تداعيات خسارة أردوغان في إسطنبول.. كيف نقرأ الحدث؟

يصرّ مؤيدو ومعجبو الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على مقولة إنّ الخسارة المدوّية التي تلقّاها أردوغان، ومعه حزب "العدالة والتنمية"، في الانتخابات المعادة في بلدية إسطنبول، إنّما تؤكّد التزام "العدالة والتنمية" بالديمقراطية، وهو أمر مشكوك فيه استناداً لوقائع، والمرجّح أنّ أردوغان لم ينتزع قراراً من القضاء بإعادة انتخابات إسطنبول ليؤكّد التزامه بالنهج الديمقراطي، إنّما كان في مخططه إنجاح مرشّحه، علي بن يلدريم، في هذه الانتخابات، بعد فشله في المرة الأولى التي أجريت في آذار (مارس) الماضي.

اقرأ أيضاً: إسطنبول "تصفع" أردوغان

الحديث عن مزاعم بالتزام حزب "العدالة والتنمية" بالديمقراطية، وأنّ انتخابات إسطنبول أكّدت ديمقراطية الحزب، تنفيها الاعتقالات المتواصلة لعسكريين ومهنيين وإعلاميين، والتضييق على الحريات التي تتضمنها تقارير منظمات مستقلة "الأمنستي"، خاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، عام 2016، إضافة إلى إجراءات مرتبطة بالرقابة على الإنترنت، والشكوك حول استقلال القضاء، الذي تحوم حوله الشكوك بخضوعه لأردوغان وسياساته.

لم ينتزع أردوغان قراراً من القضاء بإعادة انتخابات إسطنبول ليؤكّد التزامه بالنهج الديمقراطي إنّما لإنجاح مرشّحه يلدريم

الانتخابات المعادة في إسطنبول كانت تؤكد، قبل إجرائها؛ أنّ أردوغان يراكم خسائره، بمعزل عن النتيجة، ففوز المعارضة، وهو ما حصل، وبفارق عددي أكثر من المرة السابقة، رسالة جديدة تؤكّد خيارات سكان إسطنبول، المدينة الأهمّ في تركيا، وأنّهم ليس فقط مع المعارضة، وإنّما ضدّ أردوغان وبرنامج حزبه، ولو فاز مرشّح أردوغان، يلدريم، فإنّ شكوكاً عميقة ستحيط بالنتيجة، وإنّ الحزب الحاكم قام بتزوير الانتخابات، وخلافاً لما يعتقده كثيرون من أنّ "العدالة والتنمية" سجّل نصراً بالتزامه بالديمقراطية؛ فإنّ الفضل في ذلك يُسجَّل لقيم الجمهورية التركية التي استقرت على أن تكون نزاهة أيّة انتخابات خطاً أحمر في القيم التركية، والتي حاول أردوغان ضربها بالاحتجاج على نتائج الانتخابات السابقة؛ إذ كان لافتاً، وخلافاً لكلّ ديمقراطيات العالم، أن يحتجّ الحزب الحاكم على نتيجة انتخابات فازت فيها المعارضة.

اقرأ أيضاً: هكذا خسر أردوغان إسطنبول مرتين
وبعيداً عن دلالات حجم الأصوات التي حصل عليها مرشح المعارضة، أكرم إمام أوغلو، وتعميق الفوارق مع مرشح الحزب الحاكم؛ فإنّ جملة أسباب تقف خلف هذه الخسارة، لعلّ أبرزها: عدم قناعة الناخب ببرامج ووعود حزب "العدالة والتنمية"، الذي "يقتات" على إنجازات ماضوية للحزب، ترتبط بمقارنات غير موضوعية مع مراحل سبقت تسلّم الحزب للحكم، ولم تأخذ بعين الاعتبار مطالب الشباب، وبقيت تدور حول الفصل بين الجنسين في المسابح العامة وغيرها من الأمور، ويبدو أنّ ذلك كان بهدف التغطية على الأزمات الاقتصادية وتداعياتها، فيما كان للاستهداف الشخصي لمرشّح المعارضة، بأنّه من أصول يونانية، وأنّه يوالي الانقلابيين، تأثير كبير في وقوف الجمهور التركي إلى جانب إمام، إضافة إلى ذلك؛ لعبت دعوة المعارض الكردي، عبدالله أوجلان، للأغلبية الكردية في إسطنبول، إلى اتخاذ موقف الحياد، دوراً في عدم تأييد مرشّح "العدالة والتنمية"، خاصة مع ردود أردوغان السلبية على دعوة أوجلان.

الانتخابات المعادة في إسطنبول كانت تؤكد قبل إجرائها أنّ أردوغان يراكم خسائره بمعزل عن النتيجة

إنّ ربط خسارة أردوغان بانتخابات إسطنبول، فقط بسوء الحملة الانتخابية، كما يتمّ الترويج من قِبل مؤيديه، مزاعم ينقصها الدليل؛ إذ أسهمت جملة عوامل؛ داخلية وخارجية، في تلك الخسارة؛ فعلى الصعيد الداخلي، يلمس المواطن التركي تداعيات الأزمات الاقتصادية في تركيا بالهبوط الحادّ لليرة التركية، ومستويات التضخم، وزيادات الأسعار، بما فيها المواد الاستهلاكية، وهروب الاستثمارات الأجنبية، رغم استمرار الدعاية الضخمة حول مشاريع كبرى؛ من مطارات، وجسور، وبنية تحتية، تخاطب عواطف المواطن التركي، الذي لا يرى فيها إنجازات حقيقية في ظلّ أزماته الاقتصادية، فيما يدرك المواطن التركي أنّ تلك الأزمات مرتبطة بتحالفات أردوغان، وتناقضاته في بناء تحالفاته الدولية والإقليمية، وخساراته للحليف الأمريكي والعمق الأوروبي، والذي دفع الأوروبيين، بفعل تلك السياسات، إلى رفض انضمام تركيا إلى اتحادهم، فيما تتوالى خسارات أردوغان في سوريا، بفضل دعمه للفصائل الإرهابية فيها، وخساراته في السودان وليبيا، وبناء علاقة عدائية مع مراكز الثقل العربي: الرياض والقاهرة وأبوظبي.

اقرأ أيضاً: هزيمة إسطنبول.. 3 دلائل على نهاية نظام أردوغان
انتخابات إسطنبول تشكّل محطة ذات دلالة سيترتّب عليها ما بعدها، وباتجاهات قد تذهب بعيداً، لتسجيل المزيد من خسارات حزب "العدالة والتنمية"، ولعلّ أول محطات تلك الخسارات؛ توجهات "العدالة والتنمية" لإجراء مراجعات شاملة لسياسات وبرامج الحزب، قد تصل إلى حدّ وقوع انشقاقات في الحزب، في ظلّ القيادة المتفردة لأردوغان، فيما لا يستبعد أن تسهم الأزمة الاقتصادية في تراجع شعبية "العدالة والتنمية"، وربما تؤسس لربيع تركي جديد، ارتباطاً بدور العامل الاقتصادي في تحريك الشعوب، فيما سيفقد أردوغان أوراقاً كثيرة على صعيد علاقاته بأوروبا وأمريكا، إضافة إلى تراجعات الإسلام السياسي في المنطقة، والتغيرات المقبلة في سوريا والسودان وليبيا، والتي لا تصبّ مخرجاتها بما يجعلها أوراقاً يمكن أن يرفعها أردوغان للتدليل على نجاحاته.

الأقسام: