رسالة أوجلان... هل تصنع السلام بين أكراد سوريا وتركيا؟

صورة أحمد قطمة
إعلامي كردي متخصص في شؤون عفرين ومناطق شمال سوريا
3158
عدد القراءات

2019-06-18

بين كونه المشكلة في نظر البعض، أو الحلّ في عيون آخرين، يقبع الزعيم الكُردي، مُؤسس حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، منذ عام 1999، في زنزانته بسجن جزيرة إيمرالي التركية في عرض بحر مرمرة، عقب تمكّن الاستخبارات من اعتقال الرجل في كينيا، ضمن ما يصفها أنصاره بالمؤامرة الدولية التي استهدفت النيل من حراكهم الساعي لإحقاق حقوق الشعب الكردي، في بلد تناهز أعدادهم فيه أكثر من عشرين مليون إنسان (وفق تقديرات غير رسمية).

اقرأ أيضاً: عبد الله أوجلان.. بطل قومي أم متمرد إرهابي؟
الرجل الذي أثار الكثير من اللغط، أعلن ما اعتبره "كفاحاً مُسلّحاً" لرفع الغبن عن أبناء شعبه بداية الثمانينيات من القرن الماضي، جنوب شرق تركيا، ضمن الولايات الكُردية هناك، ليضع ذلك حزبه (العمال الكُردستاني) على القوائم السوداء في أمريكا وأوروبا، إلى جانب تركيا بطبيعة الحال، لكن مع وجود أطراف أخرى رفضت تصنيفه كذلك مثل؛ الأمم المتحدة ودول كروسيا والصين وسويسرا ومصر والهند، فيما لم يغيّر اختلاف الرؤى حول تصنيف الحزب، من حقيقة تعرض الكُرد في تركيا للتهميش والإقصاء، وهو ما لا يبدو أنّه وليد حكومة مُعينة؛ بل سياسة مُمنهجة تدلّ عليها أحداث التاريخ.

(الدولة العثمانية في مراحل قوتها)

معاهدة سيفر 1920

معاهدة "لوزان" وإنكار الكُرد
رفضت الحركة القومية التركية، بزعامة مصطفى كمال أتاتورك، بعد أن تولت الحكم في تركيا، في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1923، ما جاء في معاهدة "سيفر" 1920، ورأت أنّ بنودها تمثل ظلماً وإجحافاً بالدولة التركية، لأنّها أُجبرت على التنازل عن مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت واقعة تحت نفوذها، فعملت على إخراج اليونانيين من آسيا الصغرى، وأصرت على تسوية جديدة، وقد تحققت لها بالفعل في معاهدة "لوزان"، عام 1923، والتي تجاهلت ما أقرته مُعاهدة "سيفر" من حقوق للكُرد.

سياسي كُردي: أوجلان شخصية قيادية فكرية وفلسفية تملك النظرية التي من شأنها أن تعالج القضية في كلّ أجزاء كُردستان

وتم توقيع مُعاهدة "لوزان" الثانية، في 24 تموز (يوليو) 1923، في لوزان بسويسرا، وتم على إثرها تسوية وضع الأناضول وتراقيا الشرقية (القسم الأوروبي من تركيا حالياً - إسطنبول الأوروبية) في الدولة العثمانية، وذلك بإبطال "مُعاهدة سيفر" التي وقعتها الدولة العثمانية كنتيجة لحرب الاستقلال التركية بين قوات حلفاء الحرب العالمية الأولى والجمعية الوطنية العليا في تركيا (الحركة القومية التركية)، بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وقادت المعاهدة إلى اعتراف دولي بجمهورية تركيا التي ورثت محل الإمبراطورية العثمانية.
وقد حدّدت المعاهدة حدود عدة بلدان مثل: اليونان وبلغاريا وتركيا والمشرق العربي، مع تنازل تركيا عن مطالبها بجزر دوديكانيسيا وقبرص ومصر والسودان والعراق وسوريا، كما تنازلت تركيا عن امتيازاتها في ليبيا، التي حددت في الفقرة 10 من معاهدة "أوشي"، بين الدولة العثمانية ومملكة إيطاليا، عام 1912، وفي المُقابل أعيد ترسيم الحدود مع سوريا، بما يشمل ضمّ أراضٍ واسعة، وتضمّ من الغرب إلى الشرق مدن ومناطق "مرسين وطرسوس وقيليقية وأضنة وعنتاب وكلس ومرعش وأورفة وحران وديار بكر وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر" (ومعظم هذه المدن ذات غالبية كُردية).

معاهدة "لوزان" 1923 التي رسمت حدود تركيا الحالية

سيناريو مُشابه للوقائع السورية
تقول دراسة بعنوان "معاهدة لوزان تأثيرها على الكرد ومنطقة الشرق الأوسط"، نشرها الموقع الرسمي لحزب الاتحاد الديمقراطي، في العاشر من حزيران (يونيو) 2018: إنّ هدف مؤتمر لوزان كان التفاوض على معاهدة جديدة مع تركيا التي رفضت الاعتراف بمعاهدة "سيفر"، وبعد مفاوضات طويلة تمّت تسوية الخلافات بين بريطانيا وفرنسا وتركيا، وقد بدا واضحاً منذ افتتاح الجلسة الأولى للمؤتمر استعداد بريطانيا وفرنسا للتنازل والوصول إلى حلول وسط، فرضختا للشرط التركي برفض مشاركة أيّ وفد كُردي في المؤتمر، ومنع مناقشة القضية الكُردية في (كُردستان تركيا) بشكل خاص، (وهو ما يمكن تشبيهه بالوقائع السورية؛ حيث تمنع السطوة التركية على الدول المؤثرة في الملف السوري حضور الكُرد أيّة مؤتمرات تخصّ الحلّ في سوريا).

اقرأ أيضاً: بين الالتقاء والافتراق.. النظام والكُرد السوريون إلى أين؟
كما كان استعداد بريطانيا وفرنسا للتنازل عن بعض امتيازاتهما في تركيا، خوفاً من ارتمائها في أحضان الاتحاد السوفييتي، الذي بات يشكّل خطراً على مصالحهما في المنطقة؛ لذلك وافقتا على الشروط التركية، وبذلك تعززت مواقع تركيا في المنطقة وعلى الساحة الدولية، وتغيرت موازين القوى لصالح حكومة أنقرة التي انفردت بالحكم في تركيا، بإلغاء السلطنة، ونقل العاصمة من إسطنبول إلى أنقرة، وإلغاء الخلافة، وإعلان النظام الجمهوري، عام 1923، لتظهر تركيا كدولة فتية قوية للمرة  الأولى بعد قرنين، (وهو ما يمكن تشبيهه أيضاً بالوقائع السورية؛ إذ يلعب الأتراك على حبال الروس والناتو، لابتزاز الطرفين وكسب أكبر عدد ممكن من النقاط على حساب الكُرد السوريين).

اقرأ أيضاً: جدار حول عفرين .. ماذا تفعل تركيا في الشمال السوري؟
وقد عقدت مباحثات معاهدة لوزان على فترتين: استمرت الأولى نحو ثلاثة أشهر، بين نهاية عام 1922 وبداية عام 1923، والفترة الثانية استمرت ما بين ربيع وصيف عام 1923، فيما لم تتضمن أية إشارة للكُرد فيها، كما لم تجر الإشارة إلى معاهدة سيفر، ليعتبرها الكُرد ضربة مُحطمة لآمالهم بالاستقلال (وهو ما حظي به جيرانهم الأرمن والعرب لاحقاً)، كما ينظر الكُرد على أنّ المعاهدة بمثابة تآمر بريطاني على الحقوق الكُردية (باعتبارها كانت سيدة العالم)؛ حيث تخلت عن الكُرد مُقابل الحاق ولاية الموصل بالعراق، وعليه قُسم الكُرد بين أربعة كيانات أنشئت بُعيد الحرب العالمية الأولى وهي؛ تركيا وايران والعراق وسوريا، (وهو ما يخشى الكُرد السوريون تكراره، عبر حرمانهم من حقوقهم الدستورية في مستقبل البلاد).
علاقة تركيا والكُرد قبل أوجلان
دفع حرمان الكُرد من حقوقهم، التي يعتبرونها مشروعة، ونالتها شعوب أخرى كانت خاضعة للهيمنة العثمانية، للشعور بالمظلمة التاريخية، عندما نَسفت مصالح الدول الكبرى أحلامهم التي دشنوها في معاهدة "سيفر"، فوقعت العديد من الثورات الكُردية ضدّ الحكومات التركية المُتعاقبة على حكم أنقرة، كانت أبرزها ثورة الشيخ سعيد بيران، أو ثورة الشيخ سعيد النقشبندية، التي قامت ضدّ سياسة التتريك والتعسّف التي انتهجتها حكومات مصطفى كمال أتاتورك المتعاقبة بحقّ الأقليات، فاندلعت في 21 آذار (مارس) 1925، وانتشرت بسرعة كبيرة ولفترة قصيرة على أراضي معظم كُردستان (14 ولاية شرقية)، وبلغ عدد الكُرد المنتفضين حوالي 600 ألف، ساندهم خلالها حوالي 100 ألف من الشركس والعرب والأرمن والآشوريين، لكن في أواسط نيسان (أبريل) 1925؛ تمّ اعتقال الشيخ سعيد مع عدد من قادة الانتفاضة التي خبت نارها شيئاً فشيئاً، وفي نهاية أيار (مايو)؛ حوكم الشيخ سعيد وقادة الانتفاضة الآخرون، وصدر حكم الإعدام بحقه مع 47 من قادة الثورة، ليصار إلى تنفيذه في 30 أيار (مايو) 1925، وقد بلغت خسائر الكُرد: تدمير 900 بيت، وحرق وإزالة 210 قرى، فيما وصل عدد القتلى إلى 15 ألفاً، فضلاً عن نهب ممتلكات وثروات كلّ من وصلت إليهم أيدي الجنود الأتراك، كما أسفر قمع هذه الحركة عن تهجير مئات الآلاف من الكُرد والعرب والآشوريين إلى سوريا.

ما يؤسس له الكُرد في شمال وشرق سوريا يجلب السلام والاستقرار والتعايش لسوريا ودول الجوار وعلى رأسها تركيا

تلت ذلك ثورات عديدة؛ كـثورة "آرارات"، أو ثورة "أغري"، التي قصفت فيها القوات الجوية التركية المواقع الكردية حول جبل آرارات من جميع الاتجاهات، ما أحبط المقاتلين الكُرد وأدى إلى استسلامهم في نهاية المطاف، بحلول 17 أيلول (سبتمبر) 1930، وعقب ذلك اندلعت ثورة "ديرسم"، بين عامَي 1937 و1939، وكان أبرز زعمائها الروحيين والقبليين؛ سيد رضا، وكان سببها المقاومة المسلحة لرؤساء الإقطاعي المحلي ضد قانون إعادة التوطين، عام 1934، والنقل القسري للسكان، ضمن تنفيذ حكومة تركيا المركزية لسياسة التتريك آنذاك، وقد قتل فيها الآلاف من العلويين الأكراد والزازيين، كما شُرّد كثيرون داخليّاً؛ بسبب الصراعات بين الثوار المحليين والقوات التركية.
ظهور حزب العمال الكردستاني
وفي العام 1984، بدأ حزب العمال الكردستاني نشاطه العسكري، واتخذ مقاتلوه من كردستان العراق منطقة لحماية قواعدهم الخلفية، فشهد عقدا الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين أكثر فترات الصراع الدموي بين الكُرد والجيش التركي، خصوصاً بعد الاضطرابات التي شهدتها تركيا في يوليو 1980، والتي اضطرت المواطنين الكُرد للهروب إلى الدول الأخرى، ليتلقى الحزب ضربة قوية في العام عام 1999 باعتقال زعيمه عبد الله أوجلان، وسجنه في تركيا بتهمة الخيانة.

اقرأ أيضاً: ما هدف الإخوان المسلمين من دعوة تركيا للسيطرة على شمال سوريا؟
وعليه، اتسمت العلاقة بين الكيان التركي الناشئ عقب الحرب العالمية الأولى، والكُرد، بالكثير من التوتر والقلاقل، فيما كانت القوات التركية تحسم القضية عسكرياً، كلّ مرة، رغم أنّ حلّها ربما سيكون أسهل سياسياً، وبكلفة أقل؛ مادياً وبشرياً، لكنّ إصرار أنقرة على شعارها المعهود (شعب واحد، وطن واحد، راية واحدة) في بلد تتعدد فيه القوميات والأعراق!

أوجلان أثناء محاكمته في تركيا عقب اعتقاله

رسالة أوجلان لكُرد سوريا
استدلالاً من العلاقة المتوترة بين الجانبين، تحاول تركيا الاستفادة من تصنيف حزب العمال الكردستاني كتنظيم (إرهابي) بغية إحراج حلفاء "قوات سوريا الديمقراطية" الغربيين، بمن فيهم الأمريكيون أنفسهم، من خلال الحديث عن علاقة تربط بين الحزب و"قسد"، وهي علاقة لا تبدو الأخيرة أنّها تتجنبها تماماً، وتجلى ذلك من خلال رفع صور أوجلان عند إعلان هزيمة داعش في عاصمته المزعومة "الرقة" السورية، عام 2017.

اقرأ أيضاً: هل تسلخ تركيا "لواء إسكندرون" آخر من سوريا؟
موقف دفعت "قسد" ثمنه باهظاً، فلم تتمكن من إنقاذ عفرين، التي كانت خاضعة لـها، وتمّ الهجوم عليها من قبل تركيا، كانون الثاني (يناير) 2018، لتُعيد عقبه النظر في حساباتها، عبر إزالة الصور والرموز الدالة على حزب العمال الكردستاني من مناطق سيطرتها في شمال سوريا، وهو ما أضحى أكثر وضوحاً في مراسم الإعلان عن نهاية تنظيم داعش عقب هزيمته في الباغوز، عندما غابت أيّة صور تدل على العمال الكردستاني في الاحتفال، الذي أقيم يوم الثالث والعشرين من آذار (مارس) الماضي، في حقل العمر النفطي، ليكتفيَ المُحتفون برايات "قسد" و"وحدات حماية الشعب" وأمريكا.

اقرأ أيضاً: الكُرد السوريون.. مُعارضون أم موالون للنظام؟
إشارة، رغم بساطتها، تلقفها مُتابعون لاستنباط نجاح الجهود الأمريكية بالفصل بين "وحدات حماية الشعب" و"حزب العمال الكردستاني"، وهو ما يبدو أنّ أوجلان نفسه ليس بعيداً عنه؛ حيث وجّه الرجل المُعتقل، في السادس من أيار (مايو) الماضي، رسالة لأنصاره، نقلها محاموه، قال فيها: "بإمكاننا حلّ مشاكل تركيا ومشاكل المنطقة، بعيداً عن الحرب وسبل العنف الجسدي، بل عبر القوى الناعمة؛ أي قوى العقل، والقوى السياسة والثقافية"، مُتابعاً: "نحن على ثقة بقدرة قوات سوريا الديمقراطية على حلّ المشاكل في سوريا ضمن إطار المحافظة على وحدة الأرض على أساس الديمقراطية المحلية بضمانات دستورية، بعيداً عن ثقافة الاقتتال، مع أخذ حساسية تركيا بعين الاعتبار".

إعلان تحرير الرقة العام 2017

ردّ الإدارة الذاتية
وعقب الرسالة بيومين، ردّت الإدارة الذاتية على رسالة أوجلان، وقالت إنّهم ينظرون "إلى رسالة أوجلان التي تسعى إلى إيجاد الحلول للقضايا بأسلوب الحوار السياسي والديمقراطي، بأنها تحمل في طياتها معانٍ قيّمة"، وأضافت؛ أنّ أوجلان بقي في سوريا 20 عاماً، ولديه وجهة نظر متعمقة من خلال الوعي التاريخي العميق للتطورات والأحداث في سوريا، كما رأت "الإدارة الذاتية"؛ أنّ "رؤيتها الديمقراطية تدعم بناء دستور ديمقراطي يحقق الاستقرار ويدعم الوحدة في سوريا، كما أنّ مشروع الإدارة الذاتية رؤية فعّالة لإيجاد الحلّ من خلال الحوار الحقيقي والمسؤول"، وحول تركيا، اعتقدت "الإدارة" أنّها لم تشكل تهديداً عليها، في حين شنّت تركيا عملية عسكرية في عفرين وتواصل تهديداتها وهجماتها.

اقرأ أيضاً: تركيا تضرب العرب بالكرد في سوريا لخدمة أحلامها العثمانية
من جهته، قال الرئيس المشترك لـ "مجلس سوريا الديمقراطية"، رياض درار، عبر حسابه في فيسبوك: إنّ "ما قاله أوجلان تنفذه الإدارة الذاتية في الشمال والشرق السوري، وهو السعي لحلّ سياسي يوقف المقتلة السورية، وإدراك أهمية الحساسية التركية تجاه التغيرات التي تجري في المحيط والتحرك تجاهها بحذر"، ووصف بيان أوجلان بأنّه "عاقل ومتّزن، يحتاج التجاوب من الجهات المخاطبة به، النظام السوري والحكومة التركية"، أمّا التعقيب الأمريكي؛ فقد جاء على لسان جيمس جيفري، مبعوث الرئيس الأمريكي في التحالف الدولي ضدّ داعش، الذي أكّد أنّ "أوجلان هو من يتخذ موقفه"، وأضاف جيفري: "أؤكد أنه لم يكن هناك أيّ تنسيق مع السيد أوجلان أو أناس قريبين له".
مفاوضات سرّية
وعقب الرسالة، نشر موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، تقريراً تُرجم للعربية، في الثاني عشر من أيار (مايو) الماضي، تحدث عن عزم كلّ من تركيا وقوات سوريا الديمقراطية خوض محادثات للتوصّل إلى تسوية بشأن المشاكل في سوريا بعد انتهاء الحرب، وقال الموقع في تقريره: إنّ "السعادة غمرت إلهامي إشك حين علم أنّ الحكومة التركية سمحت لعبد الله أوجلان بلقاء محاميه، فالكردي المحافظ وأصيل مدينة باتمان (الكردية) الذي لعب دوراً فعالاً في عدة محادثات بين المسؤولين الأتراك وممثلي حزب العمال الكردستاني في الماضي، أصبحت الأمور جلية له، فبعد فشل عملية السلام بين حزب العمال الكردستاني وأنقرة، عام 2015، يُعدّ هذا القرار (رفع الحجْر عن أوجلان) بمثابة الخطوة الأولى في الطريق نحو استئناف المفاوضات بين الطرفين"، وبحسب إشك؛ يعدّ "البيان في حدّ ذاته دليلاً على أنّ المسؤولين الأتراك قد التقوا بالفعل بأوجلان"، قائلاً: "لقد توصلوا إلى أرضية مشتركة تخوّل لهم المضيّ قدماً وخوض المزيد من المحادثات، وهو ما دفع أوجلان لإصدار هذا البيان".

اقرأ أيضاً: تركيا تعاني من "الفوبيا الكردية".. والكرد شمال سوريا يخشون "تجربة عفرين"
فيما سرّبت مواقع مُناوئة لقوات سوريا الديمقراطية، في الرابع عشر من أيار (مايو) الماضي، أنباءً عن اتصالات غير مباشرة بين "قسد" والنظام التركي، بوساطة أمريكية، لكن دون أن ترتقي إلى مفاوضات حقيقية ومباشرة بين الطرفين، ذاكرةً أنّ هناك تقارباً أمريكياً تركياً حول مشروع "المنطقة الآمنة" في شرق الفرات، وأنّ الطرف الأمريكي يضغط على "قسد" لإبداء المرونة اللازمة، مع الإشارة إلى تنسيق الأمريكيين مع "قوات سوريا الديمقراطية" في كلّ خطواتها مع الحكومة التركية بشأن "المنطقة الآمنة".
نصائح لا تعليمات
يقول حسين فقه، مسؤول إعلام حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD" في أوروبا، خلال حديثه لـ "حفريات"، حول رسالة أوجلان لـ "قسد"، واحتمالات أن تستغله تركيا كبرهان حول العلاقة مع حزب العمال الكردستاني: "حتماً لا، فشخصية القائد أوجلان تجاوزت حزب العمال الكردستاني المتواجد في باكوري كردستان "شمال كردستان" (المناطق الكردية في جنوب شرق تركيا) ليصبح شخصية قيادية فكرية وفلسفية كردستانية، تملك النظرية التي من شأنها أن تعالج القضية الكُردية في كلّ أجزاء كُردستان، وفي هذا السياق هناك تجارب عدة بتوجيهه خطابات للإدارة السياسية لباشوري كردستان "جنوب كردستان" سواء السيد مسعود البارزاني، أو الرئيس العراقي الراحل جلال الطالباني، أمين عام حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وكذلك خطاباته الخاصة بروجهلاتي كُردستان "شرق كُردستان" (المناطق الكردية غرب ايران)، ناهيك عن توجيهه النصائح والحلول لقضية الكُرد في باكوري كُردستان "شمال كردستان"، وتأتي رؤيته بالنسبة إلى قسد وتوجيهه بعض النصائح في هذا السياق أيضاً".

اقرأ أيضاً: تركيا تحرم 38 ألف طالب كُردي من التعلم بلغتهم الأم
ويتابع: "القائد أوجلان أصبح مفكراً وفيلسوفاً كردستانياً، بل وإنساني، يفكّر في مصير شعوب المنطقة قاطبة متجاوزاً بذلك القومية الضيقة إلى نظريته "الأمة الديمقراطية"، وليس سرّاً أنّ للقائد عبد الله أوجلان شعبية واسعة في روج آفاي كردستان بحكم بقائه في سوريا، وروج آفا لأعوام طوال، وليس سراً أيضاً أنّ حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD"، والإدارة الذاتية الديمقراطية، في شمال وشرق سوريا، ووحدات حكاية الشعب والمرأة، وكذلك قوات سوريا الديمقراطية تنهل من فلسفة " الأمة الديمقراطية" للقائد (آبو/ كلمة كردية تعني "العم")، وبالتالي؛ فإنّ تجربة روج آفا وشمال سوريا في الإدارة الذاتية الديمقراطية هي من نفحات تلك الفلسفة، وليست من مخرجات الأيديولوجيا التي يتبناها حزب العمال الكردستاني، وهنا يجب التفريق بين الاهتداء بفلسفة إنسانية تسعى للحرية والديمقراطية والعيش المشترك بين شعوب المنطقة، كما ينظر إليها القائد (آبو)، وبين حزب سياسي ثوري يعمل لأجل حرية شعبه في باكوري كُردستان؛ لذلك من المجحف والمجافي للحقيقة ربط بعض ملاحظات القائد عبد الله أوجلان بالنسبة إلى قسد مع تبعية الأخيرة لحزب العمال الكردستاني".
 أردوغان قد يضطر لتقديم بعض التنازلات وخصوصاً بعد خسارته الانتخابات في كبريات المدن التركية

بوابة للسلام
وحول إمكانية تبوّؤ كُرد سوريا دوراً في فتح بوابة سلام بين تركيا ومواطنيها الكُرد، يقول فقه: "ما يؤسس له الكُرد في شمال وشرق سوريا يجلب السلام والاستقرار والتعايش لسوريا ودول الجوار أيضاً، وعلى رأسها تركيا، إذا ما تحلت الأخيرة بنوايا خيّرة لسوريا وشعوبها، وبالتالي لتركيا وشعوبها، وما هو ظاهر حتى الآن؛ أنّ تركيا "حزب العدالة والتنمية" تخدم أجندات توسعية تأخذ مبرراتها من جذور تاريخية احتلالية لشعوب المنطقة وفق الميثاق الملي للدولة العثمانية، ومن المستحيل أن يتم التعايش مع هذه العقلية التوسعية للدولة التركية والتوافق معها، وما احتلال عفرين من قبل الدولة التركية ومرتزقتها الجهاديين إلا دليل على النوايا السيئة التي تضمرها الدولة التركية للكُرد وشعوب المنطقة".

كاتب مصري: الانفتاح التركي على أوجلان مُحاولة لكسب الصوت الكردي في معركة إسطنبول القادمة بعد إعادة الانتخابات

ويردف: "لكن، مع الإخفاقات المتكررة لسياسات حزب العدالة والتنمية وزعيمها أردوغان، قد يضطر لتقديم بعض التنازلات وخصوصاً بعد خسارته الانتخابات في كبريات المدن التركية، أنقرة وإسطنبول، اللتان تعدّان مدينتي القرار الاقتصادي والسياسي، وذلك بهدف  كسب أصوات الكُرد في إسطنبول والتي من المزمع إعادة الانتخابات فيها بعد أن رضخت اللجنة العليا للانتخابات لضغوط أردوغان وأقرّت إعادة الانتخابات فيها، وهو ما أثار حفيظة وانتقادات المجتمع الدولي والشعب التركي على حدّ سواء؛ لأنّه أجلى تعبيراً عن سحق الديمقراطية في رحم صناديق الاقتراع وهو أحدث ما تفتقت به عقلية أردوغان بالنسبة إلى الديمقراطية".
وينوه فقه إلى أنّه "رغم كلّ ما سبق، فالمحاولات الأمريكية لإيجاد صيغة للتفاهم بين قسد وتركيا قد تعطي، في مناخ مناسب، أكلها، لتصبح روج آفا بوابة للانفتاح التركي على قضايا شعوبها وعلى رأسها الكُرد"، مستدركاً: "مع أنني لا أظنّ أنّ ذلك سيكون متاحاً في ظلّ سياسات العدالة والتنمية وتعقيدات المنطقة وتشابك ملفاتها، ولكن من حيث المبدأ فالكُرد في سوريا على استعداد تام ليكونوا جسراً لتعيد الدولة التركية التفكير بسياساتها والعودة لمفوضات السلام مع حزب العمال الكُردستاني، وذلك يستوجب خطوات طارئة من الأتراك، أوّلها: فكّ العزلة المفروضة على القائد، عبد الله أوجلان، وإطلاق سراح البرلمانيين الكُرد، وعلى رأسهم صلاح الدين دميرتاش، والانسحاب من الأراضي السورية التي احتلتها، وعلى رأسها عفرين، من هنا قد نقول: إنّه ثمّة مرحلة جديدة من العلاقات قد تبدأ".
ما بين السطور
أما الرسائل التي يمكن استقراؤها ما بين سطور رسالة أوجلان المُقتضبة، فيقول حولها فقه لـ "حفريات": "تلك الرسالة المقتضبة حملت الكثير مما يمكن فهمه كردياً، سواء على مستوى باكوري كردستان أو روج آفاي كردستان، فما رشح من الرسالة هو ما وافق عليه الميت التركي، وهذا ليس خافياً على أحد، وذلك بالتحديد يحمل الكثير من الدلالات التي من المتوجب الأخذ بها، والكُرد سواء في باكوري كردستان أو روج آفا قد أخذوا من الرسالة ما يريده القائد أوجلان وما يريده الكُرد وليس ما يريده أردوغان والميت التركي".

اقرأ أيضاً: الكُرد يتخلون عن حلمهم بالفيدرالية استجابة للأسد ودرءاً لأردوغان
وفيما يخصّ الحديث عن جهود أمريكية لإجراء اتفاق بين الإدارة الذاتية وتركيا، وأنها قد تشمل حصول أردوغان على (بلدية إسطنبول مجدداً مقابل المنطقة الآمنة شمال سوريا)، فيرى فقه أنّ تلك "توقعات صحفية لا غير"، قائلاً: "هناك محاولات أمريكية لتقريب وجهات النظر بين قسد وتركيا، وقد أفصح عنها القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في كلمته التي ألقاها في ملتقى العشائر السورية، ولكن تلك المحاولات الأمريكية تخص الشمال السوري وكُرد سوريا، وليس هناك أيّة تقاطعات بينها وبين العملية السياسية والانتخابية في تركيا".
ويتابع: "أردوغان يسعى إلى ما يريد، وفي المقابل؛ نحن نسعى إلى ما يريده شعبنا، وبالتأكيد؛ هاتان الإرادتان خطان مستقيمان متوازيان لا يلتقيان مهما امتدا إلا إذا ما غير أردوغان وحزب العدالة والتنمية من توجهاتهما، وذلك إن حدث فبتأثير فشل المشروع التركي ليس إلا، وليس مسألة مبدأ وقيم، فالفكر الإخواني، سواء كان عربياً أو تركياً، لا يتواءم مع حقوق الشعوب والديمقراطية، والتفاهمات التي تسعى لها واشنطن تخصّ واشنطن، وما تقبله قسد والإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا هو مصلحة شعبنا الكُردي ومكونات الشمال السوري".

عفرين

وحول مآلات الوضع في منطقة عفرين الكُردية شمال غرب سوريا، التي وقعت تحت سيطرة الجيش التركي والمسلحين التابعين لتركيا من المعارضة، يقول فقه لـ "حفريات": "عفرين كُردية وجزء لا يتجزأ من روج آفا، وهي سورية، وأبناء عفرين لن يتركوها يوماً ليهنأ أردوغان بضمها إلى تركيا والاستمرار باحتلالها، ولن تكون تركية قط وهذا ما يدركه الاحتلال التركي جيداً، فلقد تمّ احتلال عفرين بضوء أخضر روسي وتخاذل سوري وتغاطي دولي تماشياً مع ظروف سياسية وتفاهمات مُقايضة بين موسكو وأنقرة، وكما تمّ احتلال عفرين بتوافق دولي ضمن مُتغير سياسي؛ فهي ستتحرر في ذات المتغير؛ حيث ليس هناك ثابت في التوافقات بين الأطراف الفاعلة في الأزمة السورية".
ويعرب فقه عن ظنه بأنّ "هناك خطأ في التعبير، فتركيا ستنسحب من عفرين أمام إرادة شعبها، لتعود عفرين إلى حضن روج آفا وإدارتها الذاتية الديمقراطية، وليس لصالح حزب الاتحاد الديمقراطي، أو أيّة جهة سياسية أخرى، عفرين ستعود لصالح شعبها وشعب روج آفا، وستتحرر لتثبت كرديتها وسوريتها". 
مَن في حاجة الآخر؟
حول إمكانية تلقف تركيا بريادة أردوغان لفرصة الحوار والحل السلمي مع قسد، يقول الكاتب المصري المتخصص بالشأن التركي والقضية الكُردية محسن عوض الله في حديثه لـ "حفريات": "أعتقد أنّ حاجة تركيا، بزعامة أردوغان، إلى السلام مع الأكراد، تفوق حاجة الأكراد إلى ذلك، فتركيا أردوغان في حاجة إلى تهدئة عامة مع الكُرد، ليس في سوريا وحدها؛ بل في تركيا قبل سوريا، خاصة في ظلّ الأزمات التي يعاني منها نظام أردوغان وخسارته الكثير من قاعدته الشعبية الانتخابية، وهو ما أظهرته الانتخابات البلدية التي خسر العدالة والتنمية مدنها الرئيسة، خاصة إسطنبول، بما تمثله من مكانة للحزب الحاكم باعتباره منطلق الصعود لأردوغان نحو السلطة المطلقة".

اقرأ أيضاً: العودة إلى عفرين: الأكراد أمام مُقاومة بيضاء أو استسلام بطعم الهزيمة
ويرى أنّ "الانفتاح التركي على أوجلان في الأيام الأخيرة، سواء بالسماح بنشر رسالة منه، ثم إلغاء حظر لقاءاته بمحاميه، مُحاولة لكسب الصوت الكردي في معركة إسطنبول القادمة بعد إعادة الانتخابات، كما أنّها أشبه بتهدئة جبهة صراع حتى لو بشكل مؤقت، في ظلّ اشتعال الكثير من الجبهات ضدّ أردوغان ونظامه".

تلبي الطموحات أم دونها

وحول ماهية الديمقراطية المحلية التي دعا إليها أوجلان، بضمانات دستورية، في سوريا، نوّه عوض الله إلى أنّ البعض قد يرى أنّ "المصطلح الذي استخدمه أوجلان يخالف نظرية الأمة الديمقراطية التي تتبناها الإدارة الذاتية، ولكني أرى أنّه لا فرق، وأنّ الأمر مجرد مصطلح مختلف، أو لفظ ليس إلا".
وأردف: "لا أعتقد أنّ هناك فرقاً كبيراً بين الديمقراطية المحلية التي دعا لها أوجلان، وبين ما تطالب به الإدارة الذاتية من لامركزية الحكم، الديمقراطية المحلية في العلوم السياسية تعني تفويض السلطة والمسؤولية إلى مؤسسات ديمقراطية محلية؛ كالقرى، البلديات، المدن أو غيرها من التجمعات البشرية، بصورة تتفكك معها القبضة المركزية لنظام الحكم ، ويصنع إدارات محلية منتخبة تقوم بتأدية دورها في خدمة التجمع البشري المحيط بها، وتملك من السلطات الكثير بما يمكنها من إدارة المنطقة بشكل كامل، وهو ما يتشابه مع ما تقوم به الإدارة الذاتية".

اقرأ أيضاً: الطعم التركي والإدارة الذاتية في عفرين: نار المقاومة تنبعث من جديد
أما هل خدمت الرسالة طموحات الكُرد السوريين، أم أنّها شكّلت عائقاً أو انتكاسة لمطالباتهم؟ فيرى عوض الله أنّ "رسالة أوجلان هي محور سياسة أكراد سوريا، فالرسالة لم تأتِ بجديد، فمنذ نشأتها لم تقم قسد بأي عمل استفزاز لتركيا، وكانت تراعي الحساسيات التركية بسوريا، ولا تمانع "قسد" من الحوار مع تركيا، وأعلنت ذلك مراراً، شرط التزام تركيا واعترافها بحقوق الأكراد، الأزمة ليست في كُرد سوريا بل في تركيا ونظام أردوغان".
وأعرب الباحث المصري عن اعتقاده أنّ أيّة خطوة نحو التقارب بين الأتراك وأكراد سوريا "يجب أن تبدأ من أنقرة، التي تحتل مدن شمال سوريا، وإن أرادت السلام فعليها مُغادرة عفرين، كشرط أوليّ، قبل أيّة جلسات حوار، إن كانت هناك نية للحوار من الأساس".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



ترامب يتعرض لــ "ولاء" اليهود.. "ويهزم سردية إسرائيل"

2019-08-22

تعرّض الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لانتقادات؛ بسبب تصريحات أدلى بها حول اليهود الأمريكيين. وقال ترامب في تصريحات للصحفيين في البيت الأبيض، أول من أمس، إنّ تصويت أي شخص يهودي لصالح ديمقراطي سيعني "عدم معرفة أو عدم ولاء كبير".

اقرأ أيضاً: ترامب يهدّد الدول الأوروبية.. بماذا؟!

وعلى الرغم من أنّ ترامب لم يتحدث بالتفصيل عما يقصد بـ "عدم الولاء"، كما ذكرت قناة "الحرّة"، فقد ذهب منتقدو ترامب إلى أنّ اللغة التي استخدمها في هذا الشأن تذكّر بالادعاء النازي بأنّ لدى اليهود ولاء مزدوجاً، وأنّ ولاءهم لإسرائيل أكبر من ولائهم لدولهم، حسب صحيفة "نيويورك تايمز".
وكان ترامب أثار، في الآونة الأخيرة، ضجة في الأوساط اليهودية وداخل إسرائيل؛ إثر منع إسرائيل النائبتين في الكونغرس الأمريكي، رشيدة طليب وإلهان عمر من زيارتها. وكان مثيراً للانتباه أنّ "آيباك" انتقدت حكومة بنيامين نتنياهو على هذا التصرف. وفي هذا الصدد كتبت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية مقالاً شديد اللهجة قالت فيه إنّ "منع طليب وعمر هزيمة لإسرائيل في معركة السرديات".

ورأت الصحيفة الإسرائيلية الشهيرة في مقالها (الذي ترجمه موقع "درج" واعتمدنا هنا على هذه الترجمة) أنّه "إذا قيّمنا تلك العلاقات من منظارٍ أوسع، منظارٍ يحلل صورة إسرائيل وسمعتها في الكونغرس والرأي العام والأوساط الأكاديميّة والإعلاميّة والمجتمع اليهوديّ الأمريكيّ، فإنّ تلك العلاقات بين البلدَين قد وصلت إلى أدنى مستوياتها خلال الأيام الأخيرة، وخاصّة بعد منع إسرائيل رشيدة طليب وإلهان عمر من زيارتها".

اقرأ أيضاً: اعتقال 18 شخصاً من اليمين المتطرف.. هذا رأي ترامب بالموضوع
وأضافت الصحيفة "كانت ردود الفعل السلبيّة على حظر الدخول مفاجئة وضارية وواسعة الانتشار، ما جعل من المحتمَل أن يصبح الأمر نقطة تحوّل في تاريخ العلاقات بين البلدين. نعم ما زالت علاقتهما "مميّزة"، ولكنها تزداد فساداً؛ وما زالت قيمهما مشتركة، ولكنها تزداد خزياً وقبحاً"، وفق الصحيفة.
"هآرتس": هزيمة إسرائيلية
ورأت صحيفة "هآرتس" في مقالها أنّ "إسرائيل خسرت للمرّة الأولى منذ عقود -وربّما منذ الانتفاضة (الفلسطينية) الأولى في أواخر الثمانينيّات من القرن الماضي- حملةً لكسب قلوب وعقول معظم الأمريكيّين"، مضيقة "لقد هُزِمت إسرائيل في معركة السرديّات. إنّ تطابقها التام مع ترامب وسياساته قد صبغ صورة إسرائيل بصبغة تحيّزات ترامب. لقد تسبّبت محاولاتُ نتنياهو مداهنةَ وَليّ نعمته والتزلّفَ إليه في أضرار دائمة وربّما لا يمكن نقضها وإصلاحها".

منيمنة: الحركة القومية البيضاء في الدول الغربية لا تختلف عن  الحركة الجهادية في محدودية أفق معارضتها للتحولات المتحققة

وذكرت الصحيفة الإسرائيلية أنّه "في الأيّام القلائل التي أعقبَت إعلان نتنياهو تراجعَه عن قرار سابق بالسماح لرشيدة طليب وإلهان عمر بالزيارة تعرّضَت إسرائيل لانتقاداتٍ قاسية انحرفت بعيداً عن المعتاد من اليسار الأمريكيّ الماكر. لم يتعرّض هذا الحظر الإسرائيليّ للانتقاد من قِبَل الديمقراطيّين وقادتهم فحسب، بل أيضاً من قِبَل مؤيّدين مُخلِصين مثل؛ جو ليبرمان وحتّى جمهوريّين مثل السيناتور ماركو روبيو؛ وقد انتقده وشهّر به نقّاد يساريّون وآخرون من أقصى اليمين. لم ينتقده صغارُ السياسيّين فقط، بل وحتّى مرشّحون للرئاسة مثل؛ إليزابيث وارين التي ما زالت حتّى اليوم تنأى بنفسها عن الكثير، خوفاً من ردّ فعل مؤيّدي إسرائيل. لا أكثر".

 اللغة التي استخدمها في هذا الشأن تذكّر بالادعاء النازي بأنّ لدى اليهود ولاء مزدوجاً
وتابعت "هآرتس" مقالها الغاضب بالقول "فتَحَ الشجبُ الاستثنائيّ الذي أصدرته منظمة آيباك  AIPAC، وغيرها من المجموعات اليهوديّة الرئيسيّة، البابَ على مصراعَيه أمام انتقادات الآخرين. شجَّع هذا الاعتراضُ الذي أبداه اللوبي المؤيّد لإسرائيل -الذي عادةً ما يدعم الحكومة الإسرائيليّة مهما فعلَت، ونادراً ما يُبدي أيَّ معارضة علنية- سياسيّين آخرين -ممّن كانوا ليصبحوا متحفّظين عن الحديث- على انتقاد إسرائيل علانيةً وبوضوح للمرّة الأولى على الإطلاق بالنسبة لهم". وبرأي الصحيفة الإسرائيلية واسعة الانتشار "نظر إلى إسرائيل الآن بشكلٍ تجريحيّ على أنّها شريك طوعي في فخ ترامب العرقي البغيض. فقد وقفت إسرائيل في صفِّ رئيسٍ معروفٍ على نطاق واسع بِتحيُّزه ضد الأقليات عموماً، وضد أصحاب البشرة السمراء خاصةً؛ وهذا ميدان هشّ محفوف بالمخاطر، وتسوده الانفعالات الحادة والمُطْلَقات الأخلاقية ".
عالم يزداد سماراً
من جانبه، قال الأستاذ في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، الدكتور حسن منيمنة، في مقال نشره موقع قناة "الحرّة"، إنّه قد لا يروق للعديدين الإقرار بأنّ العالم، منذ منتصف القرن الماضي، وبأشكال متواصلة ومتصاعدة، يزداد اتحاداً وحداثية في حضارته، ويزداد سماراً في لون بشرته. غير أنّ إنكار هذين التوجهين لن يبدّلهما، وإشهار المواقف القصوى المظهرة للعزم على القضاء على هذا وذاك منهما وفرض نقيضهما لا يبدو قادراً أن يتجاوز أضغاث الأحلام.

صحيفة هآرتس: إسرائيل خسرت للمرّة الأولى منذ عقود حملةً لكسب قلوب وعقول معظم الأمريكيّين لقد هُزِمت في معركة السرديّات

وذهب منيمنة إلى حد القول إنّ "الحركة القومية البيضاء في الدول الغربية لا تختلف عن الحركة الإسلامية الجهادية في محدودية أفق معارضتها للتحولات المتحققة. بل تتماهى الحركتان في أساليب حراكهما، كما في أوهام انتصاراتها الموعودة. أستاذية الحركة الإسلامية وخلافتها، في آمالها التعويضية المفتقدة للواقعية، تحيط خريطة العالم أجمع بلونها الأسود أو الأخضر، واعدة ومتوعدة باستئصال الكفر وإخضاع الكفار. أما الطموحات القومية البيضاء، بأعلامها الملتبسة المشتقة من تجارب عنصرية وانفصالية ماضية، فتكتفي بزعم الملكية والحصرية للأقدار المفيدة الثرية و"الراقية" من شمالي الكوكب وجنوبيه، تاركة ما عداها من مناطق صحراوية وأدغالية لشعوب الطين المتخلفة".
وأضاف "الحركة القومية البيضاء غير قادرة بدورها على إيقاف الاسمرار المتصاعد في مجتمعاتها، وحالات القتل المتكررة للمهاجرين لن تبدل من واقع أنّ المجتمعات الغربية تسير نحو الانكماش السكاني، في مقابل انفلاش لا قدرة للمجتمعات عند جنوبها على استيعابه. فالحروب والضائقة المالية هي دون شك من دوافع حركة الهجرة باتجاه الغرب، غير أنّ العامل الأول هو التفاوت في شكل الهرم السكاني بين الجانبين والمقتضيات الاقتصادية والمجتمعية لهذا التفاوت".
الإسلاميون الجهاديون قد استنبطوا من الموروث الديني صيغة حداثية شمولية فتّاكة

ما يجتمع عليه الجهاديون الإسلاميون والقوميون البيض
وحذّر منيمنة من تبعات ذلك بالقول إنّ "أسوأ ما يجتمع عليه الفريقان، الجهاديون الإسلاميون والقوميون البيض، هو إسقاط عصمة النفس الإنسانية عن غير جماعتهم، وإباحة قتل من عداهم، أو حتى اعتباره فعلاً محموداً أو واجباً في سبيل استعادة أمجاد ماضية واهمة. الماضي عندهم لا يُساءل ولا يُنقد، بل يُرفع ويُعبد. أما تفسير الاختلاف الناتج بين عظمة الماضي الموهوم والحاضر المشؤوم، فهو هنا وهنالك بالحديث عن مؤامرة يحيكها "العدو" بهدف التذويب. الإسلام معرّض لهجمة شرسة تريد إزالته من نفوس أبنائه، والعرق الأبيض معرّض لمكيدة ماكرة تهدف إلى تلويث نسله وإفنائه".

اقرأ أيضاً: لماذا يحبّ الناس دونالد ترامب؟
ولفت الكاتب في مقاله النظر إلى أنّ "المفارقة الأخرى هنا هي أنّهم معاً صادقون في بعض أوجه توقعاتهم، غير أنّ التذويب ليس وليد مؤامرة (يستسهل هؤلاء وأولئك إدراج اليهود فيها)، بل هو النتيجة التلقائية للتجميد الاعتباطي المعتمد في قراءاتهم. فالإسلاميون الجهاديون قد استنبطوا من الموروث الديني صيغة حداثية شمولية فتّاكة، هي وليدة عصرها رغم الزعم التقريري بإطلاقيتها، ثم ساءهم بأنّ حركة التاريخ السائلة لا ترضخ لجمادهم. والقوميون البيض، على ما هم عليه من نسل مركب من شعوب على تفاوت في بياضها وسمرتها ودكانتها، أرادوا ثباتاً لعرقهم المزعوم بحالته الآنية، متناقضاً مع استمرار التداخل المستمر بين الشعوب والقبائل، ثم هالهم أن المتحول الذي ادعوا له الثبات مثابر على التحول".

للمشاركة:

تقارب صيني تركي.. لماذا يتجه أردوغان شرقاً؟

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2019-08-22

ثمة أزمة اقتصادية تفرض تأثيراتها المتباينة، على الوضعين؛ المحلي والإقليمي، في تركيا، وتنعكس، بشكل مباشر، على تحركاتها في التحالفات الخارجية، التي تتبدل صيغها على المستوى الدبلوماسي، وارتباطاتها السياسية، بصورة براغماتية، وذلك تلبية للحاجة الملحة والضرورية، لمعالجة أوضاعها السلبية، وهو ما ظهر جلياً في الاستدارة التي بدأت تتخذها أنقرة باتجاه بكين في سعيها لاستنقاذ اقتصادها الذي طالما شكّل العامل الحاسم في صعود أردوغان وحزبه ومكاسبه السياسية.
تفاقم التوترات مع حلفاء أنقرة سيما واشنطن وبعض دول الاتحاد الأوروبي

البحث عن أصدقاء جدد
إنّ ما يعانيه الاقتصاد التركي من مشكلات وصعوبات جمة، بسبب التدخلات السياسية المباشرة في السياسة النقدية، من ناحية، وتفاقم التوترات مع حلفاء أنقرة، سيما واشنطن، وبعض دول الاتحاد الأوروبي، من ناحية أخرى، أدى إلى آثار سلبية في أسواق المال التركية، بالإضافة إلى انخفاض الليرة، بأكثر من ربع قيمتها، منذ آب (اغسطس) العام الماضي.

مشكلات الاقتصاد التركي تعود للتدخلات السياسية المباشرة في السياسة النقدية وتفاقم التوترات مع الحلفاء

وتراجع الاقتصاد التركي بنسبة 2.6%، على أساس سنوي، في الربع الأول، من العام 2019، بحسب معهد الإحصاء التركي، بالإضافة إلى ارتفاع مستوى التضخم، والعجز في الميزانية، المستمرين منذ صيف العام الماضي، وقد بلغت معدلات البطالة نحو 15 في المائة، والتضخم نحو 17 في المائة، في الوقت الراهن.
وفي ظل تلك الأزمات، التي تتحكم في البنى الاقتصادية والسياسية لأنقرة، وأمام طموحاتها الخارجية، كلاعب إقليمي، تبحث عن أصدقاء جدد داخل رمال السياسة المتحركة، وفي ظل الجغرافيا السياسية المعقدة، التي تجعلها تغير من بعض مواقفها الراديكالية، كما الحال، مع الصين، التي يسعى إليها أردوغان، بهدف البحث عن سبل استثمار أجنبي لتمويل النمو الذي يعتمد عليه من الناحية السياسية، ومحاولة زيادة وتيرة التعاون الاقتصادي معها.

مسلمو الأويغور خارج الحماية "الأردوغانية"
بناء على هذه الحسابات، خففت أنقرة من حدة انتقاداتها المتكررة لبكين، على خلفية قضية الأيغور، التي لطالما تصدت بالدفاع عن حقوقهم، ضد ما كانت تصفه بالقمع والإبادة، اللتين تتعرض لهما تلك الأقلية المسلمة.
على هذا الصعيد، كشف البنك المركزي الصيني، مؤخراً، بأنّ الصين قد حولت مليار دولار إلى تركيا، ضمن الاتفاقية المبرمة بينهما، منذ العام 2012، لتبادل العملات، وتعد تلك المرة الأولى، التي يجري ضخ هذا المبلغ الهائل لأنقرة، بموجب اتفاق مبادلة الليرة واليوان مع بكين، كما تشير وكالة بلومبرغ.

اقرأ أيضاً: مسلمو الأويغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم
بيد أنّ هذا التدفق النقدي لن يحرز تقدماً كبيراً ومؤثراً، في مصادر تنويع الاستثمار الأجنبي، وتحقيق انفراجة في الاقتصاد المتعثر، وأقصى ما يمكن أن يسفر عنه، هو إقراض مبلغ بسيط قصير الأجل، لاحتياطيات النقد الأجنبي المتناقصة في تركيا، حسبما يشير الباحث في الشؤون التركية، سونر جاغايتاي.

في خضم الأزمة الاقتصادية التي شهدتها تركيا أوفد أردوغان وزير خارجيته إلى بكين بهدف طلب المساعدة

ويؤكد صاحب " إمبراطورية أردوغان: تركيا وسياسة الشرق الأوسط"، أنّ التعاون الاقتصادي بين بكين وأنقرة، سيترتب عليه جملة تغيرات ضرورية وجوهرية، حتى يتعين على الصين تقديم الرعاية للاقتصاد التركي المتعثر؛ حيث ينبغي التغلب على الخلافات السياسية التاريخية الرئيسية بينهما، لا سيما فيما يتعلق بالأيغوريين الأتراك في منطقة شينجيانغ المضطربة في الصين.
ويلفت إلى أنّ قلة الموارد الطبيعية الخاصة بتركيا، تضطرها إلى الاعتماد على عمليات ضخ رأس المال الأجنبي، والعلاقات القوية مع الأسواق الدولية، بغية تحقيق النمو، الأمر الذي يستثمره أردوغان سياسياً، منذ العام 2003، للحصول على مكاسب انتخابية، وتعزيز قاعدة ناخبيه، الأمر الذي شهدته المبالغ القياسية، في الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي اجتذبته البلاد خلال فترة ولايته، ومعظمه كان من أوروبا.
 التعاون الاقتصادي بين بكين وأنقرة سيترتب عليه جملة تغيرات ضرورية وجوهرية

ما الذي تغير؟
قبل عام، وفي خضم الأزمة الاقتصادية التي شهدتها تركيا، حين كانت الليرة تشهد انهيارات غير مسبوقة أمام الدولار، وتتفاقم الأزمة السياسية مع الولايات المتحدة، على خلفية قضية القس أندرو برونسون، وتداعيات العقوبات الأميركية، أوفد الرئيس التركي، وزير خارجيته، ميفلوت جاويش أوغلو، إلى بكين، بهدف طلب المساعدة الاقتصادية، دون أن يتم حسم الأمر أو تقرير شيء نهائي.

اقرأ أيضاً: هكذا أصبحت الاستثمارات الصينية في إفريقيا مصائد للهيمنة
بيد أنّ الأفق السياسي لهذا التعاون بدأ يتشكل بوضوح، خلال الشهور القليلة الماضية، وترتب عليه تداعيات جديدة، بعد الإخفاقات المتتالية في إدارة الأزمة الاقتصادية، والخسارة المدوية في الانتخابات المحلية، وذلك سياق جديد تراكم على الأوضاع المبلدة بغيوم كثيرة، حيث التقى الرئيسان التركي والصيني في بكين، وأكد أردوغان على "ضرورة تعزيز العلاقات الثنائية القائمة بين البلدين، في ظل تفاقم التحديات التي تهدد الأمن والاستقرار العالميين".
وأشار في كلمته التي نقلتها وكالة الأناضول: "تركيا والصين سوقان صاعدان وبلدان ناميان، ويتعين علينا زيادة الثقة الاستراتيجية المتبادلة، وتعزيز التعاون الاستراتيجي والتنسيق"، ونوه إلى ضرورة العمل بتصميم على حماية النظام الدولي، وفي صميمه الأمم المتحدة، والقانون الدولي، بالإضافة إلى حماية نظام التجارة الدولية المستند إلى قواعد منظمة التجارة العالمية.

اقرأ أيضاً: هل يدفع المسلمون ثمن الصراع الصيني الهندي حول سريلانكا؟
لكن اللافت في هذا التصريح، التنازلات التي بدأت تتسلل إلى خطاب الرئيس التركي، وخطابه الإعلامي المختلف، الذي انعكس كذلك على المنصات المحلية التابعة له، وهو الأمر الذي رصدته، وكالة شينخوا الصينية؛ إذ نقلت عنه أحد تصريحاته، التي حملت تلميحات حول الأوضاع الحقوقية للأقليات في الصين، إذ أكد أنّ: "تركيا ما زالت ملتزمة بسياسة الصين الواحدة، والمقيمين من مختلف الإثنيات يعيشون بسعادة في منطقة شينغ يانغ للإيغور التي تتمتع بحكم ذاتي بسبب ازدهار الصين، وهي حقيقة ثابتة، وتركيا لن تسمح لأحد بإثارة مشاكل في علاقاتها مع الصين".
إستراتيجية سياسية جديدة يتبناها أردوغان

كسب ود بكين
كما حذر أردوغان من هؤلاء الذي يسعون إلى "استغلال قضية شينغيانغ لخلق التوترات مع الصين، المستثمر وشريك التجارة الكبير لتركيا، وأكد على رغبته في تعزيز الثقة السياسية المتبادلة، والتعاون الأمني مع الصين للتصدي للتطرف".

أردوغان يدرك أنّ الصين قادرة على تأمين الاستثمارات والقروض التي باتت البنوك التركية تجد صعوبة بتحصيلها

إلى ذلك، يقول الباحث والصحافي المصري، هاني سليمان، أنّ مسلمي الأويغور، الذين يعيشون في مقاطعة شينغيانغ، شمال غرب الصين، وهم من أصول تركية، لن يصبحوا أولوية في الخطاب السياسي، والإعلامي التركي، بل سيتبدل الموقف تجاههم تماماً، والذي سبق وشهد تعاطفاً وتصعيداً كلامياً مع حكومة بكين، ضد ما يتعرضون له من اضطهاد وقمع وسجن، من قبل الحكومة الصينية، بحسب التقارير الدولية العديدة.
ويضيف في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وجه وسائل الإعلام التي يتحكم فيها بتقليل التقارير التي ترصد وتبث أوضاع الأويغور في الصين، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته بسهولة في وسائل الإعلام المحلية، حيث تقلصت مساحة المتابعة لهم، وتكاد تكون اختفت من المشهد الإعلامي.
وبسؤاله حول الإستراتيجية السياسية الجديدة التي يتبناها أردوغان، والتي فيما تبدو مدفوعة تحت وطأة الأزمات، فيشير سليمان إلى أنّه بحاجة إلى الاستثمارات بقيمة مليارات الدولارات، بشكل سنوي، لتأمين النمو الاقتصادي، وحماية دوره السياسي المتمثل في منصبه، وقاعدته الانتخابية التي بدأت تتراجع وتنكمش، وذلك في ظل شح الموارد الطبيعية بتركيا، واعتماده الرئيسي على الاستثمار الأجنبي. فعلى سبيل المثال، تبلغ كلفة استيراد الطاقة، نحو 30 مليار دولار سنوياً، الأمر الذي يسبب عجزاً في ميزان المدفوعات.

اقرأ أيضاً: مسلمو الصين: رموز على الشاشة أرقام في المعسكرات
من جهته، يشير منتدى فكرة، إلى أنّ الاستثمارات الضخمة من الصين سوف يترتب عليها تغيير جوهري، في سياسة أردوغان تجاه مسلمي الأيغور، لأنّ الرئيس التركي، يدرك أنّ الصين قادرة على تأمين الاستثمارات والقروض، التي باتت البنوك التركية تجد صعوبة في الحصول عليها، من البنوك الأمريكية والأوروبية، كما أنّ الإستراتيجية التي يتبعها أردوغان تهدف إلى كسب ود بكين، لدعم الاقتصاد التركي بلاده، رغم وجود تقارير تشير إلى أن ثمة لقاءات، لا تزال تتم بين نشطاء الأويغور مع مسؤولين أتراك في أنقرة.

للمشاركة:

كيف خرج الإسلام السياسي على موقف أهل السنّة من الدولة؟

2019-08-22

في معرض نقده لكتاب أبو الأعلى المودودي "الحكومة الإسلامية"، الذي يسوّق فيه لنظريته في "الحاكمية الإلهية"، حاجج محمد عمارة بأنّ الدولة ليست ركناً من أركان الدين وأصوله؛ فهذه الأركان والأصول قد حددها الرسول ﷺ، في حديثه القائل: "بُني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلاً"، كما اقتبس عمارة من ابن تيمية قوله: إنّ الحكم ليس من أصول الإيمان الستّ، وهي: الإيمان بالله، والملائكة، والكتب، والرسل واليوم الآخر والقدر؛ وبالتالي لا تتعلق الدولة في نظره بالعقيدة وترتبط ارتباطاً عضوياً بالفقه.

تأرجح البنا بين مربعي الدولة الدينية العقائدية والدولة المدنيّة أما القرضاوي فقد تعمّد خداعنا ومرّت خدعته دون أن ننتبه

كان عمارة ينتقد حسن البنا بطريق غير مباشر؛ عبر نقد من قال بمقالته؛ إذ كان البنا أول سنّي يذهب إلى أنّ الحكم أصل من أصول الإسلام، وذلك في قوله: إنّ "الحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقيهات والفروع"، وكلّ مَن جاء بعده من مفكري الإسلام السياسي السنّي عالة عليه؛ ففوّت عمارة علينا إبراز التناقض الصارخ في مقولة البنا؛ إذ جمع في سطر واحد الشيء وعكسه: "في كتبنا الفقيهة الدولة ليست من الفقهيات"، ونسي أنّ علم الكلام منذ بشائره في القرن الأول الهجري وحتى تجمده في القرن الخامس لم يُشَرْ بين ثناياه وقضاياه موضوعة الدولة، ولو على التعريض.

لم ينتقد محمد عمارة حسن البنا بشكل مباشر بل انتقد من ردّد كلامه أو تأثر به

التمويه بالخلافة
من الشائع أنّ جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست عام 1928، كانت بمثابة ردّ فعل على سقوط الخلافة، وأنّ مشروعها الرئيس هو إعادة الخلافة، ويجد من يتبنى هذا الرأي بعض الوجاهة في مقولة حسن البنا اليتيمة حول الخلافة: "إنّ الإخوان يعتقدون أنّ الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها والاهتمام بها، والأحاديث التي وردت في وجوب تنصيب الإمام وبيان أحكام الإمامة وتفصيل ما يتعلق بها لا تدع مجالاً للشكّ في أنّ واجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير في أمر خلافتهم، والإخوان المسلمون لهذا يجعلون من فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم" (مجموعة رسائل البنا، نقلاً عن رفعت سيد أحمد الحركات الإسلامية في مصر وإيران 1989).

أراد عمارة وضع حدود بين النظرة الشيعية ونظيرتها السنّية تجاه السلطة فنفى بشكل قاطع أنّ الدولة من أركان الإسلام

لم يكن بإمكان البنا إلا أن يبرز، على المستوى الدعائي، تمسّكه بالخلافة؛ كيلا يظهر بمظهر من تجاوز الشكل المتوارث للسلطة في الإسلام، إلا أنّ صلب مشروعه السياسي (في النظرية والممارسة) لم يكن يعطي كبير اهتمام بالخلافة، بل كانت نصوصه تتجاهلها بشكل لافت، وحين تتطرق إليها تقاربها كمسألة "مؤجلة"؛ إذ لا سبيل لإسقاط التكليف الشرعي بها وليست إعادتها في ظل التغييرات الضخمة التي شهدها العالم الإسلامي في المتناول ولا بالمستطاع.
تكملة نصّه السابق تشير إلى أنّ الخلافة "تحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لا بدّ منها، وأنّ الخطوة المباشرة لإعادتها لا بدّ من أن تسبقها خطوات: لا بدّ من تعاون عام ثقافي واجتماعي واقتصادي بين الشعوب الإسلامية كلها، يلي ذلك تكوين الأحلاف والمعاهدات وعقد المجامع والمؤتمرات بين هذه البلاد، ثم إذا تمّ ذلك نتج عنه الاجتماع على الإمام الذي هو واسطة العقد، وظلّ الله على الأرض".

اقرأ أيضاً: كيف يمكن فهم علاقة الإسلام السياسي بالحداثة؟
في طرحه هذا يستخدم البنا تعبيرات كـ "أمم الإسلام"، وليس "أمة الإسلام"، الذي يفضله أتباعه، و"الشعوب الإسلامية"، وليس "الشعب المسلم"، كنتيجة لوعيه بالتحولات التي مسّت المجتمعات الإسلامية بعمق وخلقت قوميات وشعوباً ودولاً، وهي تحولات لا يمكن القفز عليها بسهولة، وكلّ ما يرجوه أن تُقام معاهدات صداقة وتعاون بين تلك الشعوب بما يُقرب من أمر وحدتها، ولو قليلاً، وأن تقام في المستقبل البعيد أنظمة حكم إسلامية تتفق على إمام.

أطاح البنا بموضوعة الخلافة وبفقهها السياسي

نهاية الخلافة... بداية الدولة
هنا يشبه البنا مناضلاً يسارياً لا يستطيع أن يتخلى عن موضوع "مجتمع بلا طبقات" وإلا أصبح مرتداً عن اليسار، لكنه مضطر أن يعمل ضمن شروط المجتمع الرأسمالي، وفقط يحاول تحسين وضع العمال وظروف معيشتهم عبر فرض الحد الأدنى للأجور والضرائب التصاعدية، أما سؤال المساواة الشاملة فيأتي لاحقاً.
لم يعارض البنا الأسس الدينية للخلافة (كما فعل علي عبد الرازق، وما كان له ذلك وإلا أصبح علمانياً، بل تجاهل واقعياً تلك الأسس، ويتجلى ذلك في مخططه السياسي الطامح لتأسيس "حكومة إسلامية" (هيكل حكومة حديثة بمضمون إسلامي) مع أمل غامض بأن تصبح تلك الحكومة نواة للخلافة المرتجاة والمستحيلة.

اقرأ أيضاً: ما بعد الإسلام السياسي: الطموحات الأيديولوجية الكبيرة إذ تنكمش
أطاح البنا، كما هو ظاهر، موضوعة الخلافة (قضية القضايا عند أستاذه رشيد رضا) وبفقهها السياسي "الأحكام الشرعية" لصالح "الدولة الإسلامية" التي اختلق لها لاهوتاً سياسياً خاصاً؛ وأراد لدولته المزمع إقامتها أن تكون وريثة واقعية وممكنة للخلافة، وخطوة عملية في الطريق الطويل إليها.
والعلاقة بين الدولة الإسلامية، كما نظّر لها، والخلافة (كنظام حكم متوارث) هي علاقة رمزية بالأساس؛ أو تتعلق بالدلالات الرمزية للحكم في مجتمع مسلم، كما أنّ الدولة الجديدة ترث بعض وظائف الخلافة في تطبيق الشريعة وخلافه، إلا أنّ هناك تعارضاً عملياً وسياسياً لا سبيل إلى تجاوزه بينهما؛ بل وقطيعة حادّة على صعيد الجغرافيا السياسية، كما يرى عبد الإله بلقزيز في كتابه (الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر 2015)؛ إذ على عكس الخلافة التي تمتدّ ولايتها لتشمل كلّ البقاع المسلمة، وكلّ المسلمين دون تمييز، ترتبط الدولة الإسلامية بجغرافيا سياسية محددة المعالم وشعب متجانس وقومية راسخة وفعّالة، هي بالنسبة إلى البنا: مصر.

ذهب البنا مذهب الشيعة في اعتبار السلطة من أصول الدين

من السياسة إلى العقيدة
في نصّه السابق، الذي أكد فيه وجوب تنصيب الإمام، لم يأت البنا بجديد؛ فكّل مَن كتب في السياسة الشرعية من القدماء والمحدثين ذهب إلى ضرورة تعيين حاكم، إلا أنّ جديده هو أنّه يؤسس على هذا الاقتضاء الشرعي قولاً جديداً في المسألة السياسية يتمحور حول العلاقة الوثيقة بين الإسلام والسياسة؛ إذ استنتج البنا من مسألة "ضرورة تنصيب الحاكم" أنّ الإسلام ليس عقيدة دينية فحسب؛ بل هو نظام اجتماعي وسياسي لا يقبل الوجود إلا بدولة تعبّر عنه وتفرض أحكامه.

اقرأ أيضاً: كيف زيّفت جماعات الإسلام السياسي المعاني الدينية؟
وقد سبق للإمام محمد عبده أن نظّر لضرورة الدولة في الإسلام إلا أنّ ما لم يقله عبده ولا رشيد رضا ولا الأفغاني من قبلهما، ولا أيّ عالم مسلم (سنّي المذهب)؛ هو أنّ إقامة الدولة أصل من أصول الإسلام، بل انفرد بهذا حسن البنا وحده من بين كافة أهل السنّة في زمنه؛ إذ ذهب مذهب الشيعة في الموضوع واعتبر الحكم من أصول الدين؛ ليحدث أكبر وأعنف انعطافة في الفكر السياسي السنّي.
نقل البنا بمقولته هذه المسألة السياسية من ضروب التدبير الفقهي إلى ضروب العقيدة، وفتح الباب لمن جاء بعده من مفكري الإسلام السياسي إلى تأسيس نظرية في الدولة، لم تفعل سوى أنّها، على حدّ قول عبد الإله بلقزيز، جَسَرت الفجوة مع النظرية الشيعية في الإمامة، لتعيد إنتاجها [النظرية الشيعية] بمفردات سياسية جديدة، ستظهر التداعيات المخيفة لذلك في طرح سيد قطب ودولته الإلهية.

ساوى القرضاوي بين الدولة والصلاة

عقدة البنا المحكمة
ميزة نصوص البنا أنّها من شدة بساطتها تخفي تناقضاتها الكارثية، وهو ما سهّل انتشارها وتبنيها من قبل تيار سياسي واسع، ومن قبل بعض الكتّاب والسياسيين؛ كسيد قطب، وتقي الدين النبهاني، ومحمد إبراهيم مبروك، وغيرهم ممن سار على خطى البنا دون كثر حرج؛ إذ كان ذلك الحرج (النسبي) من نصيب تلاميذه الأكثر دربة واجتهاداً، والذين حاولوا حلّ عقدته اللاهوتية (والتي تبدو بلا حلّ فعلياً).
فأبرز تلاميذه، الشيخ يوسف القرضاوي، حاول في كتابه "السياسة الشرعية"، حلّ معضلة البنا بأن أقرّ بالفروق الجوهرية بين نظرة السنّة تجاه الدولة ونظرة الشيعة، وقال إنّ السلطة عند أهل السنّة من الفروع؛ لأنّها تتعلق بالعمل لا بالاعتقاد أساساً.

ترتبط الدولة الإسلامية بجغرافيا سياسية محددة المعالم وشعب متجانس وقومية راسخة وفعّالة هي بالنسبة إلى البنا: مصر

أراد القرضاوي أن ينفي شبهة ذهاب حسن البنا مذهب الشيعة في موضوعة الدولة، إلا أنّه أدرك بسهولة أنّ قول إنّ الدولة من الفروع، وليس من الأصول؛ هو ببساطة بمثابة نسف الأسس النظرية للدولة الإسلامية، فعاد ليقول: إنّ "الإسلام ليس عقائد فحسب؛ بل هو عقيدة وعمل، والإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل" كتمهيد لإيجاد مخرج فقهي لانعطافة البنا.
تمثّل هذا المخرج في مساواة القرضاوي بين الدولة والصلاة، في قياس فريد من نوعه؛ فالصلاة ليست من الأصول بل من الفروع؛ لأنّها عمل وليست عقيدة، لكنّها مع ذلك ركن من أركان الإسلام، على أنّ وجوبها والإيمان بركنيتها في الدين هو من الأصول لا من الفروع؛ ولهذا عُدَّ من أنكر فرضيتها أو استخف بها كافراً مارقاً من الدين، خارجاً على الملة، وكذلك يقال عن الإمامة والحكم بما أنزل الله؛ فهو من الفروع ولكن اعتقاد وجوبه ولزومه هو من الأصول يقيناً، وبهذا المعنى يدخل الحكم بما أنزل الله دائرة الإيمان ويعد من الأصول بلا نزاع.

اقرأ أيضاً: كيف يكون الإسلام السياسي مشروعاً مضاداً للاجتماع الإنساني؟
وما كان حسن البنا يطمح، ولو في خياله، لأن يجد مثل هذا التسويغ الشرعي لمقولته التي ظلت بلا سند أو أساس؛ فقد استعمل القرضاوي مهاراته كفقيه في تسويغ ما لا يقبل التسويغ بهدف نقل المسألة السياسية من مجال الفقه إلى أفق علم الكلام (ولما كان لفقيهٍ أن يفعل) ليرسخ القول بالطبيعة العقدية والأصولية لمسألة السلطة في الإسلام، ولتكتسب السلطة طابعاً قدسياً في موقف يتقاطع، رغم استنكاف القرضاوي، مع الموقف الشيعي منها.
على عكس القرضاوي، الذي وصل به هوس الدفاع عن مقولة أستاذه إلى درجة "تقديس الدولة"، بقياسها على الصلاة، كان محمد عمارة أكثر حساسية وحذراً تجاه المسألة؛ إذ أراد أن يضع حدوداً فاصلة بين النظرة الشيعية ونظيرتها السنّية تجاه السلطة؛ فنفى بشكل قاطع أنّ الدولة ركن من أركان الإسلام، إلا أنّه وصل إلى النتيجة نفسها التي سبقه إليها القرضاوي، وإن بطرائق أكثر معقولية؛ إذ استند إلى القاعدة الأصول/ فقهية التي تقول: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى طوعت جماعات الإسلام السياسي اللغة لصالح مشروعها؟
ففي حال غياب الدولة، كما يقول، لا سبيل إلى الوفاء بكل الفرائض القرآنية الاجتماعية وكل الواجبات الإسلامية السياسية والتشريعية التي استقر عليها الفقه الإسلامي؛ وبالتالي تصبح الدولة "ضرورة" إسلامية.
ورغم أنّ ما أعطاه عمارة باليمين أخذه بالشمال، إلا أنّ طرحه يتميز عن طرح القرضاوي بأنّه طرح منزوع التكفير؛ إذ يمكن الجدل في ضرورة الدولة، طالما أنّ هذه الضرورة عقلية، أما طرح القرضاوي فمسكون بطاقة تكفيرية متحفزة للتفجير في وجه كلّ التيارات غير الإسلامية، والتي ترى في الدولة كياناً سياسياً يستمد شرعيته من الحاجة الاجتماعية إليها؛ لذا قرّر عمارة أنّ المنوط بإقامة الدولة هي الجماعة المسلمة ككلّ، وليس الفرد؛ نظراً لخطورة تعيين إقامة الدولة كفرض عين على المسلم؛ إذ يصبح كلّ متقاعس عن الانضمام للعصبة المؤمنة (كما خطّط لها سيد قطب) كافراً بلا نقاش.

حاول القرضاوي تأسيس نظرية سياسية في الدولة توحي بالتجديد

شبح المدنيّة المراوغ
من جملة نتائج القول: إنّ الدولة أصل من أصول الدين تلبس الدولة في الفكر الإسلامي الحديث بشبهة الثيوقراطية، رغم حرص مفكري الإسلام السياسي البالغ على التمييز بين الدولتين: الإسلامية والدينية.
فحسن البنا يختصر الفرق بين الدولتين في حضور/غياب رجال الدين؛ إذ إنّ الدولة الإسلامية لا يمكن أن تكون دينية؛ لأنّه لا رهبنة في الإسلام، وهو ما يقول به القرضاوي الذي ينفي أيضاً وجود رجال الدين في الإسلام.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي
إلا أنّ القرضاوي لم يكتفِ بذلك؛ إذ حاول التصدي لمهمة تأسيس نظرية سياسية في الدولة توحي بالتجديد عبر تعلقها بالمفاهيم الحديثة كالمدنيّة والدستور، فيقول في "السياسة الشرعية": "الدولة الإسلامية كما جاء بها الإسلام، وكما عرّفها تاريخ المسلمين: دولة مدنيّة تقوم السلطة فيها على البيعة والاختيار والشورى، والحاكم فيها وكيل عند الأمة أو أجير لها، ومن حق الأمة، ممثلةً في أهل الحلّ والعقد، أن تحاسبه وتراقبه وتأمره وتنهاه وتقوّمه إن اعوج وإلا عزلته".
يوهم القرضاوي متلقيه بأنّه غادر المنطقة المفاهيمية التي يعسكر فيها منظرو الإسلام السياسي، وأنه بطرحه هذا يشارف الفكر الدستوري الحديث، وكان من ثمار إيهامه هذا أن حصل الإخوان، عقب ثورة 25 يناير في مصر، بترويجهم لطرحه حول مدنية الدولة، على ثقة قطاعات شعبية واسعة ما كانت لتثق في خطابهم لو كان عارياً بلا زينة.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي في تشكلاته وتحولاته.. هل هو سياق تاريخي أم أزمة؟
تمكّن خطاب المدنيّة ذات المرجعية الإسلامية، الذي دشّنه القرضاوي، من طمأنة التيار الليبرالي العريض تجاه موقف الإخوان من الدولة (على عكس السلفيين الذي هاجموا مفهوم الدولة المدنية) وهو ما أنتج اتفاق "فيرمونت" الذي عقدته القوى السياسية مع الإخوان والقاضي بدعم القوى العلمانية لمرشح الإخوان (محمد مرسي) في انتخابات الرئاسة في حزيران (يونيو) 2012، بشرط تمسُّك الإخوان بـ "مدنية الدولة"! بل واستدرج هذا الخطاب خصوم الإخوان نحو فرضيات الدولة الإسلامية ومنطقها، حتى صار أشد أعداء الإخوان يتبنى خطابهم.
ما كان يخفيه القرضاوي خلف مدنيّته الجذابة، هو أنه يحصر معنى المدنية في غياب "رجال الدين" (بالمعنى المسيحيّ للكلمة فحسب) أما حضور علماء الدين (وهم في عرف القرضاوي غير رجال الدين) في العملية السياسية والتشريعية؛ فهو لا يقدح في مدنية الدولة؛ بل إنّ القرضاوي جعله جزءاً عضوياً من "أهل الحلّ والعقد".

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي كأزمة في تاريخ الأفكار
أما الدستور الذي يلحّ عليه القرضاوي فليس سوى "حكم الشريعة" فـ "الدولة الإسلامية دولة دستورية، ودستورها يتمثل في المبادئ والأحكام الشرعية، والدولة ليست مخيرة في الالتزام بهذا الدستور أو القانون، فهذا مقتضى إسلامها ودليل إيمانها، والتزامها بقانون الشريعة هو الذي يعطيها الشرعية، فإذا حادت عن هذا المنهج؛ فهذا يسلبها حقّ الشرعية، ويُسقط عن الناس واجب الالتزام بطاعتها"، ولعلّ مليونية "الشرعية والشريعة" الشهيرة في ميدان التحرير التي سماها العلمانيون "جمعة قندهار"، تطبيق لفهم القرضاوي لمعنى الشرعية السياسية التي لا تنبع عنده من أيّ اتفاق سياسي ولا عقد اجتماعي بل هي دينية حصراً.
تأرجح حسن البنا بين مربعي الدولة الدينية العقائدية والدولة المدنيّة الحديثة، أما القرضاوي فقد تعمّد خداعنا، ومرّت خدعته دون أن ننتبه في الوقت المناسب.

للمشاركة:



دمشق تفتح ممراً إنسانياً.. تطورات معارك إدلب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

أعلنت وزارة الخارجية السورية، اليوم، عن فتح "معبر إنساني" لإتاحة المجال أمام المدنيين الراغبين في الخروج من مناطق سيطرة المسلحين، في محافظة إدلب، في وقت أحكم جيش النظام السوري قبضته على مدينة خان شيخون الإستراتيجية.

وقال مصدر رسمي في الخارجية السورية لوكالة "سانا": إنّ المعبر سيكون في منطقة "صوران" في ريف حماه الشمالي؛ "لتمكين المواطنين الراغبين في الخروج من مناطق سيطرة الإرهابيين في ريفي حماه الشمالي وريف إدلب الجنوبي".

الخارجية السورية تعلن فتح "معبر إنساني" لخروج المدنيين من مناطق سيطرة المسلحين في محافظة إدلب

وأضاف المصدر؛ "هذه الخطوة تأتي في إطار الاهتمام بأوضاع المواطنين والتخفيف من معاناتهم جراء ممارسات المجموعات الإرهابية".

وكانت القوات السورية، ضمن معركة إدلب المندلعة منذ أواخر نيسان (أبريل) الماضي، ضد الفصائل المسلحة، قد أعلنت سيطرتها بالكامل، أمس، على مدينة خان شيخون الإستراتيجية في إدلب.

واستعادت هذه القوات أيضاً مناطق في محيط المدينة، مما يعني إغلاق كافة المنافذ أمام إحدى نقاط المراقبة التابعة للقوات التركية.

وكانت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) انسحبت من المدينة قبل يومين، وقالت إنّ الأمر "إعادة انتشار" بسبب "القصف العنيف" الذي يشنّه الجيش السوري وحليفته روسيا.

وتسيطر هيئة تحرير الشام على غالبية محافظة إدلب والمناطق المحاذية لها؛ حيث تنتشر أيضاً فصائل معارضة أقل نفوذاً.

وأعلنت أنقرة، الإثنين، تعرّض رتل عسكري تابع لها لضربة جوية، بعد وصوله إلى ريف إدلب الجنوبي، وحذرت دمشق لاحقا من "اللعب بالنار"، مستبعدة نقل نقطة المراقبة في مورك.

القوات السورية تسيطر بالكامل على خان شيخون الإستراتيجية في إدلب وهيئة تحرير الشام تعيد الانتشار

وما يزال الرتل التركي، الذي يضم حوالي 50 آلية عسكرية، متوقفاً قرب الطريق الدولي شمال خان شيخون.

وإدلب مشمولة باتفاق روسي تركي، تمّ توقيعه في سوتشي، في أيلول (سبتمبر) الماضي، نصّ على إنشاء منطقة منزوعة السلاح تفصل بين قوات الحكومة والفصائل على أن ينسحب مقاتلو الفصائل منها.

وأرسى الاتفاق بعد توقيعه هدوءاً نسبياً، قبل أن يصعد الجيش السوري قصفه، في نهاية نيسان (أبريل) الماضي، وانضمّت إليه الطائرات الروسية لاحقاً، وفي الثامن من الشهر الجاري، بدأ يتقدم ميدانياً في ريف إدلب الجنوبي.

 

للمشاركة:

تركيا: احتجاجات على بيع مصنع الدبابات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

تظاهر عدد كبير من الأتراك، أول من أمس، في مدينة سكاريا، غرب تركيا، بدعوى من قيادات حزب الشعب الجمهوري المعارض وبرلمانيين عن الحزب، احتجاجاً على خصخصة مصنع صفائح الدبابات التابعة لوزارة الدفاع.

وصرّح رئيس كتلة النواب التابعين لحزب الشعب الجمهوري المعارض بالبرلمان ونائب الحزب عن سكاريا، أنغين أوزكوتش، في تصريحات صحفية على هامش الاعتصام: إنّ "القضية ليست قضية خصخصة مصنع، وإنما قضية وطن بأكمله"، وفق ما نقلت صحيفة "زمان".

عدد كبير من الأتراك يحتجون على خصخصة مصنع صفائح الدبابات التابعة لوزارة الدفاع لصالح قطر

وتابع قائلاً: "مصنع صفائح الدبابات كان قد أسند لشركة تشغيل المصانع العسكرية والترسانات التركية (أسفات) بالقرار الجمهوري رقم 1105، لكن في حقيقة الأمر كان هذا الإسناد بمثابة حيلة تم اللجوء إليها لنقل المصنع العسكري إلى قطر".

وأضاف المعارض التركي: "نظراً لأنّه لم يتبقَّ في تركيا شيء للبيع، لجأ النظام إلى بيع المصانع العسكرية، وهذا المصنع ملك للدولة والشعب وليس للبيع بأي حال من الأحوال".

وكانت شبكة "نورديك مونيتور" السويدية، المختصة في الشؤون العسكرية والأمنية، قد كشفت في تقرير حديث مدعوم بالوثائق، في كانون الثاني (يناير) الماضي، عن وجود اتفاقية مالية بين الحكومة التركية وقطر، يقضي بتسليم مصنع دبابات تركي إلى قطر مقابل 20 مليار دولار أمريكي.

كما أوضح التقرير؛ أنّ شركة "بي إم سي" التي ستدير مصنع الدبابات التركي، يديرها رجل الأعمال، أدهم صانجاك، وهو عضو في الهيئة التنفيذية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، فضلاً عن أنه أحد أقارب أمينة، زوجة أردوغان.

شركة "بي إم سي" التي ستدير مصنع الدبابات التركي يديرها قيادي في حزب العدالة والتنمية أدهم صانجاك

ويمنح هذا الاتفاق حقوق تشغيل مصنع الدبابات الوطني التركي لمدة 25 عاماً، للشركة الجديدة، دون أيّة عطاءات تنافسية أو عملية شفافة، وتملك القوات المسلحة القطرية 49.9% من أسهم الشركة المشغلة.

وفي الشهر نفسه الذي صدر فيه التقرير، تظاهر المئات من العاملين في المؤسسات الحربية، اعتراضاً على وجود مستثمرين قطريين ضمن إدارة مصنع "صفائح الدبابات" الموجود في مدينة سقاريا لمدة 25 عاماً.

وكانت الجريدة الرسمية التركية قد نشرت، بعددها الصادر بتاريخ 20 كانون الأول (ديسمبر) 2018، قراراً لرئيس الجمهورية، أردوغان، ينصّ على ضمّ مديرية مصانع الصيانة الرئيسة الأولى، التابعة للمديرية العامة للمصانع العسكرية، التابعة لوزارة الدفاع، إلى برنامج الخصخصة.

للمشاركة:

ميليشيات الحوثي تواصل إرهابها داخلياً وخارجياً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

اعترض تحالف دعم الشرعية في اليمن، اليوم، طائرتين بدون طيار أطلقتهما ميليشيا الحوثي الإرهابية من محافظة عمران باتجاه السعودية.

تحالف دعم الشرعية في اليمن يعترض طائرتين بدون طيار أطلقتهما ميليشيا الحوثي الإرهابية باتجاه السعودية

وصرّح المتحدث الرسمي باسم التحالف، العقيد الركن تركي المالكي؛ بأنّ قوات التحالف تمكّنت، صباح اليوم الخميس، من اعتراض وإسقاط طائرتين بدون طيار (مسيّرتين)، أطلقتهما الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران، من محافظة عمران باتجاه خميس مشيط، بحسب ما جاء في وكالة الأنباء السعودية "واس".

وأوضح العقيد المالكي؛ أنّ "جميع محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران بإطلاق الطائرات بدون طيار مصيرها الفشل".

وشدّد على أنّ التحالف يتخذ "كافة الإجراءات العملياتية وأفضل ممارسات قواعد الاشتباك للتعامل مع هذه الطائرات لحماية المدنيين".

وبيّن أنّ "المحاولات الإرهابية المتكررة تعبّر عن حالة اليأس لدى هذه الميليشيا الإرهابية، وتؤكّد إجرام وكلاء إيران بالمنطقة، ومن يقف وراءَها، كما أنّها تؤكد حجم الخسائر بعناصرها الإرهابية الذين تزجّ بهم كلّ يوم في معركة خاسرة، مما سبب لها حالة من السخط الاجتماعي والشعبي".

وأكّد استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف بتنفيذ الإجراءات الرادعة ضدّ هذه الميليشيا الإرهابية، لتحييد وتدمير هذه القدرات، وبكلّ صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية.

 وفي سياق متصل بجرائم الحوثيين؛ نفّذت الميليشيات الإرهابية المدعومة من إيران، أمس، حملة مسلحة على قرية "خربة الصباري" في منطقة العود بمديرية النادرة (محافظة إب، وسط اليمن).

ميليشيات الحوثي تشنّ حملة في منطقة العود وتنهب تحت تهديد السلاح ممتلكات خاصة بالمواطنين

وأفادت مصادر محلية؛ بأنّ ميليشيات الحوثي أطبقت حصاراً على القرية، وتقوم تحت تهديد السلاح بنهب ممتلكات خاصة بالمواطنين، خصوصاً في المناطق المجاورة لمنطقة العود، في محافظتي إب والضالع.

يذكر أنّ العود تُعدّ من مناطق التماس، وهي على مقربة من المواجهات الدائرة بين القوات الحكومية الشرعية وميليشيا الحوثي في محافظتي إب والضالع.

وذكرت المصادر؛ أنّ الحملة المسلحة يقف وراءها مشرف الحوثيين في "عزلة حدة" في مديرية النادرة، عبد الله محمد حمود ضوس.

وطبقاً للشهادات والإفادات المحلية؛ يعمد ضوس في الآونة الأخيرة إلى انتهاك حرمات سكان المنطقة وابتزازهم مادياً.

وحمّل أهالي وسكان في القرية ضوس وميليشياته مسؤولية ما حدث، ويحدث، وما تتعرض له المنطقة والسكان من "جرائم وانتهاكات وحشية لا إنسانية".

 

للمشاركة:



ابن سينا.. ظاهرة فكرية في رجل

2019-08-22

في الثاني والعشرين من آب (أغسطس) يحتفي العالم بذكرى ميلاد الفيلسوف والطبيب والعالم الإسلامي الموسوعي ابن سينا، الذي يعد واحداً من أبرز أعلام الحضارة العربية الإسلامية، ومن أكثرها إثارة للجدل خاصة في ميدان الفلسفة الإسلامية التي كان له فيها إسهامات لا يمكن تجاوزها، وإن جرّت عليه اتهامات التكفير التي ما تزال تلاحقه حتى اليوم.
نبوغ مبكر
وُلد  أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي الشهير بابن سينا عام 980م في قرية أفنشة قرب مدينة بخارى التي تقع حالياً في أوزباكستان، والده أحد دعاة الطائفة الإسماعيلية من أصول فارسيّة من مدينة بلخ بأفغانستان.
ظهرت علامات النبوغ عليه منذ صغره؛ إذ حفظ القرآن الكريم كاملاً وهو لم يجاوز العاشرة من عمره، وتمكّن  من التفوُّق على أقرانه وحتى مُعلّميه وهو لم يجاوز الرابعة عشرة، فخلال سنوات قليلة تمكّن من استيعاب الفقه الإسلامي والفلسفة والعلوم الطبيعية والمنطق، وعلوم إقليدس، وكتاب المجسطي لبطليموس.

اقرأ أيضاً: ابن سينا.. أفكار كبيرة رغم التكفير والإقصاء!
لم يطل مقامه في مسقط رأسه طويلاً، فما لبث أن ارتحل إلى مدينة بخارى؛ حيث تلقى العلم في مدرستها، فدرس أشهر العلوم في زمانه، أما علاقته بالفلسفة فبدأت على يد العالم البخاري أبو عبد الله الناتلي الذي تفرّغ لتدريسه كتاب (المدخل إلى علم المنطق)، المعروف باسم إيساغوجي الذي وضعه فرفوريوس الصوري ليكون مدخلاً للمقولات أو المنطق، وكان التحق ببلاط السلطان نوح بن منصور أحد أمراء سلالة بني سامان ،التي كانت تحكم ما وراء النهر، وأسند إليه متابعة أعماله المالية، وبعدها بدأ برحلته العلمية.

وصفه ابن القيم في كتابه الصواعق المرسلة بأنّه "الملحد  بل رأس ملاحدة الملّة"
ركّز في مراهقته جلّ جهوده على تعلُّم الطب، حتى أتقنه، فبعدما أنهى جميع العلوم التي درسها على يد شيخه الناتلي طلب من أبيه أنْ يُرسله لِدراسةِ الطب عند بعض الأطباءِ المعروفين مثل؛ الحسين بن نوح القمريْ وأبي سهل المسيب طبيبي السلطان نوح بن منصور، فأرسله إليهما وأمضى 3 أعوام بصحبتهما، ليضع كُلَّ معرفته لمعالجة الفقراء دونَ أن يأخذ أجراً منهم، وعندما أصبح في السادسة عشرة توصل إلى كثير من العلاجات الجديدة لأمراض كانت مستعصية قبله؛ إذ تمكن هذا الطبيب الشاب من علاج سُلطان بخارى، من مرض فقد فيه الأمل جميع الأطباء المشهورين آنذاك، ولم يطلب ابن سينا مكافأة إلا موافقة السلطان على السماح له باستخدام مكتبته، فكان له ذلك.
مع الفلسفة والطب
عُرف ابن سينا بولعه بأعمال أرسطو خاصة في مجال الميتافيزيقيا، التي عانى في البداية من فهمها حتى اطلع على شرح الفارابي لكتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو، الذي تأثر به بنظرية الفيض وصدور الموجودات عن الخالق؛ حيث قسّم الموجودات إلى ممكن وواجب؛ فالإله واجب بذاته أما الموجودات ممكنة بذاتها وواجبة بالإله، ومن مبادئه قوله إنّه لا يصدر عن الواحد إلا الواحد وهو القائل في كتابه النجاة "إن الواحد من حيث هو واحد، إنما يوجد عنه واحد" وقال أيضاً في كتاب الإشارات "الأول ليس فيه حيثيات الواحد لواحدانيته، فيلزم كما علمت أن لا يكون مبدأ إلا لواحد بسيط".‏‏‏ والمبدأ الثالث الذي أخذ به ابن سينا هو مبدأ الإبداع أو التعقل، وقال إن تعقل الإله هو "علة للوجود على ما يعقله"..‏‏‏

يعد ابن سينا واحداً من أبرز أعلام الحضارة العربية الإسلامية ومن أكثرها إثارة للجدل خاصة في الفلسفة

غادر ابن سينا بخارى عندما بلغ 22 عاماً إثر وفاة والده، وانتقل إلى مدينة جرجان بالقرب من بحر قزوين، وأخذ يلقي مُحاضرات في المنطق وعلم الفلك، وهناك التقى أبا ريحان البيروني الذي ربطته به علاقة علمية مميزة، وكان بينهما مساجلات علمية لطيفة يمكن الاطلاع عليها في كتاب "رسائل ابن سينا".
وبعد ذلك سافر إلى مدينة الري ثم إلى همدان، التي ألفّ فيها كتابه الأشهر القانون في الطب، وهناك اشتهر صيته أيضاً بعدما قام بعلاج شمس الدولة، ملك همدان، من المغص الشديد الذي أصابه.
تُرجم كتابه القانون في الطب إلى اللاتينية في منتصف القرن الثاني عشر تحت اسم Canon medicinae ثم إلى العبرية العام 1279، وظل هذا الكتاب المرجع الرئيسي في العلوم الطبية في أوروبا حتى أواخر القرن السابع عشر؛ حيث كان مقرّراً تدريسياً في كثير من جامعاتها، ويكفي لمعرفة، أهمية هذا المرجع العلمي الذي يحتوي أكثر من مليون كلمة، أنّ يوهان جوتنبرج مخترع الطباعة طبع ثلاث أجزاء منه العام 1472 بواسطة مطبعته التي اخترعها قبل سنوات قليلة من هذا التاريخ، ليعود ويطبع الترجمة اللاتينية كاملة في العام 1473.
ظل كتابه "القانون" المرجع الرئيسي في العلوم الطبية في أوروبا حتى أواخر القرن السابع عشر

إسهامات جديدة
بعد همدان، انتقل إلى مدينة أصفهان؛ حيث أتم العديد من كتاباته في شتى المجالات، فكانت له مساهماته في الرياضيات والموسيقى والجيولوجيا وحتى علم الأصوات والفلك إذ قدَّم العديد من الملاحظات الفلكية؛ حيث ابتكر وسيلة لتحسين دقة القراءات الفلكية، وفي الفيزياء درس الأشكال المختلفة للطاقة والحرارة والضوء والميكانيكا، ومفاهيم القوة، والفراغ، واللانهاية. ويعد كتابه "الشفاء" موسوعة كبرى في العلوم الطبيعية وما بعد الطبيعة،  ولا يقل أهمية عن نظيره القانون، وتطرّق فيه إلى نظريات الفلسفة وعلوم المنطق والطبيعة ونقد فيه كثيراً من مقالات للفلسفة اليونانية.

اقرأ أيضاً: 10 محطات في حياة ابن سينا الذي كفّره الغزالي
كان ابن سينا يرى أنّه حسبنا ما كُتِب من شروح لمذاهب القدماء، وأنه آن لنا أن نضع فلسفة خاصة بنا؛ لكن هذا لا يعني أنّه ابتكر مذهبا فلسفياً جديداً بقدر ما أضفى على الفلسفة القديمة حلة جديدة، لا سيما في مؤلفاته "الاشارات والتنبيهات" و"الحكمة المشرقية"، وكان يقول "إن العلوم كثيرة و الشهوات لها مختلفة، ولكنها تنقسم – أول ما تنقسم – إلى قسمين: علوم لا يصلح أن تجري أحكامها الدهر كله، بل في طائفة من الزمان ثم تسقط بعدها، وعلوم متساوية النسب الى جميع أجزاء الدهر، وهذه العلوم أولى العلوم بأن تسمى حكمة".
تابع سفره في آخر حياته برفقة أبي جعفر الخازن كطبيب ومستشار أدبي وعلمي، إلى أن توفي في شهر حزيران (يونيو) من عام 1037 ميلادياً ودُفن في همدان بإيران، وقيل إن أحد مساعديه هو من سمّمه.

رحل ابن سينا بعد أن ترك نحو 450 كتاباً وصلنا منها نحو 240 فقط
وكحال كثيرين ممن اشتغلوا بالفلسفة اتهمه كثيرون بأنّه من القرامطة الباطنية، فوصفه ابن القيم في كتابه "الصواعق المرسلة" بأنّه: "الملحد، بل رأس ملاحدة الملة"، وممن كفّره أبو حامد الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال"، ونسب إليه مقولاته الثلاث بقدم العالم، ونفي المعاد الجسماني، وأنّ الله لا يعلم الجزئيات بعلم جزئي، بل بعلم كلّي، وكان رد عليه في " تهافت الفلاسفة " في عشرين مسألة، وكفّره في هذه المسائل.

ركّز في مراهقته جلّ جهوده على تعلُّم الطب حتى أتقنه قبل أن ينتقل إلى مختلف العلوم

أما ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فذكر أنّه في آخر أيامه أعلن توبته من هذه الأقوال، حيث قال: "وقد ضعف جداً وأشرفت قوته على السقوط، فأهمل المداواة وقال: المدبر الذي في بدني قد عجز عن تدبيره فلا تنفعني المعالجة، ثم اغتسل وتاب وتصدّق بما معه على الفقراء، وردّ المظالم على من عرفه، وأعتق مماليكه، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة، ثم مات".
كان يقول "الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر أول خطوات الشفاء"، فلم يكن يقتصر العلاج عنده على عقاقير صماء، بل كان يؤمن أن بداية الشفاء أمر نفسي بالدرجة الأولى، وفي هذا السياق تروى عنه قصص عجيبة عن استخدامه قوة العقل الباطن، كما فعل في علاج شاب مريض بالعِشق وآخر كان يتوهم أنه بقرة!
رحل ابن سينا بعد أن ترك نحو 450 كتاباً، وصلنا منها نحو 240 فقط، ولُقب بالمعلم الثالث بعد أرسطو والفارابي، كما عُرف بأمير الأطباء وأرسطو الإسلام، فلم يكن مستغرباً أن يثير حسد بعض معاصريه وغيرتهم منه، وهو القائل "بُلينا بقوم يظنون أن الله لم يهد سواهم".
يقول عنه المستشرق الألماني ت. ج. دي بور: "كان تأثير ابن سينا في الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى عظيم الشأن، واعتبر في المقام كأرسطو"، أما مؤرخ العلم الشهير جورج ساتون فيصفه بأنّه "ظاهرة فكرية عظيمة ربما لا نجد من يساويه في ذكائه أو نشاطه الإنتاجي.. إن فكر ابن سينا يمثل المثل الأعلى للفلسفة في القرون الوسطى"، فليس مستغرباً أن تزيّن صورة ابن سينا كبرى قاعات كلية الطب بجامعة "باريس" حتى الآن.

للمشاركة:

خَصم الصحوة الأول!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

تركي الدخيل

لم يتركِ الأديب السعودي، والوزير، والشاعر، والكاتب، والمثقف، الدكتور غازي القصيبي، الحروب التي واجهتها بلاده، من دون أن يسل سيفه في كل الاتجاهات، مشاركاً في كل الجبهات، دون أن يكون قسم من هذه الحروب، الهدف فيه القصيبي، لذاته، بل كان الهدف رأس الحكومة، القدح في اختيارات الحاكم، قدح فيه، وكثيراً ما يلجأ الخصوم لهذه الطريقة، فهي تجنبهم المواجهة المباشرة، مع الرجل القوي، ولا تحرمهم متعة نقده، بشكل غير مباشر.
في أول فبراير (شباط) 1979. عاد الخميني (ت: 1989)، على متن طائرة فرنسية، من باريس إلى إيران، ثائراً، مرشداً للثورة، التي انقلبت على الشاه، حينها علم القصيبي، بوعيه وقراءته للأحداث وحدسه، أن ما بعد الخميني، لن يكون كما قبله، فالحدث آذن بفتح أبواب التطرف الإسلامي الشيعي، ثم تبعه التطرف السني.
بعد الثورة الإيرانية، اقتحم جهيمان العتيبي (ت: يناير «كانون الثاني» 1980) وأتباعه، الحرم المكي الشريف، بمكة المكرمة، في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، في عمل إرهابي، هزَّ العالم.
كان القصيبي، شاهداً على تفاصيل الحرب العراقية الإيرانية، في الثمانينات، وله شهادات متلفزة حول الوقائع، وكتاب أيضاً وكان يعلم أن الحالة الخمينية، ستجر ويلاتها إلى بقية المجتمعات الإسلامية.
ومع غزو الرئيس العراقي، صدام حسين للكويت، (أغسطس 1990)، صعد صوت متطرف، ظاهره معاداة دخول القوات الأجنبية، وباطنه العداء للأنظمة السياسية الخليجية، التي تحاول التصدي لطغيان صدام، وجنون عظمته.
ظاهرة رفض الاستعانة بالقوات الأجنبية، والأميركية تحديداً حينها، كانت طور التشكل بالمعنى الآيديولوجي، ووصفها الدكتور رضوان السيد، بـ«الإحيائية»، نسبة لنظيراتها من الفورات المسيحية.
وكان القصيبي، من أوائل من وصف، تلك الظاهرة بـ«الصحوة»، وهذا وارد جداً، فله تسجيل تلفزيوني يعود للثمانينات، يستخدم المصطلح، وإن لم يكن في سياق النقد، بطبيعة الحال.
المدرسة الدينية التقليدية، الممثلة بهيئة كبار العلماء في السعودية، وقيادتي الشيخ عبد العزيز بن باز، (ت: 1999)، وكان المفتي العام للسعودية، ويقيم بالرياض، والشيخ محمد بن عثيمين، (ت: 2011)، وكان يقيم في عنيزة بالقصيم، رحمهما الله، شكَلت موقفاً شرعياً يجيز دفع المعتدي، عبر الاستعانة بالقوات الأجنبية.
في مقابل، مجموعة من الدعاة الشباب، الذين كانوا يقودون المنابر في تلك الفترة، وبدا لهم امتلاك وعي سياسي، يجعلهم يتفوقون على كبار العلماء، ويوجب عليهم التصدي لهذا الأمر. كان بعضهم يعرض تارة ويصرح تارة، بأن مما يعيب كبار العلماء، تبعيتهم للسياسي، ولا يتورع بعضهم في القول بأنهم لا يرفضون له طلباً.
يمكن اعتبار هذه الحادثة هي أول تباين ومفاصلة للتيارات الإسلامية، مع الدولة، أمام عامة الناس، بشكل جلي وواضح.
تيار الدعاة الشباب، كان أبرزه: سلمان العودة، المقيم في القصيم، وسفر الحوالي، المقيم بين مكة وجدة، وناصر العمر، المقيم في الرياض، وعايض القرني، المقيم في جنوب السعودية؛ ويرون أن الاستعانة بالقوات الأجنبية، محرم، وأنه باب الشرور، والممهد لغزو بلاد التوحيد، وإقامة القوات الأجنبية، مسنوداً برأي جماعة الإخوان المسلمين، التي صدمت القيادة السعودية، بموقفها، إذ لم تعارض غزو صدام حسين، بل أيدته، بعد أن فتحت المملكة أبوابها للجماعة منذ عقود، ومنحتهم البيوت، والجنسيات، والوظائف، واستوعبتهم، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، بعد خلافهم المصيري، مع الرئيس المصري الأسبق، جمال عبد الناصر.
في الوقت ذاته، أصدر فريق المشايخ الكبار، بياناً من هيئة كبار العلماء، يجيز لولي الأمر الاستعانة بغير المسلم، لدفع ضرر الغزو.
المشايخ الشباب، يملكون سطوة المنبر، والتنقل محاضرين، في مساجد كبرى في السعودية كلها، في جوامع تستوعب آلاف الحضور، ثم تنسخ الأشرطة، فيما سمي بمعركة الكاسيت، مئات آلاف النسخ، توزع في السعودية، والخليج، والعالم العربي كله، في تأثير ربما يفوق تأثير الإعلام التقليدي.
هذه الأشرطة تحمل سحر الحديث الديني من جهة، ومعارضة الدولة من جهة ثانية، بالإضافة إلى كونها تستبطن موقفاً سلبياً من قطب العالم الأوحد، الولايات المتحدة، والمهزوم حضارياً، عادة ما يكون ميالاً لتبني المواقف ضد الأقوياء، ولو لم يشكلوا له ضرراً حقيقياً!
خطاب الدعاة الشباب، لم يكن يقتصر في رفضه لموقف الحكومة السعودية من الاستعانة بالقوات الأجنبية، بل كان استمراراً لمواقف رافضة، لما اعتبره هذا التيار، تياراً للمنكرات، تشمل في تصنيفهم آنذاك: الاختلاط، مشاركة المرأة في الحياة العامة، وأي مظهر من مظاهر عدم ارتداء المرأة عباءة سوداء، تغطي وجهها وجسدها من الرأس للقدم، وهو ما يطلق عليه تبرجاً، وأي مظاهر للموسيقى والفنون... وغيرها الكثير الكثير.
أحس غازي القصيبي، بأن الحالة ليست طبيعية، وأن نوع الخطاب المستخدم في حرب الكاسيت، يحمل في طياته نقضاً للدولة، أكثر من كونه مجرد تحفظ على ارتكاب معاصٍ دينية، بالمعنى الفقهي، أو تجاوزات شرعية عامة.
انبرى القصيبي، بقلمه يدافع عن مصالح بلاده، بوجه فتوى أيَّدها كبار علماء البلاد، فقام التيار الآخر بالتشغيب عليه وكيل التهم له ولكل تيار لا يتوافق معهم.
ألف حينها غازي، كتابه الشهير: «حتى لا تكون فتنة»، وتضمن خمسة فصول، جعلها رسائل موجهة لرموز التيار الذي أشرنا إليه.
ردَّ القصيبي في الكتاب، على التهم الموجهة له بالعلمنة، والتكفير، وإغلاق باب الاجتهاد، ومسؤولية علماء المسلمين في ترسيخ التعددية، فالاجتهاد هو التجديد.
لم يدّعِ القصيبي يوماً أنه من الفقهاء، وإنما لظرف قلة المحاججين، لذلك التيار ذي الصوت العالي، وجد القصيبي أن البحث الفقهي بات ضرورة لمواجهة خطاب الجمود، واهتم بذلك في عدد من كتبه، ومقالاته، وسجالاته، فصنف: «ثورة في السنة النبوية»، و«الإلمام بغزل الفقهاء الأعلام».
في حوارٍ له مع الأستاذ محمد رضا نصر الله، بعيد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وقبيل غزو إسقاط صدام 2003. كان القصيبي يعتصر ألماً من مستوى انفلات الخطاب المعادي والمتطرف، وركز في الحوار على ضرورة محاربة التطرف من المنابع، مما دفعه، ضمن فهمه العميق للموضوع، ليترجم كتاب: «المؤمن الصادق»، لإريك هوفر، وهو يبحث في الدوافع السيكولوجية للإنسان المتطرف. يقول غازي في حوار نصر الله: «إن ثمة فهماً مغلوطاً نحو الغرب، إذ ننسب أي جريمة تحدث لهم، من دون الفصل بين الآيديولوجيات العنصرية التي لديهم وبين الغرب، بمعناه الحضاري العام المفيد، الذي يجب أن نفهمه ونحاوره ونعاصر منجزه».
رحم الله غازي القصيبي، إذ كان سبَّاقاً في نقد ظاهرة، كانت جماهيريتها، واستخدامها سلاح التكفير، والتفسيق، والتبديع، ضد مخالفيها، يجعل الخصومة معها باهظة الثمن، اجتماعياً، وعملياً، وإدارياً.
عندما يستعديك ذلك التيار، ستجد فجأة جموعاً من الناس، جمهوراً لا يفكر فيما يُقال له، يناصبك العداوة والخصومة، ويتقرب إلى الله بالدعاء عليك، وكيل الضرر لك.
أي عدل في الخصومة هذا؟!
أخذت، هذه التيارات، على عاتقها وعد الانتقام من القصيبي، فصارعته طوال حياته، ولما أصر القصيبي، وكان وزير العمل حينها، على تأنيث بائعات محلات الملابس النسائية الخاصة، غضب الخصوم، دون مبرر منطقي، من قرار يحافظ على خصوصية المرأة، حتى اجتمع معه مجموعة ممن يسمون المحتسبين، ودعا عليه أحدهم الله، أن يصيبه بالأمراض الخبيثة، علناً أمام العشرات، في تسجيل منتشر!
لم تهدأ المعركة ضد غازي، مذ شبابه حتى شاخ، لكنه، رحمه الله، استطاع أن يسير بثباتٍ على رأيه، لم يجامل أبداً، حين يتعلق الأمر بمصير المجتمع، ومصلحة البلد.
بدأ القصيبي حياته، بكتيب صغير بعنوان: «معركة بلا راية»، ومضى كل حياته بمعركة، راياتها: حب الوطن، ونشر التنوير، ومحاربة التخلف.
كان الشاعر غازي، يصف خصومات الإنسان غازي، حين قال:
أما تعبتَ من الأعداء ما برحوا
يحاورونَك بالكبريت والنارِ؟!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

اغتيال محمود درويش

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

يوسف أبو لوز

مرّت الذكرى الحادية عشرة على رحيل محمود درويش الأسبوع الماضي في أقل من الاستعادة العادية، لا بل، إن بعض الصحف العربية لم تأت على ذكر المناسبة برمّتها، وسيكون القارئ حسن النّية إذا اعتبر أن من تقاليد بعض الصحف توقفّها عن الصدور في إجازات الأعياد، وصادف 9/8/2019 اليوم الذي رحل فيه درويش قبل العيد بيومين، لكن كل هذا الكلام هو نوع من تغطية الشمس بغربال، ولنعترف أن صاحب «أوراق الزيتون» و«مديح الظل العالي» و«لماذا تركت الحصان وحيداً» يجري اغتياله حتى وهو غائب، وكلمة «اغتياله» هذه ثقيلة، ولكن كان لا بدّ منها على رغم ثقلها ونحن نرى واحداً من كبار الشعراء العرب على مرّ كل تاريخ الشعر يتم تجاهله على هذا النحو غير البريء.
في قصيدة لمحمود درويش بعنوان «يحبونني ميّتاً» يقول:- «.. يحبونني ميّتاً ليقولوا: لقد كان منّا، وكان لنا»، وفي القصيدة ذاتها يقول: «.. متى تطلقون الرصاص عليَّ؟ سألتُ. أجابوا تمّهل وصفّوا الكؤوس وراحوا يغنّون للشعب، قلت: متى تبدأون اغتيالي؟، فقالوا ابتدأنا».. إلى أن يقول أخيراً في هذه القصيدة الصغيرة ولكن النبوئية.. «.. سأسألكم أن تكونوا بطيئين، أن تقتلوني رويداً رويداً لأكتب شعراً أخيراً لزوجة قلبي..».
ليس لدي تاريخ نشر أو تاريخ كتابة لهذه القصيدة، ولكن، لماذا هي قصيدة نبوئية أو توقعية؟؟.. لنبحث عن الإجابة في القصيدة نفسها..
يقول درويش «يحبونني ميّتاً».. وبالفعل، كان الكثير من الشعراء الفلسطينيين والعرب يعتبرون درويش الشجرة التي تخفي الغابة، وأن نجومّيته أطفأت تلك الأنوار البعيدة المبثوثة من بعض الشعراء، وأن قصيدة واحدة من درويش تعادل مجموعات ومجموعات لمثل هؤلاء الشعراء النكرات، أما عندما كان درويش يقرأ شعره في عمان وتونس والقاهرة وبيروت والرباط والجزائر، فيقيم في الأمسية ما يشبه دولة درويش أو شعب درويش بسبب الآلاف من الجمهور الذي يصغي من رأسه إلى قدميه أمام الكاريزما المذهلة لهذا الشاعر وهو يلقي بأناقة وكبرياء.. أقول عندما كان يجري كل ذلك على مرأى ممّن يحبّونه ميّتاً كان هؤلاء يصابون بالإحباط، ويعودون إلى بيوتهم وزوجاتهم مكسوري الخاطر «بإحرام».
يقول درويش: ..«متى تطلقون الرصاص عليّ؟»، وفي حقيقة الرصاص المادّي لا أحد أطلق الرصاص على درويش، وهو أيضاً لم يطلق الرصاص على أحد، وعندما أعطاه ياسر عرفات مسدساً في أثناء حصار بيروت ليدافع عن نفسه ألقى بالمسدس ولم يستعمله.
.. ثم أخيراً يقول درويش.. «..متى تبدأون اغتيالي»،.. وكما جاء في رأس هذه المقالة، فالاغتيال لدرويش جرى في حياته، ويجري في موته، وعندما صدرت مجموعته «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي» بعد موته.. ظهر طابور طويل ممّن اغتالوا درويش.. وكان هو يسألهم أن يكونوا بطيئين في القتل.. رويداً، رويداً.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية