تداعيات خسارة أردوغان في إسطنبول.. كيف نقرأ الحدث؟

تداعيات خسارة أردوغان في إسطنبول.. كيف نقرأ الحدث؟
صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
6834
عدد القراءات

2019-06-25

يصرّ مؤيدو ومعجبو الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على مقولة إنّ الخسارة المدوّية التي تلقّاها أردوغان، ومعه حزب "العدالة والتنمية"، في الانتخابات المعادة في بلدية إسطنبول، إنّما تؤكّد التزام "العدالة والتنمية" بالديمقراطية، وهو أمر مشكوك فيه استناداً لوقائع، والمرجّح أنّ أردوغان لم ينتزع قراراً من القضاء بإعادة انتخابات إسطنبول ليؤكّد التزامه بالنهج الديمقراطي، إنّما كان في مخططه إنجاح مرشّحه، علي بن يلدريم، في هذه الانتخابات، بعد فشله في المرة الأولى التي أجريت في آذار (مارس) الماضي.

اقرأ أيضاً: إسطنبول "تصفع" أردوغان

الحديث عن مزاعم بالتزام حزب "العدالة والتنمية" بالديمقراطية، وأنّ انتخابات إسطنبول أكّدت ديمقراطية الحزب، تنفيها الاعتقالات المتواصلة لعسكريين ومهنيين وإعلاميين، والتضييق على الحريات التي تتضمنها تقارير منظمات مستقلة "الأمنستي"، خاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، عام 2016، إضافة إلى إجراءات مرتبطة بالرقابة على الإنترنت، والشكوك حول استقلال القضاء، الذي تحوم حوله الشكوك بخضوعه لأردوغان وسياساته.

لم ينتزع أردوغان قراراً من القضاء بإعادة انتخابات إسطنبول ليؤكّد التزامه بالنهج الديمقراطي إنّما لإنجاح مرشّحه يلدريم

الانتخابات المعادة في إسطنبول كانت تؤكد، قبل إجرائها؛ أنّ أردوغان يراكم خسائره، بمعزل عن النتيجة، ففوز المعارضة، وهو ما حصل، وبفارق عددي أكثر من المرة السابقة، رسالة جديدة تؤكّد خيارات سكان إسطنبول، المدينة الأهمّ في تركيا، وأنّهم ليس فقط مع المعارضة، وإنّما ضدّ أردوغان وبرنامج حزبه، ولو فاز مرشّح أردوغان، يلدريم، فإنّ شكوكاً عميقة ستحيط بالنتيجة، وإنّ الحزب الحاكم قام بتزوير الانتخابات، وخلافاً لما يعتقده كثيرون من أنّ "العدالة والتنمية" سجّل نصراً بالتزامه بالديمقراطية؛ فإنّ الفضل في ذلك يُسجَّل لقيم الجمهورية التركية التي استقرت على أن تكون نزاهة أيّة انتخابات خطاً أحمر في القيم التركية، والتي حاول أردوغان ضربها بالاحتجاج على نتائج الانتخابات السابقة؛ إذ كان لافتاً، وخلافاً لكلّ ديمقراطيات العالم، أن يحتجّ الحزب الحاكم على نتيجة انتخابات فازت فيها المعارضة.

اقرأ أيضاً: هكذا خسر أردوغان إسطنبول مرتين
وبعيداً عن دلالات حجم الأصوات التي حصل عليها مرشح المعارضة، أكرم إمام أوغلو، وتعميق الفوارق مع مرشح الحزب الحاكم؛ فإنّ جملة أسباب تقف خلف هذه الخسارة، لعلّ أبرزها: عدم قناعة الناخب ببرامج ووعود حزب "العدالة والتنمية"، الذي "يقتات" على إنجازات ماضوية للحزب، ترتبط بمقارنات غير موضوعية مع مراحل سبقت تسلّم الحزب للحكم، ولم تأخذ بعين الاعتبار مطالب الشباب، وبقيت تدور حول الفصل بين الجنسين في المسابح العامة وغيرها من الأمور، ويبدو أنّ ذلك كان بهدف التغطية على الأزمات الاقتصادية وتداعياتها، فيما كان للاستهداف الشخصي لمرشّح المعارضة، بأنّه من أصول يونانية، وأنّه يوالي الانقلابيين، تأثير كبير في وقوف الجمهور التركي إلى جانب إمام، إضافة إلى ذلك؛ لعبت دعوة المعارض الكردي، عبدالله أوجلان، للأغلبية الكردية في إسطنبول، إلى اتخاذ موقف الحياد، دوراً في عدم تأييد مرشّح "العدالة والتنمية"، خاصة مع ردود أردوغان السلبية على دعوة أوجلان.

الانتخابات المعادة في إسطنبول كانت تؤكد قبل إجرائها أنّ أردوغان يراكم خسائره بمعزل عن النتيجة

إنّ ربط خسارة أردوغان بانتخابات إسطنبول، فقط بسوء الحملة الانتخابية، كما يتمّ الترويج من قِبل مؤيديه، مزاعم ينقصها الدليل؛ إذ أسهمت جملة عوامل؛ داخلية وخارجية، في تلك الخسارة؛ فعلى الصعيد الداخلي، يلمس المواطن التركي تداعيات الأزمات الاقتصادية في تركيا بالهبوط الحادّ لليرة التركية، ومستويات التضخم، وزيادات الأسعار، بما فيها المواد الاستهلاكية، وهروب الاستثمارات الأجنبية، رغم استمرار الدعاية الضخمة حول مشاريع كبرى؛ من مطارات، وجسور، وبنية تحتية، تخاطب عواطف المواطن التركي، الذي لا يرى فيها إنجازات حقيقية في ظلّ أزماته الاقتصادية، فيما يدرك المواطن التركي أنّ تلك الأزمات مرتبطة بتحالفات أردوغان، وتناقضاته في بناء تحالفاته الدولية والإقليمية، وخساراته للحليف الأمريكي والعمق الأوروبي، والذي دفع الأوروبيين، بفعل تلك السياسات، إلى رفض انضمام تركيا إلى اتحادهم، فيما تتوالى خسارات أردوغان في سوريا، بفضل دعمه للفصائل الإرهابية فيها، وخساراته في السودان وليبيا، وبناء علاقة عدائية مع مراكز الثقل العربي: الرياض والقاهرة وأبوظبي.

اقرأ أيضاً: هزيمة إسطنبول.. 3 دلائل على نهاية نظام أردوغان
انتخابات إسطنبول تشكّل محطة ذات دلالة سيترتّب عليها ما بعدها، وباتجاهات قد تذهب بعيداً، لتسجيل المزيد من خسارات حزب "العدالة والتنمية"، ولعلّ أول محطات تلك الخسارات؛ توجهات "العدالة والتنمية" لإجراء مراجعات شاملة لسياسات وبرامج الحزب، قد تصل إلى حدّ وقوع انشقاقات في الحزب، في ظلّ القيادة المتفردة لأردوغان، فيما لا يستبعد أن تسهم الأزمة الاقتصادية في تراجع شعبية "العدالة والتنمية"، وربما تؤسس لربيع تركي جديد، ارتباطاً بدور العامل الاقتصادي في تحريك الشعوب، فيما سيفقد أردوغان أوراقاً كثيرة على صعيد علاقاته بأوروبا وأمريكا، إضافة إلى تراجعات الإسلام السياسي في المنطقة، والتغيرات المقبلة في سوريا والسودان وليبيا، والتي لا تصبّ مخرجاتها بما يجعلها أوراقاً يمكن أن يرفعها أردوغان للتدليل على نجاحاته.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الكتابة والمعنى التعددي عند الصوفية

2020-01-16

إذا كان العرفان لا ينتج معرفةً بالمعنى اليقيني والطبيعي للمعرفة، فإنّه ينتج كتابة وجوديّة كأعمق ما يكون. ويبدو أنّ الكتابة بما هي جملة من الاشتباك الحادّ بين الذات والخارج عبر اللغة لا تجد كمالها إلّا في عجزها. إنّ تجربة التصوّف عامة، والكتابة الصوفيّة خاصّة، هي تجربة تمثّل الهشاشة البشريّة في صفائها، وتضيء الاحتجاب الذي نحياه، وتبيّن هذه المسافة الهائلة التي نحياها بيننا وبين أنفسنا وبين وجودنا. 

فكما كان المتصوفة أهل الطريق، كذلك كانوا أهل طريقة في الكتابة. والكتابة عند المتصوفة لاشك أنّها تُوقعنا في كثير من الأفخاخ البلاغية، التي سيُتعامل معها وتُقرأ كزينة بلاغية، ورتوش جمالية للنص المكتوب. هذا على صعيد من يكتب عنهم، فكيف بكتابتهم؛ فلا شك أنّ الكثير يتعامل مع النصوص الصوفية على أنّها نصوص أدبية بمعزل عن النسق الصوفي الذي ينتجها. وسأحاول في هذه السطور بيان كيف أنّ الكتابة الصوفية ليست كذلك، وأنّها تنمّ وتشف عن النسق الصوفي، بمقولاته الأساس، الذي أنتجها على مدار تاريخه العرفاني.

اقرأ أيضاً: ماذا يبقى من الصوفية إذا تورطت في السياسة؟

يُلاحظ أدونيس، في كتابه الهام: "الصوفية والسوريالية"، أنّ الكتابة الصوفية يُعاني قارئوها من تِيه دلالي وغموض في الرؤية، ويعلل ذلك بأنّ المتصوف يذهب إلى الكتابة ولم يكن النص قد تبلور في ذهنه بعد. وأظنّ أنّ هذه المُلاحظة مهمة للغاية، خاصةً في ظلّ تصاعد الشكوى من غموض التصانيف الصوفية على الكثير من القرّاء. فلن يحتمل كلُّ أحدٍ أن يقرأ المواقف للنفري، ولا الفتوحات لابن عربي،... إلى آخر تلك النصوص المركزية في الفضاء الصوفي.

يعاني قارئو الكتابة الصوفية من غموض ويعلل أدونيس ذلك بذهاب المتصوف للكتابة ولم يكن النص تبلور بذهنه بعد

لقد قال النفري في مواقفه كلمة عظيمة سأجعلها محور تفسير أو أداة لاستبصار هذا الغموض الحادث، قال: "قال لي: العلمُ المستقر، هو الجهل المستقر". وهذا هو الحادث على صعيد الكتابة الصوفية تماماً. نُلاحظ ونحن نقرأ النص الصوفي، أنّ صاحبها يُعالج نفسه وأفكاره من خلاله. النص هو حالة من اللامجهول للوصول إلى نُقطة هناك، إن وصلتَ إليها فأنت في بداية الطريق. هو حالة من اللاوعي لإدراك الوعي الحقيقي. كما إنّ النص عندهم هو مرآة أو انعكاس لـ"حال" أو لـ"موقف" ما. فلا عجب أن نجد ضمن النص الصوفي عدة "إغماءات" لغوية متكررة، وكأنّ المتصوف قد غاب حتى أُغمي عليه من فرط اللغة. إنّهم لم يتصوفوا بأرواحهم فقط، تصوفوا بلغتهم كذلك، تصوفوا بما يملكون ليصلوا إلى ما لا يملكون.

اقرأ أيضاً: لماذا يكره داعش الصوفية ويفجر أضرحتهم؟

النص عندهم هو، باختصار، جهلٌ مستقرٌّ بالمعنى. الكتابة ضرب من ضروب العلم به. لكن اللغة لا تفي وتخون دائماً في أن توصلهم، دوماً ما تُخاتلهم فتُخاتل القارئ من بعدُ. إلّا أنّ هناك احترازاً منهجيّاً لا بدّ من التنويه إليه: وهو أنّ (النصّ) الصوفي ليس نصاً ناجزاً، وليس نصّاً منطقياً يبتدئُ من فواتح إلى خواتيم ضمن تسلسل بنائي وهرميّة منطقيّة، بل إنّ نصاً كنصّ النفري هو نصّ تهذيبي وغير نسقي، نصّ غير كِتابي، رؤى مخضرّة، والتماعات وجوديّة عميقة.

على سبيل المثال، تمثل عبارة الشيخ ابن عربي تجربة وجودية قبل أن تكون لغوية. إنّ لغة الشيخ هي لغة داخل اللغة؛ لأنها لغة لا تسعها اللغة، وكيف تسعها وهي تريد أن تصف "اللامتناهي" الذي تعجز عن وصفه كل اللغات. إنّ عبارة ابن عربي رؤيا بدايةً، ثم هي حروف، وهذا الارتباك المشع في لغته ناتج عن تلعثم "أنطولوجي" عجزت عنه اللغة فارتبكت مفاصلها فهامت على وجهها. إنّ لغة الشيخ ابن عربي هائمة على وجهها، تتلمس الأبجديات جميعها، وتطرق أبواب المعاجم، لكنها تعود عارية إلا من تجربتها المليئة بـ "ما لا يقال"؛ إنّها لغة واقفة في موقف "الما لا يقال"؛ لذا هي لغة تصمت أكثر مما تتكلم، ولهذا أيضاً لاحظ باحث كأحمد الصادقي في كتابه عن ابن عربي أنّ هناك سكتات تملأ لغة الشيخ ابن عربي. وبرأيي أنّ هذه السكتات ما هي إلا نافذة التأويل التي تركها الشيخ للذين سيأتون خفافاً مبللين بالمعنى.

النص عند المتصوفة هو باختصار جهلٌ مستقرٌّ بالمعنى. والكتابة ضرب من ضروب العلم به. لكن اللغة لا تفي

ولا يخفى على قارئ الخطاب الصّوفي هذا التأزّم العنيف للغة، إنّ اللغة تكاد أن تخرج من نفسها كي تعبّر عن المعنى المراد، اللغة لا تسعها اللغة في يد الصوفيّ، وهي عاجزة لهوْل المعنى وليس لركاكة العبارة. إنّ هذا الارتباك اللغوي هو ناتج عن هزات وجودية يعانيها المتصوف، وهذا ما جعل البعض منهم يرى اللغة (كحجاب) وليس كإبانة. فإذا كان الشاعر يعاني تلك المعاناة ويتكبّدها، إلّا أنّ المتصوّف على كتفه إرث ميتافيزيقيّ مشعّ: إنّه يريد أن يمرّر المطلق في اللغة. أنّت اللغة، وحقّ لها أن تئن.

ما أودُّ قوله هو أنّ الكتابة الصوفية ليست هرطقة من الهرطقات، وإنما حقيقة وجدانية في البداية يتمثلها المتصوف، ثم هي من بعض نص حائر كحيرة الصوفي. ومَن يصفها بالهرطقة لا يعرف أنّها ليس كتابة طبيعية سائدة، بل هي كتابة إشارية خفيّة. فإذا كان الكاتب الطبيعي يعبّر بالمعاني، فالمتصوف يعبّر بالإشارة. فهم، وإن اشتركوا في الاسم مع الكتابة الطبيعية، يختلفون تماماً في المسمّى. الدوال واحدة، والمدلولات مختلفة. لذا؛ فالدخول إلى النص الصوفي يحتاج إلى إفراغ الذهن من المدلولات المُسبقة، والعلامات الثابتة، فالطريق هناك ليس هو الطريقُ هنا، والمقام هناك ليس هو المقام هنا.

ولذلك كان التأويل هو حديقة المعنى هناك. فالثابت متغير، والمتغير في حالة تغير، والتأويل هو سيد المشهد. فكيف ينثر الصوفيّ نفسه معنىً وهو لا معنى له؟ كيف ينكسرُ على مذبح اللغة، وهو الذي ما فتئ يندد باللغة، واصفاً إياها بالضيق، على قول النفري: "كلما اتسعت الرؤية ضافت العبارة"؟... هذه اللعثمة، أو هذا التلعثم اللغوي هو تلعثم وجودي قبل أن يكون لغوياً، فلم تحتمل عيناه النور فسَكِر سُكراً هو أشبه بصعقة موسى، فكانت لغته سُكراً لا حروف جامدة.

اقرأ أيضاً: من يخطط لاستدراج الصوفية إلى ملعب الإسلام السياسي في تونس

لكن علينا أن نفهم عبارة "استحالة المعنى" في ضوئها الأخضر، وليس في قتامتها السوداء. فاستحالة المعنى هي التي تجعل المعنى يمرّ، وهي التي تجعله يظهر من جديد في تبدّيات مختلفة، هي من تجعله مختلفاً، كي لا نعيش في تكرار أبديّ لا يفتأ يتكرّر.

وفي هذا السياق، يمكن أن نتذكّر بهذه المقولة لعبد الجبار النفري في "المواقف": "وقال لي: عزمك على الصمت في رؤيتي حجبة؛ فكيف على الكلام؟"، فهي توضّح هذا الصمت المتكلّم أو الكلام الصامت عند الصوفية، لكنّه أيضاً كلام مُنتج للمعنى، وتعدديّ، بعيداً عن اللغات التقريريّة التي لا تهتم بالوجوديّ في الإنسان؛ هذا الإنسان الذي لا يملك سوى اللغة للتعبير عن المطلق، لكنها، في تعبيرها، هي قاصرة بحد ذاتها.

للمشاركة:

كيف أصبحت البرجوازية الصغيرة حاضنة لجماعة الإخوان؟

2020-01-16

عندما تمكّنت الطبقة البرجوازية من اكتساب وعيها بنفسها، فإنّها وبحسب هابرماس، شرعت في تبنّي مشروعها الذاتي، وتكوين موقفها الخاص تجاه السلطة، ولأنّها كانت أكثر طبقات المجتمع الأوروبي، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، قدرة على الانخراط في قضايا المجتمع، وقرباً من دوائر السلطة، نجحت في تأسيس قواعد عامة تخلّق من خلالها وتشكّل الفضاء العام، الذي اتسم في نظره بالطابع البرجوازي، وهو ما منح بدوره جملة من القضايا التي كانت محل اهتمام الطبقة، أهمية عن غيرها.  

 

 ويبدو أنّ إهمال هابرماس لفضاء الطبقة العاملة، يعود إلى الطبيعة الليبرالية للمجتمع الرأسمالي، وهو ما جعل للفضاء العام ذلك الإطار، الذي تضافرت من خـلاله عدة معطيـات، أدت إلى (بَرْجزة) قضايا المجتمع، ومن ثم منح مجموعة من الأفكار دون غيرها انتشاراً واسعاً، ما أفسح المجال لإشعال الثورة الفرنسية، وتموضع النظريات والطروحات الليبرالية، والانطلاق نحو الحداثة بكل معطياتها الرأسمالية.

إنّها الطبقة التي تجمع بين رأس المال والعمل وتتأرجح بين الطبقتين الرئيسيتين في المجتمع وتتطلع للثورة وتخشى الفقر

البرجوازية الصغيرة وتبادل الأدوار الطبقيّة
على الجانب الآخر، كانت نواة البرجوازية المصرية أضعف من أن تؤسس طبقة مؤثرة، خاصة في مجتمع زراعي لم يستطع التحول إلى نمط الإنتاج الصناعي، وتحالفت فيه شريحة كبار الملاّك مع السلطة-أي سلطة- لخدمة مصالحها، دون أن تبلور موقفاً خاصاً تجاه قضايا المجتمع، ودون أن تكتسب وعياً معرفيّاً بوجودها. وحتى مع قيام المثقفين بتأسيس فضاء خاص عبر الصالونات الثقافية، والمؤسسات الصحافيّة، إلا أنّ تأثير هذا الفضاء كان محدوداً في دوائر مغلقة، بحيث لا يمكن إطلاق صفة الفضاء العمومي عليه، بحسب التوصيف الهابرماسي، بينما كانت طبقة الفلاحين، بوصفها تمثل السواد الأعظم، ترزح تحت أشكال مختلفة من الضغط الاقتصادي، وتمارس وفق وعيها المتردي دوراً محدوداً في أي حراك، ومع التحولات التي شهدها التركيب الطبقي التقليدي، بات واضحاً أنّ البرجوازية الصغيرة وحدها، هي الأكثر قدرة على التأثير، ودفع الأفكار من حيز التنظير، إلى مساحات واسعة من الانتشار، ومن ثم التطبيق.

استغل الإخوان البرجوازية الصغيرة بتوظيف أدواتها الإنتاجية وتدريجيّاً قضى تطور الجماعة الرأسمالي على الإنتاج الصغير

وبحسب المفكر الراحل فؤاد مرسي، فإنّ البرجوازية الصغيرة هي أقدم الطبقات الموجودة، وأكثرها تعقيداً من حيث التركيب، وتتكون من صغار المنتجين أو المنتجين العمال، وصغار الملّاك والحرفيين، وهي أكثر الطبقات عدداً وأوسعها نفوذاً، وأبعدها أثراً في أي مجتمع، من حيث وظيفتها الاجتماعية وقدرتها على إحداث التغيير، إبان حركات التحول الكبرى، نظراً لطبيعتها الثنائية، فهي وإن كانت طبقة برجوازية مالكة لوسائل إنتاج، وقد تستعين بقوة عمل تستأجرها، فإنّها من جانب آخر طبقة عاملة، تعمل بنفسها في أرضها أو متجرها أو ورشتها، "إنّها الطبقة التي تجمع بين رأس المال والعمل، الطبقة التي تتأرجح بين الطبقتين الرئيسيتين في المجتمع، تتطلع للثورة وتخشى الفقر.. تفكر كما تفكر البرجوازية، لكنها تنطوي على أفكار عمالية".

اقرأ أيضاً: كيف فصل حسن البنا جماعته عن عموم المسلمين؟

هذه الطبقة التي وصفها لينين بأنّها "تناقض حي"، لديها إمكانيّة تحويل تناقضها إلى نموذج ومعيار مفارق، يصبح فيما بعد مثلاً أعلى للمجتمع، ومن خلال تبنيّها مواقف أيديولوجية، تتوهم القدرة على الإفلات من واقعها المؤسف، عبر جملة من الأفكار والقيم، تحاول بها صياغة عالمها المغلق، نظراً لطبيعتها المحافظة، فهي كما يقول فؤاد مرسي "من أكثر القوى الاجتماعية التي يلائمها المنطق الصوري، أو الميتافيزيقي الذي لا يتطلب سوى اتساق الفكر مع نفسه، اتساق المقدمات مع النتائج، اتساقاً يقع في الذهن عقلاً، بغض النظر عن وقوعه في الواقع فعلاً".

البرجوازية الصغيرة استقبلت أفكار البنا بتوهم القدرة على فض اشتباك حالة الارتباك الحاد بعلاقتها بالبرجوازية العليا

الإخوان واللعب على التناقض الطبقي
كانت البرجوازية الصغيرة بيئة طبيعية لظهور الأفكار الأيديولوجية المغلقة، المرتكزة على أسس دينية، وكانت جماعة الإخوان المسلمين أبرز تجليّاتها، فهي الطبقة التي ينتمي إليها المؤسس حسن البنا، وغالبية قيادات التنظيم.
يقول البنا في الرسائل: "توجب علينا روح الإسلام تشجيع الصناعات اليدوية المنزلية، وهذا هو باب التحول إلى الروح الصناعي والوضع الصناعي". ومن ثم، كانت البرجوازية الصغيرة هي الطبقة التي استقبلت أفكاره بنوع من توهم القدرة على فض الاشتباك الناتج عن حالة الارتباك الحاد في علاقتها بالبرجوازية العليا، وتوهم إمكانيّة تجاوزها بامتلاك الحقيقية الدينية المطلقة، كحلّ سحري للصراع الطبقي، يدفعها إلى ذلك ضغط البرجوازية العليا، والخوف من الطبقة العاملة.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: القفز نحو المواقع الخطرة (3)

مع صعود جماعة الإخوان المسلمين اتبعت الجماعة نمطاً اقتصاديّاً يتسق وبنيتها الطبقيّة، من خلال مجموعة من المشروعات الصغيرة، مع الاهتمام بالصناعات الحرفية، وفي ظل النظام الرأسمالي أصبحت تجارة التجزئة حرفتها الأولى، وكان أبرز عملائها ممن ينتمون إلى البرجوازية العليا، حيث أصبحت البرجوازية الصغيرة مساهماً فعالاً في خلق فائض القيمة، ومع تطلعها للبرجوازية كمثل أعلى، شرعت جماعة الإخوان على المستوى النخبوي في إنجاز تحولها الطبقي، نحو البرجوازية العليا، والانخراط في السباق الرأسمالي بالسعي نحو امتلاك أدوات العمل والإنتاج ووسائل المعيشة، والعمال الذين يبيعون قوة عملهم.

مع صعود الجماعة اتبعت نمطاً اقتصاديّاً يتسق وبنيتها الطبقيّة عبر مجموعة من المشروعات الصغيرة مع الاهتمام بالصناعات الحرفية

ولا يبدي حسن البنا أي انزعاج من تضخم ثروة البرجوازية، فقط يبدي نوعاً من التحفظ على نظام الملكيات الزراعية الكبيرة، يقول حسن البنا في الرسائل: "توجب علينا روح الإسلام الحنيف وقواعده الأساسية في الاقتصاد القومي، أن نعيد النظر في نظام الملكيات، فنختصر الملكيات الكبيرة، ونعوض أصحابها عن حقهم.. ونشجع الملكيات الصغيرة". فهو يرى ضرورة تعويضهم عما يراه حقاً أصيلاً تقتضي طبيعة الاقتصاد القومي تقليمه، مع فتح المجال أمام نمو البرجوازية الصغيرة، كبيئة حاضنة للتنظيم، من خلال تشجيع الملكيات الصغيرة.

اقرأ أيضاً: أردوغان و"العثمانية الجديدة".. كيف أخفق المشروع التركي في الإقليم؟

وعليه، استغل الإخوان المسلمون البرجوازية الصغيرة، باستغلال طبيعتها الطبقيّة، وتوظيف أدواتها الإنتاجية، وتدريجيّاً قضى تطور الجماعة الرأسمالي على الإنتاج الصغير، لتدخل البرجوازية الصغيرة في نظام التبعية لشركات الإخوان الكبرى، وهو ما سقط بها إلى مصاف الطبقة العاملة، في ظل تضخم شركة المعاملات الإسلامية التي قام من خلالها حسن البنا بتأسيس نحو ست عشرة شركة وهيئة تجارية.
ومع امتلاك الجماعة لأدوات الإنتاج، شرعت في استغلال الطبقة العاملة المنضوية تحتها، وحشدها وظيفيّاً خلف مشروعها السياسي، ونفس الأمر تكرّر في الريف، عبر بقايا البرجوازية الصغيرة من صغار الملاك، الذين قاموا بحشد وتجييش الفلاحين، واستغلال حالة الفقر والعوز، لتحقيق أغراض انتخابيّة، سعيّا خلف وهم التمكين.

للمشاركة:

هل يختلف الشيعة على مفهوم ولاية الفقيه؟

صورة جهاد حسين
كاتب وباحث سوداني
2020-01-16

يبدو من خلال الوثوقية التي يتحدث بها شيعة الثورة الإيرانية؛ أنّ ولاية الفقيه أمر ثابت، وأصل ديني متفق عليه عند الشيعة، وهي أسّست لشكل من أشكال الحكم الثيوقراطي الديني في نسختها الأحدث، والأولى تطبيقياً، بعد قيام الثورة مع آية الله الخميني، الذي وجد ضالته السياسية فيها؛ إذ أصبحت إدارة الدولة تتم من خلال أوامر الولي الفقيه، وما يراه حسناً هو عند الله حسن، فهل ثمة اتفاق شيعي عليها؟

لا شك، أنّ ولاية الفقيه أمر اجتهادي جاء إثر فراغ دستوري، حدث مع ما يسمّى بالغيبة الثانية للإمام الأخير؛ إذ تمّ تحريم إقامة الدولة وممارسة السياسة في غيابه، وهذا ما يحمله مصطلح "غيبة" نفسه، فكانت أولى الاجتهادات لتجاوز ذلك مع الشيخ المفيد في أوائل القرن الرابع الهجري، وكان حدود هذا الاجتهاد؛ هو وجود ما ينوب عن الإمام، لكن في الأمور الدينية فقط، واستمرّ الأمر حتى القرن السادس الهجري، حتى جاء الشيخ العاملي بجواز تولي من ينوب عن الإمام الغائب الأمور السياسية، وقد هبّ عليه كثير من الأئمة الشيعة، رافضين هذا الاجتهاد، فعدّوه خروجاً على الأصل الذي يمنع الممارسة السياسية في حال غياب الإمام الغائب.

ولاية الفقيه محاولة لعلاج أشكال خارج منظومة الدولة الحديثة، وهذا ما خلق الشرخ الكبير داخل حزب الله

يقول الكاتب اللبناني فرج كوثراني: "من المهم الإشارة إلى أنّ كثيرين من الفقهاء الشيعة العرب؛ من جبل عامل في لبنان، ومن القطيف، ومن النجف أيضاً، سارعوا إلى شجب الخطوات الفقهية التي قام بها الفقيه الكركي، متهمين إياه بأنّه يشرعن سلطات زمنية لغير السلطة الشرعية، التي هي من حقّ الإمام المعصوم وحده، وأنّه يقوم بتطوير مفاهيم غريبة عن عقيدة الإمامة، من شأنها أن توسع صلاحيات الفقيه بما لا يتناسب مع العقيدة الإمامية، وفي ذلك تعدٍّ على صلاحياته".

إنّ من ضمن الذين تصدّوا لهذه العقيدة، التي تعطي بعداً توسعياً للولي الفقيه؛ كان الشيخ مهدي شمس الدين، الذي كان يرأس المجلس الأعلى للشيعة في لبنان؛ فقد كان يرى أنّ الإمام في وجوده كان معصوماً بالعلم الإلهي، على المستويات؛ الدينية والسياسية، وذلك خوّل له منصب الولاية العامة، وبالتالي؛ لا يجوز للنائب عنه أن يتولّى كافة المناصب، لانتفاء عصمته؛ فالقول بميراث كافة صلاحيات الإمام الغائب يعني عصمته، وهذا -بحسب شمس الدين- ما لا يجوز فقهاً، وعلى هذا؛ فهو يرى أنه لا بدّ من فصل كامل للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية؛ فالسلطة التنفيذية لا يمكنها أن تجتمع مع التشريعية، في يد فقيه ليس بمعصوم، وبهذا قد سحب البساط عن الحجج التي يقدمها الخميني وخامنئي وقاسم نعيم؛ فالنسبة إلى مهدي شمس الدين؛ لم يعطِ غياب الإمام الشرعية لإمام من بعده ينوب عنه، إنما أعطى الشرعية للأمة بكاملها، لتقوم بإدارة أمورها العامة.

اقرأ أيضاً: ماذا يستبطن فرح الولي الفقيه بنتائج الانتخابات اللبنانية؟

يمكننا القول: إنّ ولاية الفقيه محاولة لعلاج أشكال خارج منظومة الدولة الحديثة، وهذا ما خلق الشرخ الكبير داخل حزب الله، والتناقض بين الانتماء للوطن من جهة وولاية الفقيه، التي تقع كمنظومة سياسية دينية خارج الوطن، وبالتالي؛ لا تعالج مشكلات الداخل اللبناني، ولا تستجيب لتطلعاته السياسية والثقافية، خصوصاً أنّه بلد فائق التعقيد والتركيب الثقافي، بتنوعه وتعدديته، فولاية الفقيه والتبعية لها ستظلّ هاجساً يهدّد هذه التعددية، التي يطمح حزب الله، بحسب تطلعات مرجعيته، إلى إقامة النموذج الإسلامي المتخيل، الذي يشكّل مرجعية معيارية في إيران؛ ففكرة الدولة الإسلامية، في النموذج الإيراني، أمر فوق الدستور الوطني؛ فهي مبدأ مغاير لكلّ شكل من أشكال التحديث السياسي.

كان شمس الدين واعياً بما سيخلقه التناقض بين الوطني والطائفي فأوصى الشيعة بلّا يفكّروا وفق الحسّ الطائفي

لقد كان مهدي شمس الدين واعياً بما سيخلقه التناقض؛ بين ما هو وطني، وما هو طائفي ديني، فكانت من وصاياه الأخيرة، للشيعة عموماً، وشيعة لبنان خصوصاً، بألّا يفكّروا وفق الحسّ المذهبي والطائفي، وألّا يبنوا علاقاتهم مع أقوامهم وشركائهم في الوطن على التمايز الطائفي، وأن يبتعدوا عن محاولات بناء منظومات سياسية خاصة بهم، إنما عليهم أن ينخرطوا في نظام المصلحة العامة، وأن يكونوا متساوين في ولائهم للقانون والدستور، وهذا بطبيعة الحال عكس ما يقوم به حزب الله اللبناني تماماً؛ فمصلحته هو، كحزب يتبع إيران، ويحتكر التشيّع، تبدو في كلّ مرة أعلى من إيمانه بمصلحة اللبنانيين، وبهذا يمكن اعتبار حزب الله ردّة على الإصلاحات التي كان يقف عليها أحد المرجعيات الشيعية الدينية الإصلاحية، مهدي شمس الدين، فما جاء به أكثر مواكبة لروح العصر، ويسحب البساط عن أيّة محاولة لتوظيف ما هو ديني وحقوقي طائفي، في الصراع السياسي، والتكسب والعيش من خلاله.

اقرأ أيضاً: التشيع في المغرب: وهم يراهن عليه الولي الفقيه كطابور خامس

يبدو أنّ ثمة قصوراً عميقاً داخل النسق البيئي المسيطر على التشيع في العالم العربي، يلفّ عالم أفكاره وتصوراته عن العلاقة بين الفرد والدولة والدين؛ إذ ثمة تداخل مربك بين كلّ هذه الأنساق المختلفة؛ التكوين، والصور، والعوامل التي شكلت كلّاً منها، وظلّ هذا القصور مستمراً، رغم الاجتهاد الفرديّ للكثير من علماء الشيعة؛ إذ كان يتمّ تهميشهم دائماً من قبل الخطاب الرسمي لإيران كدولة، أو الشيعة كطائفة مسلمة، فتمّ التخلص من الأصوات التي تمثّل فارقاً تقدمياً داخل التشيّع، وبعدة صور.

للمشاركة:



قبل أيام من مؤتمر برلين.. هذا ما أعلنه أردوغان!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، اليوم، إرسال قوات إلى ليبيا لدعم قوات ميليشيات، فايز السراج، ضدّ القوات المسلحة الليبية التي يقودها المشير خليفة حفتر.

ويأتي الإعلان عن إرسال القوات التركية قبل أيام من لقاء برلين المخصص للأزمة الليبية، والذي سيشارك فيه أردوغان، وفق ما أوردت وكالة "رويترز".

وقال أردوغان: "تركيا ستواصل استخدام جميع الوسائل الدبلوماسية والعسكرية لضمان الاستقرار على حدودها الجنوبية البرية أو البحرية".

أردوغان يعلن اليوم أنّه سيرسل قواته إلى ليبيا قبل أيام من لقاء برلين المخصص للأزمة الليبية

 مراقبون ليبيون ربطوا تصريحات أردوغان بأطماعه التي تتعلق بسيطرته على ليبيا، ومحاولته عرقلة التوجه الدولي الساعي لإحلال السلم في ليبيا عن طريق إحياء المفاوضات بين الفرقاء الليبيين.

وكانت صحيفة "الغارديان" البريطانية قد نشرت، أمس، تقريراً قالت فيه إنّ ألفي مقاتل سوري قد وصلوا، أو سيصلون قريباً إلى ليبيا قادمين من تركيا، للقتال إلى جانب حكومة الوفاق غير الشرعية، التي يترأسها فايز السراج.

ونقلت الصحيفة، عن مصادر سورية، تأكيدها أنّ 300 عنصر من الفرقة الثانية فيما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وهو مجموعة من المقاتلين تدعمهم أنقرة، دخلوا تركيا عبر معبر حور كلس العسكري، في 24 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، كما دخلت مجموعة أخرى قوامها 350 عنصراً، في 29 كانون الأول (ديسمبر)، لتلقي التدريبات الضرورية قبل إدماجهم في ساحات الحرب في تركيا ضدّ الجيش الليبي.

 

 

للمشاركة:

روحاني يقرّ برفع معدلات تخصيب اليورانيوم.. ماذا سيكون ردّ الدول الأوروبية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

أقرّ الرئيس الإيراني، حسن روحاني، اليوم، بتوسيع بلاده معدلات تخصيب اليورانيوم، بما يفوق الاتفاق النووي.

وقال روحاني في كلمة متلفزة: "تخصيب اليورانيوم اليوم في إيران أكثر مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق النووي"، مشيراً إلى أنّه "لا توجد اليوم أيّة قيود على البرنامج النووي الإيراني".

وقال روحاني: "طهران لم تنسحب من الاتفاق النووي، وطلبت من البقية التعويض، وإلا ستخفض من التزاماتها".

وأضاف روحاني: "الإدارة الأمريكية خططت للقضاء على النظام الإيراني في غضون 3 أشهر وفشلت".

روحاني: لا يوجد قيود على البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم اليوم أكثر مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق

ولفت روحاني إلى أنّ الخطاب الأمريكي تغير تجاه إيران إلى حدّ كبير بعد الضربة الصاروخية، التي وجهتها إيران إلى القواعد الأمريكية في العراق، قائلاً: "الولايات المتحدة الأمريكية تظلم الجميع وتعتدي على الجميع وتسحق مصالح الجميع، لكن لا أحد يجرؤ على قصف معسكراتها بالصواريخ كما فعلت إيران، ربما تطلق بعض الدول التحذيرات والتهديدات، لكن أن تهزّ قاعدتها العسكرية وتجبرها على التراجع عن تهديداتها وتجعل البنتاغون متيقظا طوال الليل فهذا أمر مهم. لقد تغيّرت اللهجة الأمريكية تجاهنا وتراجعت بعد هذه الضربة إلى حدّ كبير".

 جاءت هذه التصريحات تزامناً مع إعلان وكالات الأنباء أنّ" الضربة الإيرانية جاءت بتنسيق مع الولايات المتحدة، وأنّها لم تستهدف إلا أجزاء من القواعد العسكرية، التي لا يوجد بها أيّ جندي أمريكي".

 

للمشاركة:

هل ينهي الغنوشي الضجة السياسية التي رافقت زيارته لتركيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

قال الغنوشي، خلال جلسة عامة في البرلمان، أمس: إنّ "زيارته إلى تركيا ولقاءه المغلق بأردوغان، السبت الماضي، كانت بصفته رئيساً لحزب حركة النهضة الإسلامية، وليس رئيسا للبرلمان التونسي، محاولاً تدارك الضجة السياسية التي رافقت زيارته المفاجئة".

وكانت الزيارة المفاجئة أثارت جدلاً في تونس كونها جاءت بعد ساعات من تصويت البرلمان ضد منح الثقة للحكومة المقترحة من مرشح حركة النهضة، وفق ما نقلت وكالات انباء تونسية.

الغنوشي: زيارتي إلى تركيا شخصية حزبية ولا علاقة لها بتمثيل (البرلمان) ولم أتحدث باسمه

ويدور النقاش حول ما إذا كان لقاء الغنوشي بالرئيس التركي، بصفته رئيساً لحزبه حركة النهضة أم بصفته رئيساً للبرلمان، وما إذا كان أحاط البرلمان علماً بتلك الزيارة.

وقال الغنوشي، رداً على استفسار برلماني: "حتى نغلق هذا الموضوع، وكي لا تبقى ملابسات؛ فهي زيارة شخصية حزبية، ولا علاقة لها بتمثيل المجلس (البرلمان)، ولم تستخدم إدارة المجلس، ولا أموال المجلس، ولم أتحدث باسم المجلس في أيّ حديث".

وتابع الغنوشي: "لا يوجد مانع في البرلمان لأن يؤدي أحد رؤساء الأحزاب زيارة خارجية، لا أرى في هذا مشكل"، مضيفاً في توضيحه: "الصفة الرسمية للمسؤول لا تلغي حياته الخاصة ولا صفته الحزبية".

الحزب الدستوري الحرّ يدعو لتوقيع عريضة بين النواب تمهيداً لسحب الثقة من الغنوشي

والغنوشي هو الزعيم التاريخي لحركة النهضة الإسلامية وأحد مؤسسيها مع القيادي الآخر، عبد الفتاح مورو، منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن منذ صعوده لرئاسة البرلمان بعد الانتخابات التشريعية، التي أجريت في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وفازت بها حركة النهضة، بدأ قياديون في الحزب بالدعوة إلى ترشيح شخصية بديلة لرئاسة الحركة.

وصرّح عبد اللطيف المكّي، أحد القياديين المخضرمين للحزب في وقت سابق؛ بأنّه يجب التعجيل بتنظيم مؤتمر للحركة لأنّ رئيس الحركة لم يعد قادراً على تخصيص وقت لرئاسة الحزب.

وأوضح المكي: "هناك وجهة نظر قانونية؛ لأنّ هناك من يقول داخل الحزب إنّ القانون الداخلي للحركة ينصّ على أن يكون رئيسها متفرغاً لقيادة الحركة".

وعلى صعيد متصل، طالب الحزب الدستوري الحرّ في تونس، بسحب الثقة من رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، غداة زيارته المفاجئة له إلى تركيا.

تونسيون يطالبون بسحب الثقة من الغنوشي لأنّ زيارته إلى تركيا في هذا الوقت تعدّ خرقاً للسيادة

وقال الحزب في مؤتمر صحفي؛ إنّ سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان)، تعدّ الوسيلة الوحيدة المتاحة، لمساءلة راشد الغنوشي.

 ولم يقتصر الأمر على الأوساط السياسية؛ حيث طالبت شريحة كبيرة من الشعب التونسي بسحب الثقة من الغنوشي، لأنّ زيارته تلك إلى تركيا تعدّ خرقاً للسيادة التونسية، خاصة أنّها جاءت بعد قرار عدم منح الثقة للحكومة، ما يعدّ مؤشراً على علاقة تركيا وتدخّلها في الشأن الداخلي لتونس.

 

للمشاركة:



حفتر يقطع الطريق أمام الخدعة الأردوغانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

جوان سوز

أحرز الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، تقدّماً ميدانياً كبيراً منذ إعلانه منتصف الشهر الماضي عن معركة الحسم لتحرير العاصمة طرابلس من المليشيات الإرهابيّة المدعومة من تركيا وقطر التي يقودها فايز السرّاج رئيس حكومة "الوفاق الوطني" المنتهية صلاحيتها، الأمر الّذي وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مأزق كبير.

فالرئيس التركي عارض حكومات اليونان ومصر وقبرص وغيرها من الدول للمضيّ قدماً في الاتفاقيات التي وقعها مع السرّاج رغم أن بعضاً منها ينتهك حقوق عدّة دول شرق المتوسط، كمصر واليونان وقبرص، لكن أردوغان تجاوز كلّ المواقف الرافضة لاتفاقياته تلك وقدّم الدعمين العسكري واللوجستي غير المحدود للسرّاج، كي يسيطر على ليبيا بأكملها، لا سيما أنها بلد غنيّ بالثروات النفطيّة وتستحق خوض هذه المغامرة، وفقاً لطموحات أردوغان غير المحدودة في العالم العربي.

وكان يهدف أردوغان من خلال تلك الاتفاقيات إنقاذ ميليشيات حليفه السرّاج، لا سيما أنها لم تصمد كثيراً أمام هجمات الجيش الليبي، حيث خسرت كثيرا من مواقعها، لذلك لم تكتفِ أنقرة بإرسال مرتزقةٍ سوريين للقتال إلى جانب تلك المليشيات، بل أرسلت كذلك خبراء ومستشارين وجنودا من الجيش التركي إلى الأراضي الليبية لدعم السرّاج. ومع ذلك، قُتِل عشرات الجنود الأتراك والمرتزقة السوريين هناك، ولم يستطع أردوغان إنقاذ حليفه الليبي في أرض المعركة.

ومع مرور نحو شهر كامل من المعارك بين الجيش الليبي والمليشيات التي يقودها السرّاج، أدرك أردوغان أن المعادلة العسكرية على الأراضي الليبية لن تتغير لصالح حليفه، فالمرتزقة السوريون يجهلون التضاريس الليبية وكذلك الجنود الأتراك، الأمر الذي يسهم في تقدّم مقاتلي الجيش الليبي، خصوصا أن مليشيات السرّاج تشكّلت على هيئة "عصابات"، وهي غير مدرّبة بالشكل المطلوب، لذا لجأ أردوغان مؤخراً إلى خدعة أخرى ليمنح من خلالها حليفه وقتاً إضافياً وليتقدّم نتيجة ذلك ميدانياً على الأرض.

وتأتي خدعة أردوغان على شكل هدنة لوقف إطلاق النار بين الجيش الليبي ومليشيات السرّاج بعد اتفاقٍ روسي ـ تركي، لكن في واقع الأمر، فالمليشيات التي يقودها السرّاج اخترقت الهدنة منذ لحظاتها الأولى ليلة الأحد الماضي، وشنّت بعد ذلك هجوماً مضاداً على مواقع الجيش الليبي، الأمر الّذي يعني أن هذه المليشيات لن تلتزم أبداً بأي هدنة، خصوصا أن مجموعاتها العسكرية غير منضبطة وقيادتها غير موحّدة، لذلك فالجيش الليبي رغم تقدّمه الميداني الكبير، كان سيخسر الكثير فيما لو لم يرفض هذه الهدنة الهشّة.

وباعتقادي، فإن أفضل ما فعله الجيش الليبي أكثر من تقدمه الميداني على الأرض، كان رفض قائده المشير خليفة حفتر، الموافقة على هذه الهدنة، فقد غادر العاصمة الروسية قبل ساعات، تاركاً أردوغان يسقط في ليبيا، لا سيما أن الأخير كان يسعى لنقل تجربة جيشه في سوريا إلى ليبيا.

وعلى سبيل المثال بعد فشل الجيش التركي من التقدم ميدانياً في مدينتي رأس العين/سري كانييه وتل أبيض/كري سبي، السوريتين قبل نحو ثلاثة أشهر، وافق أردوغان على هدنتين؛ الأولى أمريكية والثانية روسية، وكلتاهما مكّنت جيشه مع المرتزقة السوريين، من السيطرة على المدينتين، لذلك كان يرغب بتكرار الأمر ذاته في ليبيا، لكن مغادرة حفتر لموسكو قطع الطريق أمام هذه الخدعة الأردوغانية.

لذلك، الكرة الآن في مرمى الجيش الليبي وعليه أن يشدد بقوة على رفضه المطلق للهدنة الروسية ـ التركية التي تهدف بالدرجة الأولى لشرعنة الوجود التركي في ليبيا مع مليشيات السرّاج، فحصول هذه الهدنة، سينجم عنه تقدّم المليشيات الإرهابية على حساب الجيش الليبي، وهذا ما لا يجب أن يحصل أبداً.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

العراق وإيران: بين الوردي وشريعتي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

نجاة السعيد

إن التظاهرات المستمرة في كل من العراق وإيران تدعونا للبحث عن الفروقات بين المجتمعين. الكثير من شعوب المنطقة ينظرون على أنهما متماثلان لأنهما ذو أغلبية شيعية، كما أن وجود حكومة عراقية انبطاحية بشدة للنظام الإيراني وغير مؤهلة ـ وهذه من أهم أسباب تظاهر الشعب العراقي ضدها لأنها لا تمثل غالبية المجتمع ـ كرس هذا المفهوم بين المجتمعات العربية ولم يلتفت إلا القليل عن الفروقات بين المجتمعين.

ولكي يكون التحليل السياسي صحيحا، علينا أن نحلل المجتمعين لكن من منظور علماء اجتماع وهنا سيتم التركيز على: علي الوردي (1913 ـ 1995) في العراق وعلي شريعتي (1933 ـ 1977) في إيران.

الاثنان عالما اجتماع وأنثروبولوجيا، ومفكران متميزان، ومصلحان اجتماعيان تنويريان، مما يجعلهما قادرين على توفير مفاتيح لمعرفة المجتمعين والعوامل المؤثرة بهما.

ذكر الوردي أن المجتمع العراقي كان له طابعا علمانيا، وأنه معروف، عبر تاريخه الطويل، بانفتاحه على الأديان المتعددة والمذاهب المختلفة حتى صارت هناك أديانا ومذاهبا في العراق فقط دون دول العالم الأخرى كالأيزيدية والشبك والكاكائية وغيرها.

كذلك انتشرت في العراق التيارات غير الدينية مما جعله نقطة قوة في التسامح والتعايش مع تعدد الآراء واختلاف الملل. ونتيجة لهذا التسامح، صار التزاوج والتخالط بين السنة والشيعة أمرا اعتياديا وموجود في مختلف المحافظات والمدن بل باتت العديد من العشائر المعروفة مشتركة بين السنة والشيعة.

وبالرغم من أن التعددية والتسامح تعتبران نقاط إيجابية، إلا أنه من الممكن أن تستغل من ثقافات وأديان مختلفة تؤدي إلى نتائج عكسية مثل انتشار الطائفية والتخلف.

فأحد هذه التأثيرات السلبية، كما ذكر الوردي، على المجتمع العراقي أنه عندما تحول الإيرانيون إلى التشيع، صارت قوافل الإيرانيين تتوارد تباعا إلى العراق من أجل زيارة العتبات المقدسة أو طلب العلم أو دفن الموتى أو غير ذلك، وكان من طبيعة الإيرانيين ممارسة طقوس كثيرة منها التطبير والإدماء أيام عاشوراء والأربعين على الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رغم رفض العراقيين للتطبير القادم من إيران في القرن التاسع عشر لأنها كانت طقوسا غير محبذة ودخيلة على التشيع العلوي (النجفي) آنذاك.

لكن مع تدهور أحوال العراق السياسية والاقتصادية خاصة بعد حربي الخليج العربي الأولى والثانية وتداعياتهما الظالمة، خاصة في فرض الحصار عليه، الذي أدى إلى هدم البنية التحتية للدولة وتدمير النسيج الاجتماعي، اخترقت إيران المجتمع العراقي وزاد تغلغلها بعد سقوط نظام صدام حسين.

ولعل فهم إيران للمجتمع العراقي جعلها تستفيد من الإطاحة بنظام صدام أكثر بكثير من الأميركيين. وتبعا لذلك زادت ظاهرة تكفير الخلفاء الراشدين وزوجات النبي عند العراقيين بعد 2003 وفي عهد الرئيس السابق باراك أوباما، سلمت العراق إلى إيران بالكامل وغذى ملالي إيران المجتمع العراقي، من خلال سيطرتهم على الحوزات العلمية والحسينيات والبرامج التلفزيونية، بالأحقاد ضد السنة مستغلين ضغائن الذكريات السيئة من ممارسات نظام صدام الوحشية ضد أتباع المذهب.

كذلك شرح الوردي أن المجتمع العراقي مع الوقت بدأ ينتشر به التفاضل الديني عن الحضاري والمنفعي، فقد قال: "لم يكن الوعي السياسي موجودا بداية القرن العشرين وقام مقامه الوعي الديني"، لذلك لم يثر العراقيون على المغول والتتر والعثمانيين رغم ظلمهم الكبير مثلما ثاروا في ثورة العشرين ضد الإنكليز مع أنهم قدموا خدمات كثيرة للعراق، مثل إنشاء القوانين والأنظمة، لكن العلامة الوطنية عند العراقيين كانت بالمزايدة على الوقوف بوجه الإنكليز.

ولعل هذا قد يفسر سكوت الكثير من العراقيين على ما اقترفه النظام الإيراني من دمار في العراق أو حتى لو كان هناك نقد أو امتعاض فإنه لا يكون بنفس الصورة المبالغ بها ضد الأميركيين.

وقد شخّص الوردي ثلاث مشاكل في المجتمع العراقي، والكثير منها تتقاطع مع الكثير من المجتمعات العربية الأخرى، وهي: أولا: الصراع بين قيم البداوة وقيم الحضارة. ثانيا: التصادم الثقافي وازدواج الشخصية. ثالثا: التصادم الاجتماعي حيث التنافس بين مصالح مجتمع زراعي تقليدي وآخر صناعي متحضر.

يؤكد الوردي على ازدواج الشخصية كثيرا، حيث يقول: "المجتمع العراقي يعاني من ازدواج الشخصية بشكل مركز ومتغلغل في الأعماق. فالعراقي كثير الهيام بالمثل العليا والدعوة إليها في خطاباته وكتاباته، ولكنه في نفس الوقت من أكثر الناس انحرافا عنها في واقع حياته".

يقول الوردي أيضا إن المجتمع العراقي يتميز بالنظرة الثاقبة المصحوبة بالنقد اللاذع وأحيانا التذمر وهذا مما يجعلهم يميلون للعصيان على الأمراء والحكام عموما، لذلك يؤكد الوردي "لا ينفع مع هذا المجتمع الأسلوب الوعظي الدارج من السلطة". أحيانا هذه النظرة الناقدة تطول غير العرب مثل: "بين العجم والترك بلوي ابتلينا" وحتى العرب والتي تتمثل في مقولات الوردي المشهورة: "العربي بدوي في عقله الباطن مسلم في عقله الظاهر".

وبالمقارنة مع المجتمع الإيراني، فقد ذكر شريعتي أن مشكلة إيران هي الحلم في التاريخ الإمبراطوري، التي تريد إعادة إنتاجه واستنساخه من جديد بلباس التشيع الصفوي وممارسته المختلفة، التي أدخل عليها الكثير من الانحرافات الفكرية والإشكالات العقائدية والبدع والطقوس. ويرى بعض المتابعين للشأن الإيراني، أن المذهب الشيعي في إيران تداخل مع العقائد القديمة في البلاد وتأثر بالفلكلور والقصص والخرافات عبر التاريخ، فصار "تشيعا فارسيا".

وقد تجلى ذلك واضحا مؤخرا بصورة الحسين بن علي وهو يحتضن قاسم سليماني التي نشرها موقع علي خامنئي الإلكتروني والتي أثارت تفاعلا واسعا بين النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي. وكأن الإيرانيين بذلك يريدون احتكار حب أهل البيت ودخول الجنة لأتباع التشيع الصفوي فقط، وكأن الباقي ضد محبة سبط رسول الله وليس لهم أفضلية دخول الجنة.

البعض يعتقد أن الإيرانيين متحالفون مع جميع الشيعة، المستضعفين في الأرض، لكن في الواقع الإيرانيين لا يتحالفون إلا مع الذي يخدم مصالحهم من الشيعة أما الشيعي الذي لا يتوافق مع مصلحتهم تتم تصفيته. وقد شاهدنا كيف يتم قتل الشيعة المتظاهرين في العراق من قبل الميليشيات الإيرانية بدم بارد.

وقد أشار شريعتي أن البعد القومي في الشخصية الفارسية يطغى على المذهب، فكم مرة ضحوا بالمذهب الشيعي من أجل القومية. ويؤكد على ذلك تصريحات مستشار الرئيس الإيراني لشؤون القوميات والأقليات المذهبية، علي يونسي، التي اعتبر فيها العراق عاصمة لإمبراطورية إيران.

وما زالت المخيلة الفارسية تعيش العقدة القومية، التي هزتها الحقيقة التاريخية بعدما فتح العرب بلاد فارس في عهد الخليفة الثاني عمر (الفاروق)، وهذا ما يفسر النظرية الفوقية لدى بعض القوميين المتشددين الفرس تجاه العرب.

وقد أشار شريعتي بأن القومية الفارسية قد عزلت المواطن الإيراني عن العربي وباقي المجتمعات الإسلامية لأنها أدت إلى تراجع الشعور الديني المشترك لصالح الشعور القومي.

إن من أكثر نقاط الضعف في الشخصية الإيرانية أنها عاطفية جدا ولا يتعامل مع العقل إلا النخبة من المثقفين، وهذا الذي جعل رجال الدين يستغلونها أسوء استغلال، والذي وصفه شريعتي بـ "الاستحمار الديني"، الذي تمثل بأدلجة المذهب الشيعي بدعوى محبة أهل البيت إلى ثقافة الكراهية واللعن والبراءة من السنة ورموزهم.

ونتج عن ذلك متاجرين في الدين ووعاظ سلاطين لنشر الشرك والخرافة والفرقة، كما أفتى رجال الدين بأشنع الفتاوى مثل جواز الكذب والبهت والسرقة والغدر والغش وغيرها لتحقيق مصالحهم.

كذلك ذكر شريعتي، أن الشخصية الإيرانية تعيش الخوف دائما من الماضي والحاضر، وهكذا استغل الحكام هذا الذعر لترهيبهم، ولو بالبلطجة، والتركيز على ما يخافونه وتكراره وشيطنة الآخر واستدعاء الأفكار الفاشية أمامهم.

وهذا يوضح لماذا يخلق النظام الإيراني الأزمات في المنطقة لأنه يعلم أنه لن يستمر إلا بخلق هذا العدو الوهمي المتمثل إما بأميركا وإسرائيل أو الدول العربية المجاورة ذات الأغلبية السنية.

وهذا الخوف الذي يعيشه الإيراني، زاد من قسوة وتخويف نظامهم في التعامل معهم وكان هذا واضحا فيما قام به الخميني بالإقامة الجبرية لعشر مراجع كبار بعضهم صاحب الفضل عليه.

وبما أن مشكلة إيران هو ذلك الحلم في التاريخ الامبراطوري، وبالتالي احتمال علاقته مع الغرب، بغض النظر عن نوعية النظام إسلامي أم علماني، ستكون في الغالب تصادمية ندية وليست منفعية توافقية كما هي العلاقة مع شرق آسيا.

وقد تجلى ذلك بمواقف ومقولات علي شريعتي، فالبرغم من أنه يدعو للعلمانية وضد رجال الدين في إيران، إلا أنه كان ناقما على الغرب. فقد قال شريعتي: "إن على كل من يريد أن يصير متحضرا عليه أن يستهلك الحضارة التي صنعها الغرب، وإذا أراد أن يرفضها فليظل وحشيا وبدائيا".

وقد كان شريعتي ضد ما بدأ به الشاه محمد رضا بهلوي، الذي أسماه بـ "عصر الانفتاح"، لأنه يرى في حزمة الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي قام بها الشاه، تبعية إيران للغرب وتغريب لاقتصادها وحياتها الاجتماعية ومنها الحصانة للرعايا الأميركية والارتباط الأكبر مع أمريكا.

ولعل هذا الرفض للتبعية الأمريكية والتي اتضحت بكتابات شريعتي، كان أحد رموز البعد الأيديولوجي للثورة الخمينية.

ومن خلال التظاهرات المستمرة في كل من العراق وإيران علينا أن نتساءل: ما الذي ستنتج عنه التظاهرات والمواجهة ضد النظامين في كل من البلدين؟ هل نحن أمام جيل عراقي تواق إلى نظام مدني ـ علماني، ومن هنا نتفاءل أن المجتمع سيرجع إلى فطرته الأصلية؟ أم هل العراق في صدد التحرر من التشيع الصفوي وليس إلى العلمانية؟ هل الجيل الجديد، الذي لم يعش ممارسات صدام الوحشية، متحرر من فكرة المظلومية ومستعد الآن إلى بناء دولة وطنية أساسها المصالح المتبادلة أم أن النظرة النقدية اللاذعة المتذمرة ستسمر في تعاملاته مع الدول المجاورة والدول المتقدمة؟ هل الحل هو بإصلاح النظام الحالي في العراق أم أن ما بني على باطل (أساس طائفي) فهو باطل؟

وبالنسبة للتظاهرات في إيران، هل سينتج عنها مجتمعا متحررا من الحلم التاريخي الفارسي الامبراطوري أم سيظل كما هو لكن بقناع مختلف عن التشيع الفارسي الصفوي؟ هل سيتحرر الإيرانيون من العقدة القومية ضد العرب أم سيستمرون بالتخطيط لاحتلال والسيطرة على الدول العربية؟ هل العزلة التي عاشها المجتمع الإيراني تحت حكم النظام الثيوقراطي سيغيره ويجعله أكثر اندماجا مع المجتمعات الإسلامية؟ هل هذه العنجهية الفارسية ستختفي مع الضغوطات السياسية والاقتصادية وتخلق مجتمعا إيرانيا توافقيا مع الغرب أم أن العلاقة ستظل تصادمية؟

على دول المنطقة ودول صانعة القرار خاصة أميركا أن تفكر في كل هذه الأمور وتحللها وعلى أساسها تتخذ القرارات السياسية. فتجربة تحرير العراق من صدام أثبتت لنا أن دراسة المجتمعات لا تقل أهمية عن التخطيط السياسي والعسكري، إن لم تكن أهم.

عن "الحرة"

للمشاركة:

الوجود التركي في ليبيا يفتح الطريق لعودة داعش

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

أكد مسؤول عسكري أميركي بارز عودة أنشطة تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا تزامنا مع إرسال تركيا لمقاتلين سوريين متطرفين للقتال إلى جانب ميليشيات داعمة لحكومة الوفاق التي يقودها فايز السراج.

وتزامنت التصريحات الأميركية مع تأكيد المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة وجود مقاتلين سوريين في ليبيا للقتال إلى جانب الميليشيات.

ورجح سلامة في مقابلة مع إذاعة مونتي كارلو وجود خبراء عسكريين أتراك في ليبيا، لكنه أوضح أن البعثة الأممية لا تمتلك أي مؤشر على نشر تركيا قوات لها في ليبيا.

وعمل الرئيس رجب طيب أردوغان على تثبيت الوجود التركي في ليبيا من خلال إرسال مرتزقة سوريين تحوم حولهم شبهات التطرف والانتماء لتنظيمات جهادية.

وقالت أوساط سياسية وعسكرية ليبية إن المقاتلين التابعين للجماعات المتطرفة يستغلون توقف معركة طرابلس على خلفية اتفاق وقف إطلاق النار لاسترجاع نشاطهم في ليبيا.

وأشار آمر مجموعة عمليات المنطقة الغربية في الجيش الوطني الليبي المبروك الغزوي، إلى أن تركيا ما زالت تقوم بإرسال المسلحين لدعم قوات حكومة الوفاق.

وأضاف الغزوي، في تصريحات صحافية نقلتها الخميس بوابة “أفريقيا الإخبارية” أن “تحريات استخبارات الجيش الليبي أكدت أن الجسر الجوي الذي ينقل المرتزقة السوريين من تركيا إلى مطار معيتيقة لم يتوقف حتى بعد إعلان الهدنة”. وأضاف “ليبيا ستكون مقبرة لكل المليشيات والمرتزقة”.

وأُرسلت قوات تركية إلى ليبيا دعماً لحكومة الوفاق الوطني بموجب اتفاق عسكري أبرم في نوفمبر الماضي من شأنه أن يقوض السيادة الليبية كما يؤجج الصراع الدائر بالبلد.

وشكل التدخل العسكري التركي مثار جدل واسع داخل ليبيا وخارجها لما يتسبب به من تعقيدات على صعيد الأزمة التي يسعى المجتمع الدولي إلى حلها بالطرق السلمية، كما يساهم هذا التدخل في اتساع دائرة انتشار المتطرفين الذين يحاربهم الجيش في أكثر من منطقة داخل ليبيا.

ويخوض الجيش الوطني الليبي منذ أبريل الماضي حربا ضد الإرهاب والميلشيات، وأمام ما حققه الجيش من مكاسب تحاول تركيا عرقلة هذا التقدم بدعم حكومة السراج عسكريا وتغذية الإرهاب، للحد من نجاحات الجيش من جهة، والتمكن من تطبيق أجندتها التوسعية بليبيا من جهة ثانية.

وبات التدخل التركي في الشأن الليبي ودعمها المباشر لحكومة السراج والميليشيات التي تقف وراءها يتم في كنف العلانية.

وسبق أن ذكرت تقارير صحافية بأن أنقرة دشنت جسرا جويا مباشرا ما بين إسطنبول ومطار معيتيقة العسكري قرب طرابلس لنقل المقاتلين السوريين بصفة مرتزقة خاضعين لأوامر قيادات الجيش التركي.

وأشارت تقارير عربية وغربية إلى أن أكثر من ألفي مقاتل سوري أرسلوا إلى ليبيا.

وقال بول سيلفا، نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية إن إدارة الرئيس دونالد ترامب بدأت ملاحظة طفرة “صغيرة” في أعداد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا منذ بدأ المشير خليفة حفتر المعركة في العاصمة طرابلس قبل أكثر من شهرين.

ونقل موقع المونيتور عن سيلفا قوله إن المعركة المتوقفة حاليا من أجل استعادة طرابلس تعطي مساحة للتنفس للإسلاميين وعودة تنظيم الدولة الإسلامية إلى البلاد.

وكان التنظيم المتطرف يتخذ من مدينة سرت معقلا رئيسيا قبل أن تطرده قوات الجيش الليبي.

وقال المسؤول العسكري الأميركي إن المعركة نزعت الانتباه عن داعش، مشيرا إلى أنه تمت ملاحظة “تجدد صغير لمعسكرات داعش في المنطقة الوسطى”.

وأوضح أن “القوات الأميركية التي تساعد في قتال داعش غادرت ليبيا في أبريل الماضي مع تدهور الأوضاع الأمنية”، معبرا عن قلقه من أن يصبح داعش “طرفا ثالثا في القتال في ليبيا”.

بدوره، حذر العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني من أن التدخل العسكري التركي في ليبيا “يجعل الوضع أكثر تعقيدا”، مشيرا إلى أن هذا التدخل سيخلق المزيد من الارتباك.

وقال الملك عبدالله الثاني في مقابلة صحافية إن عدة آلاف من المقاتلين الأجانب قد غادروا إدلب وانتهى بهم المطاف في ليبيا، وهذا أمر على الجميع في المنطقة العربية وفي أوروبا مواجهته، ويتوقع أن يكون هذا الأمر من أكبر التحديات والتهديدات التي سيعيش على وقعها العالم في عام 2020.

وكانت صحيفة الغارديان نشرت الأربعاء تقريرا أشارت فيه إلى أن “1350 فردا من المقاتلين السوريين شقوا المعبر في اتجاه تركيا في الخامس من يناير. وانتقل بعضهم إلى ليبيا بينما بقي آخرون في جنوب تركيا لتلقي تدريبات في معسكرات خاصة. كما يفكر بعض المنتمين إلى فيلق الشام الإسلامي في السفر إلى ليبيا”.

وذكرت الغارديان “في البداية نشرت تركيا 300 مقاتل من الفرقة الثانية في الجيش السوري الحرّ وغادر هؤلاء المقاتلون سوريا عبر معبر حوار كلّس العسكري في ريف حلب في الرابع والعشرين من ديسمبر، قبل أن يلتحق بهم 350 فردا آخرون في نهاية الشهر نفسه”.

ونقلت الصحيفة عن مصادر في ما يسمى بـ”الجيش الوطني السوري” أن المقاتلين وقّعوا عقودا مباشرة تصل مدتها إلى ستة أشهر مع حكومة الوفاق، مؤكدة على أنها “لم تكن مع الجيش التركي”. وتحدد العقود ألفي دولار شهريا كرواتب، وهو مبلغ ضخم مقارنة بالـ450 و550 ليرة تركية (55 – 80 دولار) التي كانوا يكسبونها شهريا في سوريا.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية