الحشد الشعبي في العراق.. مأسسة الطائفية وتفتيت الدولة الوطنية

الحشد الشعبي في العراق.. مأسسة الطائفية وتفتيت الدولة الوطنية
صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
6684
عدد القراءات

2019-06-11

ظلّ ظهور الحشد الشعبي في العراق إبان سقوط مدينة الموصل، تحديداً، وبقية المحافظات ذات الكتل السنّية، يحوي غموضاً والتباسات شديدة، وهو الأمر الذي يرافق مستقبلها بنفس القدر، وينعكس كذلك حول مآلات أدوارها التي تقوم بها بعد تقنينها.

اقرأ أيضاً: "الحشد" و"الحزب": ذَوَبان في المحبوب
فقبل خمسة أعوام، شهدت الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، سقوطها في قبضة ما يعرف بـتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، في ظل ضعف قوات الجيش العراقي، ونقص إمكانياته العسكرية، التي وصفت من قبل مراقبين بـ"الملغز"، خاصة، مع عدم استجابة الحكومة في بغداد، ممثلة في رئيس الوزراء حينها، نوري المالكي، الذي بدا متردداً أمام صد الهجوم، لنداءات القوات العسكرية المرابطة حول المدينة ومدّها بأية تعزيزات.
جاءت بدايات التأسيس، من خلال الفتوى التي أصدرها المرجع الشيعي، آية الله علي السيستاني

انبعاث الطائفية
دشّن هذا الانهيار، الذي أصاب بنية المؤسسة العسكرية والأمنية في الموصل، الملامح الأولى لتشكيل ما عرف بـ "الحشد الشعبي"، خلال أربعة شهور من سقوطها المدوّي، واستطاعت بعدها من استعادة المدنية، وتصفية وجود "داعش"، لتملأ بذلك فراغ التنظيم الإرهابي، ومعه وجود الدولة الهش، ومن ثم، تفرض نفسها كلاعب سياسي وإقليمي.

اقرأ أيضاً: ميليشيات في "الحشد" باتت "مافيا خارج السيطرة"
وقد جاءت بدايات التأسيس، من خلال الفتوى التي أصدرها المرجع الشيعي، آية الله علي السيستاني، التي تدعو كل من يستطيع حمل السلاح إلى التطوع في القوات الأمنية، بغية قتال مسلحي تنظيم داعش، وتجيز التعبئة الشعبية لدرء خطر تنظيم الدولة، وهو ما وصف فقهياً بـ "الجهاد الكفائي".
وعلى إثر ذلك، تكونت تنظيمياً "وحدات الحشد الشعبي"، التي جاءت من خلال مكتب رئيس الوزراء، نوري المالكي، الذي سبق وكان الطرف الرئيس، والمسؤول المباشر سياسياً، في عدم وصول التعزيزات العسكرية، نحو القوات المرابطة بالموصل أثناء مواجهتها "داعش".
بيد أنّ خروج هذه القوات من مكتب رئاسة الوزراء، جاء بدعوى العمل بشكل رسمي ومؤسساتي، بالشراكة مع القوات الأمنية الرسمية للدولة، قبل أن تنفرد بالعمل ويجري تقنينها رسمياً من خلال مجلس النواب لاحقاً، في مخالفة للقانون والدستور، الذي لا يسمح بتشكيلات عسكرية طائفية.
تطوع الآلاف من العراقيين في قوات الحشد، بعد فتوى السيستاني

فتوى السيستاني وبداية التأسيس
تطوع الآلاف من العراقيين في قوات الحشد، بعد فتوى السيستاني، والذين جرى حشدهم وتعبئتهم في الميلشيات المسلحة، والتي تكونت من عناصر كانت موجودة من قبل، كمثل كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، ومنظمة بدر؛ إذ جرى توحيد العديد من تلك الميلشيات، وجميعها يرتبط إقليمياً بإيران، وتنضوي تحت لواء الحرس الثوري الإيراني، لتأسيس "وحدات الحشد الشعبي"، بدعم وتدريب من نظام الملالي، ويقدر أعدادهم، وفقاً لمصادر صحفية، بنحو أكثر من 140 ألف، بين مجموعات عسكرية قتالية، وأخرى لوجيستية.

د. أحمد إدريس: فُتحت أبواب التطوع لمقاتلة داعش عبر شعارات طائفية وهي الدفاع عن المقدس الشيعي في العراق

ويعد العام 2016، بمثابة لحظة التأسيس، والميلاد الثاني للحشد الشعبي، من ناحية، ونقطة التحول والتطور، تنظيمياً وسياسياً، من ناحية أخرى؛ إذ مرر البرلمان العراقي قانوناً، أدى إلى تقنين وضع "الحشد الشعبي"، فتحولت من فصيل عسكري غير نظامي، إلى مكون سياسي وعسكري رسمي، مثله كمثل القوات الأمنية الخاضعة للدولة، وهو ما يبعث بأسئلة عديدة، تتجدد باستمرار، لتعقب مستقبل هذه القوات، وماهية دورها، ناهيك عن التشكيك في طريقة التصويت على القانون، خاصة، وأنّ ثمة اتهامات "طائفية"، لحقت بعناصر تلك القوات، ارتكبتها ضد مواطنيين عراقيين، في المدن ذات الأغلبية السنّية، ووثقتها جهات حقوقية.
وقد أوصت منظمة العفو الدولية، الدول التي تزود العراق بالأسلحة، بأن تضع ضوابط صارمة لمنع وصول الأسلحة لميليشيات الحشد الشعبي، بهدف تفادي وقوع جرائم حرب في حق المدنيين، ووصفت في تقريرها تلك الميليشيات بأنّها "ارتكبت جرائم قتل وعذبت واختطفت آلاف الرجال والصبيان".

اقرأ أيضاً: ثارات وتصفية حسابات داخل الحشد الشعبي

وأوضحت المنظمة الدولية أنّ قوات الحشد، قامت بعمليات إعدام خارج نطاق القضاء، وتعذيب واختطاف آلاف الرجال والفتيان، دونما خشية من أي عقاب، بينما كشف التقرير الصادر عن المنظمة، أنّ امتلاك الحشد الشعبي لأسلحة مصنعة، في 16 بلداً على الأقل، وتتراوح بين "أسلحة صغيرة وأخرى خفيفة، بالإضافة إلى صواريخ، وأنظمة مدفعية، ومركبات مصفحة، صينية وأوروبية وعراقية وإيرانية وروسية وأمريكية".
 الحشد الشعبي العراقي، يعد من أخطر الظواهر التي تهدد الدولة العراقية

الميليشيا الطائفية إذ تتحول لقوة نظامية
ورغم ذلك، يوصف القانون الذي قنن أوضاع ميليشيا الحشد الشعبي باعتبارها "فصائل وتشكيلات قانونية تتمتع بالحقوق، وتلتزم بالواجبات، باعتبارها قوة رديفة ومساندة للقوات الأمنية العراقية، ولها الحق في الحفاظ على هويتها وخصوصيتها، ما دام لا يشكل ذلك تهديداً للأمن الوطني العراقي".

اقرأ أيضاً: الحشد الشعبي يعيد الدواعش بزيّ جديد
وفي دراسة منشورة للباحث العراقي، الدكتور عبد الناصر مهداوي، يشير إلى أنّ الحشد الشعبي العراقي، يعد من أخطر الظواهر التي تهدد الدولة العراقية، وتضعها على المحك؛ لأنه حتى بعد التشريع والتقنين الذي حظي بهما ذلك التنظيم الميليشياوي، إلا أنّه يمثل تهديداً كبيراً، خاصة، بعد انتهاء مهامه القتالية، وانتهاء مبرر وسبب وجوده بعد تحرير المحافظات العربية السنّية من سيطرة داعش، وطرد التنظيم الإرهابي إلى الصحارى والقفار، بعيداً عن حواضر المدن العراقية.
ويوضح المهداوي، أنّ من بين أبرز موطن التهديد، يكمن في محاولة بعض القادة السياسيين من أصحاب التأثير، توظيف هذا التشكيل لخدمة أغراضهم السياسية وتمكين مشروعهم، التابع لولاية الفقية على العراق، وذلك على المدى البعيد.

صراع المرجعيات
ويخلص في دراسته، إلى أنّ وجود الحشد الشعبي على شاكلة الحرس الثوري الإيراني، هو بمثابة تمكين وتمديد هيمنة الجمهورية الإسلامية في إيران على العراق، ومقدراته. لذا، أوصى بـ"تقليم أظافر إيران، وتحجيم وجودها في العراق، بحيث يكون ذلك في صالح التوجه الوطني العراقي، حتى لا يخدم شيئاً آخر، سيما الإستراتيجة الأمريكية في المنطقة ككل، وتغيير الخريطة السياسية. وبمعنى آخر، بات الحشد الشعبي يمثل "حصان طروادة" بالنسبة للمشروع الطائفي الإقصائي في العراق، ووجوده وتكريسه وتقويته، بهذا الشكل، يعني تكريس قوة الإستراتيجية الإيرانية في العراق، وحله ودمج أفراده في المؤسسات المدنية والعسكرية، كما هو واقع الحال، يعني نجاح الإستراتيجية الأمريكية في العراق".

اقرأ أيضاً: ما هي الأهداف الخفية وراء تعبئة "الحشد الشعبي"؟
ويرى الصحفي العراقي، الدكتور أحمد إدريس، أنّه بعد اجتياح داعش مدينة الموصل، ووصولها على أعتاب بغداد، وتهديدها للمراقد الشيعية المقدسة، في محافظتي النجف وكربلاء، بالهدم والإبادة، ترتب على ذلك تهيئة الأجواء السياسية والطائفية، بهدف الاستثمار في تلك الأوضاع المتأزمة، وعلى الفور، أصدر المرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، فتواه الشهيرة المسماة بـ"الجهاد الكفائي"، وتوظيفها في حشد وتعبئة المواطنين، لمواجهة خطر الإرهاب الداعشي؛ إذ حثّ الناس على التطوع، في صفوف القوات الأمنية العراقية، لمساندتها في مواجهة التنظيم المتطرف، فهب العديد من الشباب الشيعة العراقيين للتطوع.

دشن الانهيار المدوّي الذي أصاب بنية المؤسسة العسكرية والأمنية في الموصل الملامح الأولى لتشكيل ما عرف بالحشد الشعبي

بيد أنّ المفارقة، بحسب الصحفي العراقي، كانت في استثمار فتوى المرجع السيستاني، من الفصائل المسلحة، المدعومة من إيران، والتي كانت تزعم مقاومة الوجود الأمريكي في العراق.
ويضيف إدريس لـ "حفريات": "فتحت أبواب التطوع لمقاتلة داعش، عبر شعارات طائفية؛ وهي الدفاع عن المقدس الشيعي في العراق، في حين أنّ دعوى السيستاني كانت واضحة ومحددة، تتمثل في الدفاع عن الوطن العراقي، ومن ثم، المقدسات، وتطورت الأوضاع إلى أن أضحى الوجود العسكري للمتطوعين له شرعية قانونية، حيث عملت الحكومة العراقية على إعطائه تسمية "نظامية"؛ وشرعت القوى السياسية الشيعية على تشريع قانون له داخل البرلمان، وتشكيل هيئة مستقلة، مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة، ورئيس الوزراء، عرفت بـ"هيئة الحشد الشعبي".
وحول مدى التجانس التنظيمي داخل صفوف تشكيلات الحشد الشعبي، وتبعيتهم السياسية والأيديولوجية، بالإضافة إلى ارتباطاتهم الإقليمية، يوضح المصدر ذاته، أنّه في داخل الحشد الشعبي، ثمة تناحر بين الفصائل المسلحة؛ حيث يوالي ويتبع الكثير منها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، وهؤلاء لهم رعاية جيدة داخل المؤسسة العسكرية العراقية الجديدة، من حيث تزويدهم بالرواتب، والعتاد العسكري، والاهتمام المعنوي، في حين تعاني فصائل أخرى من تهميش داخل الحشد، لكونها تتبع المرجع الشيعي الأعلى، صاحب الفتوى، في النجف، السيد السيستاني، لكنها تخضع لأوامر رئيس الوزراء، وتعليماته، كما طالبت المرجعية النجفية بذلك.

اقرأ أيضاً: الآشوريون في العراق: من جحيم "داعش" إلى رمضاء الحكومة والحشد الشعبي
ويتابع: "هذه الفصائل شكلت توجهاً جديداً لدى الشباب الشيعة؛ حيث تتولى إدارة وتأمين العتبات المقدسة، في محافظتي النجف وكربلاء، عبر تشكيل فصائل مسلحة، عرفت لاحقاً بألوية (علي الأكبر، والعباس، والكرار)، وجميع أفرادها "سيستانيون"، يتبعون أوامر القائد العام للقوات المسلحة العراقية، بينما الفصائل الموالية لطهران، فتتبع أوامر أبي مهدي المهندس، الذي تم وضعه في منصب نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي (بدرجة وكيل وزير)، والأخير، يتعاطى بصورة متفاوتة، مع رئيس الوزراء، تتحدد حسب موقف الإدارة الإيرانية من نظيرتها العراقية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



النسوية الإسلامية والسينما: هل ارتقى الفن السابع بقضايا المرأة؟

2020-02-20

تعد السينما من أبرز الفنون متابعة واهتماماً من قبل الجمهور، وتحمل ملامح الفن مجتمعة، متمثلة في الفكر والكلمة والصورة والصوت واللون؛ فمنذ اللقطة الأولى لـ"الفن السابع" كان الإنسان هو محور ما يتم تصويره، وشغل حيز الصورة والفكرة التي تُقدم.

ينتهي فيلم الأفوكاتو مديحة (1950) بصفعة من البطل على وجه زوجته إعلاناً منه استردادَه لدوره!

وفي خضم هذه الثورة البصرية التي أحدثتها الصورة السينمائية شهد العالم تطوراً على صعيد آخر، وهو الصعيد الفكري والاجتماعي؛ أو بمعنى أدق تغير وإحلال نقاط التركيز التي طالما شغلت الفكر العام، ومصر لم تكن بمعزل عن هذا التغيير الفكري والحركات الفكرية التي نشأت، سيما في اشتباكها مع القضايا المتعلقة بالمرأة.
ومع مطلع القرن العشرين شكل التوجه النسوي، الذي انتشر سابقاً في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عنصر جذب للعديد من النساء المتعلمات اللاتي وجدن فجوة كبيرة بين وضعهن ووضع النساء الأخريات في الغرب، لهذا وجب عليهن التفكير وطرح تساؤل مهم، وهو: لِمَ لا نتمتع بالحقوق المماثلة للرجل؟ فكيف عالجت السينما المصرية هذه القضية، وهل اشتبكت بشكل مقنع وجادّ مع هذه التساؤلات الجديدة التي فرضها إيقاع الحداثة والتغيير؟
نقاش مجتمعي
سينمائياً، التساؤل المجتمعي عن حقوق المرأة العربية طرح بدوره العديد من الأسئلة، هل تعاني المرأة حقاً من تهميش؟ ومن المتسبب في هذا؟ وكيف يتم التعامل مع هذا الوضع؟
لم تكن الإجابة عن هذه الأسئلة سهلة في مطلع القرن العشرين، ويعود هذا إلى غياب الوعي الكامل لدى أغلب النساء بوضعهنّ، وهو ما يصعّب مهمة المطالبات بتحسين هذا الوضع، أو فتح باب النقاش له، كما أنّ قنوات الاتصال لتوصيل هذه الفكرة وتداولها وطرحها للنقاش المجتمعي لم تكن متوفرة إلا عن طريق الجرائد الأهلية وبعض المجالس النقاشية التي لم تكن متاحة للجميع، فضلاً عن هيمنة العنصر الأبوي الذي لن يسمح بتداول مثل هذه الأفكار، فهي تمسّ مكانته في المجتمع والدور الريادي الذي يقوم به.

لعبت كل من ملك حفني ناصف وهدى شعراوي دوراً رائداً، في تاريخ الحركة النسائية المصرية، وفي أفكار هذه الحركة الفكرية الجديدة، لم يكن مفهوم النسوية الإسلامية قد حضر بقوة في طرحهن بعد، كما تم بعد ذلك، لكنهن فتحن المجال لتداول أفكار جديدة كحق الفتيات في التعليم وزواج القاصرات والحجاب والدور السيادي للرجل، الذي يكفل له إخضاع المرأة دون وجه حق.

اقرأ أيضاً: النسويّة الإسلامية.. تطلّع نحو المساواة أم ضرورة سياسية؟
تنفست الحركة النسوية الصعداء مع ثورة 1919 ومساندة الحركة النسوية لتلك الثورة المجيدة كفلت لها شهرة أوسع كما مكّنت النساء من إثبات دورهن وحقهن مجتمعياً، لهذا اعتبرت ثورة 1919 ثورة فكرية ومجتمعية تقدمية إلى جانب كونها ثورة سياسية.
صفعة ذكورية تعيد التوازن!
اعتمد فكر النسوية الإسلامية على تحرير النص المقدس من التفسيرات التي حُمِّل بها من قبل المفسرين الرجال، وسعت النسويات إلى إعادة تأويل النصوص في ضوء نظرة الإسلام الأصلية للمرأة، كونها شريكاً في الحياة لا عنصراً خاضعاً ومضطهداً، فيما بعد بفعل التفسيرات التي جعلتها شيئاً؛ لا إنساناً له حق في القرار وتحديد المصير.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: حضور متزايد يُقيّد أفق المرأة
وسط هذا الجدل، لم تكن النسوية الإسلامية "المُسايِرة للسيطرة الذكورية" وأفكارها بعيدة عن الفنون، خاصة السينما التي هيمن عليها الفكر الذي تنبع منه، وهو الفكر الذكوري، أفرز أفلاماً تتلاءم معه، وتقدم رؤيته في القضايا التي شغلت الرأي العام، وتأتي رداً على مساعي بعض النساء لنيل حقوقهن عن طريق المنابر الفكرية، كما في فيلم الأفوكاتو مديحة (إنتاج 1950) لمؤلفه ومخرجه يوسف وهبي، الذي قدّم رؤيته للمجتمع والمرأة في أفلام عدة.

قدّم وهبي في هذا الفيلم نمط المرأة في صورة فتاة استطاعت أن تواصل تعليمها؛ حتى حصلت على شهادة الحقوق وأصبحت "أفوكاتو"، تُصوَّر مديحة على أنّها فتاة تهتم بالمظاهر، ولا تعنى بالجوهر، وهو ما دفعها لرفض الزواج بابن عمها، الذي تعتبره كأخيها، كما ترفض نمط الحياة الريفية التي نشأت فيها من البداية، خطابية وهبي لم تقف عند ما حملته شخصيته التي جسدها في الفيلم، شخصية "محمد أفندي أخو الأفوكاتو مديحة"، بل وصلت إلى ألسنة الشخوص الأخرى، مثل جابر بيه، الذي قدم دور صاحب العزبة التي يعمل بها محمد أفندي ناظراً، فمثّل خطابُه لزوجته قرب نهاية الفيلم تصوراً عاماً لنظرة الرجل لوضع المرأة، ويخبرنا هذا الخطاب بأنّه إذا ما تولّت المرأة زمام الأمور فقد يفسد كل شيء، وينتهي هذا الخطاب بصفعة على وجه زوجته إعلاناً منه استردادَه لدوره!
سياسة الاحتواء
بصورة أقل حدة، قدم فيلم الأستاذة فاطمة (إنتاج 1952)، فاطمة خريجة الحقوق التي تسعى لشق طريقها المهني بجوار جارها عادل الذي تربطها به علاقة حب؛ على وشك الانهيار نتيجة لخلاف فكري ومادي متمثل في تمسكها بخوض تجربة العمل، يقدم الفيلم نماذج متباينة من الرجال، الأول والد فاطمة، الذي يعاني من الأمية ويتعلم القراءة والكتابة، وقُدمت الشخصية بصورة كوميدية لكنها تحمل فكراً تقدمياً لدعم ابنته لاستكمال مسيرتها التعليمية والمهنية، ليس إيماناً منه بقدراتها وإنما حتى يتغلب على جاره، والد عادل.

اقرأ أيضاً: فاطمة حافظ: ما يقدمه السلفيون من نسوية يسيء للإسلام

أما عادل فهو شاب نابغ يمتلك مقومات النجاح، ويرى في فاطمة داعماً مهماً له، وعليها أن تكتفي بدورها بمساندته في المنزل كزوجة ترعاه، ويشتد الخلاف بينهما بعد إصرارها على مزاولة مهنة المحاماة، ويقدم الفيلم خطاباً احتوائياً لرغبة المرأة في المشاركة بالمجتمع وتحقيق حضور موازِ للرجل، عن طريق تولّيها لقضية اتُّهم بها عادل واستطاعت فاطمة تبرئته، لكنها اختارت في النهاية أن تكون كما أراد هو.

النسوية والاستقطاب
إنّ دعم قضايا المرأة ونقاش وضعها في المجتمع لم يكن تماشياً مع الثورة الفكرية الحاصلة وسط جموع النساء فحسب، بل تم توظيفه لخدمة أفكار وأوضاع سياسية واستقطابات قائمة فنجاح مشاركة النساء في ثورة 1919 تواءم مع الأفكار التقدمية التي حملتها تلك الثورة، كما استشعرت حركات أخرى قوة العنصر النسائي وقرّرت تقديمه في كنفها حتى تضمن احتواءها له، وهو ما حصل في حركة الأخوات المسلمات "الجناح النسائي لتيار تنظيم الإخوان المسلمين"، حيث رأى حسن البنا في تيار النسوية التقدمية الذي ترأسته هدى شعراوي تهديداً، وأسّس تياراً يقابله، تم تحديد دور الأخوات به للتصدي للحركة التحررية المدنية، التي شن عليها هجوماً كبيراً فور تأسيس جماعة الإخوان المسلمين العام 1928، إذ يرى البنا أنّ دور المرأة يقتصر على الإدارة المنزلية وتربية الأطفال.

سينما البدايات ذات الفكر الذكوري مثّلت رداً على مساعي بعض النساء لنيل حقوقهن عن طريق المنابر الفكرية

اعتمد خطاب لبيبة أحمد، أول رئيسة لقسم الأخوات المسلمات، على توضيح دور المرأة كراعية لأسرتها وسبيل التربية السليمة لأطفالها، وأكملت زينب الغزالي، إحدى رائدات هذا التيار داخل الجماعة، هذا النهج الذي واجه الكثير من الانتقادات، لا يمكن اعتباره نسوية إسلامية، فالتيار الذي تبنته الغزالي اعتمد على خضوع المرأة كمجند لخدمة الفكر الذي تقدمه الجماعة، فهو تيار ينمو ويتبلور في كنف الرجل/المرشد، دون التفكير في إعادة قراءة النصوص وتفسيرها، وكسبيل لاحتواء المرأة قدمت ثورة 1952 إجازة قانونية لمطالبات الحركة النسوية، من الحق في التعليم والإنتخاب والمشاركة في الحياة العملية والمجال العام، في المقابل تم منع الجمعيات التي نشطت في مجال حقوق المرأة من مزاولة أي نشاط سياسي واقتصر الأمر على الأعمال الخيرية، وبهذا تم تأطير وضع المرأة ليتناسب مع التوجه الناصري في المجتمع.

تمكين صوري
يعد فيلم مراتي مدير عام (إنتاج 1966) نموذجاً جيداً لقراءة مفهوم الاحتواء الذي أقامته الدولة الناصرية، تحت رعاية الرئيس جمال عبد الناصر، فالفيلم يقدم نموذجاً تقدمياً للمرأة العاملة بل والرئيسة في مجال عملها، حتى إنها ترأس زوجها في عمله، ويكشف الفيلم عن طريق الحوار تفوُّقَ هذه السيدة في دراستها الذي أهّلها لتصبح مديراً عاماً رغم صغر سنّها.

اقرأ أيضاً: السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه
لا يمكن اعتبار دور الرجل في هذا الفيلم معرقلاً لمسيرتها، لكن يظهر ما في صميم نفسه من أفكار يحملها، ومعه الكثير من الرجال والنساء أيضاً، فهذا فكر مترسخ منذ أعوام عديدة بل وعقود وقرون متزامنة، هذه الأفكار تكشف رؤيته للمرأة كونها تعمل على خدمة زوجها لا أكثر، رغم ندم الزوج على ما تفوه به، إلاّ أنّ هذا الحديث الذي لا يتعدى الدقائق يوضح نظرة الأغلبية للمرأة، فرغم خروجها لمجال العمل إلا أنّها ما تزال أقل بدرجة أو درجتين، وتم تغليف الأفكار الذكورية بغلاف تقدمي زائف.

يقدم "الاستاذة فاطمة" (1952) خطاباً احتوائياً لرغبة المرأة بالمشاركة مجتمعياً وتحقيق حضور موازِ للرجل

هذه الرؤية المتناقضة التي تتعامل مع ما وصلت له المرأة كونه منحة من الرجل/ اليد العليا في المجتمع، تراها النسوية الإسلامية تراكمات فكرية وعقائدية نتيجة لتفسيرات لخدمة الرجل، فالسواد الأعظم مما يتم تداوله من أفكار يعود إلى فكر ذكوري يعتمد على طرح يلائم الرجل ويجعله السيد في الموقف، ولا يحمل بالضرورة بنية سيئة أو مضرّة بالفطرة، وإنما لأنه توارث هذا؛ وبالتالي فسيكون تطبيقه تلقائياً في الحياة ومن ثم القوانين، فالقوانين تعتمد على ما سبق والموروث، وبالتالي فهي دائرة ذكورية استمرت على مر العصور والحقب، فالقراءة الأبوية الذكورية هي التي سمحت بالعنف والتمييز ضد النساء، وليس الإسلام أو النص القرآني.

تراكمات فكرية
يتعرض فيلم أريد حلاً (إنتاج 1975) إلى أزمة مجتمعية آنذاك، وهي قضايا الطلاق ورؤية القانون الوضعي الإنساني وتفسير القانون الديني (القرآن وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام والتفاسير الأولى للطلاق والزواج والمعاشرة بين الزوجين)، وفي تصريح واضح ومواجهة للمُشاهِد/ المجتمع عن المُسلَّمات التي جاءت في النصوص الإسلامية، مثل الذمة المالية المنفصلة للمرأة وحق المرأة في الطلاق، يصرح الفيلم في حواره بأنّ الشريعة الإسلامية شيء وتطبيق القانون شئ آخر.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟
وتماشياً مع هذا النهج أيضاً يطرح فيلم كرامة زوجتي (إنتاج 1967) نسقاً يتعلق بمساواة المرأة والرجل في سياق الاستقامة الزوجية؛ يقدم الفيلم في سياق كوميدي خفيف، لكن يلتفت إلى حق المرأة في استقامة زوجها، طالما طالبها هو والشرع والمجتمع والقانون بهذه الاستقامة من جانبها.

يعد فيلم مراتي مدير عام (1966) نموذجاً جيداً لقراءة مفهوم الاحتواء الذي أقامته الدولة الناصرية

في هذا السياق قدمت "ملك حفني ناصف" منذ ما يقارب قرناً من زمننا الحالي هذه الفكرة في كتابها "نسائيات"،"كيف تُحرّم التهتك على النساء دون الرجال"، كما أشارت إلى الميراث الذي نحمله في عقولنا ونطبقه دون تفكير أو وعي.
هذا الطرح وما شابهه قدمته السينما المصرية في الكثير من الأفلام، وعلى سبيل المثال ثلاثية نجيب محفوظ التي وجدت طريقها للسينما عن طريق المخرج حسن الإمام، مثل ثنائية في قصر الشوق (إنتاج 1957) في الشخصيات النسائية وهي "زنوبة" الراقصة اللعوب وأمينة الزوجة المخلصة لزوجها، أمينة لم تكن تملك من أمرها سوى الانصياع وتربية الأبناء وغض البصر عن كل التجاوزات التي يفعلها أحمد عبد الجواد، ولا يعود هذا وحسب لجهلها بما يفعل، وإنما بتكرار وتوارث هذا النموذج أمامها، فكيف تشتكي وقد نشأت على طبيعية هذه الأفعال من الرجل، فاللاتي سبقنها في الزواج حدث لهن هذا أيضاً واستمررن في العيش دون رفض، زنوبة التي يريدها أحمد عبد الجواد تتزوج ابنه ياسين بعد ذلك، هذا الابن الذي يحمل خصال والده، ويعتبر نتاجاً طبيعياً أفرزه سلوك الأب، فياسين رغم عمره وإشرافه على العقد الثالث إلا أنه مراهق يخشى من والده ويحاول الفكاك منه فيتشبه به ويفعل ما يفعله، رغبة منه في إعلان نفسه كرجل، واتخذ زواجه من زنوبة عنوان هذا الإعلان، وبهذا فالضحية ليست المرأة وحسب وإنما الرجل أيضاً في صور متباينة.

ولا عزاء للسيدات
فيلم "ولا عزاء للسيدات" (إنتاج 1979) قدم بخطاب توجيهي بعض الشيء قصة سيدة مطلقة، تعاني من الأحاديث المثارة حولها لمجرد أنها مطلقة، في الوقت الذي لم ترتكب فيه خطأً، وجُل ما تتمناه في هذه الحياة هو العيش بهدوء هانئة، فمن دون سبب أصبحت موصومة وعليها التعامل مع هذا الوضع حتى وإن لم تكن هي الراغبة في الطلاق أو الساعية له.

اقرأ أيضاً: "النسوية".. المرأة الغربية ماتزال تعاني التمييز
أمّا المخرج رأفت الميهي قدم العلاقة بين الرجل والمرأة ووضعهما الاجتماعي عن طريق الفانتازيا، ففي فيلم السادة الرجال (إنتاج 1987) قدم العبور الجنسي كسبيل تستطيع من خلاله فوزية العيش بكرامة وحق بعد أن تعرضت للمضايقات في الشارع والعمل وحتى في المنزل من قبل زوجها، يطرح الفيلم تساؤلاً مهماً، ماذا إذا أصبح نصف المجتمع ساعياً لأن يكون رجلاً حتى ينال الحقوق؟ سنفقد التوازن الطبيعي في الحياة والمجتمع، السؤال الأهم، هل نعتمد بأن نكون كلنا رجالاً حتى نحصل على الحقوق أم أن هناك سبيلاً آخر يكفل العيش بكرامة وبعدل للطرفين وبدوره التوازن المجتمعي؟

"ولا عزاء للسيدات" (1979) عالج بخطاب توجيهي قصة سيدة تعاني من مضايقات كونها مطلقة

تستمر فانتازيا الميهي في قلب الأوضاع كسبيل للنقد والجدل بعد ذلك، ظهر هذا بوضوح في فيلم سيداتي آنساتي (إنتاج 1989) أي بعد عامين من تقديم فيلم السادة الرجال، وفيه لا يلقي باللوم على الرجال أو على النساء وإنّما الأوضاع الاجتماعية والظروف التي أوصلت العلاقة بين الطرفين إلى طريق أشبه بالصراع وأنهكهما الشد والجذب، متطرقاً إلى نقطة الاستقلال المادي إذا ما توفرت لدى أحد الطرفين فإنه سيتغول.
تظهر النساء في هذا الفيلم مستقلات وقادرات على إدارة حياتهن، مع هذا فالسعادة الحقيقية غير مكفولة لا للنساء أو الرجال بالفيلم، يقف هذا العمل على أعتاب علاقة التعدد بطرح مغاير عن المعتاد، فتعدد الزوجات أمر مفهوم مجتمعياً، لكن السبيل له في هذا الفيلم مختلف تماماً عن المألوف، فالنساء الأربعة يقررن الزواج من محمود، هذا الرجل الحاصل على شهادة الدكتوراه، التي لا تعود عليه بالنفع ولا تكفل له حياة كريمة وما يدفعه لقبول عرض الأربع نساء بزواجه منهن في سبيل أن يعيش في الشقة معهن.
تقوم العلاقة على المنفعة المتبادلة بين الأطراف، كما أنّ النساء في هذا الفيلم هنّ الحلقة الأقوى، فهن يملكن الشقة/ السكن، وكذلك العصمة/ الاستقرار، قلب الأوضاع قلب معه التوازنات المعتادة، فالرجل هو من بات يستجدي زوجته ويحاول إرضاءها، كما يقوم بالمهام المنزلية.
حتى اللحظة لا يمكن الجزم بإدراك السينما المصرية لحركة النسوية الإسلامية أو مواكبتها لها رغم التقاطعات معها في بعض الأفلام، وهو أمر طبيعي فالسينما صورة لخيال وواقع وحقيقة ونفس تسعى للإجابة عن تساؤلات مختلفة، تختلف باختلاف أفكارنا ورؤيتنا للحياة.

للمشاركة:

كيف استغل أردوغان تزييف التاريخ العثماني في ليبيا؟‎

صورة حامد فتحي
باحث مصري في حقل الدراسات الإسلامية
2020-02-20

تختلف قراءة الفترة العثمانية في المنطقة العربية بين دولةٍ وأخرى تبعاً لعدّة عوامل، منها قوّة وجود جماعة الإخوان المسلمين في المشهد الثقافي والتربوي والأكاديمي، وعوامل موضوعية تتعلق بالاستعمار الغربي، وهذا العامل تحديداً يؤثر بشكل كبير على نسيان جرائم العثمانيين، بسبب تقادمها، وحلول جرائم الاستعمار بدلاً منها، مثل حالة الجزائر.

اقرأ أيضاً: ما الذي بقي من الثقافة العثمانية في العالم العربي؟
إلّا أنّ استغلال أردوغان للتاريخ العثماني كما في الحالة الليبية وشمال أفريقيا، بعد تحريفه، وتقديمه في صورة الجنّة المفقودة، الّتي يعد بها العرب ثانيةً، يجعل لزاماً علينا التصدي له بالقراءة الموضوعية، فالماضي العثماني مليء بالجرائم بحقّ العرب، في جميع الأقطار. وما كاد هذا الجرح يندمل حتّى ظهر أردوغان وأتباعه خاصة من الإخوان لتزيينه! فهل حقّاً عاشت ليبيا، ودول شمال أفريقيا ليالي مجدها تحت الحكم العثماني؟

الغزو الإسباني
دأب العثمانيون الجدد (أردوغان وأتباعه من الإخوان) على ترديد مقولة مفادها أنّ العثمانيين أنقذوا شمال أفريقيا من الغزو الصليبي، فهل هي مقولة صادقة؟
يوحي السرد الأوّلي لدخول العثمانيين شمال أفريقيا بصدق المقولة، لكنّها لا تصمد أمام القراءة الواعية للأحداث، والتي تكشف عن أطماعٍ عثمانيةٍ في التوسّع على حساب الأراضي العربية.

اقرأ أيضاً: عندما أضعف العثمانيون العقل ليستسلم للخرافة!
لا تنفصل أحداث الاستعمار الإسباني لطرابلس ووهران وعدّة مدن ساحلية عن الصراع بين العرب والإسبان في الأندلس؛ فعندما انتقل الأندلسيون إلى شمال أفريقيا، بعد طردهم العام 1503، قام هؤلاء بالاشتراك في أعمال القرصنة البحرية ضدّ الثغور الإسبانية، وكانت هذه النوعية من الأعمال في ذلك الوقت متبادلةٌ.

تختلف قراءة الفترة العثمانية بين دولة وأخرى تبعاً لعدّة عوامل أبرزها قوّة وجود جماعة الإخوان

في تلك الأثناء كان العثمانيون قد أحكموا سيطرتهم على شرق المتوسّط، بعد استيلائهم على القسطنطينية العام 1453، ثم على الشام ومصر العام 1517، ثمّ رودس العام 1523. وتزامنت مآسي طرد المسلمين من الأندلس في عهد أوج القوّة العثمانية، إلّا أنّ هؤلاء لم يتدخّلوا لحماية المسلمين بأيّ شكلٍ، وما يتردّد عن مساعدات القراصنة الأخوين عروج (بربروس) فلا يُنسب للعثمانيين، فلم يكن هؤلاء بعد يدينون بالولاء لهم، ولم يفعلوا سوى نقل المسلمين على مراكبهم، مثل غيرهم من مُلّاك السفن؛ إذ كانت عملية النقل تتمّ بإشراف الإسبان، وفق ما ذكره صالح عبّاد في كتابه "الجزائر خلال الحكم التركي".

اقرأ أيضاً: بلاد الشام والمطامع العثمانية القديمة
لم يلتفت العثمانيون إلى مناطق الشمال الإفريقي عندما تعرّضت للغزو الإسباني، ففي العام 1505 احتلّ الإسبان ميناء المرسى الكبير في الجزائر، ثمّ مدينة وهران العام 1509، ثمّ مدينة بجاية العام 1510، ومدينة طرابلس، ومدينة الجزائر في نفس العام، وهاجم الإسبان تونس.

تزامنت مآسي مسلمي الأندلس في أوج قوّة العثمانيين إلّا أنّهم لم يتدخّلوا لحمايتهم بأيّ شكلٍ

قاومت الدويلات الحاكمة من حفصيين وبني زيان ومملكة كوكو وأهل ليبيا الإسبان، ودخلت بعض المدن المستقلّة في علاقاتٍ سياسيةٍ واقتصادية معهم، وظلّ الوضع كذلك حتّى مجيء الأخوين بربروس. وعلى الرغم من التفكّك السياسي في المنطقة إلّا أنّها تمتّعت بعلاقاتٍ اقتصاديةٍ متميّزةٍ مع مدن إيطاليا، حتّى الغزو الإسباني، ودخول الأتراك المنطقة، الّذي جرها إلى حلبة الصراع العثماني-الإسباني.
في كتابه يقول صالح عبّاد: "كان للوجود الإسباني والتركي على السواحل الجزائرية انعكاس سلبي على المبادلات التجارية الّتي كانت تتمّ بين الجزائر وأوروبا المطلة على البحر المتوسّط".

"الأخوين بربروس"
عمل عروج قبل انتقاله إلى الجزائر قرصاناً، وتعود جذوره إلى جزيرة يونانية، وهو من أم مسيحية وأب تركي مسلم، ومطلع القرن 16 انتقل نشاط القرصنة من الحوض الشرقي للبحر المتوسّط إلى الحوض الغربي، ربّما للسيطرة التركية الواسعة على تلك المنطقة، وعدم وجود قواعد خلفية للقراصنة، مثل تلك الّتي توفرها بيئة الشمال الأفريقي المُفكّكة.

اقرأ أيضاً: الدولة العثمانية... خلافة أم إمبراطورية؟
حصل عروج بربروس على حقّ الإرساء والتموُّن في الموانئ التونسية، من حكّامها الحفصيين، مقابل دفع نسبةٍ من غنائمه، ونجح عروج بربروس، وفي معيّته أخواه خير الدين وإلياس في نيل شهرةٍ واسعةٍ، وتكوين أسطول قوي بعد انضمام عددٍ من القراصنة إليه، ممّا شجع أهالي بجاية على طلب المعونة منهم لاستعادة المدينة من الإسبان العام 1512، إلّا أنّ المحاولة فشلّت.

خضعت طرابلس الغرب لحكم فرسان مالطة حتّى هزيمتهم على يد العثمانيين العام 1551

وفي العام 1514 استردّ عروج بمساعدة القبائل العربية مدينة جيجل من الإسبان، وتمّت مبايعته سلطاناً عليها، ولمّا كانت المدينة تابعة للحفصيين من قبل فقد خاف من مطالبتهم بها، فنقل مقرّه من تونس إلى هذه المدينة، وبدأ في الاتّصال بالعثمانيين للحصول على الدعم، وكانت هذه المرّة الأولى لعروج للاتّصال بالعثمانيين، وبغرض حماية مكتسباته، وليس بهدف الجهاد الإسلامي كما يزعم العثمانيون الجدد.
حاول عروج استعادة بجاية ثانيةً إلّا أنّه لم يُوفّق، وعاد إلى مقرّه في جيجل، وهناك جاءه مبعوثٌ من السلطان العثماني، على رأس 24 سفينةً حربيةً، وبذلك دخل العثمانيون شمال أفريقيا.

اقرأ أيضاً: العثمانيون والإفلاس الحضاري
تكشف قدرة الأسطول العثماني على الوصول بسلامٍ إلى مناطقٍ جديدةٍ عن مقدرةٍ بحريةٍ وصل إليها العثمانيون، مكّنتهم فيما بعد من احتلال رودس، إلّا أنّ ذلك يكشف في الوقت نفسه عن أنّ العثمانيين لم ينظروا لشمال أفريقيا كقضية جهاد إسلامي ضدّ الإسبان، ولم يتحرّكوا لنجدة سكّانها منذ أوّل غزو إسباني العام 1505، ولم يتحرّكوا إلّا حين لاحت لهم فرصة لتحقيق مكاسب كبيرة بدون مجهود كبير، وذلك حين اتّصل بهم عروج.
يؤكّد على ذلك طبيعة الحكم العثماني في شمال أفريقيا لاحقاً، فقد ظلّت ليبيا، وتونس، والجزائر محكومةً من قبل رياس البحر الأتراك (القراصنة)، ثمّ الانكشارية، ولم تخضع للحكم المباشر سوى طرابلس الغرب في العام 1832، وظلّت المنطقة لقرون تخضع اسمياً للعثمانيين، ولا تدفع الضرائب لهم، فلماذا قبل العثمانيون بهذا الوضع؟

اقرأ أيضاً: عندما تحالَف العثمانيون مع المرض والجهل
الإجابة تعود إلى عدّة أسباب منها: الخوف من التكلفة الكبيرة للسيطرة المباشرة، واتّساع هذه البلاد، وعدم وجود قوى محلّية قادرة على إدارة البلاد لصالحهم مثل المماليك في مصر. وعلى الرغم من اتّصال العثمانيين برّاً بشمال أفريقيا بعد احتلالهم مصر العام 1517 إلّا أنّهم لم يتقدّموا لإنقاذ شمال أفريقيا من الإسبان، وخصوصاً طرابلس الّتي ظلّت خاضعةً لفرسان مالطة حتّى العام 1551.

أطماع عثمانية
لا يُنكر أحد محاربة العثمانيين للإسبان في شمال أفريقيا، إلّا أنّ تلك الحرب جاءت خدمةً لمصالحهم في المقام الأوّل، ونتاجاً لعقيدة الغزو والهيمنة، ويدل على ذلك الأوضاع المزرية الّتي عاشها سكّان شمال أفريقيا تحت الحكم العثماني حتّى تسليمه البلاد للاحتلال الأجنبي.
منذ العام 1516 بدأ عروج التوسّع في شمال أفريقيا لحسابه الخاص، مدعوماً بالعثمانيين، ففي العام 1516 دعاه أهّل مدينة الجزائر لمساعدتهم على طرد الإسبان من حصن البنيون الّذي تحصّنوا فيه. دخل عروج المدينة بمساعدتهم، ثمّ قام باغتيال أميرها العربي سالم التومي الّذي استقبله في قصره، لينفرد بالمدينة ويتّخذها قاعدّةً لنشاط القرصنة، ورغم ذلك فشل في اقتحام البنيون.

العثمانيون لم ينظروا لشمال أفريقيا جهادياً فلم يتحرّكوا لنجدة سكّانها إلّا حين استشعروا تحقيق مكاسب كبيرة بسهولة

يقول صالح عبّاد: "لقد لبّى عروج الدعوة لأنّه وجدها فرصةً لا تُعوّض للسيطرة على مدينة الجزائر الأهم بكثير من جيجل الصغيرة، سواء من حيث عدد سكّانها أو من حيث إنّها كانت مدينة قرصنة، أو من حيث موقعها الّذي يتوسّط سواحل المغرب"، وبعد ذلك تدخّل عروج في صراع أبي زيان مع عمّه أبو حمو على عرش تلمسان، ودعم أبي زيّان، فلجأ أبو حمو للإسبان، وتمكن بمساعدتهم من استعادة العرش، وقُتل عروج العام 1518.
بمقتل عروج في مغامراته التوسّعيّة، انتقلت القيادة إلى أخيه خير الدين في مدينة الجزائر. خوف خير الدين من الإسبان دفعه إلى الاتّصال بالسلطان العثماني سليم الأوّل العام 1519، فبعث إليه رسولاً يطلب الدعم، ويقدّم آيات الولاء، فلبّى العثمانيون طلبه، وبعثوا بفرمان وقفطان التولية له، وعيّنوه حاكماً من قبلهم على الجزائر، وأرسلوا إليه 2000 انكشاري، وفتحوا باب التطوّع للرّاغبين لتشكيل جيش انكشاري في الجزائر، وشمل الفرمان السماح بسكّ العملة باسم السلطان، والخطبة له، وهكذا دخلت الجزائر رسمياً في الحكم العثماني.

اقرأ أيضاً: ثلاثة أطماع عثمانية
متمتّعاً بدعم العثمانيين بدأ خير الدين في إخضاع الإمارات العربية في الجزائر، وتصدّى للإسبان، واصطدم بالحفصيين في تونس، وبعد صراعات عدّة مع مملكة كوكو الجزائرية، انتهت بهزيمتهم العام 1525، خضعت الجزائر كافةً للعثمانيين، ثمّ تبعتها تونس العام 1534، ليفقدها العام 1535 على يد الإسبان، الذين قدموا لإعادة السلطان المخلوع مولاي الحسن الحفصي، وطردوا خير الدين.
إزاء هزائمه ترك خير الدين الجزائر، والتحق بالأسطول العثماني باعتباره قائداً، فقد عينه السلطان سليمان القانوني في المنصب العام 1334، عقب انتصاره المؤقت في تونس. ولاحقاً نجح علج عليّ والي الجزائر في السيطرة على تونس العام 1569، ثمّ استعادها الإسبان العام 1573، ليستعيدها الأتراك العام التالي.

أكاذيب الصلابي
أما عن ليبيا فقد خضعت طرابلس الغرب لحكم فرسان مالطة حتّى هزيمتهم على يد العثمانيين العام 1551. يُردّد المؤّرخ الإخواني اللّيبي علي الصلابي رواية مكذوبة، عن قيام وفدٍ من أهالي مدينة تاجوراء الليبية بزيارة إسطنبول العام 1519 لطلب النجدة من العثمانيين، وبناءً على هذا الطلب تدخّل العثمانيون، واستولوا على طرابلس العام 1551، لكنّ الحقيقة غير ذلك.

الصلابي كأنه يشبّه دعوة طرابلس لتركيا ومرتزقتها ضد الجيش الوطني اللّيبي بتلبية العثمانيين لإنقاذ أجدادهم من الإسبان

هذه الرواية نقلها الصلابي عن ابن غلبون، الّذي عاش في بداية حكم القرمانليين في ليبيا، وكان مقرّباً منهم، فعمل على شرعنة حكمهم، فكان ذلك سبب اختلاقه لهذه القصّة في كتابه "التذكار فيمن ملك طرابلس، وما كان بها من الأخبار".
وتعليقاً على ذلك كتب المؤرّخ الليبي الشيخ الطاهر الزاوي، ومُحقّق كتاب ابن غلبون ما يلي: "ممّا يشكك في صحّة رواية هذا الوفد أنّ الأسطول العثماني كان موجوداً في البحر الأبيض، وأن القوّاد العثمانيين كانوا يحاربون في الشمال الأفريقي، وفي تاجورة وهذا ما يجعل النجدة قريبةً، توفر على الطرابلسيين مشقّة السفر إلى الآستانة".
يتّفق محمد بازامه مؤلّف كتاب "ليبيا في عشرين سنة من حكم الإسبان" مع الزاوي، ويقول: "نقطة واحدة في هذا الأمر تجعلنا نتحفّظ في قبول فكرة دعوة أهل تاجوراء هذه؛ تلك هي طول الفترة الزمنية بين سفر الوفد، ومجيء الأتراك إلى طرابلس واشتراكهم في الصراع، والتي امتدّت لأكثر من 10 سنوات".
يعلّل بازامه اختلاق هذه الرواية بقوله: "يرتكز شكُّنا إذا كان لهذه النقطة قيمةً على أساس ما للدولة العثمانية من مصالح سياسية في اختلاقها ودسّها على التاريخ" وهذه المصالح هي "أنّ الأتراك لم يأتوا فاتحين مستعمرين، وإنّما جاؤوها مُلبّين دعوة أهل البلد، فهم بالتالي أصحاب الفضل في هذا المجيء".

روّج المؤرخ الإخواني علي الصلابي رواية مكذوبة لزيارة وفدٍ من تاجوراء العام 1519 لطلب نجدة العثمانيين

عادت هذه الرواية المكذوبة إلى تصدّر الواجهة الإعلامية عقب توقيع الاتفاقية الأمنية، واتفاقية ترسيم الحدود، بين حكومة الوفاق في طرابلس، والتي تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين، ودولة تركيا. فكأنّ لسان حال الصلابي في لقائه مع وكالة الأناضول بتاريخ 9 كانون الثاني (يناير) 2020، يقول إنّ وصول مرتزقة أردوغان، هو بمثابة تلبيةٍ لدعوة أهل طرابلس، كما لبّى أجدادهم دعوتهم لإنقاذهم من الإسبان الصليبيين، وكأنّه يُشبه الجيش الوطني اللّيبي بالغزاة الإسبان.
بعد تصريحات الصلابي انطلقت الماكينة الإعلامية للإخوان، وتركيا لتنشر التصريحات على نطاقٍ واسع، لتبييض صورة الماضي العثماني في ليبيا، ولترويج فكرة أنّ التدخل العسكري التركي سيُعيد إلى ليبيا الجنّة العثمانية المفقودة.

خيانة العثمانيين
لا تنفي القراءة الموضوعية للتاريخ أحداث الحروب العثمانية الإسبانية، إلّا أنّها تضعها في سياقها الحقيقي، وهو الرغبة العثمانية في التوسّع والهيمنة، والّتي تلاقت مع طموح الأخوين بربروس (عروج وخير الدين) في إنشاء دولةٍ لهما في منطقة شمال أفريقيا المُفكّكة.

روّجت الماكينة الإعلامية للإخوان وتركيا تصريحات الصلابي على نطاقٍ واسع لتبييض صورة الماضي العثماني في ليبيا

والسؤال الأهم من محاولة الإخوان شرعنة احتلال قوى أجنبية لبلادهم، وهو أمر دأبوا عليه، حين شرعنوا الغزو التركي لسوريا والعراق، ثمّ الآن ليبيا، هو كيف سقطت شمال أفريقيا (ليبيا، تونس، الجزائر) بيد الاستعمار الإيطالي والفرنسي؟ وأين كان العثمانيون من ذلك؟
الإجابة على هذا تطول، وفي كتب التاريخ ما فيه الكفاية، ويمكن تلخيص مسؤولية العثمانيين عن ذلك بما يلي: أنّ الحكم العثماني لم يُفد شمال أفريقيا شيئاً، بل سخر هذه البلاد لخدمة رفاهية طبقة محدودة العدد من الحكّام والجنود الأتراك. وحوّلوها إلى قواعد للقرصنة، وأرهقوا الأهالي بالضرائب والغرامات، دون تقديم أية خدماتٍ لهم، وتسبّبت القرصنة في جلب العدّاء الأوروبي لشمال أفريقيا، وتعرّضت بسببه مدن الساحل للقصف مرّات عدّة. أدّى فساد الحكم التركي، وتدمير الحياة الاقتصادية، وإثارة النعرات القبائلية لضرب القبائل ببعضها، إلى وقوع البلاد فريسة سهلة في يد الاحتلال.
لم يكتف العثمانيون بتخريب شمال أفريقيا، بل سلّموا الجزائر للمحتل الفرنسي العام 1831، حين قايض الداي حسين الجزائر مقابل خروجه بثروته الطائلة وأسرته إلى مصر، وسلّموا تونس العام 1881 حين قبل صادق باي بالحماية الفرنسية، ورفض قيادة المقاومة. وتركوا ليبيا للطليان بتوقيع معاهدة أوشي العام 1912، الّتي تنازلوا فيها عن ليبيا لإيطاليا، وتخلوا عن المقاومة الوطنية بقيادة السنوسيين، فهل هذه الجنّة التي يُبشر بها أردوغان وحلفاؤه؟

للمشاركة:

تونس تستعد لاستقبال "أطفال داعش": ضحايا أم براعم متفجرة؟

2020-02-20

تتزايد المخاوف في تونس من عودة "أيتام" مقاتلي تنظيم داعش، من ليبيا وسوريا والعراق، خاصّةً بعد استعادة تونس في الأيام القليلة الماضية ستةً منهم من الجارة ليبيا، فضلاً عن ارتفاع مؤشر الإرادة التونسية، في ظلّ حكم الرئيس قيس سعيّد، باستعادتهم، ويبدي التونسيون تخوّفهم من إمكانية تأثر هؤلاء الأطفال، الذين يتجاوز عددهم 200 طفل، معظمهم محتجزون في السجون مع أمهاتهم، بالفكر الإرهابي.

محمد بوعود: استقبال أطفال داعش في القصر الرئاسي رسالة سلبية مفادها أنّ تونس تعترف بما قدّمه الإرهابيون وتراه مشروعاً

مخاوف جاءت على خلفية تسلّم تونس، في 23 كانون الثاني (يناير) الماضي، ستة أطفال أيتام من ذوي الجنسية التونسية، تتراوح أعمارهم بين 3 و12 عاماً، وقد تكفل بهم الهلال الأحمر الليبي مع عشرات الأطفال من الجنسيات الأخرى في مدينة مصراتة، إثر الحرب على تنظيم داعش الإرهابي في عملية "البنيان المرصوص"، في مدينة سرت، عام 2016.
وتولت لجنة مكوّنة من 6 وزارات، هي: الداخلية، والخارجية، والعدل، والمرأة والأسرة والطفولة، والصحة، ووزارة الشؤون الاجتماعية، مهمة التعرّف إلى هوية هؤلاء والتثبت من أنّهم أبناء دواعش، لكنّهم تونسيون.
يذكر أنّ أغلب آباء هؤلاء الأطفال قد قتلوا أو فرّوا أو سجنوا في معركة سرت، وكانت ليبيا قد طالبت في العديد من المناسبات تونس باستعادة أبناء المواطنين التونسيين الذين التحقوا بالتنظيم على أراضيها.

غضب في تونس
الأطفال استقبلهم رئيس الجمهورية التونسية، قيس سعيّد، في قصر الرئاسة، ودعا في بيانٍ رسمي باسم مؤسسة الرئاسة إلى الإسراع في اتخاذ التدابير والإجراءات الضرورية من قبل المؤسسات المعنية لصالح هؤلاء الأطفال، وتأمين الإحاطة النفسية والرعاية الصحية قبل تسليمهم إلى عائلاتهم، مع مواصلة رعايتهم والاطمئنان على أوضاعهم.

اقرأ أيضاً: "تجنيد الأطفال" وغياب المسؤولية الدولية
وأوصى سعيّد بمزيدٍ من المتابعة لهذا الملف المهم، من أجل تيسير عودة باقي الأطفال العالقين في ليبيا، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في الشارع التونسي، وتعالت الأصوات المؤيّدة والمعارضة على صفحات التواصل الاجتماعي وحتى في بعض العناوين الإخبارية.

ألفة العياري: أخشى عودة هؤلاء الأطفال بصحبة أمهاتهم اللاتي سمحن لأنفسهنّ أن يكنّ وسيلة لهو للدواعش وقبلن بجهاد النكاح

وذهب البعض إلى اتّهام الرئيس بدعم الإرهاب وتمجيده واحتضان أطفال الدواعش، وتجاوز أطفال يتامى الأمنيين التونسيين الذين قتلوا في عمليات إرهابية مختلفة منذ أحداث الثورة.
نقيب الصحفيين التونسيين، ناجي البغوري، كتب في تدوينة على فيسبوك: "الأطفال يظلّون أطفالاً (يتمتّعون بكامل حقوق الطفل)، مهما كان لونهم أو جنسهم أو مكان ولادتهم، وهم لا يتحمّلون وزر ما اقترفه آباؤهم، ومن يرى غير ذلك يجب أن يتوجّه فوراً إلى مصحّة نفسية".
من جانبه، قال الباحث في الشؤون العسكرية، إبراهيم الحداد؛ إنّه في حال تمّت استعادة هؤلاء الأطفال برفقة أمهاتهم الأرامل، فإنّ الدولة ستجد نفسها أمام إشكاليات عديدة؛ أولاً ستُجبَر على مقاضاة هؤلاء الأرامل، ثم عليها أن تدرس لاحقاً حالاتهنّ واحدةً تلو الأخرى، للنظر في إمكانية فصل أبنائهن الصغار عنهن، والنظر لاحقاً في وضعية الأطفال الأكبر عمراً، وإيجاد حلول لهم؛ كإدخالهم للإصلاحيات، أو القرى المختصة في إعادة تأهيلهم، وتلقينهم قيم الإنسانية والجمهورية.

اقرأ أيضاً: "الأسلحة الصغيرة".. هكذا يجند داعش الأطفال
وأشار الحداد، في تصريحه لـ "حفريات"، إلى أنّ "الدولة التونسية مجبرة تشريعياً وإنسانياً على إنقاذ هؤلاء الأطفال؛ لأنّهم لا يشكلون خطراً على المجتمع التونسي باعتبار معدّل أعمارهم لم يتجاوز 16 عاماً"، لافتاً إلى أنّه لا يجب نفسياً تحميلهم ذنب آبائهم.
تونس تشرّع للإرهاب
هذا الرأي خالفته مجدولين الشارني، وزيرة الشباب السابقة وشقيقة سقراط الشارني، أحد العناصر الأمنية الذي قتل منذ أعوام على يد مجموعة إرهابية، التي وجهت رسالة إلى الرئيس قيس سعيّد، في تدوينةٍ نشرتها على صفحتها عبر فيسبوك، قالت فيها: "أتعلم أنّ من استقبلتهم هم أبناء إرهابيين؟ أتعلم أنّ البيان الرسمي الذي أصدرته فيه مغالطة للرأي العام وتعمّد استعمال عبارات أخرى للاستعطاف؟ أكيد هؤلاء الأطفال لا ذنب لهم، وهناك الآلاف من ضحايا الحرب والإرهاب في سوريا والعراق وليبيا، والاعتناء بهم جميعاً واجب الدولة، لكن أن يتم تنظيم استقبال رسمي لأبناء الإرهابيين دون غيرهم فهذا غير معقول".

ورأى المحلّل السياسي، محمد بوعود، في القرار الذي اتخذته الرئاسة التونسية، رسالةً سلبيةً للمجتمع التونسي، مفادها أنّ تونس تعترف بما قدّمه أولياء هؤلاء الأطفال بقطع النظر عن براءتهم وظروفهم وأعمارهم، وتعدّه مشروعاً؛ لأنّنا نكرّم أبناءهم بدلاً عنهم، متسائلاً: "كيف سنبرّر ذلك أمام ضمائرنا وأمام الشعوب والعالم؟".

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال في الصومال ظاهرة مقلقة.. أي مصير ينتظرهم؟
وقال بوعود في حديثه لـ "حفريات": "تونس أكّدت مرّةً أخرى أنّ أبوابها مفتوحةً لكلّ من هبّ ودبّ، تحت يافطات الإنسانية، وحقوق الإنسان، وحقوق الطفل، وسعيّد جعل تونس بهذه الخطوة موضع ضعفٍ أمام دولٍ أخرى أعرق منّا في مجال الحقوق والحريات، على غرار فرنسا وألمانيا وماليزيا، إذ رفضت هذه الدول استقبال مواطنيها ممن قاموا بأعمالٍ إرهابية في بؤر التوتر، واختاروا التخلّص من جذاذة الإرهاب".
تونس تتجه نحو استقبال المزيد من "أطفال داعش"
مباشرةً بعد ترحيل الأطفال الستة إلى تونس، صرّح توفيق القاسم، القنصل التونسي العام في مدينة مصراتة الليبية؛ بأنّه سيتم قريباً ترحيل قرابة 54 طفلاً من أبناء مسلحين تونسيين قاتلوا في صفوف داعش ولقوا مصرعهم في ليبيا منذ أعوام، إلى جانب أمهاتهم، عقب التحقق من أوضاعهم القانونية.

اقرأ أيضاً: الميليشيات الحوثية وتجنيد الأطفال!
خطوةٌ وصفتها رئيسة نقابة السجون والإصلاح، ألفة العياري، في حديثها لـ "حفريات"، بـ "النكبة"، مستنكرةً الإعلان الرسمي عن قبولهم عبر استقبالهم في قصر قرطاج، رمز السيادة التونسية، خاصّةً أنّ بعض هؤلاء الأطفال بلغوا سنّ الوعي ما يعني إمكانية حملهم لأفكار متطرّفة.
وعبّرت العياري عن خشيتها من عودة هؤلاء الأطفال بصحبة ذويهم وأمهاتهم اللاتي اخترن عن طواعية الانضمام إلى عناصر متطرفة، وسمحن لأنفسهن بأن يكنّ وسيلة لهو للدواعش وقبلن بجهاد النكاح، نافية إمكانية اختطافهنّ مثل ما يدعين.

اقرأ أيضاً: معسكرات إيرانية لتجنيد الأطفال في سوريا
رئيسة نقابة السجون والإصلاح شدّدت على أنّ دخول هؤلاء الأمهات إلى تونس عن طريق أبنائهن يشكل خطراً على البلاد؛ لأنهنّ يحملن الفكر الداعشي، وساهمن في زرع العدوانية في أذهان هؤلاء الأطفال، وهو ما يستوجب أخذ تدابير معينة وإتباع استراتيجية دقيقة في التعامل معهم، لافتةً إلى أنّ الدولة غير قادرة حالياً على ذلك؛ لأنّها تغرق في الصراعات السياسية من أجل المصالح الحزبية، في انتظار تكوين حكومة تمسك بزمام الأمور.

من جهته، يرى الخبير الأمني والضابط السابق بالحرس الوطني، علي الزرمديني، أنّ إعادة "رسكلة" الأطفال العائدين من بؤر التوتر ممكنةً، خاصّة لمن تقلّ أعمارهم عن عشرة أعوام، لكنّ الدولة غير قادرةٍ فعلياً على رعايتهم، والاهتمام بهم؛ لأنّها في حالة إرباك كبيرة، في ظلّ عجز الأحزاب منذ حوالي خمسة أشهرٍ عن تكوين حكومةٍ تسيّر البلاد.

علي الزرمديني: استقبال الأطفال بصحبة أمهاتهم يشكّل خطراً على أمن البلاد؛ لأنّ النساء شكّلن وقوداً للجماعات الإرهابية في الجهاد

وأضاف الزرمديني، في حديثه لـ "حفريات": "استقبال هؤلاء الأطفال، بصحبة أمهاتهم، يشكّل خطراً على أمن البلاد، على اعتبار أنّ النساء شكّلن وقوداً استعملته كلّ الجماعات الإرهابية في الجهاد، وأنّ حضور المرأة لم يعد يقتصر على جهاد النكاح، بل تطور لإدخالها في ساحات المعارك"، مشدّداً على أنّهن بتن يشكلن خطراً على الأمن القومي لما لهم من عقيدةٍ قتاليةٍ قويةٍ تفوق الرجال غالباً.
يذكر أنّ عدد المتطرفين التونسيين عُدّ من ضمن الأكبر في العالم، في الأعوام الأخيرة، بحسب السلطات التونسية التي تحدثت عن ثلاثة آلاف مواطنٍ، قاتلوا خارج البلاد ضمن تنظيمات إرهابية، فيما قدّر فريق عمل للأمم المتحدة عدد المتطرفين التونسيين، بأكثر من خمسة آلاف، وانضم عدد كبير منهم لتنظيم داعش في معقله السابق، في سرت، وذلك قبل استعادة السيطرة على المدينة، في كانون الأول (ديسمبر) 2016.
وكشف مركز دراسات أمريكي؛ أنّ عدد المقاتلات التونسيات المنضويات تحت لواء التنظيمات الإرهابية المقاتلة في ليبيا وسوريا يبلغ نحو 804، 104 منهنّ يقبعن في السجون السورية أو الليبية، وهناك كثيرات منهنّ أنجبن أطفالاً هناك.

للمشاركة:



الحوثيون يعيقون وصول المساعدات لليمنيين.. وثائق وشهادات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

تواصل ميليشيا الحوثي الإرهابية استغلال المنظمات الإغاثية الدولية، التي تحاول مساعدة الشعب اليمني المنكوب.

وكشفت وثائق أممية؛ أنّ الميليشيات فرضت على برامج إمدادات الأمم المتحدة إلى اليمن ضرائب 2% كشرط لإيصال مساعدات الإغاثة لهذا البلد الذي مزقته الحرب.

وأكّدت الوثائق، التي حصلت عليها وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية؛ أنّ الميليشيا الانقلابية أخضعت الوصول إلى المناطق الواقعة تحت سيطرتهم لمجموعة شروط ترفضها وكالات المساعدات، وذلك لأنّها ستمنح الحوثيين نفوذاً أكبر في تحديد من يتلقى تلك المساعدات.

الميليشيات الحوثية تفرض على برامج إمدادات الأمم المتحدة إلى اليمن ضرائب 2% كشرط لإيصال مساعدات

ونقلت عن مسؤول رفيع المستوى بالأمم المتحدة، فضّل عدم الكشف عن هويته؛ أنّ جهود الحوثيين لعرقلة الإمدادات الإنسانية عاقت كثيراً من برامج توفير الغذاء للنازحين جراء الحرب ذات الأعوام الستة، مضيفاً "أكثر من 2 مليون مستفيد تأثروا بشكل مباشر".

وظلت الأمم المتحدة، إلى حدّ كبير، ملتزمة الصمت تجاه الضغوط التي تتعرض إليها، لكن خلف الكواليس لم تتراجع المنظمة أو المتبرعون الدوليون عن موقفهم المعارض لمطالب الحوثيين.

والتقت "أسوشيتد برس" 7 من العاملين والمسؤولين في الأمم المتحدة ووكالات مستقلة بشأن الوضع، وجميعهم تحدثوا شرط عدم كشف هويتهم، فضلاً عن أنّها اطلعت على عشرات الوثائق، من بينها رسائل بريد إلكتروني لمسؤولي مساعدات.

وفي تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ أرسلت ليز جراندي، منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن، خطاباً إلى رئيس الوزراء الذي عينه الحوثيون، تشكو فيه بشأن قائمة طويلة من المطالب.

وقالت جراندي في الخطاب: "الغالبية العظمى من تلك المطالب تعوق وتؤخر إيصال المساعدات، وكثير من بنودها تنتهك المبادئ الإنسانية".

وعلى مدى عدة أشهر، طالب الحوثيون بالحصول على حصة 2% من الميزانية الإجمالية للمعونات، وهو شرط رفضته الأمم المتحدة والمتبرعون، وفق "إسوشيتد برس."

وكالة برنامج الغذاء العالمي تفكّر في قطع مساعدات الغذاء التي تستهدف 12 مليون يمني شهرياً

وفي رسالة بريد إلكتروني؛ قال المتحدث باسم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية: إنّ محاولات الحوثيين لفرض ضريبة على المساعدات الإنسانية غير مقبولة وتتعارض بشكل مباشر مع المبادئ الإنسانية الدولية.

وطبقاً للوكالة الأمريكية للتنمية، تبرعت الولايات المتحدة بـ 686 مليون دولار إلى اليمن عام 2019.

والأسبوع الماضي، بدا أنّ الحوثيين يتراجعون عن شرط الـ 2%، لكن ما يزالون يواصلون الضغط من أجل امتيازات أخرى، طبقاً لمسؤول مساعدات.

وتفكّر وكالة برنامج الغذاء العالمي في قطع مساعدات الغذاء، التي توصلها إلى 12 مليون يمني شهرياً، بحسب ما قاله مسؤول بالأمم المتحدة، موضحاً: "لسوء الحظ؛ الشعب سيعاني، لكنّ الحوثيين لا يمكنهم استخدام الناس كرهائن لفترة طويلة".

 

 

 

للمشاركة:

الكورونا الجديد يجتاح مدينة قم الإيرانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

أعلنت وزارة الصحة الإيرانية وفاة شخصين جراء إصابتهما بفيروس كورونا المستجد، في مستشفى بمدينة قم.

ورغم تأكدات وكالة الأنباء الرسمية "إرنا"؛ أنّ المصابين الذين توفيا لم يسافرا خارج إيران، أو خارج مدينة قم، قبل إصابتهما، إلا أنها نقلت لاحقاً خبر قرار إقفال المدارس والجامعات في المدينة، اليوم، كإجراء وقائي للحدّ من انتشار الفيروس.

وأكّد نائب وزير الصحة لوسيلة إعلام محلية عدم اكتشاف إصابات خارج مدينة قم، حتى الآن، لكن شبكة "بي بي سي" الفارسية علمت أنّ 25 شخصاً يخضعون الحجر الصحي في المستشفى ذاته في قم، بسبب الاشتباه في إصابتهم بفيروس "كوفيد 19".

وزارة الصحة الإيرانية تؤكد وفاة شخصين جراء إصابتهما بفيروس كورونا المستجد

هذا وقد أعلنت بكين، اليوم، أنّها رصدت، خلال الساعات الـ 24 الماضية، 394 إصابة جديدة بفيروس كورونا المستجدّ، في أدنى حصيلة يومية يسجّلها الوباء في الصين، منذ حوالي شهر، فيما ارتفعت حصيلة الوفيات الناجمة عن الفيروس في الصين القارية إلى 2118 حالة، بعد أن سجّلت مقاطعة هوبي، بؤرة الوباء في وسط البلاد، 114 حالات وفاة خلال الساعات الـ 24 الفائتة.

وقالت لجنة الصحة الوطنية في تحديثها اليومي لحصيلة الوفيات والإصابات؛ إنّ الغالبية العظمى من هذه الإصابات الجديدة سجّلت في هوبي، بؤرة الوباء في وسط البلاد، في حين سجّلت 45 إصابة جديدة فقط في سائر أنحاء البرّ الرئيس للصين.

وبحسب الحصيلة الجديدة؛ فقد بلغ عدد المصابين بالفيروس في عموم أنحاء الصين القارية 74500 مصاب.

السلطات الإيرانية: إقفال المدارس والجامعات في قم كإجراء وقائي للحدّ من انتشار الفيروس

وأعلنت منظمة الصحة العالمية؛ أنّ المواطن الأجنبي الذي سُجلت إصابته بـ "كوفيد 19" في مصر لم يعد يحمل الفيروس، لكنّه سيبقى 14 يوماً في الحجر الصحي.

وأعلن مدير منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، خلال مؤتمر صحفي؛ أنّ المعلومات الآتية من الصين تشير إلى انخفاض عدد الإصابات الجديدة.

وأضاف: "رأينا ظهوراً منتظماً لحالات جديدة خارج الصين، لكننا لم نرَ بعد استمراراً لانتشار الفيروس داخل البلاد، عدا في ظروف خاصة، مثل ما حصل في سفينة "دياموند برنسيس"".

 

 

للمشاركة:

تراجع الليرة التركية إلى أدنى مستوياتها.. بماذا تأثرت؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

تراجعت الليرة التركية مجدداً، اليوم، لتظلّ قرب أدنى مستوياتها في التداولات العادية منذ أيار (مايو) الماضي، مع تخوف المستثمرين من تصاعد التوترات في منطقة إدلب السورية؛ حيث تقترب أنقرة من مواجهة عسكرية.

وسجلت الليرة 6.0895 مقابل الدولار في الساعة 0534 بتوقيت غرينتش، بعد أن ضعفت إلى 6.1 في معاملات خفيفة مبكرة، ومقارنة مع 6.0845، أمس، وفق "رويترز".

وأظهرت بيانات من معهد الإحصاء التركي، اليوم؛ تراجع مؤشر ثقة المستهلكين إلى 57.3 نقطة في الشهر الحالي، عن 58.82 في الشهر السابق.

الليرة التركية تنهار على وقع تصاعد التوترات في منطقة إدلب السورية والمواجهات العسكرية

وفي أيار (مايو) الماضي، لامس المؤشر 55.3، أدنى مستوياته منذ نشر البيانات للمرة الأولى في 2004، مع سقوط الاقتصاد في الركود، ويشير مستوى ثقة دون 100 إلى نظرة تشاؤمية، بينما تعني أيّة قراءة فوق 100 التفاؤل.

وانخفضت الليرة بنسبة 11% في العام الماضي، لأسباب من بينها توغل عسكري تركيا في سوريا، لتصل خسائرها على مدى عامين إلى 36%، ويقول متعاملون إنّ بنوكاً حكومية تبيع الدولار لدعم العملة خلال اضطراب السوق.

وتهدف الإجراءات الحكومية، التي شملت فرض قيود على الصرف الأجنبي ومتطلبات الاحتياطيات بهدف تعزيز الإقراض، إلى تحقيق استقرار في العملة في الوقت الذي يتعافى فيه الاقتصاد المتعثر من ركود. وتتوقع أنقرة أن يقفز النمو إلى معدل 5% هذا العام وهو ما يزيد عمّا يتوقعه معظم المحللين.

المرصد السوري: عدد النقاط التركية في منطقة "خفض التصعيد" بسوريا يرتفع  إلى 39 نقطة

 وفي الإطار الميداني في إدلب، الذي يلقي بظلاله على الليرة، ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، اليوم؛ أنّه رصد دخول رتل عسكري تركي من معبر كفرلوسين شمال إدلب في سوريا، مشيراً إلى أنّ الرتل يتألف من 80 شاحنة وعربة مصفحة ودبابات.

وأوضح المرصد، عبر حسابه على "تويتر"؛ أنّ القوات التركية أنشأت نقطة عسكرية جديدة في قرية بزابور بجبل الزاوية.

وأشار إلى أنّه رصد، قبل ساعات، تمركزاً للقوات التركية في أعلى قمة "النبي أيوب" الإستراتيجية، التي تشرف على مناطق جبل الزاوية وسهل الغاب، إضافة إلى أجزاء من طريق حلب-اللاذقية الدولي.

وقال إنّه رصد إنشاء نقطة عسكرية بالقرب من بلدة بسنقول الواقعة على الطريق ذاته.

وأشار إلى أنّ عدد النقاط التركية في منطقة "خفض التصعيد" يرتفع بذلك إلى 39 نقطة.

مسؤول تركي: تركيا تناقش مع الجانب الروسي تسيير دوريات مشتركة في إدلب لضمان الأمن

ويرتفع أيضاً عدد الشاحنات والآليات العسكرية التي وصلت المنطقة ذاتها، بحسب المرصد، خلال الفترة الممتدة من الثاني من شهر شباط (فبراير) الجاري وحتى الآن، إلى أكثر من 2535 شاحنة وآلية عسكرية تركية إلى الأراضي السورية، تحمل دبابات وناقلات جند ومدرعات وكبائن حراسة متنقلة مضادة للرصاص ورادارات عسكرية، بينما بلغ عدد الجنود الأتراك الذين انتشروا في إدلب وحلب خلال تلك الفترة إلى أكثر 7300 جندي تركي.

هذا وقد صرّح مسؤول تركي، اليوم؛ بأنّ بلاده تناقش مع الجانب الروسي تسيير دوريات مشتركة في إدلب، شمال غرب سوريا، كأحد الخيارات لضمان الأمن في المنطقة.

وأضاف المسؤول، دون ذكر اسمه، لوكالة "رويترز": "إيران وتركيا وروسيا تخطط للاجتماع في طهران، مطلع آذار (مارس) المقبل، لمواصلة مناقشة الوضع المتأزم في إدلب، والأزمة السورية".

ولفت المسؤول إلى أنّ وفداً روسياً قد يأتي إلى أنقرة قبل الاجتماع في طهران لإجراء مزيد من المحادثات حول إدلب.

 

للمشاركة:



أغاني المهرجانات: هل هي "أخطر" من فيروس كورونا في مصر أم "فن" قائم بذاته؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

أشرف مدبولي

بوجه حزين، وملامح مصرية مآلوفة، وفي منزل يحوي أثاثا بسيطا، قالت الأم بنبرة باكية: "وحياة رحمة ابنتك بلاش (لا) تعاقب ابني".

هذه السيدة هي والدة المغني محمد محمود، الشهير باسم حمّو بيكا، أحد مطربي المهرجانات في مصر، وكانت توجه كلماتها هذه إلى نقيب الموسيقيين من خلال برنامج تلفزيوني على قناة محلية.

وبينما كان يشاهد البرنامج عدد من رواد مقهى شعبي بحي امبابة، وهو حي شعبي بمحافظة الجيزة، مساء الاثنين، قال أحدهم بلهجة مصرية عامية: "هذه الحرب كلها تستهدف الناس الذين يحاولون إسعادنا ويعينونا على نسيان همومنا...".

وهنا رفع عامل المقهى صوت مشغل الأغاني على وقع أغنية شعبية، تسمى مؤخرا مهرجان، لمطربَين باسم "كزبرة وحنجرة".

وكانت نقابة الموسيقيين في مصر قد أصدرت قرارا بمنع مَن يُعرفون بمطربي المهرجانات من الغناء في المنشآت السياحية والملاهي الليلية، باعتبار أن كلمات أغانيهم "تحمل ألفاظا متجاوزة وكلمات تخالف العُرف القيمي، وتتعدى على الرواسخ الثابتة للمجتمع المصري"، وفقا لبيان النقابة.

وردًا على قرار منع المهرجانات أقام المطرب الشعبي حمّو بيكا، أحد الذين تقدموا لنيل عضوية النقابة عدة مرات ورُفض طلبه، دعوى قضائية في محاولة لإلغاء القرار، ولكن المفاجأة كانت في أنه لم يختصم نقابة الموسيقيين التي كان يجب عليه أن يختصمها، بل اختصم نقابة الفنانين التشكيليين!

وظهرت أغاني المهرجانات في مصر قبل نحو عقد ونصف في أوساط الشباب من الطبقات العمالية وتحت المتوسطة في المناطق الشعبية، وبعض وسائل المواصلات، وحفلات الزفاف الشعبية، غير أنها اجتذبت جمهورا أكبر من المستمعين من طبقات أخرى خلال السنوات الخمس الأخيرة.

وقال هاني شاكر نقيب الموسيقيين، وهو مطرب معروف يغني منذ أكثر من أربعين عاما: "إن هناك شبه اتفاق بين طوائف المجتمع على الحالة السيئة التى باتت تهدد الفن والثقافة العامة، بسبب هذه النوعية من الأغاني".

واحتلت ردود الفعل على قرار منع مطربي المهرجانات الصحف وبرامج التلفزيون بل والبرلمان وساحات المحاكم خلال الأيام الثلاثة الماضية، وساد جدل حاد بين مؤيد للقرار ورافض له.

وبينما قال المتحدث باسم البرلمان المصري صلاح حسب الله إن هذه "المهرجانات أخطر على مصر من فيروس كورونا"، أوضحت بسمة وهبة، وهي مذيعة شهيرة وزوجة برلماني بارز، أن المهرجانات "أصبحت فنا في حد ذاته يجتذب الملايين".

وصدر قرار منع مطربي المهرجانات بعد يوم واحد من حفل موسيقي حضره عشرات الآلاف في ملعب القاهرة الدولي، شارك فيه مغنّي المهرجانات حسن شاكوش، بأغنية "بنت الجيران"، وهي الأغنية التي احتلت الأسبوع الماضي المركز الثاني في قائمة الأكثر استماعا على موقعَي يوتيوب وساوندكلاود بأكثر من 100 مليون مشاهدة واستماع.

وأوضحت غرفة المنشآت السياحية أنها تؤيد قرار منع مطربي المهرجانات من الغناء في منشآتها، مؤكدة أن أي منشأة سياحية تخالف القرار ربما تتعرض للإيقاف المؤقت أو النهائي.

"حجْر على الذوق العام"

يقول نصر عبدالله، وهو سائق ميكروباص في القاهرة، إن هذه "محاولة للحجر على اختيارات الناس وأذاوقهم، وأرى أن المهرجانات ستنتصر لأنها تتحدث عن مشكلات الناس، على خلفية نغمة موسيقية متكررة".

ويتفق معه أحد الركاب ويدعى عبد العليم، 23 عاما، قائلا: "يستحيل أن تنصب نقابة الموسيقيين نفسها وصيا على الناس فتخبرهم ما يجب الاستماع إليه، وكأننا لا نستطيع التمييز".

أما فايزة عبد السلام، وهي موظفة في الخمسين من عمرها، والتي كانت في ذات الميكروباص، فتتخذ رأيًا وسطا قائلة: "الموضوع عرض وطلب، وإذا كان الطلب على المهرجانات كبيرا بهذه الصورة، فيجب اعتباره فنا قائما بذاته".

وتستخدم موسيقى المهرجانات جهاز الكمبيوتر في تشكيل الألحان وتستعين بكلمات لكُتّاب شباب، غير محترفين، وتدور معظم أفكار كلماتها حول مشكلات الشباب وأحلامهم، وتختلف عن الاتجاه المعروف في الغناء العربي الذي يركز بشكل أكبر على الحب والرومانسية.

وبحسب كثير من المنتجين والنقاد الموسيقيين، غيّرت أغاني المهرجانات وجه الساحة الغنائية في مصر، بعدما أثبتت أن الاستماع لها في تزايد مستمر في الشارع وفي الحفلات وعبر الإنترنت.

وامتدح حلمي بكر، وهو ملحن معروف، قرار منع مطربي المهرجانات، منتقدا هذا النوع من الغناء ومَن يؤديه، قائلا: "مطربو المهرجانات هم بالأساس جزّارون وسائقو توكتوك".

كما أوضح بكر أن انتشار مثل هذه الأغاني هبط بالفن الغنائي ودفع بعض المطربين الجيدين إلى ترك المجال.

ودعم البرلمان قرار النقابة بمنع مطربي المهرجانات، موضحا على لسان متحدثه الرسمي أن "مواجهة أغاني المهرجانات مسؤولية مشتركة بين الجميع في الدولة المصرية".

وتقدم النائب البرلماني فرج عامر بمقترح لتعديل قانون العقوبات يدعو فيه إلى تشديد عقوبة اللفظ الخادش عموما لتتراوح بين عام وثلاثة أعوام، بدلا من غرامة بقيمة 500 جنيه (30 دولارا) حاليا.

وقال عامر في تصريح صحفي: "أغاني المهرجانات بها ألفاظ لا يجب أن تقال، وأصبحنا نردد هذه الأغاني بما فيها من لغة متردية وإسفاف، فبدأت تنتشر في المجتمع وللأسف ستتحول إلى لغة سائدة".

وطالب عامر، الذي قال إنه تقدم بطلب التعديل التشريعي قبل أشهر، بتشجيع الكتاب المميزين وتكريمهم وأن تكون هناك برامج تثقيفية ومسابقات أدبية وشعرية تهتم باللغة العربية، لمواجهة الابتذال والتردي الذي أسفرت عنه المهرجانات.

وبينما يطالب عامر بذلك، يطالب آخرون باحتضان مطربي المهرجانات وتعليم من لديه موهبة منهم وفرض رقابة على كلمات أغانيهم، وفي الوقت نفسه حثِّ المنتجين على تشجيع المواهب الشابة.

وتستمر حالة الجدل حول مطربي المهرجانات في مصر، بين مَن يرى المنع حلا، ومَن يرى الاحتضان والتدريب وسيلة لمواجهة الفن بالفن.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

إيران: آخر نداءات الإصلاحيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

حسن فحص

على الرغم من اتساع رقعة الأصوات الإصلاحية والمدنية والعلمانية الداعية لمقاطعة الانتخابات البرلمانية التي ستجري يوم الجمعة في الواحد والعشرين من شباط فبراير الجاري 2020، إن كان علانية او من خلال التزام الصمت والعزوف الهادئ عن المشاركة والرسائل التي يحملها للنظام ومراكز القرار، الا أن اصواتاً من كبار قادة التيارين الإصلاحي والمعتدل وحتى من القوى المنتقدة داخل التيار المحافظ، ترفع الصوت عاليا بالدعوة الى المشاركة الواسعة والكثيفة لمنع وقطع الطريق على خسارات اكبر لعل اقربها واقساها سيطرة التيار المتشدد اليميني على البرلمان، وبالتالي السيطرة والهيمنة على البلاد من دون حسيب أو رقيب.

قد تبدو هذه الدعوات غير منطقية او واقعية امام الاستنفار الذي يعيشه التيار المحافظ من اجل ضمان الحصول على أعلى حصة من مقاعد البرلمان وحسمها لصالح مرشحيه بغض النظر عن الجناح الذي يمثلونه، إن كان المتشدد او الأصولي، وقد ذهبت بعض الاطراف الاصلاحية الى حد اعتبار هذه الدعوة بمثابة تسليم واستسلام والقبول بالتسوية أمام قوى النظام والسلطة المحافظين، الا ان اصحاب هذه الدعوات ينطلقون من اعتقاد بان العازفين عن المشاركة سيصابون بالندم لاحقا عندما يدركون الخطأ الذي ارتكبوه عندما قرروا مقاطعة صناديق الاقتراع، وانهم ساهموا في حرمان أنفسهم وحرمان الاصلاحيين والمعتدلين القدرة على ايصال اصواتهم للرأي العام من خلال منبر البرلمان.

وتبرز اهمية هذه الدعوات لدى هذا الطيف من الاصلاحيين والمعتدلين، نتيجة الإجراءات التي اتخذها التيار المحافظ من خلال لجنة دراسة اهلية المرشحين في مجلس صيانة الدستور والمجزرة التي ارتكبها بحق المرشحين والتي لم تقتصر على الوجوه الإصلاحية البارزة والاساسية، بل طالت وجوها معتدلة ومستقلة وحتى محافظة وسطية، وقد ارتفع منسوب الخوف من النتائج المتوقعة بعد قرار رئيس البرلمان الحالي وأحد أبرز شخصيات التيار المحافظ علي لاريجاني العزوف عن الترشيح، خصوصا بعدما ادرك حجم الاستنفار الذي يسيطر على المعسكر المحافظ ويحفزه على الانقضاض على أي طرف قد ينازعه على تحقيق أهدافه باستعادة السيطرة على البرلمان. وقد زاد  من تجذر هذه المخاوف قرار صيانة الدستور عدم تأييد أهلية علي مطهري الذي يعتبر من أبرز الشخصيات المحافظة التي مارست دورا انتقاديا ووسطيا خلال الازمات السياسية التي مرت بها ايران خلال السنوات التسع الماضية خاصة ازمة فرض الاقامة الجبرية على زعيمي الحركة الخضراء مهدي كروبي ومير حسين موسوي وزوجته.

ولا يعتبر الرئيس حسن روحاني الجهة او الطرف الوحيد بين الاصلاحيين والمعتدلين الذين رفعوا الصوت مرارا وتكرارا بالدعوة الى المشاركة الواسعة في الانتخابات حفاظا على احد اهم وابرز مظاهر الديمقراطية في ايران وان كان بحدها الادنى والمقيد عبر مجلس الصيانة، فالنتائج التي اسفرت عنها استطلاعات الرأي للشارع الايراني خصوصا في العاصمة طهران أظهرت ان نسبة المشاركة الشعبية في الاقتراع لن تتعدى 24 في المئة، وهي نسبة غير مسبوقة في تدنيها بمختلف العمليات الانتخابية في تاريخ الثورة، وهذه الانتخابات ان سمحت للتيار المتشدد بالسيطرة على البرلمان، فانها ستفتح الطريق امام تراجع الاصوات المعتدلة والحوارية والمستقلة القادرة على تقديم خطاب غير صدامي يهدئ من التوتر الداخلي ولا يعطي الخارج خصوصا الادارة الامريكية الذريعة لممارسة المزيد من التشدد والحصار والعقوبات ضد ايران والشعب الايراني.

ولعل من أسباب العزوف الشعبي عن المشاركة في هذه الانتخابات، حالة تراجع الثقة التي زادت مستوياتها كثيرا خلال الاشهر الماضية، خصوصا بعد موجة القمع والاعتقالات التي شهدتها ايران جراء التظاهرات المطلبية في شهر تشرين الثاني نوفمبر 2019 بعد قرار النظام رفع اسعار الوقود وتفاقم الازمات الاقتصادية وانهيار العملة الوطنية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن. وهي اسباب لم يعمل النظام والسلطة على ترميمها بما يسمح بتعزيز الاعتقاد الشعبي بقدرته على احداث تغيير عبر المشاركة في الانتخابات وانتاج طبقة سياسية جديدة تعبر عن طموحاته واحتياجاته. وعليه فان المسؤولية الاكبر في هذا العزوف تقع على عاتق النظام الذي لم يبادر الى طمأنة الشارع الشعبي لموقعه ودوره وتأثيره، فضلا عن تزايد الشكوك بعدم نزاهة الانتخابات ما يساهم في تراجع مستويات المشاركة.

امام هذه المعطيات، وما يضاف اليها من ان التيار الاصلاحي يواجه صعوبات حقيقية نتيجة النشاط الذي مارسته مقصلة مجلس صيانة الدستور بحق مرشحيه، في مختلف محافظات ايران، فان التيار المحافظ يدخل السباق الانتخابي منطلقا من قاعدة وحصة محسومة تبدأ من حصوله على 160 مقعدا من اصل 260 سيجري عليها الانتخاب من مجموع 290 مقعدا هي عدد مقاعد البرلمان، والسبب يعود الى ان مجلس الصيانة قد قام بعملية تنظيف واسعة امام مرشحي التيار المحافظ وازاح عن طريقهم المنافسين لهم، في حين ان الدوائر التي قد يكون التيار الاصلاحي قادرا على تقديم مرشحين له فيها لا يتجاوز عدد مقاعدها الثمانين (80) هي مجمل من سيمثل هذا التيار في كل ايران والمنافسة عليها لن تكون سهلة لوجود خصوم محافظين في الدوائر التي يمثلونها، أما في العاصمة طهران فان التيار الاصلاحي قد يكون قادرا على تشكيل لائحة متكاملة من 30 مرشحا، الا ان حظوظ تحقيق خرق لا تبدو واضحة على الرغم من وجود 14 نائبا من النواب الحاليين بينهم، لان التيار المحافظ يعتبر معركة طهران مفصلية في تأمين الشرعية لاحكام قبضته على البرلمان واختيار رئيسه وهيئته الرئاسية.

المعطيات المتوفرة لا تشير الى امكانية تحقيق معجزة تقلب النتائج التي تمت هندستها بعناية، الا ان الرهان يبقى على حجم المشاركة وأن ينتفض المقترعون في اللحظات الاخيرة- وهو أمر مستبعد- لتغيير النتيجة وتوجيه رسالة واضحة للتيار المحافظ بأن نبض الشارع في مكان آخر خارج هذه الهندسات وبعيدا عن المصادرات.

عن "المدن"

للمشاركة:

سياسة أردوغان في إدلب تُحمل تركيا أعباءً إنسانية واقتصادية جمة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

جلدم أتاباي شانلي

قرار الحكومة التركية المشاركة النشطة في الحرب المستمرة في محافظة إدلب بشمال غرب سوريا سيؤدي على الأرجح إلى ضغط كبير على اقتصاد البلاد الهش بالفعل.

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن تركيا ستضرب أهدافاً سورية في أي مكان إذا استمرت الهجمات على الجنود الأتراك في آخر جيب رئيسي يسيطر عليه مقاتلو المعارضة في سوريا.

ومنذ الأسبوع الماضي، نشرت تركيا أكثر من ألف جندي في إدلب، حيث قُتل 13 جندياً تركياً خلال الأسبوع الماضي جراء القصف السوري. وتطالب تركيا القوات الحكومية السورية المدعومة من روسيا بالانسحاب من المواقع خلف 12 مركز مراقبة لتركيا في المنطقة، والتي تم إنشاؤها بموجب اتفاق سوتشي لعام 2018 بين أنقرة وموسكو.

اختار أردوغان تحدي موسكو فيما يتعلق بإدلب على الرغم من المخاطر الاقتصادية المحتملة لهذه الخطوة. فعندما انهارت العلاقات بين البلدين تماماً بعد أن أسقطت أنقرة طائرة مقاتلة روسية في عام 2015 على حدودها مع سوريا، انخفضت تجارة تركيا مع روسيا بنسبة الثلث تقريباً من 23.9 مليار دولار في عام 2015 إلى 16.8 مليار دولار.

وبدأ البلدان في تحسين العلاقات في أعقاب محاولة انقلاب فاشلة في تركيا في عام 2016 وأقاما علاقات أوثق منذ ذلك الحين. ولكن بالنظر إلى أن هدف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المتمثل في التخلص من جميع المقاتلين الجهاديين في إدلب، فمن غير المرجح أن تتوصل روسيا وتركيا إلى اتفاق هذه المرة.

من الواضح أن التدفق الهائل للاجئين من إدلب، التي تضم ثلاثة ملايين شخص بحسب تقديرات الأمم المتحدة، والذين يُعتقد أن 1.2 مليون منهم لاجئون نزحوا من أماكن أخرى في سوريا، سيكون أول نتيجة لزيادة التوتر في المحافظة. وتقول الأمم المتحدة إن حوالي 700 ألف شخص فروا بالفعل من إدلب هرباً من الاشتباكات بين قوات الحكومة السورية والمقاتلين الجهاديين، سعياً لإيجاد مأوى في تركيا، التي تستضيف بالفعل حوالي 3.6 مليون سوري.

ويقول أردوغان إن العدد أكبر من ذلك، أي ما يقرب من مليون شخص. وفي حال بدأ هؤلاء الأشخاص بالمرور عبر الحدود، ستكلف موجة اللاجئين الجديدة تركيا ما لا يقل عن اثنين إلى ثلاثة مليارات دولار سنوياً. بالنظر إلى أن تركيا يجب أن تتعامل مع معدل بطالة يبلغ 15 في المئة في القطاعات غير الزراعية ومع تنامي المشاعر المناهضة للاجئين بين الأتراك، فإن التكلفة السياسية الكلية لسياسة تركيا في إدلب لا يمكن أن يتحملها حزب العدالة والتنمية الحاكم.

وستكون هناك بالطبع تكلفة لتدهور العلاقات مع روسيا. ليس في قطاع الطاقة، حيث يبدو أن روسيا ضمنت مصالحها في صفقات مع تركيا. لكن قرار تركيا شراء أنظمة دفاع روسية من طراز إس-400، مما أبعد حلفاء أنقرة في الغرب، سيكون له ثمن.

ستحتاج تركيا إلى إعادة موازنة علاقاتها مع الغرب، لا سيما مع الولايات المتحدة. بعد زيارته الأخيرة للبيت الأبيض في نوفمبر، قال أردوغان إن تركيا قد تفكر أيضاً في شراء بطاريات صواريخ باتريوت أميركية الصنع. وفي حال كان هذا التنازل لا مفر منه للحصول على دعم الولايات المتحدة في إدلب، فإن هذا سيعني نفقات إضافية بقيمة تتراوح بين ملياري وثلاثة مليارات دولار للخزانة التركية. ستدفع أنقرة ثمناً باهظاً مقابل سياستها القائمة على السعي لتحقيق مكاسب استراتيجية باللعب على تضارب المصالح بين واشنطن وموسكو.

وستلعب موسكو ودمشق بالورقة الكردية في سوريا على الأرجح ضد تركيا لكبح أي خطوة عدوانية من أنقرة. يشعر المقاتلون الأكراد في سوريا بتخلي الولايات المتحدة عنهم حيث تركتهم في حماية 600 جندي أميركي فقط حول حقول النفط في شمال شرق سوريا بعد قرار الرئيس دونالد ترامب سحب القوات قبل توغل تركي في أكتوبر.

ومن خلال إشراك القيادة الكردية السورية بفعالية في جهودها لصياغة دستور جديد في سوريا، يمكن لروسيا هز الأسس المتزعزعة بالفعل لسياسة أنقرة. حاولت الحكومة التركية تبرير توغلاتها العسكرية في شمال سوريا من خلال التأكيد على التهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي لتركيا من قبل قوات سوريا الديمقراطية، والتي تقول الحكومة التركية إنها امتداد لحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي يقاتل داخل تركيا من أجل الحكم الذاتي على مدى ما يربو على ثلاثة عقود.

ولم تخف أنقرة أبداً المكاسب الاقتصادية المحتملة لمثل هذه التوغلات، كما ذكرت بوضوح في أكتوبر عندما حددت خططاً لبناء منشآت سكنية لما يصل إلى مليون لاجئ سوري في المناطق التي تهدف إلى السيطرة عليها بعد عمليتها العسكرية في شمال شرق سوريا. لكن التوصل لاتفاق بين الأكراد السوريين والرئيس بشار الأسد يمكن أن يضع حداً لأحلام أنقرة لتعزيز صناعة البناء والتشييد من خلال مشاريع جديدة في سوريا. وهذا يعني خسارة عائدات بقيمة بضعة مليارات من الدولارات لصناعة البناء في تركيا، والتي كانت بمثابة المحرك الأساسي للنمو التركي لمدة 15 عاماً حتى عام 2018.

سيتأثر السوق التركي حتماً بشكل عام بالتوترات السياسية والعسكرية والاشتباكات في سوريا. لن تكون الإدارة الاقتصادية التركية قادرة بعد الآن على إبقاء الليرة تحت مستوى ستة دولارات، وهو مؤشر نفسي. وسيكون من المستحيل على تركيا الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية، والتي تحارب الخزانة التركية للإبقاء عليها من خلال بيع الأوراق المالية بقيمة مليارات الليرات.

ثمة أيام مظلمة في انتظار البنك المركزي التركي، الذي خفض أسعار الفائدة الرئيسية على الإقراض إلى النصف من 24 في المئة منذ يوليو إلى 11.75 في المئة في يناير. إن سياسته المتمثلة في الحد من سوق المبادلة من خلال منع تحركات المستثمرين الأجانب ليست مستدامة في ظل ظروف استثنائية. تشير المؤشرات الاقتصادية إلى أنه سيكون من المستحيل على الحكومة تحقيق أهداف النمو الاقتصادي لعام 2020. ونظراً لأن الوضع في إدلب سيكون له أيضاً آثار تضخمية، فإن عواقب التوترات الدائمة في إدلب ستكون أكثر حدة.

كان بإمكان تركيا أن تتجنب كل هذه المخاطر إذا كانت اتبعت سياسة مختلفة تجاه دمشق منذ بداية الحرب الأهلية السورية في عام 2011. والآن، بالنظر إلى عدد القتلى الأتراك في إدلب، يبدو أن أنقرة متأخرة للغاية في توجيه سياساتها في هذا الاتجاه.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية