للإضرار بأمن واستقرار دول المنطقة، والعمل على شق الصف الخليجي والعربي. 

فرصة ضائعة 
وحرصا على الشعب القطري ومصالحه، وتجنيب الشعب تداعيات سياسات النظام القطري، منحت دول الرباعي العربي النظام القطري فرصة لتسوية أزمته، وبدأت السعودية محادثات مع قطر لهذا الغرض.

وبعدم جدية واضحة أجهضت قطر مبكراً المحادثات مع السعودية، رغم حاجة الدوحة الشديدة لإنهاء المقاطعة المستمرة، بحسب ما نقلته "رويترز" عن مصادر متعددة. 

وتحدثت المصادر عن عدم جدية قطرية في التعامل مع هذه المحادثات التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، رغم أن الرياض فتحت الباب أمام الدوحة للتعهد بإحداث تغيير جوهري فيما يرتبط بسياستها الخارجية تجاه المملكة والإمارات ومصر والبحرين. 

وأمام الموقف القطري أنهت السعودية المحادثات عقب القمة الخليجية التي عقدت في الرياض، ديسمبر/كانون الأول الماضي، وتغيب عنها أمير قطر. 

كما ظهر جلياً خلال تلك المحادثات استمرار قطر في سياساتها التخريبية، عبر محاولة استغلال تلك المحادثات لمحاولة شق صف دول الرباعي العربي، لكن الرد نزل عليها حاسما من دول الرباعي العربي بأننا دول الرباعي يد واحدة.  

الحل في معالجة الأسباب
وقبل عدة شهور وجهت السعودية ٣ رسائل حاسمة وواضحة للنظام القطري عبر كلمة ألقاها وزير الدولة للشؤون الخارجية عادل بن أحمد الجبير في البرلمان الأوروبي.

بتلك الرسائل يضع الجبير العالم وقطر أمام مسؤوليتهما، حيث حدد ٣ أسباب لاستمرار الأزمة، تتضمن في جوهرها تقييما مهما يعكس مدى تجاوب النظام القطري مع الدعوات المتتالية لتغيير سياساته وسلوكياته لحل أزمته. 

والأسباب الثلاثة لاستمرار الأزمة هي أن قطر لا تزال تواصل دعمها للتطرف، والتدخل في شؤون المملكة ودول المنطقة، وتستخدم وسائل إعلامها لترويج خطاب الكراهية، وهو ما تنفيه قطر. 

تصريحات الجبير تضمنت ٣ رسائل واضحة ومباشرة للنظام القطري تؤكد أولها أنه لن يكون هناك حل لأزمة قطر، إلا عبر استجابتها لمطالب الدول الأربع، وتوقّفها عن دعم الجماعات المتطرفة، والكفّ عن التدخل في شؤون تلك الدول، وإعادة تصويب خطابها الإعلامي المروج للكراهية التي تتبناه وسائل إعلامها، وعلى رأسها "الجزيرة". 

الرسالة الثانية، وشملت دعوة مباشرة للنظام القطري لتغيير سياساته، وهو ما يعكس حرصا سعوديا متواصلا على حل الأزمة حرصا على الشعب والعلاقات الأخوية. 

وجاءت الرسالة الثالثة في تصريحات الجبير لتؤكد أن المملكة كانت وما زالت حريصة على عدم تأثير أزمة قطر على سير أداء مجلس التعاون الخليجي، وهو ما برهنت عليه بالفعل عبر توفير التسهيلات اللازمة للوفود القطرية للمشاركة في الاجتماعات الخليجية بالمملكة وتوجيه الدعوة لأمير قطر تميم بن حمد للمشاركة في القمة الخليجية الأخيرة التي استضافتها الرياض ديسمبر/كانون الثاني الماضي، وغاب عنها أمير قطر. 

متفقا مع الجبير، جاءت أيضا تصريحات الدكتور أنور بن محمد قرقاش وزير وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية في أكثر من مناسبة والذي أكد من خلالها على أن أزمة قطر كانت نتاجا طبيعيا للسياسات التدخلية للدوحة، وحلها "لا يمكن دون معالجة الأسباب".

تصريحات الجبير وقرقاش حملت رسالة واضحة لقطر بأن رهانها على معيار الوقت لحل أزمتها دون حل مسببات الأزمة، هو رهان خاسر ولا حل للأزمة دون تلبية مطالب الرباعي العربي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

المقاطعة الخليجية: 3 أعوام من السعي القطري نحو إيران وتركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

مع مرور 3 أعوام بالتمام على بدء أزمة قطر، تقربت الدوحة أكثر من أنقرة وطهران واستمرت، وفق مراقبين، في دعم خطاب التطرف، وهو السبب الأساسي في مقاطعتها من قبل السعودية والامارات ومصر والبحرين.
هذه المقاطعة كانت محصلة لجهود امتدت منذ منتصف التسعينات، حاولت خلالها خصوصا السعودية والامارات إقناع قطر بالتخلي عن سياسة استعداء جيرانها ووقف التحريض الاعلامي ضد دول الخليج.
وكان هذا من نتائج التغير الكبير الذي عاشته قطر في 1995 حين انقلب الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على والده، وأنشئت في العام التالي قناة الجزيرة، الذراع الإعلامية التي تبرر وتدعم السياسة الخارجية القطرية في التدخل بالشؤون الداخلية للدول العربية.
وعلى مدى هذه السنوات، انعقدت قمم ولقاءات رسمية بين قطر وجيرانها على أمل ثنيها عن تدخلاتها خصوصاً في سنوات ما سمي بـ"الربيع العربي"، الذي قدمت فيه قطر، بحسب مختصين، دعما مباشرا ومنابر إعلامية للجماعات المتطرفة، لا سيما القاعدة والاخوان المسلمون.
وكانت قطر تصور نفسها خلال تلك الفترة بأنها داعمة للثورات، لكن الوقائع على الأرض كشفت عن خطورته الخطاب التحريضي الانقسامي وحجم الفوضى التي نشرتها قطر في دول مثل مصر وسوريا وليبيا.
في موازاة ذلك، تقوم قطر بمحاولات جاهدة لتلميع صورتها في العالم عبر حملة دبلوماسية موسعة بدأها أمير قطر الشيخ تميم في الأسابيع الأولى التي تلت إعلان المقاطعة يوم الخامس من يونيو/حزيران 2017.
واعتمدت قطر في تجميل صورتها بشكل رئيسي، على عقود الغاز والنفط والتطوير العقاري أو ما يسمى "دبلوماسية العقود" في العديد من الدول الغربية. وأنفقت مليارات الدولارات على مراكز بحث ودراسات لتقديم النظام القطري الى العالم.
وزار أمير قطر الكثير من الدول الغربية والعربية لإقناعها بالتوسط لإجراء مصالحة لكن دون تغيير موقفه أو إبداء اأي استعداد جدي لتلبية مطالب الدول الأربع.
وطلبت هذه الدول من قطر، ضمن سلسلة مطالب لإعادة تطبيع العلاقات، وقف دعم وتمويل الجماعات المتشددة بما فيها القاعدة وداعش والاخوان المسلمون والحرس الثوري الايراني.
كما طلبت الدول الأربع تحجيم علاقات قطر بإيران وتركيا اللتين تدعمان بدروهما وتمولان جماعات متطرفة تنشط في مناطق النزاع في الشرق الاوسط، ووقف الخطاب التحريضي لقناة الجزيرة.
معظم هذه المطالب ظلت مطروحة على قطر رسميا منذ 2013 حين تعهدت الدوحة بتنفيذها وتراجعت، كما تنصلت أيضاً من الاتفاق الذي انعقد في الرياض عام 2014.
هذا التردد وعدم الجدية طبع سلوك قطر في السنوات التالية حتى أواخر العام الماضي حين ظهرت معلومات عن حدوث انفراجة ثم تراجعت الدوحة بسبب ما قيل حينها انه خلاف داخل الأسرة الحاكمة حول المصالحة الخليجية.
لكن الواضح أكثر هو خضوع الدوحة لمواقف ايران التي فتحت تجارتها مع قطر، وتركيا التي أرسلت آلاف الجنود الى الدوحة بعد ايام من إعلان المقاطعة قبل 3 أعوام.
ورغم النفوذ التركي والإيراني في مراكز صنع القرار في قطر، لا تزال الدوحة ترفض مطالب الدول المقاطعة بحجة السيادة والاستقلال.
كل هذه العزلة التي فرضتها قطر على نفسها كانت نتيجة للآمال التي علقتها على ايران، وتركيا، وكلاهما تتدخل مباشرة في صراعات سوريا والعراق واليمن وليبيا.
لكن اللافت أيضاً أن قطر لم تتوقف عن انشطتها في مجال دعم الأصوات المتشددة، خصوصا في الدول الغربية حيث وصلت الى تمويل مساجد بعينها في اوروبا ومحاولات التأثير على النظام التعليمي في الولايات المتحدة وايطاليا، وفق ما نشرتح وسائل إعلام غربية.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

حسين مروّة.. وُلد شيخاً ومات طفلاً برصاص الحقد الطائفي

2020-06-04

يُحكى أنّ النسر إذا بلغ أربعين عاماً، فإنه يطير إلى قمة عالية، ثم ينتف ريشه، ويضرب منقاره بصخرة صلبة حتى يكسره، وكذلك يفعل بمخالبه، ثم يمكث في عزلته شهوراً، فإذا بمنقار جديد أكثر حدة يخرج مكان القديم، ومخالب أشدّ قوة تنبت بدلاً من تلك التي أصابها الزمن بالوهن، بينما يكسو الجسدَ ريشٌ جديد، أكثر بريقاً، فيعود النسر شاباً ليعيش بعدها أربعين سنة أخرى .

في جنوب لبنان، ولد حسين مروّة لعائلة شيعية، حيث كان الانتماء للطائفة أمراً ينطوي في جوهره على حمولة اجتماعية ودينية تؤطر حياة الفرد، وتوجهه في سياقات محددة سلفاً. أراد له والده أنْ يصبح رجل دين، ولُقّبَ في مهده بالشيخ، وما إن اشتدّ عودُه حتى أرسله إلى العراق ليدرس في الحوزة العلمية بالنّجف، علّه يصبح ذات يوم مرجعية يلجأ إليها الناس، ويحيلون عليها.

درس حسين مروة التراث، ومضى يمارس التفكيك المفاهيمي لمعطياته، واضعاً يده على مكامن الفكر الثوري فيه

عند العتبات المقدسة استيقظت مداركه، ومضى عقله النقدي يعمل النظر  في كل ما حوله، وكل ما درسه على يد المرجعيات الدينية هناك، لتدوّي في أعماقه جملة دفعته نحو العبور إلى حيث مرافئ الخلاص خارج مدارات المذهبية الضيقة: "ألا مرجعية سوى الإنسان"، لينخرط في صفوف اليسار مدافعاً عن العدالة الاجتماعية، وسرعان ما استيقظ المناضل في قلب الشيخ الذي لم يهدأ بعدها أبداً.
خلع الشيخ عمامته، ليعمل في سياق الحركة الوطنية العراقية كاتباً وخطيباً ومناضلاً، ونتيجة لمواقفه، قام نوري السّعيد بإبعاده عن العراق، وسحب منه الجنسية العراقية التي كان قد حصل عليها، ليعود إلى بيروت عام 1949 وقد بلغ الأربعين من عمره.
كبرياء النسور
بكبرياء النّسور، رفض مروة الهزيمة، ونفضَ عن كاهله وطأة ما تعرض له من ظلم، لينبت له ريش جديد، استعاد به عنفوان جناحيه قبل أنْ يطرق بقوة أبواب السماء .

إذا دفع الحجر اندفع، وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكانه بمقتضى الطبيعة

واصل حسين مروة كتاباته الصحفية، ونضاله السياسي، خارج أطر المذهبية، ليصبح مفكراً لكل لبنان، ينتمي للوطن ولكل ما هو إنساني، ويرفض كل ما هو طائفي، وهو ما كان يمثل خطراً للحركات السياسية التى ارتكزت أيديولوجيتها على منطلقات دينية طائفية، بينما ظل هو غير عابئ بالتهديدات، ينزع غطاء الشرعية السماوية عن الفرقاء الذين انخرطوا في مجاهل حرب أهليّة طاحنة مزقت الوطن شرّ ممزق. يقول "حنّا مينه": "لم يكنْ مُعلّماً فحسب، بل كان أخاً كبيراً، يسوق الكلام، كأنما يطرح أسئلة، ينتظر جوابها، في حين يتولى هو نفسه الإجابة، عبر حوار هادئ".

تثوير التراث
درس مروة التراث، ووضع يده على الكيفية التي بات يُقرأ بها على عواهنه، ليقرر كسر حلقة السرد والتكرار الرتيبة، ومضى يمارس نوعاً من التفكيك المفاهيمي لمعطياته، واضعاً يده على مكامن الفكر الثوري في ثناياه، وفي أحيان كثيرة كان يقوم بتثوير هذا الفكر العربي القديم لغة ومضموناً، فالتصوف مثلاً -في ظنه- لم يكن مجرد حالة إنعزالية يصاحبها الزهد، وإنما يرمز إلى حركة ثورية يكشف عنها المحتوى الأيديولوجي للفكر الصوفي نفسه، والذي ينطوي، وفق مروّة، على نظرية ثورية بوضعها التاريخي، فحركة الزهد في مراحلها الأولى، وفي تطوراتها اللاحقة، تكشف عن كونها موقفا ثورياً يرفض في جوهره ما ذهب إليه أطراف النزاع السياسي المتأجج منذ مقتل الخليفة عثمان بن عفان، قبل أنْ تتحول بنية هذا السلوك الانعزالي إلى رؤية فلسفية أكثر شمولاً، يراها أصبحت تمثل مرجعية فكرية لقوى المعارضة منذ العصر العباسي، وهو ما يفسّر قيام السلطة بملاحقة المتصوفة ومحاكمتهم، وإنزال أشدّ العقاب بهم، وقد بلغ الأمر ذروته بصلب الحلاج، قبل أنْ يتم إفراغ التّصوف من مضمونه بتحوله (الطرقي)، ليصبح وسيلة لتخدير الجماهير، وتثبيط كل جنوح نحو التمرد والثورة.

أصبح مروة بلا منازع مؤسس مدرسة النقد الواقعي الاشتراكي في مواجهة النزعات الرجعية والمثالية

وفي معالجته لمسألة القوانين الموضوعية في الطبيعة، مضى مروة يتتبع النزعات المادية، مؤكداً أنّ المعتزلة استشرفوا وجود تلك القوانين التى تجري وفقها الظاهرات الطبيعية كلها، مدللاً على ذلك بالرجوع إلى مبحث "الجزء الذي لا يتجزأ" وإلى مختلف آراء المعتزلة في مسألة الجوهر والعرض، متتبعاً ما أسماه بمحاولات معتزلية لتصور هذه القوانين، مستخرجاً ومحللاً المقاربات التى ترجح ذلك، مثل مقولات الشهرستاني حول خضوع كل جسم طبيعي لقوانين ثابتة: "إذا دفع الحجر اندفع، وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكانه بمقتضى الطبيعة"، وهو ما يجد فيه محاولات لتلمس الوجود الموضوعي لقوانين الطبيعة، والتي تتلاقي في الوقت نفسه مع طروحات معمر بن عباد السلمي: "الحياة فعل الحي، القدرة فعل القادر، الموت فعل الميت"، ويتجلى كل ذلك في قوله الصريح إنّ "حركات الفلك وكل ما اشتمل عليه الفلك من ذي حركة أو سكون، وتأليف وافتراق ومماسة ومباينة، فعل غير الله"، اتفاقاً مع كلام الجاحظ الوارد في قوله: "إنّ للأجسام طبائع وأفعالاً مخصوصة بها".

معول النقد الديالكتيكي
أعملَ حسين مروة معول النقد الديالكتيكي، لا لهدم التراث، وإنما لتقويض الخطاب الصّنمي القروسيطي الذي اعتاد العرب أنْ يتحدثوا به كلما قرأوه، واضعاً يده على الطريقة التي عملت بها حركة القوى الاجتماعية، في تفاعلها بما حولها من البنى التحتية، وما فوقها من بنى سياسية، وعلاقتها بالأنماط التاريخية في صيرورتها وحركتها بين مرحلة وأخرى، محاولاً استنطاق التراث، واستخراج مقولاته العليا وقوانينه المادية التي اتفقت إلى حد كبير مع رؤيته الماركسية.
الماركسية بنزعة جمالية
اكتسبت الماركسية، مع مروة، نزعة جمالية، ونهجاً واقعياً جديداً، ليصبح بلا منازع مؤسس مدرسة النقد الواقعي الاشتراكي، في مواجهة النزعات الرجعية والمثالية، حيث اهتم بالجانب العملي التطبيقي، منطلقاً من طبيعة الاحتياجات الإنسانية وقوانين تطور المجتمع، وفق منهجية نقدية تهتم بكيفية عمل الخصائص التعبيرية، وسبر أغوار تلك العلاقة بين النص ومدلولاته الرمزية، وكيفية عمل تلك المدلولات ومدى ما تقدمه من حمولات معرفية.

رفض كل ما هو طائفي، وهو ما كان يمثل خطراً للحركات السياسية التى ارتكزت أيديولوجيتها على منطلقات دينية طائفية

اقتربت الأربعون سنة الأخرى من الاكتمال في حياة النسر المحلق دوماً عكس التيار، وقد أصبح العقل المفكر للحزب الشيوعي اللبناني الذي بات في مقدمة الصفوف في مواجهة الصهيونية، رافعاً راية إعادة تقييم وصياغة المشروع العروبي في ظل ارتهانات الواقع، ورافضاً في الوقت نفسه الانصياع لمحاولات الاستقطاب التى مارسها حزب الله، قبل أنْ تتحول إلى تهديدات صريحة في ظل تواطؤ القوات السورية التى بات حسين مروة بالنسبة لها أكثر إزعاجاً.
وفي السابع عشر من شباط (فبراير) عام 1987، حدث ما كان متوقعاً، وأسكتت رصاصات الغدر صيحة الرفض التي انطلقت في مجاهل الحرب الأهلية البغيضة، وللمفارقة أشارت كل أصابع الاتهام لحزب الله، ليسقط الشيخ المناضل الذي أرسله والده في الصغر للتفقه في المذهب، ولم يكن يعلم أنه سوف يسقط شهيداً بيد أتباعه انصياعاً لقوانين حرب ملعونة، وهو ما لخصه مهدي عامل في تأبين رفيقه قائلاً: قتلوك لأنك شيعي وشيوعي.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية