أسرار العلاقة بين عشماوي والجماعات المسلحة المنبثقة عن "الإخوان"

نشطت حركة الجِمال المتجهة من مصر عبر الصحراء الغربية إلى الأراضي الليبية، عقب ثورة الثلاثين من حزيران (يونيو) 2013، في مصر، وإطاحة حكم الإسلاميين، وحملت على ظهورها العشرات من الجهاديين الراديكاليين، الذين رأوا أنّ مصر لم تعد ملاذاً آمناً لهم، وكان من بين هؤلاء: عمر رفاعي سرور، المسؤول الشرعي لمجلس شورى مجاهدي درنة، فيما بعد، والذي أسّس، وبرفقته عدد من الجهاديين القدامى، النواة الأولى لجماعة عملت على العودة لاستهداف الدولة المصرية.
الانشطار الكبير
لكن هناك مَن كان ما يزال يعمل تحت لواء جماعة "أنصار بيت المقدس"، التي اتخذت من سيناء معقلاً لها، إلّا أنّها استطاعت، بواسطة توفيق فريج زيادة، أحد قادتها، أن تشكّل فرعاً في القاهرة و"الوادي"، من هؤلاء؛ برز اسم هشام عشماوي، وعماد عبد الحميد، الضابطين المفصولين من الجيش المصري.

عمر رفاعي سرور
استطاع فرع الجماعة الجديد أن يشنّ عدداً من العمليات في القاهرة والدلتا، كان أخطرها عمليات تفجير مديرية أمن القاهرة، ومديرية أمن الدقهلية، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية المصري الأسبق محمد إبراهيم.
إلا أنّه، بعد موت "فريج"، أعلنت "أنصار بيت المقدس" مبايعتها لداعش، في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014، بعد إعلان "أبو بكر البغدادي"، زعيم التنظيم، للخلافة، وغيّرت اسمها إلى "ولاية سيناء".
نتج عن ذلك انشقاق زعماء تنظيم "الوادي"، ومنهم: عشماوي، وعبد الحميد، ورفضهما مبايعة داعش، رافضين منهجيته العقدية والعسكرية، وتمسّكهما بولاءاتهما لتنظيم القاعدة، وعلى رأسه أيمن الظواهري.
الفرار إلى الغرب
لم يكن أمام المجموعة المنشقة سوى اللحاق برفقائهم في ليبيا، بعد أن وقعوا بين مطرقة الأمن المصري، وسندان مبايعي داعش، الذين تحولوا لديهم من "إخوة" إلى "أعداء"، فضلاً عن وجود صلات تنظيمية كانت تربطهم بمقاتلي ليبيا من القاعدة، منذ اندلاع الثورة الليبية ضدّ العقيد معمر القذافي، عام 2011، وفي دول الساحل الإفريقي، والذين جمعتهم بهم رفقة السلاح، بعد سيطرة الجماعات الجهادية على شمال مالي، عام 2012.

اقرأ أيضاً: تسليم عشماوي.. هل يكشف الدول الداعمة للإرهاب؟
كما كان من الطبيعي انحياز المجموعات الموالية للقاعدة في مصر، إلى ليبيا، وليس سيناء أو حتى الشام؛ فالقاعدة تدخِل مصر ضمن قطاع شمال إفريقيا، وهو أحد القطاعات السبعة للقاعدة العالمية، الذي يخضع تنظيمياً إلى الجزائري أبي مصعب عبد الودود، أمير ما يسمى "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي".
أبو مصعب عبدالودود

ظهور عشماوي المقنّع
ظهر عشماوي، للمرة الأولى، عام 2017، في تسجيل صوتي بثّته شبكة "الفداء الإسلامية"، معلناً نفسه أميراً لجماعة "المرابطين"، ولم تتبن جماعة المرابطين، منذ تأسيسها حتى منتصف عام 2018، المسؤولية عن أيّة عمليات بمصر، واقتصر نشاطها على بثّ إصدارات صوتية ومحاضرات دعوية على قناتها بتطبيق "تلجرام".

اقرأ أيضاً: ملابسات تسليم هشام عشماوي لمصر
لكنّ ابتعاد عناصر القاعدة من المصريين عن الأراضي المصرية التي تفصلها عن ليبيا مساحات شاسعة من الصحراء، أدى إلى عدم تمكن "عشماوي" ومجموعته من تنفيذ عمليات نوعية في عمق الأراضي المصرية؛ لذا كان التفكير في تشكيل مجموعة يرأسها عماد عبد الحميد، لاختراق الحدود المصرية، بعد ضمّ عناصر نائمة وجديدة.
عماد عبد الحميد

السقوط في الواحات
دخل "عبد الحميد"، ومعه 11 عنصراً، إلى الأراضي المصرية، في آب (أغسطس) 2016. برفقة ترسانة من الأسلحة المتنوعة، في رحلة استغرقت شهراً، إلى أن وصل مصر.
ظلّوا يتنقلون في الصحراء الغربية في نطاق محافظات قنا وسوهاج وأسيوط، إلى أن تمركزوا في الواحات الغربية، في كانون الثاني (يناير) 2017، واكتشفت وجودهم الأجهزة الأمنية، في تشرين الأول (أكتوبر) 2017، فحدثت معركة الواحات، إثر مداهمة حملة كبيرة من قوات الشرطة لمكان تواجدهم، فتمكنوا من صدّها، وقتل 16 من الضباط والجنود.
ولكن حال عدم توافر البنزين والطعام من تمكّنهم من الابتعاد عن موقع الحادث، سوى 80 كم، إلى أن عثرت عليهم قوات الجيش وقصفتهم، وبقي الناجي الوحيد، عبد الرحيم المسماري، الذي سقط في قبضة القوات، وأدلى بهذه الاعترافات على إحدى شاشات الفضائيات المصرية.
عودة عشماوي مكبلاً
فاجأت وسائل الإعلام المصرية، قبل عيد الفطر الماضي، الجميع بمشهد على الهواء مباشرة، لطائرة حربية تقلّ أحد أشهر الإرهابيين المطلوبين للسلطات، هشام عشماوي، قادماً من الأراضي الليبية، التي تعرّض فيها للاعتقال، إلى أن سلّمه الجيش الليبي إلى الاستخبارات المصرية.

الباحث عبد العال: حادث الواحات كشف دخول مجموعات مقرَّبة من تنظيم القاعدة على خطّ الأحداث في مصر

صاحبت عملية النقل تلك إجراءات أمنية مشددة، رآها البعض مبالغاً فيها، معتبرين أنّ "عشماوي"، الذي تعرض تنظيمه والمجموعات المسلحة التي يرتبط بها إلى ضربات قاسية خلال العام الماضي، سواء كانت تلك الضربات داخل الأراضي الليبية، وانهزام مجلس شورى المجاهدين في درنة، معقله الرئيسي، أو داخل الأراضي المصرية؛ إذ تعرضت مجموعة رفيقه عماد عبد الحميد إلى التصفية في صحراء الواحات.
لكن يبدو أنّ استعداد السلطات المصرية إلى هجمات وشيكة، ربما بسبب عملية الانتقال هذه، كان مصيباً؛ إذ تبع ذلك تحركات مريبة لجماعة "أنصار الإسلام" كانت قد تبنت في أول إعلان عن وجودها، العملية التي قامت بها مجموعة "عماد عبد الحميد" في منطقة الواحات، ثم عادت للظهور مجدداً بعد نقل "عشماوي" من ليبيا ليقع في قبضة الأجهزة الأمنية المصرية، تمهيداً لإحالته للمحاكمة.
 سلّمه الجيش الليبي إلى الاستخبارات المصرية

تحركات مريبة
في 4 حزيران (يونيو) الجاري، نشر موقع السفارة الأمريكية في مصر على تويتر، تغريدة، تدعو فيها الرعايا الأمريكيين لأخذ الحذر.
وقالت السفارة؛ إنّ الجماعات الإرهابية تواصل التخطيط لهجمات في مصر، كما دعت المواطنين الأمريكيين إلى البقاء في حالة تأهب، خاصة في الأماكن التي يرتادها الغربيون، لأنّهم ربما يتعرضون لبعض الهجمات "القليلة" بدون سابق إنذار.

اقرأ أيضاً: هشام عشماوي.. رحلة السقوط في الهاوية
كثيراً ما تفعل السفارات الأمريكية ذلك، دون الإفصاح عن دوافعها، أو إيضاح كواليس وحيثيات تلك الإنذارات، وكثيراً ما تمرّ الحالة الأمنية في تلك البلاد دون ما يعكّر صفوها.
إلا أنّه، وفي التوقيت نفسه تقريباً، كانت جماعة أنصار الإسلام، قد أصدرت بياناً معنوناً بــ"الإنذار الأخير"، تزعم فيه استهدف مستودع شركة قارون للبترول، المملوكة لشركة "أباتشي" الأمريكية للبترول، الكائنة في منطقة دهشور في محافظة الجيزة، عبر قذيفة "آر بي جي".
اللافت؛ أنّ الشركة لم تعلن وقوع هجوم على مستودعها، كما لم ترد قرينة على وقوع حادث في تلك المنطقة عبر شهود عيان، كما أنّه لو افترضنا، كما ادّعت وسائل إعلام تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، في قطر ولندن، أنّ الدولة المصرية قامت بالتغطية على خبر الهجوم، فلماذا تتكتم الشركة الأمريكية أيضاً؟!
الإخوان يلقون الضوء
لكنّ وسائل الإعلام التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، سلطت الضوء على بيان "أنصار الإسلام"، الذي ظهر أول بيان تابع له على موقع "إعلام المقاومة"، وهو المنبر ذاته الذي تصدَر منه بيانات تنظيم "المقاومة الشعبية" أحد الأفرع المسلحة للجماعة.

ما يلفت الانتباه هو وجود علاقة بين جماعة "عشماوي وعبد الحميد" والجماعات المسلحة المنبثقة عن الإخوان

وهو ما يلفت إلى وجود علاقة بين جماعة "عشماوي وعبد الحميد" والجماعات المسلحة المنبثقة عن الإخوان؛ إذ إنّ البيان الأول لأنصار الإسلام، والذي نشره موقع "إعلام المقاومة"، في 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2017، تبنى العملية التي راح ضحيتها 16 من ضباط وجنود القوات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية، في منطقة الواحات، بعد تعرضهم لكمين من قبل عناصر مجموعة تابعة لهشام عشماوي وعماد عبد الحميد.
وظلّت هوية المنفذين مجهولة إلى أن أعلن الجيش المصري، في 31 تشرين الأول (أكتوبر)، قصفه للمجموعة التي نفذت الهجوم وتحريره للضابط المختطف، ونشرت الصحف صور جثامين العناصر المستهدفة، وهنا ظهرت مفاجأة تمثلت في وجود جثمان نقيب الصاعقة السابق، عماد الدين عبد الحميد، وهو أحد المشاركين في محاولة اغتيال وزير الداخلية، اللواء محمد إبراهيم، عام 2013، كما شارك في هجوم الفرافرة الثاني، الذي أسفر عن مقتل 22 ضابطاً وجندياً في الصحراء الغربية، عام 2014.
 استغلوا حادثة الواحات للقيام بتنظيم جديد

أسماء متعددة ووجه واحد
وفي تصريحه لـ"حفريات" يرى علي عبد العال، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية؛ أنّ التنظيمات الجهادية لا تعبأ كثيراً بالمسمّيات، كما في حالة التنظيمات الإسلامية غير الجهادية، كجماعة الإخوان المسلمين، التي أصرت على تمسكها بالاسم الذي وضعه لها مؤسسها حسن البنا.
فالجهاديون القاعديون، نسبة إلى القاعدة، يطلق على كلّ مجموعة تابعة لهم مسمى مختلفاً عن الآخر، وكما أنّ كلّ مجموعة تتشكّل خلفاً لمجموعة تمّ القضاء عليها، تأخذ مسمى جديداً، وإن كانت غالباً تحبّذ اسم "النصرة" و"الأنصار"، ومشتقاتهما.
ومع سيولة هذا التيار، وكثرة تحركاته، تكثر الأسماء، وتتغير تاريخياً، وإن بقيت الأفكار والجذور التنظيمية ثابتة، كما في حالة التنظيم الجديد الذي سمى نفسه "أنصار الإسلام"، مع أنّ قائده، عماد عبد الحميد، لم يختر ذلك المسمى، بل تمّ اختياره من قبل بقايا مجموعته، وارتباطاتها التنظيمية بالمجموعات الجهادية المنتشرة في ليبيا ودول الصحراء.

اقرأ أيضاً: عشماوي .. ضابط الصاعقة في وحل التكفير
وأما عن بنية هذا التنظيم؛ فيرى عبد العال، أنّهم مجرد عناصر كانت لهم ارتباطات تنظيمية بهشام عشماوي وعماد عبد الحميد، من الذين استغلوا حادثة الواحات للقيام بتنظيم جديد، آملين أن يأخذ في النمو التدريجي ولا يتعرض لانتكاسات تعرض لها المؤسّسون.
ويرى عبد العال؛ أنّ حادث الواحات كشف دخول مجموعات مقرَّبة من تنظيم القاعدة على خطّ الأحداث في مصر، وهي مجموعات تجمع بين الاحتراف العسكري والحرص على توجيه رسائل إنسانية في طيات عملياتها القوية، مثلما تجلى في عدم قتلها للجنود الأسرى وإطلاق سراحهم، وهو نمط مختلف عن تنظيم الدولة؛ الذي يحرص على قتل الجنود الذين يسقطون في قبضته.
عقب بيان تبني الحادث؛ لم يظهر اسم الجماعة مجدداً سوى في بيان آخر، أصدرته في 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، دانت خلاله مجزرة مسجد الروضة بشمال سيناء، مثلما فعلت صنوتها، جماعة جند الإسلام، ثم اختفت الجماعة، إلى أن ظهرت مرة أخرى، في بياناتها الأخيرة.

الأقسام: