محاولة لتشخيص عنفنا اللّغوي

محاولة لتشخيص عنفنا اللّغوي
4836
عدد القراءات

2019-06-16

تستفيض المصادر العربية القديمة في الثناء على "ديوان النقائض"، الذي اضطلع بدور البطولة فيه كل من: جرير والفرزدق والأخطل، إلى درجة الزعم بأنّ نقائض الفرزدق وحده، على سبيل المثال، قد تكفّلت بحفظ ثلث لغة العرب ونصف أخبارها.

ولا يسع الباحث المدقِّق، أمام هذا الزعم وأمثاله، إلا أن يفغر فمه دهشة واستنكاراً؛ لأن استقراء الديوان كفيل بقلب طاولة كل من ذهبوا هذا المذهب، وأسهموا بقصد أو دون قصد في الترويج لما نعدّه (أردأ) ما وصلنا من ديوان العرب على صعيد المضمون. أما على صعيد الشكل الذي تتبوأ مسائل اللغة فيه المرتبة العليا، فلا يسعنا إلا أن نهنئ النحويين على ما ضمّه من شواهد وأمثلة قلّما جاد الزمان بمثلها.

اقرأ أيضاً: "الهوية والعنف": هل ديانتك هي هويتك؟

وإذا نظرنا بعين الاعتبار الشديد لحقيقة أنّ عمراً ابن كلثوم قد أقدم على قطع رأس ملك المناذرة لكلمة قيلت لأمه، ثم أنشأ معلّقته التي بلغ فيها أقصى ما يمكن بلوغه من العصبية الجاهلية والتي ورد فيها: "ألا لا يجهلن أحد علينا.. فنجهل فوق جهل الجاهلينا"، صار بوسعنا تقدير الانقلاب الهائل في المزاح العربي أوائل العصر الأموي، إلى درجة أنّ المتلقي صار يستمرئ الاستماع لهتك الأعراض وتبادل الشتائم البذيئة والإثخان في الهجاء الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء، على مرأى ومسمع السلطة الأموية، التي أزعم أنّها لم تدّخر وسعاً لتأجيج هذا العنف اللغوي ورعايته، حرصاً على إبعاد أنظار الناس عن التفكير بمعارضتها والانقلاب عليها، خاصة بعد أن لاحظت اتساع رقعة الجمهور الذي راح يتابع حلقات هذا العنف اللغوي غير المسبوق، وينقسم إلى فريقين يصفقان بضراوة منقطعة النظير لهذا العرض الدامي بلا دماء!

ظلت ريادة الفرزدق وجرير والأخطل في تأسيس منظومة العنف المثل الأعلى لكل من رام التحذلق في اغتيال الآخر

وأحسب أنّنا مطالبون بغض النظر عن كل ما تساقط إلينا من أخبار عن عنجهية الفرزدق، ورِقّة جرير، من باب تصعيد الإثارة المضمّنة في تهاجيهما؛ لأنني أكاد أجزم بأنّ كلاً منهما قد كان يستمتع أيّما استمتاع بأن يوقع بخصمه أكبر قدر من الإيلام النفسي من جهة، وبأن يتلقى من خصمه أكبر قدر من التألّم النفسي من جهة أخرى. وكأننا أمام نموذجين استثنائيين لمصابين بالسادية (الاستمتاع بإيلام الآخرين) وبالمازوشية (الاستمتاع بإيلام الذات) في الوقت نفسه.

ومما يزيد ثقتنا بهذا التشخيص، الأخبار الموثوقة التي تؤكد أنّ أياً منهما ما كان ليتأخر عن التشفع للآخر إذا ألمّت به ملمّة، ولا عن الاطمئنان عليه إذا أصابه مرض، إلى درجة أنّ الفترة التي فصلت بين موت كل منهما لم تتجاوز ستة أشهر، ما يعني أنّ كل واحد منهما وجد في الآخر مكمّلاً له، فضلاً عن اعتقادنا بأنّ كلاً منهما قد كان يؤدي دوراً مرسوماً بدقة، في تمثيلية اضطلعت السلطة الأموية بدفع تكاليفها دون تردّد.

اقرأ أيضاً: المثل الشعبي إذ يكرس العنف والتطرف

وإذا كان الموت قد تكفّل بإسدال الستار على شخوص الفرزدق وجرير والأخطل، فإنّ ريادتهم على صعيد تأسيس منظومة العنف اللغوي والدفع بها إلى أقصى حدودها الممكنة، ظلّت المثل الأعلى لكل من رام التحذلق في اغتيال الآخر، حتى صار هذا التحذلق هدفاً بحد ذاته، بل صار أيديولوجية ذات شكل ومضمون يتجهان إلى تمزيق الآخر، وانتزاع التصفيق كلّما بلغ هذا التمزيق مستوى جديداً من مستويات الإلغاء الكاريكاتوري الساخر للخصم، بغض النظر عن حججه ومسوّغاته التي يمكن شطبها باستظهار بيت واحد للمتنبي؛ "وإذا أتتك مذمتي من ناقص.. فهي الشهادة لي بأني كامل".

تبدأ الشروخ الاجتماعية الكبيرة دائماً بشروخ صغيرة جداً ثم تكبر وتكبر حتى يتعذّر الرتق على الراتق

ولعل هذه المرافعة، لن تستوفي مطلبها النقدي، إلا إذا ربطنا "ديوان النقائض" بـ"المدوّنة العربية الراهنة" على وسائل التواصل الاجتماعي بوجه خاص، وذلك لأنّ العنف اللغوي المضمّن في هذه المدوّنة، على اختلاف أشكاله ومضامينه، قد بلغ سقوفاً غير مسبوقة، إلى درجة أنّ بعض الحكومات العربية، فضلاً عن كثير من السياسيين والإعلاميين والخبراء، قد راحوا يحذّرون من تداعيات هذا التنمّر المتبادل، سياسياً وفكرياً واجتماعياً، على تماسك النسيج الوطني الناظم لواقع المجتمعات العربية التي تبدو الآن، أكثر انفعالاً وتفاعلاً مع ما يقال في فضاء الواقع الافتراضي.

ويجدر التذكير بأنّ بعض الحكومات العربية الآن، تعض أصابعها ندماً؛ لأنها أسهمت، إلى حد ملموس، في تأجيج هذا العنف اللغوي، بقصد أو دون قصد، حينما عمدت إلى الانخراط في هذا السباق المحموم، عبر تمويل ما لا يعد ولا يحصى من الحسابات الواقعية والوهمية، للدفاع عن سياساتها وتوجّهاتها، ما دفع معارضيها إلى رفع مستوى الإثخان فيها والتشهير بها بلا هوادة.

اقرأ أيضاً: العنف متخفياً في التاريخ

ولعل كلّ ما تقدّم، يجعلنا ننحني احتراماً لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، الذي استشرف بثاقب بصيرته، ما يمكن أن تؤول إليه الأمور، إذا تسامح مع الحطيئة حينما فتح باب الغمز واللّمز، فقال في الزبرقان بن بدر: "دع المكارم لا ترحل لبغيتها.. واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي"، فسجنه ثم اشترى منه أعراض الناس بثلاثة آلاف درهم، حتى اضطر الحطيئة إلى أن يهجو نفسه وأمه! فالشروخ الاجتماعية الكبيرة تبدأ دائماً بشروخ صغيرة جداً، ثم تكبر وتكبر وتكبر حتى يتعذّر الرتق على الراتق.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



التبرع بالأعضاء: هل يصطدم بالشريعة؟

صورة رباب كمال
إعلامية وكاتبة مصرية
2020-01-22

حوّلتُ أسوأ يوم في حياتي إلى يوم سعادة ونجاة لأطفال آخرين وذويهم"، بهذه الكلمات واجه الأب المكلوم خبر وفاة ابنته ذات الستة أعوام بعد حادث أليم وقع في الـ11 من كانون الثاني (يناير) العام 2020، وعلى الفور وبدون تردد قرر الأب والأم معاً التبرع بأعضاء ابنتهما لأطفال آخرين، حيث تجلّت قيمة الحياة وسط آلام الفقدان.
الحادث الذي وقع في تكساس بالولايات المتحدة في مطلع العام سلب حياة الطفلة (ريفن غوف)، لكن إرادة الأم والأب تحولت إلى الرغبة في استمرار حياة ابنتهما بشكل مختلف، وهو أن تكون أعضاؤها نابضة حية في أجساد أطفال آخرين في أشد الاحتياج لبارقة أمل لهم ولذويهم.

تقبل هذا الفتح الطبي الذي أنقذ حياة الملايين حول العالم لم يمر في عالمنا العربي بتلك السهولة

لا يختلف موقف أسرة الطفلة الصغيرة (ريفن غوف) عن موقف الشاب المغربي (إسماعيل سلطان) الذي لم يتجاوز العشرين ربيعاً ويصارع السرطان منذ أربعة أعوام، هو أيضاً شعر بقيمة الحياة ومنحها للآخرين، بالرغم من آلام المرض وشبح الموت، فسجّل وصيته في المحكمة الابتدائية المدنية في بلاده بالتبرع بأعضائه السليمة من المرض لمن يحتاجها من بعده.
بالرغم أنّ هناك معايير طبية على تبرع مرضى السرطان بأعضائهم إلا أنّ لفتة إسماعيل سلطان كانت رغبة في منح الحياة لمن يعاني من أنين المرض الذي واجهه.
في كلتا الحالتين كان الإيثار والشعور بالآخر جزءاً من الإيمان الفطري الذي يفوق شكليات التدين؛ فالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة لأشخاص غير معلومين ولا صلة قرابة بينهم وبين المتوفى أياً كانت أصولهم العرقية أو عقائدهم، أصبح واحدة من أكبر اللافتات في الحراك الإنساني حول العالم، وكأنّه صرخة تمرد في وجه البشرية الممزقة بالحروب والنزاعات.

اقرأ أيضاً: فتاوى آثمة وضالة ومتكررة
لكن تقبل هذا الفتح الطبي، الذي أنقذ حياة الملايين حول العالم لم يمر في عقلنا الجمعي بتلك السهولة؛ إذ اصطدم بمعيقات مجتمعية انطلقت في مجملها من فتاوى متعجلة، كما أثبت شيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي عندما أعلن تبرعه بقرنية عينه بعد وفاته، بعد أن استقرت معظم الهيئات الفقهية على رفض التحريم بالمطلق كما كان شائعاً.

ثورة نقل الأعضاء
عمليات وأبحاث نقل الأعضاء لها تاريخ مديد، ففي العام 1912، منحت لجنة نوبل جائزتها لعلوم الطب للجراج الفرنسي أليكسي كاريل (1873- (1944)، الذي هاجر من بلاده إلى كندا في مقتبل حياته ليعمل في الزراعة وتربية الماشية اعتقاداً منه أنّه لا يصلح طبيباً، قبل أن تأخذ حياته منعطفاً جديداً ويعود لممارسة الطب بعدما تم تعيينه العام 1906 في معهد حديث العهد حينها ألا وهو معهد روكفلر للأبحاث الطبية في نيويورك.

أشهر فتاوى تحريم التبرع بالأعضاء جاءت على لسان الشيخ الشعراوي في الثمانينيات

ومن خلال عمله هناك طوّر (كاريل) أساليب علاجية لخياطة الأوعية الدموية وجراحة الصدر ونقل الأنسجة، وكذلك قام بعمليات تجريبية لنقل الأعضاء على الكلاب بما فيها عملية نقل الكلى، فكان بذلك أول من اكتشف مشكلة طرد الأجسام الغريبة والتي ُتعرف طبياً بـ "رفض الطعم" Transplant Rejection، وهكذا فتح مجالاً لدراسات بحثية تضمن تثبيت العضو المنقول، واشتهر (كاريل) بلقب "رائد جراحات نقل الأعضاء".
تطور علم نقل وزراعة الأعضاء منذ ذلك الحين بالرغم من الاعتراضات المجتمعية وبعض الآراء الدينية الكاثوليكية على أبحاث كاريل في مطلع القرن العشرين والتي تراءى لها أنّ الحفاظ على الجسد كاملاً من متطلبات البعث من جديد.
لكن العلم والتطور الطبي والتشريعات المدنية استطاعت هزيمة أي آراء أو قيود من هذا النوع تعرقل العمل على منفعة البشر على الأرض، وأصبحت الشروط والمعايير التي تحيط بأبحاث نقل الأعضاء هي معايير مهنية وطبية وإنسانية، يعاقب من يخالفها بحكم القانون، خاصة فيما يخص الاتجار بالأعضاء والتلاعب بحياة البشر واستغلال الفقر الذي يوعز للبعض بيع أعضائهم، وتربص المتاجرين بالفقراء.

اقرأ أيضاً: مؤشر الفتاوى: استراتيجيات الإخوان تقترب من الجماعات المتطرفة
وتفيد البيانات الدولية أنّ هذا الاتجار يزداد في ظرفين أساسيين:
الأول: في خضم الحروب والنزاعات، فيصبح اللاجئون فريسة للاتجار بالبشر وأعضائهم، وهو الأمر الذي رصدته المنظمات الحقوقية العربية والأجنبية على حد سواء في مخيمات الحرب في سوريا، وأصدرت الأمم المتحدة تقريراً يفيد بهذا الوضع الماسأوي في العام 2017. ولعل هذه المأساة هي التي دفعت عدداً من اللاجئين السوريين الناجين إلى التبرع بأعضائهم بعد الوفاة كما فعلت الأم (ميديا محمود) بعد وصولها لاجئة إلى ألمانيا.
الثاني: عدم وجود قوانين تسمح بنقل الأعضاء ما يفتح مجالاً أوسع للسوق السوداء والاتجار الذي يستغل حاجة البشر سواء المتبرعين أو المتبرع لهم، وغالباً ما تتعثر التشريعات المُنظمة لنقل الأعضاء بسبب الفتاوى الشرعية في بعض البلدان.
ذريعة تحريم نقل الأعضاء
"طالما لا تملك ذاتك فلا حق لك التصرف فيها"، هكذا كانت أشهر فتاوى تحريم التبرع بالأعضاء في ثمانينيات القرن الماضي، على لسان الشيخ المصري محمد متولي الشعراوي (1911-1998) وهي الفتوى التي انتشرت بين الجماهير بكافة أطيافهم كالنار في الهشيم حينها وظلت مسيطرة على الوعي الجمعي لعدة أعوام لاحقة.

استند عدد لا بأس من المُحرّمين إلى فتوى الإمام النووي في تحريم وصل الشعر

أما تعقيباً على كلمة "التصرف" فيؤكد الشيخ الشعراوي أنّه يقصد البيع أو الهبة بلا مقابل سواء في حياة المتبرع أو بعد وفاته، والفتوى تذرعت بتأويل "المُلك لله"، وأنّه فليس من حق الإنسان أن يهب ما لا يملكه؛ لأنّ الله يسترد وديعته.
وكان الشيخ الشعراوي أطلق هذه الفتوى على شاشة التلفزيون المصري الرسمي من خلال برنامج (من الألف إلى الياء) الذي كان يقدمه الإعلامي الراحل طارق حبيب، وحينها لم يطلب فتوى بخصوص الاتجار بالأعضاء من خلال البيع، بل كان السؤال عن الهبة والتبرع، فلم تكن فكرة تحليل البيع مطروحة أصلاً، إلا أنّ إقحام تعبير "تحريم البيع" مثّل مدخلاً نفسياً للشحن الضدي ضد الفكرة من أساسها، فانتقى الشيخ الشعراوي مفردات حولّت قضية التبرع - من خلال الهبة من إنسان لإنسان بدون بيع ولا اتجار- إلى خطاب استعداء على ملكية الله تعالى المالكة لجسد الإنسان ليجد المتبرع والمتبرع له في موقف المعصية.

اقرأ أيضاً: مطالبة آبل بحذف تطبيق يحوي فتاوى للقرضاوي تروّج للتطرف والكراهية
ظلت هذه الفتوى حاضرة لأعوام، واستند عدد لا بأس من المُحرّمين، بمن فيهم الشعراوي، إلى فتوى الإمام النووي في تحريم وصل الشعر فيقول: "يَحْرُم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل يُدْفَن شعره وظُفُره وسائر أجزائه" (المجموع شرح المهذب، في الفروع للنووي ج3، ص149، شرح مسلم ج14، ص103)
إلا أنّ تلك الفتوى بالتحريم في حد ذاتها لم تكن العقبة الوحيدة على المستوى التشريعي؛ فالإشكالية الأكبر كانت وماتزال، حضور المسألة الفقهية في ذهنية المشرعين المدنيين، بل وفي عقل بعض الأطباء الذين اعتمروا عمامة الفقيه دون علم. وهذه الظاهرة ليست حكراً على مسألة نقل الأعضاء وإنما كذلك ظهرت بشكل جدلي في مسألة ختان الإناث، فنجد طبيباً (أحمد الطحاوي) وعضواً بمجلس النواب المصري يطلب الرأي الشرعي في ختان الإناث (العام 2016) بعد تجريمه قانوناً وتحريمه من الأزهر بحوالي ثمانية أعوام في العام 2008.
الفتاوى وتشريع نقل الأعضاء
علمياً، ثمة تصنيفات متعددة لعمليات نقل الأعضاء، حيث تطورت تلك العمليات تطوراً مذهلاً منذ زراعة القرنية العام 1905 حتى زراعة الوجه كاملاً العام 2010 ولازالت تتطور عاماً بعد عام، وتم إدراجها في عدة تصنيفات ومن بينها: أعضاء مُتبرع بها من أحياء مثل عمليات نقل الكلى وجزء من الكبد أو جزء من الأمعاء وتعرف علمياً بـsplit Transplant (زراعة الأعضاء بالتقسيم)؛ أي تقسيمها بين المتبرع والمتبرع له الأحياء، وأخرى بعد الوفاة (مثل القلب والبنكرياس والمعدة).

اقرأ أيضاً: "مؤشر الفتوى"... هل يضبط فوضى الفتاوى عالمياً؟!
وقد تطورت الفتاوى الدينية، على مدار العقود الماضية، من حالة رفض نقل الأعضاء إلى الإجازة خاصة في حالات نقل العضو من متبرع حي لآخر حي، بالرغم من اعتراض عدد محدود من المشايخ على الأمر برمّته بحجة عدم امتلاك الإنسان لجسده على غرار فتوى الشعراوي.
كما يمكن نقل العضو من المتوفى سواء سريرياً أو المتوفى بفعل هبوط الدورة الدموية حسب المعايير المهنية والطبية، وهنا تتجلى أزمة الفتاوى الدينية في الوقت الراهن في معظم البلاد العربية؛ حيث تتمحور حول نقل الأعضاء من المتوفى إلى الحي؛ حيث ُيعد الأمر جائزاً لكن في ضوء التعريف الفقهي للموت، وقد يختلف هذا التعريف مع التعريف الطبي، هنا يذهب بعض الفقهاء أنّ الموت يصبح معترفاً به في حالة توقف التنفس، فلا عبرة بالموت الإكلينيكي أو ما يعرف بموت جذع المخ؛ لأنّه لا يعد موتاً شرعاً، لبقاء بعض أجهزة الجسم حية.
في هذه الحالة، نجد أنّ الفتوى تدخلت في العمل الطبي ومهنيته وتمسكت برأي فقهي غير دارس للطب، أو استعانت برأي طبيب يضع العلم الفقهي قبل التشريحي والطبي، وهي مثال على الحالات التي تعرقل البحث العلمي في مجمله.
حراك التبرع بالأعضاء
بالرغم من ذلك، هناك حالة حراك طبي في العالم العربي يسعى لتطوير مثل هذه الأبحاث وتقنين العمليات بالفعل وتقليل الحصار حول إجرائها بما لا يمتهن كرامة الإنسان ولا يعرضه للاتجار، وكل تلك المساعي تتم بالرغم من بعض الأزمات التشريعية والشرعية والجمود الذي لا يتناسب مع التطور العلمي الهائل.

ظاهرة التحريم لم تقتصر على نقل الأعضاء فظهرت بشكل جدلي في مسألة ختان الإناث

وربما ما يلفت الانتباه أكثر، هو ذلك الحراك المجتمعي (غير المنظم حكومياً) والذي يتبنى قضية التوعية بالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة.
تجلّى هذا الحراك من خلال التدوينات، ثم تتطور إلى تسجيل بعض الأشخاص لوصية موثقة بالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة في بلدانهم، مما يُعد بمثابة حركة تنويرية تسعى للتمرد على الأفكار المجتمعية الرافضة أو على بعض الأصوات المتشددة التي تعد جسد الإنسان غير مملوك له.
هذا الحراك انطلق من خلال أشخاص طوّعوا إيمانهم وتدينهم لخدمة الغرض الإنساني، واعتبروا أنّ التبرع يقع في إطار فلسفة من أحيا نفساً كمن أحيا الناس جميعاً، وبالرغم من الاختلافات العقائدية للراغبين في التبرع، يبقى الإيثار وتعاطفهم مع المريض إنسانياً هو ما جمع بينهم مما يعد مؤشراً لتغير الذهنية والثقافة العامة.

للمشاركة:

سيد قطب و"الظلال".. اختل المنهج فسقط البناء (5)

2020-01-22

عايش سيد قطب القرآن الكريم ولازمه لأعوام طويلة لا تقل عن العشرة، وتوقف خلالها عن الرجوع إلى غيره من الكتب والمراجع إلا عند الضرورة القصوى. وقد طلب من أبناء الحركة الإسلامية؛ بل ومن المسلمين عموماً، أن يفعلوا مثله ويحذوا حذوه، وأن يقطعوا صلتهم بأي نوع آخر من المصادر التي وصفها جميعاً بكونها "جاهلية " أو أنّها على الأقل اختلطت بها، مما يجعل منها مادة خطرة على عقل المسلم ووجدانه. ومن شدة ارتباطه بالقرآن الكريم وصفه بعض أتباعه بكونه "الرجل القرآني". ولا شك في أنّ توثيق العلاقة بالقرآن الكريم مسألة أساسية عند كل مسلم، خاصة إذا كان عالماً أو خبيراً في مجال له علاقة بالدين، لكن الإشكال الذي يطرح مع قطب يتعلق بدرجة أساسية في المنهج الذي اعتمده لقراءة القرآن الكريم وتفسيره وتأويله.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: تأملات في مشروع ملغوم (1)
وضع فرضية واستند إليها ليخوض مغامرة لم تكن عواقبها سليمة. تقوم أطروحته على الفرضية التالية وتتمثل في دعوة المسلم إلى التخلص من جميع الرواسب التي علقت بفكره والتي يعتبرها ثمرة من ثمرات الجاهلية، وأن يتجرد من كل التأثيرات والعوامل التي أثرت في بنائه، العقلي والنفسي والاجتماعي، قبل أن يتحول إلى الإيمان، حتى يصبح صفحة بيضاء، وأن يتهيأ نفسياً عند وصوله إلى هذه المرحلة ليتلقى القرآن الكريم وحده، وأن يجعل منه المصدر الوحيد الذي يستمع له، ويعمل على تنفيذ أوامره وتوجيهاته.

مهما كانت إرادة قارئ القرآن وجنسيته وقوته الروحية لن يستطيع التحول لمرآة عاكسة للنص وحقيقته مثلما افترض ذلك قطب

الفكرة تبدو مغرية ومقبولة نظرياً، على الأقل، لكنها عملياً تدفع نحو خوض مغامرة مستحيلة. فكل إنسان، والمسلم إنسان، لا يستطيع مهما حاول أن يتجرد من الرواسب الكامنة فيه، أو أن ينفصل كلياً عن محيطه المادي والاجتماعي والثقافي حتى لو كان هذا المحيط جاهلية محضة. فعلم الوراثة ينفي إمكانية تحقق مثل هذا الاحتمال، وكذلك علم النفس يقدم عشرات الأدلة على استحالة الفرضية، وأيضاً يجمع المختصون في مختلف العلوم الإنسانية على القول بأنّ الإنسان يبقى محكوماً بعديد المؤثرات التي تسبق وجوده وتتدخل في إرادته، وتجعل حريته ليست مطلقة.
لا يعني ذلك أنّ الإنسان آلة صماء، يخضع لعوامل خارجة عن سلطته مثلما هو الحال بالنسبة لما يطلقون عليه "الإنسان الآلي" أو "الروبو". هذه صورة كاركاتورية لا يمكن اعتمادها في هذا السياق. الإنسان خلق ليكون حراً، ولهذا السبب بالذات يتمتع بإرادة يقرر من خلالها أشياء كثيرة في حياته. وعلى هذا الأساس دافع الكثير من الفلاسفة والمتكلمون عن القول بأنّ الإنسان هو صانع أفعاله، وأنّ ذلك شرط أساسي يكون مسؤولاً عنها، وبدونه تسقط آلياً فكرة محاسبته على ما يقول ويفعل. لكن السلوك البشري معقد، تتشابك فيه عناصر كثيرة ومتداخلة، بعضها خاضع للسيطرة وبعضها الآخر مستقل عن الفرد ومسؤول عنها الأسرة أو المجتمع أو السياق التاريخي أو الطبيعة بقوانينها.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: الوجه المطمئن مقابل الوجه الآخر (2)
مهما كانت إرادة قارئ القرآن الكريم وجنسيته وقوته الروحية وتكوينه لن يستطيع أن يتجرد من كل ذلك ويتحول إلى مرآة عاكسة للنص وحقيقة النص مثلما افترض ذلك صاحب "معالم في الطريق" . إنّه سيقرأ القرآن الكريم من منظوره الشخصي، ووفق مداركه العقلية، وبناء على ثقافته وتجاربه السابقة للنص بقطع النظر عن مصادرها أو صحتها وخطئها. لهذا خضع كل مفسري القرآن الكريم لسياقاتهم التاريخية والمعرفية بمن فيهم سيد قطب نفسه، الذي لو وجد نفسه في سياق ديمقراطي، وتمتع بحرية الرأي والتفكير، وعاش حياته الشخصية بشكل مختلف، ولو تعامل معه الرئيس جمال عبد الناصر بطريقة مغايرة، وأدرك أهميته كمثقف وإنسان، لجاء تفسيره للقرآن الكريم مختلفاً تماماً عن "الظلال"، ولتعامل مع النص الإلهي بمنهجية مغايرة.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: القفز نحو المواقع الخطرة (3)
لقد تمحور الجزء الأكبر من تأملاته في القرآن الكريم حول 3 مصطلحات اعتقد بكونها مفردات أساسية للكشف عن أسرار الخطاب الإلهي الموجه إلى البشر، وهذه المصطلحات هي "الجاهلية" و"الربوبية" و"الحاكمية". واعتقد بأنّ هذه المصطلحات عبارة عن مفاتيح مترابطة تشكل مداخل رئيسية لكتاب مقدس يعج بالقضايا والمسائل والاهتمامات والرسائل. وافترض بأنّ تلك المعادلة كافية لتمكّنه من وضع المنهج الذي بحث عنه لتغيير الوضع القائم بمصر وبغيرها من دول العالم.

رغم تأثر الغنوشي بمالك بن نبي إلا أنّ تعلّقه بقطب جعله يسعى للتوفيق بينهما في معادلة لا تستقيم

هذه النظارات التي وضعها قطب فوق عينيه جعلته، على سبيل المثال، لا يدرك أهمية ما كتبه مثقف آخر عاش معه في نفس الفترة هو المهندس الجزائري مالك بن نبي، وواجه نفس القضية التي شغلته ولكن من زاوية أخرى وبمنهجية مختلفة. ذكر سيد في كتابه "معالم في الطريق" وتحت عنوان "الإسلام هو الحضارة" ما يلي: "لقد كنت قد أعلنت مرة عن كتاب لي تحت الطبع بعنوان "نحو مجتمع إسلامي متحضر"، ثم عدت في الإعلان التالي فحذفت كلمة متحضر مكتفياً بأنْ يكون عنوان البحث- كما هو موضوعه "نحو مجتمع إسلامي"، ولفت هذا التعديل نظر كاتبٍ جزائري يكتب بالفرنسية ففسَّره على أنَّه ناشئ عن عمليةِ دفاع نفسية داخلية عن الإسلام، وأسف لأنَّ هذه العملية- غير الواعية- تحرمني من مواجهة المشكلة على حقيقتها". وأضاف قطب "أنا أعذر هذا الكاتب؛ لقد كنت مثله من قبل أفكر على النحو الذي يفكر هو عليه الآن".

اقرأ أيضاً: سيد قطب: الجاهلية نظرية في الخروج من التاريخ (4)
كانت كلمات سيد كافية لكي تحجب الإخوان المسلمين والإسلاميين عموماً عن هذا الرجل الجزائري، وتحرمهم من الاستفادة من كتبه العميقة والنوعية. فالخلاف بين الكاتبين عميق وليس شكلياً كما تصور الكثيرون. حتى قطب لم ينتبه إلى ما رواء ملاحظة بن نبي. لم يدرك أنّ الحضارة غير مرتبطة عضوياً بالتدين. لهذا اعتبر أنّه بمجرد وجود مجتمع إسلامي يحصل تقدم حضاري، في حين أنّ الحضارة تكتسب عن طريق الالتزام بقوانين وشروط، يمكن أن يأخذ بها المسلم أو غير المسلم. وهو ما يفسر الحالة الراهنة؛ حيث يقود الغرب مسار الحضارة بعد أن أمسك بخيوطها، في حين لا يزال المسلمون يتحركون على الهامش ويوصفون بالتخلف رغم تديّنهم. ويعود ذلك إلى الفهم الخاطئ عند المسلمين لجوهر دينهم من جهة، ولجوهر الحضارة من جهة أخرى.

رغم تأثر الغنوشي بمالك بن نبي، إلا أنّ تعلّقه بقطب جعله يسعى نحو التوفيق بينهما في معادلة لا تستقيم تفسر جزءاً هاماً من تناقضات الكثير من الإسلاميين. قال "بعد تفكّر طويل وحيرة وتجاذب في نفسي بين الإمامين )يقصد قطب وبن نبي(، تجلّت في نفسي كالصبح مكانة الرجلين العظيمين وموقع كل منهما.. أدركت أنني إذا ابتغيت تفسيراً لآي من كتاب الله وبخاصة التفسير البياني والمنظور الشامل للسورة في ترابط وتماسك آيها ومحايثتها المستمرة للواقع باعتبارها قوة تغيير له وليس مجرد تشخيص، فليس أولى من )السيد ( صاحب "الظلال" أظفر عنده بمبتغاي، ولكن دون اقتصار عليه أو استغناء عنه.
أما إذا رمت بحثاً وتفكيكاً لظواهر التخلف والتحضر والوقوف على محركاتها في تاريخنا وواقعنا، فليس في الفكر الإسلامي المعاصر ما يسعف وينير الطريق إلى الواقع وإلى كتاب الله خير من مالك بن نبي صاحب سلسلة "الحضارة"، فإذا كان الحديث في الحضارة فلا يفتى ومالك في المدينة ". مع ذلك ما يبنيه مالك ينسفه سيد؟ !!.


هامش:

1- راشد الغنوشي "بين سيد قطب ومالك بن نبي"/موقع الجزيرة.

للمشاركة:

هل تحول الاحتجاجات في السويداء مجرى الأحداث في سوريا؟

2020-01-21

الحرب، التي ما تزال مستمرة على جبهات القتال، منذ تسعة أعوام، وإن في مناطق محددة، والتي حصدت حتى الآن أرواح ما يقرب من مليون شخص من الرجال والنساء والشباب والأطفال، وما يقرب من مليوني جريح وذوي إعاقة، وهجّرت أكثر من نصف السكان، في الداخل وإلى الخارج، ودمّرت البنى التحتية والمرافق العامة والمصانع والورش، سبّبتها ورافقتها حرب أخرى على المجتمع كلّه، قادتها قوى التسلط والاستبداد والفساد. 

اقرأ أيضاً: تركيا وازدواجية المواقف بين سوريا وليبيا
أسلحة هذه الحرب الممهدة والموازية هي التخويف والترهيب والتجويع، لا سيما أنّ التجويع صار سياسة معلنة لسلطة الأمر الواقع في دمشق وحلفائها، تحت شعار "الجوع أو الركوع"، وهذا تعبير صريح عن سياسة قديمة جعلت الاقتصاد والمال أداتين من أدوات السيطرة، ومصدرين لثروات المسيطرين كبارهم وصغارهم؛ فالأزمة الاقتصادية والمالية والمعيشية ليست جديدة؛ إذ كان أكثر من ثلثي السكان، قبل عام 2011، يعانون من الفقر العام، وحوالي ثلث السكان يعانون من الفقر المدقع أو الفقر الشديد، بحسب المكتب المركزي للإحصاء وأبحاث أخرى.

حفلت مواقع التواصل بمناشدات متتالية من مواطنين سوريين لتدارك أزمة الغاز ووقود التدفئة والكهرباء والغلاء وفوضى الأسعار

الجديد في الأزمة الاقتصادية والمالية أنّها بلغت مستويات غير مسبوقة، لم يعد يمكن تحملها، وفي المقابل بلغ الفساد والنهب والابتزاز والتعفيش وفوضى السوق وانهيار سعر الصرف مستويات غير مسبوقة، وزاد عدد أغنياء الحرب وتضاعفت ثرواتهم، وتذكر بعض البحوث الحديثة أنّ نسبة الفقر العام بلغت 92% وزادت نسبة الفقر المدقع أو الفقر الشديد عن 45%، وارتفعت نسبة البطالة إلى 40%، وليس انهيار قيمة الليرة السورية المريع سوى دليل واحد من أدلة كثيرة على تحويل سوريا الغنية بشعبها ومواردها دولة فقيرة وفاشلة ومدينة بعشرات المليارات لإيران وروسيا وغيرهما، فإذا كان هناك من يعتقد بالفعل أنّ الحرب على جبهات القتال هي مؤامرة كونية؛ فالحرب الممهدة والموازية سياسة وممارسة أكثر خطورة من أيّة مؤامرة.

اقرأ أيضاً: ما هدف أردوغان الحقيقي من التدخّل عسكرياً في سوريا وليبيا؟
حفلت مواقع التواصل الاجتماعي بمناشدات متتالية من مواطنين موالين، من فنانين وكتّاب وناشطين، لتدارك أزمة الغاز ووقود التدفئة والكهرباء والغلاء وفوضى الأسعار، التي التهمت الزيادة الهزيلة في الرواتب والأجور، لتأتي الإجابة عبر وسائل الإعلام الحكومية بـ "أنّ الأوضاع الاقتصادية أفضل خمسين مرة مما كانت عليه عام 2011".
الكذب و"التصحيف" من شيم كثير من وسائل الإعلام السورية، التي وصفها الراحل ممدوح عدوان بأنّها "تكذب حتى في نشرة الأخبار الجوية"، الكذب لا يسدّ الجوع، ولا يجلب حليب الأطفال، ولا يجلب دواء المرضى، ولا يدفئ أجسادهم، ولا ينير المنازل، ولا يلبّي حاجات المحتاجين.

اقرأ أيضاً: ما هي رسالة طهران إلى واشنطن من خلال وجودها في العراق؟
في ظلّ هذه الأوضاع الكارثية والسوريالية في الوقت نفسه لا عجب أن يدير شباب وشابات من محافظة السويداء حملة "بدنا نعيش"، وأن يتظاهروا، بأعداد قليلة في اليوم الأول (15 كانون الثاني/ يناير 2020)، وأكثر منها في اليوم الثاني في مدينة السويداء (مركز المحافظة)، وفي مدينة شهبا الواقعة بين دمشق والسويداء.
تعتمد محافظة السويداء على الزراعة، خاصّة الكرمة والتفاح، وعلى العمل في مؤسسات الدولة، وعلى تحويلات المغتربين، بصورة أساسية، ولم تنخرط في الانتفاضة الشعبية، عام 2011، بل وقفت على الحياد، منذ البداية، إنما كانت هناك تدخلات من جانب بعض المعارضين للنظام في المحافظة، دُفع مقابلها غالياً دماء عشرات من الشباب قضوا تحت التعذيب، ويعود عدم الانخراط في الثورة إلى عدة أسباب، منها؛ أنّ غالبية أهالي المحافظة من الأقليات الدينية في سوريا، وهم دروز ومسيحيون وبدو، خوّفتهم السلطة من التكفيريين. والسبب الثاني؛ ربما لأنّ المحافظة بدأت تستقبل الوافدين إليها "النازحين"، هرباً من الموت، فحافظت على عاداتها وتقاليدها في إكرام الضيف وإيوائه، وقد اتهمتها بعض التيارات من المعارضين للنظام بالموالاة الكلية له، وفي الحقيقة كانت السويداء ترقد على بركان خامد سينفجر في أيّة لحظة من اللحظات الحاسمة، وقد تكون تلك اللحظة تغييراً لمجرى ما حدث قبل تسعة أعوام، وما يحدث الآن على الأراضي السورية.

اقرأ أيضاً: هؤلاء يدفعون ثمن تطلعات أردوغان في سوريا..
شهدت الليرة السورية في الأيام العشرة الماضية انخفاضاً كبيراً في سوق الصرف المالي، مما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والتموينية ارتفاعاً كبيراً، انعكست آثاره على المواطنين، وارتفاع الأسعار يطال محافظة السويداء أكثر من بقية المحافظات السورية، نظراً لبعدها عن العاصمة دمشق وارتفاع أسعار نقل البضائع التي تضاف على سعر المادة المستهلكة، ونظراً لتردي الحالة المعيشية في سوريا عامةً، وفي السويداء على وجه الخصوص، فقد خرجت المحافظة عن صمتها الذي وضعها في خانة الموالاة المطلقة للنظام في أعوام خلت، وانتفضت تندد بالوضع المعيشي المتردي، مثلما يردد المنتفضون في لبنان والعراق.

اقرأ أيضاً: لماذا انقلب أمراء الحرب في سوريا إلى مرتزقة تقودهم تركيا؟
وإذ أطلق بعض الناشطين حملة "بدنا نعيش" على شبكات التواصل الاجتماعي، ودعوا فيها للنزول إلى الشارع للمطالبة بالحقوق المدنية للمواطنين، وتحسين الخدمات، لبّت شريحة واسعة من الشباب والشابات النداء لتلك الحملة، واعتصموا أمام السراي الحكومي في المحافظة، مطالبين الحكومة بالحدّ من الفساد، وتحسين الوضع المعيشي للشعب السوري كافة من دون تمييز بين محافظة السويداء وغيرها من المحافظات السورية. 
التحرك الشعبي، الذي بدأ في 15 كانون الثاني (يناير) الجاري، ما يزال مقتصراً على مدينة السويداء، ثم مدينة شهبا، ولم تشارك فيه أية محافظات أخرى، إلا بالمباركة والدعم المعنوي والشدّ على أيادي المحتجين والمحتجات من البعض، الذين يعانون مما تعانيه السويداء، والبعض الآخر يُبخس الحراك على أنّه "حراك من أجل العلف لا من أجل الكرامة".

أطلق بعض الناشطين حملة "بدنا نعيش" على شبكات التواصل الاجتماعي، ودعوا فيها للنزول إلى الشارع للمطالبة بتحسين الخدمات

وفي اليومين التاليين 16 و17 كانون الثاني (يناير) الجاري، تزايد عدد المحتجين وجابوا شوارع السويداء وشهبا، رافعين لافتات "بدنا نعيش"، هذا المطلب الذي يعني الفقير والغني في كافة أنحاء سوريا، قوبل بالتعتيم الإعلامي والتسخيف من قِبل الحكومة السورية والأوساط الشعبية، التي تميل إلى المواقف الرمادية منذ بداية الأزمة السورية حتى الآن.
لم يكن الشارع في السويداء هادئاً، إنما صاخب وساخط على كلّ من له يدٍ في تردي عيش المواطن وهدر كرامته الإنسانية، فقد التحق بالاحتجاجات الكثير من المواطنين على غير موعد مسبق؛ أي من المارة في الشارع، والغالبية العظمى هم من فئة الشباب الذين غرقوا في أوهام الوعود الكاذبة، التي أغرقتهم أيضاً في البطالة وعدم الجدوى، وقد تحول الشعار من "بدنا نعيش" إلى "بدنا نعيش بكرامة"، فربما تحول انتفاضة السويداء مجرى الأحداث في سوريا ما دامت انتفاضة حقّ مسلوب ومنهوب.

للمشاركة:



بهذه الطريقة يضلّل حزب العدالة والتنمية الشعب التركي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

قال رئيس حزب المستقبل في تركيا، أحمد داود أوغلو؛ إنّ حزب العدالة والتنمية الإسلامي يحاول التستر على الأزمة الاقتصادية عن طريق التلاعب بالأرقام، وفرض ضرائب مؤقتة، لعلاج العجز.

وأدلى رئيس الوزراء الأسبق، داود أوغلو، بتصريحات مثيرة لصحيفة "قرار"، قائلاً: “تخيلوا معي أنّ الطبيب يقوم بتعديل أرقام الفحوصات، ويبلغ المريض أنه بصحة جيدة، وعندما يبلغ المريضُ الطبيبَ أنه يموت، يجيبه بأنّ أرقام الفحوصات تشير إلى أنّ كلّ شيء على ما يرام، هذا ما تفعله الإدارة الاقتصادية في تركيا"، وفق ما أوردت صحيفة "زمان" التركية.

وأضاف داود أوغلو: "طُلب مني إجراء تغييرات في أرقام التضخم خلال فترة رئاستي للوزراء لكنني رفضت"، قائلاً: "إن أغلقنا أعيننا فإننا لن نستطيع رؤية الحقيقة.”

داود أوغلو: حكومة حزب العدالة والتنمية تحاول التستر على الأزمة الاقتصادية عن طريق التلاعب بالأرقام

وذكر داود أوغلو؛ أنّ الأول من كانون الثاني (يناير) عام 2016 شهد أعلى زيادة في الحد الأدنى للأجور في تاريخ تركيا، غير أنّ هذا لم ينعكس على معدلات التضخم، موضحاً: "خلقنا موارد وفقاً لهذا، السلطات الحالية تتلاعب بالأرقام ولا تكتفي بهذا بل تعمل على حصد الأموال باستصدار ضرائب مخصوصة لمرة واحدة، هذا يقضي على منهجية الموازنة، ولا أعتقد أنّ أحداً بالسلطة يرى الصورة الاقتصادية كاملة، فهم فقط يهتمون بكيفية إظهار المشهد اليومي بشكل جيد".

وأوضح داود أوغلو؛ أنّ وزارة المالية أعلنت أنّ هدفها تسجيل معدلات تضخّم أقل من 12٪؜، باعتبار أنّ ذلك إنجاز، بينما معدلات التضخم تبلغ 1.٧٪؜ في الدول المتقدمة، ومتوسط معدلات التضخم في الدول المشابهة لتركيا يبلغ 4.7٪؜، ما يعني أنّ معدلات التضخم في تركيا تبلغ أربعة أضعاف المقياس الدولي.

وأكّد أنّه ليس بالإمكان التوصل إلى حلّ لما يعانيه الاقتصاد التركي طالما أنّ الحكومة تتبع نهجاً غير واقعي، قائلاً: "لا يمكننا العيش في مكان منعزل عن النظام الدولي، إما سننغلق على العالم وإما سنعيش ضمن النظام الاقتصادي العالمي ونتحرك بما يتوافق مع هذا. اليوم الصين تتبع اتجاهاً ماركسياً ظاهرياً، لكنها تلعب ضمن موازين الاقتصادي العالمي، الصين تنفتح على العالم في الوقت الذي يعمل فيه أنصار (أوراسيا) على إغلاق تركيا على نفسها".

وسجلت موازنة الحكومة المركزية في تركيا عجزاً يزيد عن 123 مليار ليرة، خلال عام 2019، بنسبة زيادة 69.9% مقارنة بعام 2018.

وعلى وقع تراجع قيمة الليرة التركية منذ 2018، ارتفع معدل التضخم في تركيا، وسجل التضخم، خلال كانون الثاني (ديسمبر) الماضي، 11.84٪؜، بعد أن قفز مجدداً في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي إلى 10.56٪؜، قبل أن يسجل انخفاضاً كبيراً في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، عندما أصبح 9.26٪؜، بعد أن كان في شهر آب (أغسطس) الماضي 15.01%، وفي تموز (يوليو) 16.65%.

أردوغان يعاقب أوغلو على تأسيسه حزب “المستقبل” بفرض وصاية على جامعة "إسطنبول شهير" ووقف العلم والفن

إلى ذلك أصدرت حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا قراراً بفرض الوصاية على وقف العلم والفنون، الذي أسسه رئيس الحكومة الأسبق.

وقد تأسس الوقف عام 1986، وضمّ صالة للعرض السينمائي، ويقدم ندوات في مجالات التاريخ والسينما وعلوم الاجتماع، ويدير جامعة "إسطنبول شهير"، ويعرف بقربه من داود أوغلو.

القائمون على إدارة الوقف، قالوا إنّهم فوجئوا بحضور 3 أشخاص من المديرية العامة للأوقاف، وأخبروهم بأنّهم عينوا وصاة على الوقف، مؤكدين أنّهم سيتقدمون بطعن على قرار الوصاية.

والشهر الماضي، تعرضت جامعة "إسطنبول شهير"، التابعة لـ "وقف العلم والفن"، للحجز عليها من قبل بنك (خلق)، ومن المنتظر نقل تبعيتها إلى جامعة مرمرة.

ويقول محللون إنّ استهداف جامعة "إسطنبول شهير"، ووقف العلم والفن، جاء عقاباً لداود أوغلو على تأسيسه حزب "المستقبل"، بعد انشقاقه عن حزب العدالة والتنمية الحاكم.

 

للمشاركة:

أمريكا تعترف بأول عملية قرصنة هجومية..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

أعلن الجيش الأمريكي؛ أنّه "نجح" في تعطيل جهود دعائية إلكترونية لتنظيم داعش الإرهابي، في عملية قرصنة تعود إلى عام 2016، على الأقل، بحسب وثائق أمن قومي تمّ نزع السرية عنها، ونشرت الثلاثاء.

وكشفت الوثائق أنّ القيادة الأمريكية "اخترقت بنجاح نطاق المعلومات للتنظيم، وحدّت من جهوده الإلكترونية، التي يبذلهالإقناع أفراد بالتطرف وتجنيدهم"، وفق ما نقلت "فرانس برس".

وتقدم الوثائق، التي نشرها أرشيف الأمن القومي في جامعة جورج واشنطن، نظرة مفصلة على "عملية السيمفونية المتوهجة"، أول عملية قرصنة هجومية تعترف بها وزارة الدفاع.

وأشارت الوثائق إلى "تراجع كبير" في حملة التنظيم الإلكترونية، إلا أنّها أضافت أنّ جهود قيادة المعلوماتية عرقلتها العملية "الطويلة والصعبة" للمصادقة على عملياتها.

القيادة الأمريكية تعطّل جهود دعائية إلكترونية لتنظيم داعش الإرهابي في عملية قرصنة عام 2016

وطالبت الوثائق بتحسين الإجراءات "للمساعدة على تسريع الطلبات وعملية الموافقة".

وبحسب بيان من أرشيف الجامعة، فقد تمت الموافقة على عملية "السيمفونية المتوهجة"، لمدة 30 يوماً، أواخر 2016، ولكن تم تمديد العملية بموجب "رسالة إدارية".

وتمثل عملية القرصنة الردّ الأمريكي على المخاوف بشأن استخدام جماعات متطرفة وسائل التواصل الاجتماعي والخدمات الالكترونية للترويج لقضاياها وسعيها للدعاية للتجنيد ونشر التطرف.

بالإضافة إلى عمل واشنطن على استهداف العمل الإلكتروني للتنظيم الإرهابي؛ فقد تمكنت مؤخراً، وعلى الصعيد الميداني، في واحدة من أهم العمليات التي قامت بها القوات الأمريكية من تصفية زعيم داعش أبوبكر البغدادي، في 26 تشرين الأول (أكتوبر)، في محافظة إدلب، شمال غرب سوريا.

واكانت العملية من أشدّ الضربات التي استهدفت تنظيم داعش وبعثرت أوراقه، إلا التنظيم ما يزال ينشط في سوريا ومناطق عدة من العالم.

وعيّن أمير محمد عبد الرحمن المولى الصلبي، الملقب بأبو إبراهيم الهاشمي القرشي، زعيماً للتنظيم، خلفاً للبغدادي، وهو من كبار المنظرين العقائديين في داعش.

 

للمشاركة:

أكاديمية أسترالية مسجونة في ايران تكشف انتهكات الحرس الثوري..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

كشفت الأكاديمية الأستراليةالبريطانية، كايلي مور غيلبرت، السبل التي يتبعها الحرس الثوري في تجنيد جواسيسه في الدول الغربية.

وقالت المسجونة في إيران بتهمة التجسس؛ إنّ الحرس الثوري عرض عليها العمل كجاسوسة لصالح الجمهورية الإسلامية، وفق رسائل هرّبتها خارج السجن ونشرتها وسائل إعلام بريطانية، أمس.

وتحدّثت عن الشهور العشرة الأولى التي قضتها في جناح معزول تابع للحرس الثوري الإيراني في سجن إيوين بطهران؛ بأنّها كانت "مضرّة بدرجة خطيرة" بصحتها النفسية.

وقالت، وفق الرسائل التي نقلتها صحيفتي "ذي غارديان" و"تايمز": "ما أزال ممنوعة من الاتصالات والزيارات، وأخشى أن تتدهور حالتي النفسية بشكل إضافي، إذا بقيت في جناح الاعتقال هذا الذي يخضع لقيود كثيرة للغاية".

واعتقلت السلطات الإيرانية مور-غيلبرت، وهي محاضرة في الدراسات الإسلامية بجامعة ميلبورن الأسترالية، في المطار، أثناء مغادرتها إيران، في أيلول (سبتمبر) 2018، بعد أن شاركت في مؤتمر أكاديمي.

وهي تقضي حالياً عقوبة بالسجن مدّتها ١٠ أعوام بتهمة التجسس التي تنفيها.

هذا وقد كتبت الأكاديمية الأسترالية، بحسب "ذي غارديان": "الرجاء أن تقبلوا رسالتي هذه كرفض رسمي وحاسم لعرضكم على العمل مع الفرع الاستخباراتي للحرس الثوري الإيراني".

السلطات الإيرانية عرضت عليها العمل كجاسوسة للحرس الثوري مقابل الإفراج عنها أو السجن 10 أعوام

وقالت: "لست جاسوسة، لم أكن يوماً جاسوسة ولست مهتمة بالعمل مع منظمة تجسس في أي بلد، وعندما أغادر إيران أريد أن أكون حرّة، وأن أعيش حياة حرّة، لا تحت الابتزاز والتهديدات".

وأشارت مور-غيلبرت إلى أنّه تمّ عرض قرارين مختلفين كردّ على استئنافها، أحدهما لحكم مدته 13 شهراً، وهي المدة التي قضتها في السجن والآخر مدّته عشر أعوام.

وكتبت أنّ الشهور التي قضتها في الزنزانة الانفرادية، حيث تبقى الأنوار مضاءة طوال ساعات اليوم الـ ٢٤، ساهمت في نقلها إلى المستشفى.

وقالت: "خلال الشهر الماضي، أدخلت إلى (قسم) العناية الخاصة في مستشفى بقية الله مرتين، وإلى عيادة السجن ستّ مرات".

وأضافت "أعتقد أنني أعاني مشكلة نفسية جدية".

وذكرت الأكاديمية، التي تلّقت تعليمها في جامعة كامبريدج؛ أنّ "المسؤول الإيراني عن ملفها صادر كتبي للضغط عليّ نفسياً"، مضيفة: "لم أجرِ إلا محادثة هاتفية واحدة لمدة أربع دقائق مع عائلتي".

يذكر أنّ الباحثة الأسترالية محتجزة في السجن نفسه الذي تقبع فيه البريطانية الإيرانية، نازانين زغاري راتكليف، التي كانت محور حملة واسعة تطالب بإطلاق سراحها.

ودأبت إيران على احتجاز الأجانب، وازدادت هذه التوقيفات بتهم مختلفة منذ انسحاب الولايات المتحدة، في 2018، من الاتفاق النووي الإيراني الذي وقعته الدول الغربية مع طهران في 2015، وهي خطوة يستخدمها النظام الإيراني لابتزاز الدول للمساعدة في رفع العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.

ويتجه الاتفاق النووي الإيراني حالياً نحو الانهيار بعد أن لوحت إيران بالانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي، إذا أحالت دول أوروبية الاتفاق إلى مجلس الأمن الدولي، لانتهاكه من قبل طهران.

 

للمشاركة:



ليبيا.. والحل المحتمل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

أحمد الحوسني

أنهى مؤتمر برلين حول الأزمة في ليبيا أعماله مساء الأحد 19 يناير الجاري، وطالب المجتمعون فيه أطراف الصراع بالالتزام بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا، وبالعمل على الوصول إلى تسوية سياسية للأزمة القائمة.
وقد عكست نوعية الحاضرين لمؤتمر برلين، ومستوى الحضور، مدى الأهمية التي يوليها العالم (وخاصة أوروبا) للموضوع الليبي، إذ ضمت قائمة الحضور قادةً ومسؤولين سامين من كل من فرنسا وإيطاليا وروسيا والإمارات ومصر والجزائر وتركيا، بالإضافة إلى ممثلة الاتحاد الأوربي ومبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا.
ولم يكن متوقعاً من مؤتمر برلين يأتي بالحل الكامل للأزمة الليبية، لكنه مثّل بداية جيدة لذلك الحل. وكان الهدف الأساسي من المؤتمر هو التعامل مع مواقف الدول الإقليمية الداعمة لطرفي النزاع في ليبيا، وليس التعامل مع مواقف طرفي النزاع، للخروج بضمانات لتفعيل اتفاقية حظر بيع السلاح للأطراف المتنازعة هناك، في ظل التدخلات الخارجية والانقسامات المؤسسية وانتشار السلاح دون رقابة واستمرار اقتصاد السلب والنهب.. مما يمثل تهديداً للسلام والأمن الدوليين، حيث يوفر كل ذلك تربة خصبة للمهربين وللجماعات المسلحة والمنظمات الإرهابية، الأمر الذي سمح بالفعل لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» بالتواجد في الأراضي الليبية وتنفيذ عمليات داخلها وفي عدد من دول الجوار. إن حالة الفوضى التي حوّلت ليبيا إلى دولة فاشلة، جعلت منها بؤرة صراع تهدد الحدود الجنوبية لأوروبا على الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط.
وكان قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر قد غادر موسكو، الأسبوع الماضي، دون التوقيع على مشروع وثيقة تحدد شروط الهدنة في ليبيا تحت رعاية روسية تركية، مشترطاً تسليم المليشيات المسلحة في طرابلس أسلحتها إلى جيش الوطني الليبي، ومبيدياً حذره من إعطاء أي شرعية للوجود التركي في ليبيا الداعم لحكومة السراج بالسلاح والمقاتلين الأجانب، خاصة بعد ما تأكد أن تركيا تنقل عناصر سورية إلى ليبيا للقتال فيها.
ولا شك أن تفكُّك الدولة الليبية سيضعف الرقابة على حدودها وسيتيح لعصابات الإرهاب والتهريب حرية الحركة واستخدام سواحلها الممتدة على البحر المتوسط بطول 1850 كيلومتراً، مما يقلق دول الجوار ويهدد أمن البلدان الأوروبية القريبة، خصوصاً إيطاليا ذات الخاصرة الرخوة. وقد أظهرت السنوات القليلة الماضية أن السواحل الليبية هي البوابة الثانية التي يعبرها المهاجرون الأفارقة. وهكذا يصبح استقرار ليبيا حاجة ليبية وإقليمية ودولية لا تسمح بترك البلاد للانزلاق نحو وضع يشبه وضع الساحة السورية.
لقد وضع مؤتمر برلين أُسساً لحل ممكن بتعاضد المجتمع الدولي وإبعاد التفرد التركي بليبيا، حيث يطمح أردوغان لجبر انكساراته في سوريا وتعويض خسائره في الداخل التركي نفسه. ومن الواضح أنه لم يحقق بغيته في نتائج مؤتمر برلين، حيث ستتم مراقبة التحرك التركي باتجاه ليبيا عن كثب من قبل الدول المعنية بالمتابعة. وقد أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نجاح مؤتمر برلين، وأشادت في معرض حديثها حول مواقف الإمارات ومصر وروسيا بإسهام هذه الدول «في توحيد موقف أوروبا من ليبيا».
وعلى الهامش، نقول إن القضايا التي تتولاها الأمم المتحدة، تصبح رهينة لمصالح الدول الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، فتتداخل حساباتها مع مصالح الدول المعنية بالحل، وخاصة في بلد مثل ليبيا حيث المساحة الكبيرة والموقع الاستراتيجي على الأبيض المتوسط وما تختزنه أراضيها من طاقة (النفط والغاز)، ليتم تدوير زوايا المشكلة، فيطول الحل!

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

رداً على تضليل الغنوشي.. تونس مرتكز المشروع العثماني وضحيته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

محمد طعيمة

حقائق ما قبل 500 عام مضت تقول إن العثمانيين عرفوا شواطئ تونس لأول مرة لاجئين، “قبّلوا الأعتاب” حرفيا. كانوا هاربين من “قانون العرش الدموي” في الأستانة، وهو يبيح، عُرفا ثم تشريعا، لمن يستطيع من المتنافسين عليه قتل كل المتصارعين معه، من الأخوة لأبناء العم.. وطبعا الموالين لهم.

كان السلطان التركي بايزيد الثاني قد رحل، واثنان من أولاده، قرقود وسليم، يتقاتلان على عرشه، والأخوة بربروس، عروج وخيرالدين وإسحق وإلياس، يمارسون القرصنة لحساب الأول.

مع انتصار سليم ومطاردته لبقايا قوات أخيه، فرت عصابة بربروس برجالها وسفنها، عام 1512، لتبعية السلطان الحفصي أبو عبدالله محمد المتوكل (1494 – 1526). نجاة من سيوف سليم وللاستفادة من أحواض تونس البحرية، خاصة ميناء حلق الوادي، في استمرار مسيرتهم للقرصنة مقابل خُمس الغنائم للسلطان الحفصي، خفضت الحصة للثُمن مع بدء تمرد عصابة بربروس.

كما هجمات القرصنة التي راكمت ثرواتهم وضاعفت قدراتهم، انطلقت من موانئ تونس حملات سفن بربروس لاحتلال شرق الجزائر، الذي كان تابعا للحفصيين قبل احتلال الإسبان له، ثم المدينة نفسها. بعد فشلهم مرات ومقتل عروج، نجح خيرالدين في وضع قدمه بأكثر من ميناء، وحين استعادته شرق الجزائر رفض عروض حاميه الحفصي للبقاء تحت ولايته، وأرسل وفدا لسليم الثاني مع مفاتيح قلعة جيجي، راجيا عفوه وقبول رفعه للراية العثمانية، فقبل. مده بالمال والعتاد، وخطبت منابر الجزائر باسمه.

“فقدت السلطنة الحفصية القسم الغربي منها” كتب محمد العروسي المطوي في “السلطنة الحفصية.. تاريخها السياسي ودورها في المغرب الإسلامي”، لصالح القرصان العثماني. العروسي استعاد في كتابه مؤشرات ضعفها مع آخر حكامها.. أبو عبدالله محمد بن الحسن، المعروف بالحسن الحفصي. وصفه روبار برنشفيك في “تاريخ إفريقية في العهد الحفصي”، بـ”الضعف وهواية اللذات”.

تركيبة حاكم، طمع معها خيرالدين في احتلال ملجأه السابق، تونس. استقطب أحد أخوته، رشيد الحفصي إلى الجزائر، ثم اصطحبه معه إلى الأستانة، مقترحا على سليمان القانوني الإذن له بغزو تونس باسم “رشيد”، فسمح له ومده بالأموال وبـ250 سفينة حربية.

نزلت قوات العثمانيين في بنزرت دون مقاومة، أملا في التخلص من الحاكم الغارق في ملذاته، وخطبت مساجدها لسليمان القانوني بدعوة من رشيد. فر الحسن من تونس العاصمة ليحتمي بقبائل الجنوب، وتقدم خيرالدين ليحتل المدينة عام 1530. لم تكن محتلة من “الكفار”، وضعف وإهمال الراعي لا ينفي عن “الذئب” طبيعته.

خلافا لبنزرت، عندما تأكد أن رشيد لن يحكم ولو تحت راية الأستانة، وإن “خيرالدين جاء ليضم تونس إلى نفوذ العثمانيين مثلما تم مع الجزائر”، و”لسوء تصرف الجيوش التركية” حسب العروسي، تحول تأهب العاصمة إلى مقاومة شعبية. ينقل عن ابن أبي دينار في “المؤنس في أخبار إفريقية وتونس”، “قام أهل باب سويقة على خيرالدين، وكانت بينهم مقتلة عظيمة مات فيها خلق كثير من الجانبين” و”انتقلت الصدامات إلى باب البنات وحومة العلوج”. تدخل خيرالدين بكامل قواته، وقمع الثورة بوحشية عُرف تاريخيا بها.

ورغم تعهده للأهالي والأعيان بالأمان، بدأ خيرالدين ترسيخ أقدامه في تونس بنفي من اعتبره قائد الثورة، الشيخ محمد بن محمد مغوش إلى القسطنطينية. ولشهرته بين علماء دين عصره عرض عليه السلطان العثماني ولاية قضاء العسكر التركي، لكنه فضل الرحيل إلى مصر للانقطاع إلى العلم حيث توفي.

أين كان الإسبان المحتلون كما زعم راشد الغنوشي؟ حاولوا غزْو جربة 3 مرات وفشلوا.. يوليو 1510 وفي الشهر التالي وبعدها بعشر سنوات، ونجحوا عام 1535 في احتلال تونس من أيدي محتل منافس تركي.

ليبيا أولا، هذا ما نراه الآن، وتونس محطة تمركز دوائر العثماني ينطلق منها، لتكون ضحيته الأخيرة كجوهرة التاج. رئيس جمهوريتها، قيس سعيد،

يترك ملفه الأساسي، السياسة الخارجية لحركة تتباهى بتماهيها مع العثماني الجديد. يستقبل شيوخ قبائل ليبية محسوبين على “الكراجلة”، وسلطانهم رجب طيب أردوغان.

يُنشط اتفاق استيراد مدرعات من شركة بي.أم.سي التركية، التي تصنعها بالتعاون مع شركة هاتهوف الصهيونية، وهو من تمنى علنا لو كان يمكنه أداء القسم الدستوري أمام علم فلسطين كما علم وطنه تونس! تماما كما خطاب المنظومة العثمانية والإخوانية، ترفع قميص القدس وتتاجر بها.

وزعيم حركة إخوانية فرع لتنظيم دولي، حين يفشل في تشكيل الحكومة يهرع لسلطانه، مهدرا كل قواعد رجل الدولة سواء كشخصية عامة أو رئيس برلمان. وفي الذاكرة اتهامات بتجنيد حركته، الآلاف من التونسيين وتسفيرهم للقتال في سوريا، أولى نقاط اختراق العثماني للخريطة العربية.

تتفاوت تقديرات التوانسة الذين نجحت دائرة العثماني المحلية في تسفيرهم إلى أحضان داعش، تقول الحكومة أنهم 2929 مواطنا، بينما قدرهم مركز ”فيريل” الألماني للدراسات، في 11 ديسمبر 2017، بـ12 ألف و800.

أيا كان الرقم، فهو فارق بتناقضه مع التجربة العلمانية التي عرفتها تونس لعقود، وكاشف عن بيئة حاضنة وفارزة، تبجل وتحن لخلافة آل عثمان، ظهرت في نتائج الانتخابات كقطاع أكبر، وإن واجهتها وتحجمها، تدريجيا، قطاعات مدنية أكبر منها إن اجتمعت. لكنها تظل محاطة، ومتداخلة مع، ببيئات مجاورة مماثلة في الفرز الإرهابي بالجزائر وانتعاشه في مالي وبلاد الساحل الأفريقي، والأخطر في ليبيا حيث توجهت موجة العثمانية الجديدة الأولى لاختراق شمال أفريقيا، آلاف المرتزقة المجلوبين من شمال سوريا إلى طرابلس ومصراتة.

ذاكرة الدم التونسي في سوسة وباردو وبنقردان موصولة بجارتها، وبإرهابيين أخوة لآلاف يشحنهم أردوغان الآن، ممن تمرسوا على الدم في جارته سوريا. وإلى ليبيا تتابعت تقارير تهريب السلاح والمقاتلين عبر تونس، واتهامات وجهتها وسائل إعلام ونواب برلمان، مطالبين بتحقيق لم يتم.

وبالتوازي سياقات تعامل من الرئاستين القائمتين، الجمهورية والبرلمان، مع الملف الليبي تشي بتخندقهما مع أنقرة. من التحرك سرا ومفاجأة الرأي العام وتجاهل شركاء مفترضين في الوطن، إلى ترك دفة المواجهة الإعلامية للوكالة الرسمية لمرجعيتهم، الأناضول، حتى داخل قصر قرطاج. ربما لهذا السبب لم تُدعَ تونس إلا في الساعات الأخيرة لقمة برلين، وكأن حضور أردوغان يغني عنهما.

أجواء، هي تنويعة على ما حدث قبل 500 عام. وإذا كان مفهوما أن يحن التركي اللاجئ إلى دولته، فغير المفهوم أن يفعلها توانسة، إلا إذا كانوا “خوانجية”، فهم وحدهم، مثل “إخوانهم” في مصر وسوريا وليبيا.. إلخ، يقدمون الجماعة ووهم الخلافة العثمانية، على الوطن.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

خطبة خامنئي النادرة في صلاة الجمعة تعكس أربعة مصادر قلق مُلحة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-21

مهدي خلجي

في 17 يناير، أمّ المرشد الأعلى علي خامنئي صلاة الجمعة في طهران، للمرة الأولى منذ ثماني سنوات. وتزامن قراره بترأس الشعائر الدينية ـ السياسية التي تكتسي أهمية مع احتجاجات شعبية جديدة انطلقت بعد أن أقرّ "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني بإسقاطه عن طريق الخطأ طائرة أوكرانية الأسبوع الماضي.

وكان النظام قد تنصّل سابقا من مسؤوليته عن الحادثة، ليعود ويغيّر موقفه بسبب ضغوط دولية هائلة. وانصب تركيز خامنئي الآن على السيطرة على الأضرار قبل الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها الشهر المقبل.

الدور السياسي لصلاة الجمعة
تحمل إمامة صلاة يوم الجمعة في العاصمة رمزية خاصة. وتكون مخصصة عادة إلى لحظات ترغب خلالها أعلى سلطة في الجمهورية الإسلامية في إيصال رسالة مهمة إلى الشعب. إن الدور السياسي (والمسرحي) لهذا الطقس الديني مثبت بواقع أنه يُطلب ممن يؤم الصلاة التلويح بسلاح بغية التركيز على القوة العسكرية للبلاد والموقف المتصلّب تجاه الأعداء.

ووفقا لأيديولوجيا النظام، يتمتع المرشد الأعلى بالسلطة الحصرية على هذه الشعائر، بما في ذلك الحرية بأن يؤمها بنفسه أو يوكل الأمر إلى ممثل له. وتاريخيا، كلّف القادة في الجمهورية الإسلامية والخلفاء السابقون رجال دين أوفياء يتمتعون بمهارات خطابية مبهرة بهذه المهمة.

يُذكر أن آية الله روح الله الخميني، سلف خامنئي، لم يؤم الصلاة بنفسه يوما، بل كلّف عددا من الأتباع بذلك. في المقابل، عيّن خامنئي ستة رجال دين ليكونوا "أئمة مؤقتين لصلوات أيام الجمعة" خلال ولايته، لكن من دون التخلي عن حقه في تأدية هذا الدور متى اعتبر الأمر ضروريا.

وفي آخر مرة قدّم فيها خامنئي خطبة يوم الجمعة في الثالث من فبراير 2012، فعل ذلك استجابة للضغوط الاقتصادية المتنامية محليا ولقرار الحكومة بالتفاوض مع واشنطن بشأن البرنامج النووي. ومن بين رسائل أخرى، حذّر من أن واشنطن غير جديرة بالثقة قائلا: "يجب ألا تخدعنا ابتسامة العدو ووعوده الكاذبة... نميل أحيانا في البداية إلى التصديق ولكننا ندرك تدريجيا ما الذي يجري وراء الكواليس... إنهم يخلّون بوعودهم من دون خجل". كما تناول مسائل مرتبطة بالانتخابات البرلمانية التي جرت بعد خطبته ـ وهو وضع ينطبق على تعليقات هذا الأسبوع أيضا.

لماذا الصعود إلى المنبر الآن؟
حين أعلن "الحرس الثوري" الإيراني في نهاية الأسبوع الماضي مسؤوليته عن حادثة إسقاط طائرة الرحلة 752 التابعة للخطوط الجوية الأوكرانية الدولية قبل ذلك بثلاثة أيام، خرج الناس في طهران ومدن أخرى إلى الشوارع للتعبير عن استيائهم من النظام ـ ليس فقط لتسببه بمقتل 176 مسافرا، ولكن أيضا بسبب كذبه بشأن حادثة الثامن من يناير إلى أن تمكنت الضغوط من كندا والسويد وأوكرانيا وغيرها من الجهات الفاعلة من انتزاع اعتراف على مضض. وكان خامنئي نفسه قد اضطلع بدور في حملة التغطية هذه، متجاهلا حتى ذكر تحطم الطائرة في تعليقات علنية أدلى بها بعد الحادثة.

في البداية، انصب تركيز النظام على إطلاق حملة إعلانية كبيرة من أجل البناء على الهجوم بالصواريخ البالستية على قواعد عراقية تضمّ قوات عسكرية أميركية. وكان قد شنّ هذا الهجوم قبل ساعات من إسقاط الرحلة رقم 752 عن طريق الخطأ، وانتقاما لإقدام الولايات المتحدة على اغتيال قائد "فيلق القدس" التابع لـ "الحرس الثوري" الإيراني قاسم سليماني.

وربما اعتقد القادة الإيرانيون أن قول الحقيقة بشأن تحطم الطائرة على الفور كان سيقوّض جهودهم لاستغلال الغضب الشعبي إزاء الولايات المتحدة إثر اغتيالها سليماني، مما سيُفسد بالتالي مسرحيتهم الانتقامية ويكذّب النظام.

وعليه، بدلا من شرح حادثة التحطم، نشرت وسائل الإعلام الحكومية صورا لخامنئي وهو يشرف شخصيا على الضربة التي استهدفت القواعد العراقية، مصورة إياه كقائد عسكري قوي وذكي ردّ بشجاعة على العدو من أجل حماية شعبه.

لكن سرعان ما تحوّل الحداد الوطني على سليماني إلى غضب على خامنئي، وهو شعور فجرته الإعلانات الأجنبية بشأن حادثة التحطم والبيانات المتناقضة الصادرة عن قادة "الحرس الثوري" وحكومة الرئيس حسن روحاني وكذلك عدم رغبة النظام في تحميل أي من المسؤولين رفيعي المستوى مسؤولية هذه المأساة.

وقد أفسد هذا التحوّل الجذري في المواقف العامة إلى حد كبير الجهود المركّزة التي بذلتها الدولة لحشد الناس للتنديد باغتيال سليماني ونقل صورة تُظهر شعبية وقوة محلية.

ومن خلال إمامة صلاة الجمعة في مثل هذه البيئة المشحونة، سعى خامنئي إلى معالجة أربعة مصادر قلق رئيسية. أولا، يبدو أن النظام يدرك حاليا أنه كان لمقاربته الخادعة والمهينة إزاء مأساة الطائرة تأثير غير مقصود بإهانة عوائل الضحايا وانتهاك كرامتهم كمواطنين وإثارة الصدمة والغضب في أوساط الإيرانيين من كافة التوجهات الأيديولوجية والسياسية.

كما أن الكثير من الناس الذين اعتادوا سابقا دعم سياسات النظام بدون قيد أو شرط يجدون صعوبة الآن في تصديق مزاعمه ومسامحته على سلوكه، الأمر الذي يخلق فجوات واسعة في أوساط قاعدة قوته الاجتماعية ونخبته الحاكمة.

وبخلاف احتجاجات البنزين التي اندلعت خلال نوفمبر الماضي، تبيّن حتى الآن أنه يتعذر إصلاح الخطأ في السياسة الذي أجج الاضطرابات الحالية.

على سبيل المثال، يظهر فيديو مصوّر انتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي الجنرال في "الحرس الثوري" الإيراني أمير علي حجي زادة وهو يدافع عن قرار النظام بإخفاء الحقيقة لمدة ثلاثة أيام.

فبرأيه، لو أعلنت الحكومة عن خطأها في وقت سابق، لكانت قد أحدثت صدمة في أوساط الجنود وشتتت انتباههم عن واجباتهم الأساسية في وقت يشهد مواجهة حساسة مع الولايات المتحدة.

لكن هذه الحجج لم تهدئ موجة الغضب السائدة. وحتى إذا توقفت هذه الاحتجاجات في نهاية المطاف، سينتاب أنصار النظام الرئيسيون على الأرجح شعورا عميقا بالارتباك والخيانة إثر هذه الحادثة، وهما شعوران قد يصعب تبديدهما.

ثانيا، أمل النظام أن تؤدي حملة القمع العنيفة التي شنها في نوفمبر ومراسم التأبين المهيبة لسليماني في وقت سابق من هذا الشهر إلى إقناع المحتجين بعدم النزول إلى الشارع مجددا.

غير أن مأساة الطائرة أججت مرة أخرى رغبة المحتجين في التظاهر، ليس فقط للتعبير عن غضبهم إزاء الحادثة بل لتكرار مطالبهم الأساسية بالتغيير وإدانة أفعال المرشد الأعلى و"الحرس الثوري" الإيراني.

وكانت شخصيات سياسية عديدة قد دعت علنا إلى استقالة خامنئي نظرا إلى دوره كقائد عام للقوات المسلحة، بمن فيها زعيم "الحركة الخضراء" مهدي كروبي والناشطة فائزة هاشمي ابنة الرئيس الراحل أكبر هاشمي رفسنجاني.

ورغم أن النظام قد يشن حملة قمع أخرى أو يزيد حدتها، من شأن هذه المقاربة أن تترافق مع سلسلة عواقب غير متوقعة وحتى قد تُحدث أزمة أكبر. وبالتالي، يواجه النظام معضلة خطيرة ـ فاستعمال العنف على نطاق واسع قد يزعزع الاستقرار، في حين أن التقاعس قد يُحدث الأثر نفسه. وقد لجأ خامنئي إلى صلاة الجمعة لانتهاج مسار وسطي في ظل هذه المعضلة.

ثالثا، خشي المرشد الأعلى على الأرجح أن تؤدي الأزمات والاحتجاجات المحلية المستمرة إلى تعزيز الآمال بتغيير النظام في أوساط "أعداء" إيران، مما يدفعهم إلى زيادة الضغوط السياسية والاقتصادية.

ومن وجهة نظره، من شأن هذه الضغوط أن تهدف إلى إرغام طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بموقف أضعف أو استبدال النظام بحكومة تميل أكثر إلى الغرب. وعليه، فعل كل ما يلزم لإنهاء الاحتجاجات، ولكن دون مفاقمة وضع محرج أساسا أصبح أشبه بالطلاق المرير بين الأمة والدولة.

رابعا، بما أن الجمهورية الإسلامية تعتمد نظاما شبه استبدادي، فلا يزال عليها إجراء انتخابات "لإثبات" شعبيتها وشرعيتها الديمقراطية. وبالتالي، أمل خامنئي في أن ينجح في فصل عملية التصويت البرلمانية المقررة الشهر المقبل عن غضب الشعب إزاء مأساة الطائرة.

وقد عكست خطبته يوم الجمعة والأفعال اللاحقة [التي قد يقوم بها النظام] هذه الأولوية، لتضاف إلى الآلية التقليدية التي تعتمدها الحكومة للتلاعب بنتائج الانتخابات وتشريعها.

ويعتمد النظام هذه الآلية أساسا بشكل كبير ـ فقد انتهج "مجلس صيانة الدستور" بصورة غير علنية هذا النمط القائم على تجريد أعداد كبيرة من المرشحين للانتخابات البرلمانية من أهليتهم وتحديدا أولئك الذين لا يظهرون ولاءهم المطلق بشكل كافٍ للمرشد الأعلى.

ومع اقتراب يوم الانتخابات، سيتلاعب النظام بآليات إضافية لدعم مزاعمه بتسجيل نسبة اقتراع مقبولة (أي أكثر من 50 في المئة).

وقد بدّدت خطبة خامنئي يوم الجمعة كافة هذه المخاوف الملحة دفعة واحدة: تحديدا من خلال التشديد على "التهديد الذي يطرحه العدو"، وسيادة الأمن المطلقة، والأهمية الحيوية لـ "الحرس الثوري" الإيراني في الحماية من هذا الخطر؛ ومن خلال مهاجمة الحملة الإعلامية الدولية "الظالمة" ضد حراس الأمة؛ ومن خلال التحذير من مخططات الولايات المتحدة وأعمالها التخريبية؛ ومن خلال تكرار رفضه التفاوض بسبب انعدام الثقة بالولايات المتحدة؛ ومن خلال تشجيع الناس على المشاركة في الانتخابات.

في المقابل، لم يقم بأي خطوة تنمّ عن تواضع أو مساومة تجاه خصومه الداخليين أو الخارجيين. وقد يشمل موقفه هذا رفض طرد قادة "الحرس الثوري" على أثر حادثة الطائرة، وحتى منع القضاء من محاكمتهم.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية