هل فقد الموت هيبته حقاً؟

هل فقد الموت هيبته حقاً؟
صورة إيمان النمر
كاتبة وباحثة مصرية
5412
عدد القراءات

2019-06-30

لا يُدرَك المعنى ولا تُقدَّر قيمته إلا بقوة تضاده، وقد وعي الإنسان هيبة الموت في اللحظة التي استبصر فيها لذة الحياة، واعتبرها منحة عظيمة، وإن قاسى فيها الأهوال، تمسّكه بحياته هو ما جعله يحيط موته بالطقوس والرهبة ويعده أقصى فجيعة، ومن المقابر صُنعت المعابد قديماً، وآمن البشر بالبعث والخلود، وكان الدم مقدساً، فلا يُسفك إلا قرباناً للآلهة أو جزاءً شجاعاً، وقد شددت التعاليم الدينية، على اختلافها، على مبدأ "لا تقتل".

اقرأ أيضاً: ماذا يفعل بنا الموت؟

لكن ما يحدث أنّ شبح الموت يطاردنا يومياً، ويلاحقنا خبره على جدراننا الإلكترونية، ونشرات الأخبار وتتعدد أشكال المقاصل، بتنا نفتح أعيننا يومياً، على صور القتلى من هنا أو هناك، والدم المسفوك، نجد البعض يتلذذ بمشاهده، ويتشفى بمهازله، علناً وجدلاً، مجرد أنّ القتيل أو الضحية ممن لا ينتمون لهذه العقيدة أو ذاك الفكر، وقد سقط مدّعو الإيمان والإنسانية في خندق واحد.

مجتمعنا المعاصر لا يمتلك المجال العام الذي يمكّن الناس من التعبير عن اختلافاتهم وصراعاتهم وخبراتهم

مشاهد وجدالات تثير الانتباه إلى التغيرات التي طرأت على نظرة الإنسان في مجتمعاتنا الشرقية خصوصاً، للحياة والموت، مجتمعاتنا التي كانت تُجلّ الموت كحدث يعبر عن الحقيقة، حقيقة النهاية لكل شيء قد بدأ، يندهش البعض ويتساءل ببساطة؛ أين ذهب جلال الموت ورهبته؟ لكن هل لنا أن نبدل السؤال بلماذا؟ وقبل السؤال الأخلاقي الانفعالي، ألا يمكن أن نستدل بذلك الحال على فقداننا جلال الحياة ذاتها؟

في روايته "الآلهة عطشى"، نتأمل مع آناتول فرانس، الثورة الفرنسية (1789-1795)، وهي تتحول من شرط ثوري إلى مشهد ميثولوجي"أسطوري" لكنه واقعي، تُقطع فيه الرؤوس على مذبح الثورة والحرية والعدالة والإخاء، وباسم الوطن ومجده، يُساق الآلاف إلى "المقصلة المقدسة" وسط تهليل ونشوة الجماهير، في الشوارع وساحات المحاكم التي بلا حرية وبلا عدل ولا أخوة، لكن حين صار الموت من كثرة التكرار والعشوائية، نغمة الحياة الوحيدة التي يمسي عليها ويصبح الناس، بات الشعور بعبثية الحياة يتسرب إلى نفوسهم، وكأنّ الموت مسكون بلعنة خفية تشدهم إليه، فشاع الانتحار بين الصفوف، ولم يُجدِ معه توسلات الحب ولا أحجية الإيمان، وأصبحت المقصلة رمزية لهزلية الموت نفسه، فلا رهبة ولا خوف، حتى أكلت ثوارها ومهلليها، وبات الواقع يُلحّ بإيقافها مستكفياً.

اقرأ أيضاً: نبات يحاكي تجربة "القرب من الموت"
وهكذا، حين يتفكك المجتمع، ويصير المرعب مألوفاً، ويفتقد الناس العدل والحرية في تقرير مصيرهم الذاتي، وحين يُسلب الفرد من إرادته، وتُكبح قدرته في التفكير العقلاني النقدي، يصير السؤال عن أخلاقية الحياة والموت بلا معنى ولا صدى مجدٍ.
وإذا ما أردنا إجابة ثقافية جذرية عن سؤال لماذا انتفى جلال الموت؟ فعلينا النظر إلى طبيعة المجتمع الراهن الذي نعيشه، إنه مجتمع مُسيس بالكامل، وخاضع لمنطق ومعيارية السوق، لا تمايز بين العام والخاص، وكل معنى فيه قابل للتطويع والاستغلال، أجسادنا لا نمتلكها، وإنما تحولت إلى موضوعات، انتفت معها ذاتيتنا، وعليه، تبدلت تصوراتنا ومفاهيمنا وطقوسنا؛ فإذا نظرنا مثلاً إلى إنسان المجتمع التقليدي، سنجده متماسكاً عضوياً، حياته وشيجة الصلة بالمقدس، ومهما كانت سيئة ومنتفية لشروط التحقق الإنساني المادي والمعنوي، إلا أنّه كان ينظر إليها على أنّها قدر ومنحة إلهية، وبها مساحة خصوصية محتجبة لها آدابها وطقوسها، ومن هنا كان مفهوم الستر والصمت والإجلال، وبنفس القدر كان إيهابه للموت.

بعد أن كان الإنسان يمارس مشاعره بات يتحدث عنها أكثر ويخضعها لمنظومته المفاهيمية النظرية

وحينما خضعت الحياة بالتمام، للسياسة والاقتصاد، باتت المشاعر المحتجبة قيد التشريح والتنظير، فبعد أن كان الإنسان يمارس مشاعره، بات يتحدث عنها أكثر، ويخضعها لمنظومته المفاهيمية النظرية، فأصبحت للانفعالات دلالات واعتبارات أخرى، تقوى أو تضعف بحسب الخطاب الثقافي ومنظومته الأخلاقية وسياقه، ولا يعني ذلك، تمجيد الماضي ولا الدعوة إليه، وإنما القصد هو توضيح الصيرورة التاريخية للواقع الإنساني ومآله، للوقوف على التحديات وتعيين التغيرات الكلية التي أثرت في التصور والمفهوم على الأقل في شكله الثقافي.

إنّ السياق الذي نعيشه، سياق لا إنساني، واستبدادي كلي، مُكيف وفق أغراض سادته، الجميع فيه يصرخ دون أن يدرك من أين تأتيه ضربة السياط بالضبط، واقع ملتبس وضبابي، إذ "يعتقد المرء أنه يموت من أجل الطبقة، وهو في الواقع يموت من أجل رجالات الحزب، ويعتقد أنه يموت من أجل الوطن، وهو يموت من أجل أرباب الصناعة، ويعتقد أنه يموت في سبيل البروليتاريا، وهو يموت في سبيل بيروقيراطيتها، ويعتقد أنه يموت بناء على أمر من دولة، وهو يموت من أجل المال الممسك بتلابيب هذه الدولة، ويعتقد أنه يموت في سبيل الأمه، وهو يموت في سبيل اللصوص الذين يكمّون فاهه... ويعتقد ويعتقد، ولكن لم الاعتقاد والإيمان في عالم مظلم إلى هذا الحد؟ الإيمان، الموت؟ ... ألم يحن الآوان لنتعلم كيف نحيا؟" يتساءل فرنسوا بيرو ونسأل معه.

اقرأ أيضاً: هل ينطق المثقف بلسان مجتمعه؟

إذا كانت العقلانية وقيم الإنسانية والأخوة وحق الحياة الآمنة، هي نفسها ما أوقفت المقصلة الفرنسية، فإلى أي مدى يمكن التعويل على فعالية تلك القيم في مجتمعنا المعاصر بسياقه الراهن، حتى يتوقف هذا العنف السيال والمزمن؟ بلغة أكثر تعييناً، إلى أي مدى ينجز الخطاب الإنساني الفردي -حال كان جاداً- في سياق لا إنساني؟ وعلى أي اعتبار يمكن إدانة هذا الموقف أو ذاك بأنه لا إنساني؟

أقول، إنّ لغة الإدانة تتعارض مع اللاوعي؛ فأن يدين المرء موقف الآخر بنعته غير إنساني، فهذا يتطلب مبدئياً، أن يكون هذا الآخر مدركاً ويعي قيمة ما تدين بشأنه، ويتقاسم معك ولو بحد أدنى نفس التصور عن مفهوم هذه القيمة، هذا على المستوى الفردي، أما على المستوى الجمعي، فحين نتحدث عن قيم الإنسانية والحرية والتعايش، وكي تكون ذات جدوى، لا بد وأن نتحدث من واقع القبول والإمكان؛ قبول الحس العام، فالناس لا تدافع عن قيمة ولا تدين فعلاً يناقضها، إلا من موقع الحاجة الماسة التي تدفعهم، لأن يلتفوا حولها بحيث تصير هي القاسم المشترك والصالح العام، بينهم على اختلاف الطبقة والنوع والمعتقد، بما يشكل قوى اجتماعية قادرة على تجاوز التعارضات.

أغلب الخطاب الثقافي اليوم ينم عن فكر اختزالي قشري لا يشتغل سوى من مساحات المظلومية والاستعداء واصطياد أخطاء الخصومة

عدا أنّ القيم تحتاج إلى ترجمة واقعية عبر وسائط تضمن فعالية سريانها من الخطاب الفلسفي المحض وذاتيتها المجردة، إلى اللغة والسلوك العام، وذلك من خلال مؤسسات التشريع وإنتاج منظومات القيم كالدين والتعليم والإعلام الجماهيري. لكن من المؤسف أنّ مجتمعنا المعاصر، يفتقد تلك الشروط، ولا يمتلك أصلاً، المجال العام، الذي يمّكن الناس من التعبير عن اختلافاتهم وصراعاتهم وخبراتهم على نحو فعال، غير أنّ القوى الاجتماعية منقسمة ضد بعضها على المستوى الفكري والمادي، لا يجمعها سوى دوغما التفكير والتعصب الأعمى لأيدولوجيتها سواء كانت علمانية أو دينية.

من جانب آخر، وبما أنّ الحياة أصبحت تقع تحت وطأة المجال الاقتصادي السياسي، الذي يتعين بالمعيار لا المعني الأخلاقي، فيعني أنّ الحل الثقافي وحده لن يكون ناجزاً؛ لأنّ، وبكل بساطة "المشكلات السياسية تصبح غير قابلة للحل حين تتنكر بزي مشاكل ثقافية"، كما في منظور غرامشي، بل بالعكس غالباً ما يكون الخطاب الثقافي في هذا الشرط مبتذلاً وخانعاً؛ إذ تصبح مصطلحات الإنسانية والحرية والعدالة والاحترام ..الخ، متجردة من معناها الجوهري، وموضوع استغلال نفعي ثقافوي مزيف يساهم في صنع وتضخيم الوعي المجتمعي الزائف لا يحله.

اقرأ أيضاً: موت المثقف العمومي: هل يمثّل المثقف الناس حقاً؟

بما يعني، أنّ إدانتنا لفعل غير إنساني لم يعد يكفي، ولن يجدي، في سياق لا يأبه بمعنى الإنسانية ولا أخلاقيتها، عدا أنّ الخطاب الثقافي، اليوم، يمكن وصفه، على الأقل في شروط تداوله وعرضه العام، أنّه خطاب ينم أغلبه، عن فكر اختزالي قشري، لا يشتغل سوى من مساحات المظلومية والاستعداء واصطياد أخطاء الخصومة، ثم محاكاتها والمزايدة عليها، خطاباً لا ينتج سوى تعزيز دوائر التبعية والخضوع، ومن ثمّ، فالثمرة حنظل غير قابل للنضج.

العقل الجمعي اليوم منهك ومرهق غير قادر على استيعاب خطاب نقد جاد جراء حالة التجريف والاستقطاب

والعقل الجمعي، اليوم، منهك ومرهق، غير قادر على صنع أو استيعاب خطاب نقد جاد، جراء حالة التجريف والاستقطاب والانهيار الكلي الذي يعانيه منذ أعوام طويلة، انتهت بثورية مجهضة ومبتسرة ما يزال يعيش صدماتها وتبعاتها. وعليه، فمسألة إجلال الموت، هي أعقد بكثير من اختزالها في حيز الإدانة باسم الإنسانية أو حتى السؤال الأخلاقي، ولا يمكن النظر إليها في معزل عن السياق الكلي، الذي يتطلب فك الاشتباك بين الأنساق الحياتية، وتحرير الحياة ذاتها من الخضوع الكامل لتروس الإنتاج، وإعادة التمايز بين المجالين العام والخاص.

وبالإحالة لما سبق بيانه، من المؤسف، القول بأنّ هذا الحال سيستمر إلى أجل غير مسمى، حتى يستعيد المجتمع والفرد، القدرة على النضال المشترك، من أجل قيمة الحياة، وحق العيش المشترك الآمن، والحر قدر المستطاع، من شروط العبودية المرئية والخفية. ومجتمعات المنطقة، تمر بحالة غليان، تتفاوت حدته، لم يفصح بعد عن كامل طاقاته وجلاء تناقضاته، لكن إلى هذا الحين، سيظل الموت منظوراً إليه بعين العبث، كما الحياة، وسيصبح الموت أكثر عُرضة، لأن يكون موضوعاً للخصومة والتشفي، بل مجرد عدد لا شرف فيه ولا بطولة معترفاً بها، وإنما وجهة نظر معيارية، قابلة لأن تكون خطأ أو صواباً.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"بنت مكة".. بأي سياق اجتماعي جاءت؟

2020-02-26

قبل نحو أسبوعين أطلقت فتاة سعودية أغنية راب تتغنى فيها بجمال وقوة بنات منطقة مكة المكرمة. وحظيت الأغنية بمئات آلاف المشاهدات على موقع يوتيوب، لكنها جرّتْ على صاحبتها سيلاً من الانتقادات اللاذعة، وأعادت السجال حول ضوابط الذوق العام، كما تذكر "بي بي سي".

اقرأ أيضاً: ما هي أبرز ردود فعل الفنانين على قرار منع المهرجانات في مصر؟
وبعيداً عن الوقوف مع أو ضد الأغنية، فإنّ من المهم الإضاءة على المعاني السوسيولوجية التي تحيط بالحادثة وتفاعلاتها وما هو أبعد منها. فقبل أعوام كتب صحافي سعودي مقالاً في صحيفة "الحياة" تحدث فيه عن "غياب الفردانية في المجتمعات السعودية، فالسعودي الفرد الجامع للهوية والمستقل بها مغيّب تماماً تحت ضغط الأسرة الكبيرة والحمولة والجماعة والعشيرة، وبالتالي فالهوية الوطنية اللاحقة غير موجودة بغياب مفرداتها الأساسية وتفاصيلها المركبة لها"، على حد تعبيره. كان ذلك المقال في العام 2016، وبعد أربعة أعوام عليه نجد أنّ مياهاً كثيرة جرت، وحملت معها تحولات أساسية تصاعدت فيها الفردانية؛ تحت تأثير السياسات الرسمية السعودية في الانفتاح الاجتماعي والترفيه، وإقرار قوانين لصالح المرأة، وتحت تأثير الاتساع المتنامي في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة لدى الأجيال الجديدة الشابة، من الإناث والذكور، للتعبير عن الذات، وتسجيل اليوميات والذكريات، والتعليق على مختلف الشؤون والقضايا.

أطلقت فتاة سعودية أغنية راب تتغنى فيها بجمال وقوة بنات منطقة مكة. وحظيت بمئات آلاف المشاهدات على موقع يوتيوب

وإذا كان الحضور السعودي على وسائل التواصل الاجتماعي في المنطقة العربية حضوراً قوياً وواضحاً، فإنّ هذا ينسحب أيضاً على مجتمعات خليجية أخرى، وجدت في شبكات التواصل متنفساً بديلاً في كثير من الأحيان عن أشكال الترابط والتواصل التقليدية؛ مثل العائلة الممتدة، والمحيط أو البيئة ذات الصبغة الدينية، ومجتمع الجيران، بذريعة أنّ الأخيرة باتت لا تعمل- في التواصل وتعزيز الحاجات الفردية- بالشكل الأمثل الذي تفعله وسائل التواصل الاجتماعي، وما تتضمنه من "قروبات" وصداقات ومعارف وعوالم متشابكة، وهو معنى أشارت إليه دراسة صدرت نهاية العام الماضي عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "CSIS".

اقرأ أيضاً: جدل واسع في مهرجان موسيقي بأمريكا.. هل هي العنصرية؟
في هذه الدراسة يلاحظ معدّها، جون ألترمان، أنّ ثمة تصاعداً في النزعة الفردية في المجتمعات العربية، والخليجية خصوصاً، وهي (النزعة) تواجه تحديات أمام بطريركية الأسرة والعشيرة أو القبيلة والمسؤولين الحكوميين. ويلحظ ألترمان بأنّ الإشراف الذي يمارسه كبار السنّ على الأجيال الجديدة يقلّ، كما أنّ الدعم الذي يقدّمه أفراد الأسرة لبعضهم بعضاً يقل كذلك. والأسرة النووية تكاد تكون هي الأساس الأوسع انتشاراً، في ظل تراجع قوي للأسرة الممتدة وسطوتها على الأفراد، وعلى وجه الخصوص الأجيال الجديدة. ولا شك في أنّ التكنولوجيا وطفرة الاتصالات قد منحت الأفراد أفكاراً جديدة، ومصادر مختلفة للمعلومات، وخيارات واسعة للترفيه والتفاعل، وخلقت لهم عوالم أخرى عززت من شعورهم وتقديرهم بهوامشهم الخاصة واستقلاليتهم النسبية.
في أغنية "بنت مكة" تظهر بشكل واضح وصريح النزعة الفردية، حتى لو كانت تنطوي على امتداح وافتخار بالجماعة، بنات مكة. تقول الأغنية:
" أنا بنت مكة.. أصيلة وعشانها تشقى (تتعب). وقت الشدة ما نتكى (لا تكثر متطلباتنا). يشد بي الظهر، تلاقيني على الدكة ( مقعد مرتفع).. فل وكادي الشعر مسقى".

بعيداً عن الوقوف مع أو ضد الأغنية المهم الإضاءة على المعاني السوسيولوجية التي تحيط بالحادثة وتفاعلاتها وما هو أبعد منها

تتغزل كلمات هذه الأغنية، التي رفعت على موقع يوتيوب في 13 شباط (فبراير) 2020، بخصال بنات مكة كالجمال والعلم والكرم. ووفق موقع "بي بي سي عربي" فإنّ الأغنية صُوّرت على طريقة الفيديو كليب. وفي مطلعها، تظهر مغنية محجبة، عرفت نفسها باسم أصايل، في مقهى معظم العاملين فيه من النساء، بحسب ما ذكرته مواقع سعودية. كما تضمن الفيديو لوحات راقصة يؤديها أولاد وفتيات صغار بأسلوب "بريك دانس".
ولعلّ من المعاني العامة، وخصوصاً السوسيولوجية، التي تترافق مع تصاعد الإحساس بالفردية، وتراجع تأثير العوائل والقبائل على الشريحة الشابة وصغيرة السن في منطقة الخليج، أنّ ذلك يستدعي الرهان على تعزيز مكانة الحكومات والمؤسسات وإنفاذها لسلطة القانون وتعزيز رابطة المواطنة؛ لأنّ ذلك شرط أساسي لتنامي الإحساس بالفردية، ونيل الحقوق الشخصية، التي هي في الحقيقة رسمٌ للحدود، ولعلّ ذلك ما لاحظه منذ قرن من الزمان المؤرخ فردريك جاكسون تيرنر حين قال إنّ "الحدود تُنتِج الفردانية".

جون ألترمان: ثمة تصاعد في النزعة الفردية في المجتمعات العربية والخليجية خصوصاً، تواجه تحديات أمام بطريركية الأسرة والعشيرة

مجلة "فوغ" العربية كانت قد لاحظت في تقرير-حول تحولات العباية الخليجية وحضور الشخصي بقوة في هذه التحولات- نشرته في نيسان (إبريل) 2019 أنّ العباية السوداء أصبحت خلال العقود الثمانية الأخيرة جزءاً من الهوية الثقافية للمرأة الخليجية. وخلال العقدين الأخيرين طرأت عليها تغيّرات كثيرة على مستويات مختلفة. فقد تجلّت الحاجة، بحسب المجلة، إلى التعبير عن الأسلوب الشخصي في البداية باعتماد الزخارف المطرّزة وأحياناً الملوّنة على العباية السوداء التي بقيت واسعة طويلة تلامس أطرافها الأرض، وكانت تخفي تحتها الزينة والأزياء الأنيقة. وذكرت "فوغ" أنّ اهتمام المرأة الخليجية بالموضة العالمية وانفتاحها على الاتجاهات والصيحات المختلفة، خصوصاً مع تطوّر القدرة الشرائية، جعلاها تبحث عن أسلوبها الخاص من دون التخلّي عن العباية. لكن الأخيرة تحوّلت، كما جاء في كتاب Fashion talks: Undressing the Power of Style، "من زيّ تقليدي إلى تعبير عن الأسلوب… وطرأت عليها تحوّلات كبيرة كتلك التي طرأت على النساء اللواتي يرتدينها". المجلة النسائية لاحظت أيضاً تنوّع الألوان في العبايات؛ حيث ظهر في الإمارات، وفي جدة في السعودية قبل أن ينتقل أخيراً إلى مدينة الرياض، كما شرحت المصمّمة السعودية نورا الدامر "ظهرت العباية الملوّنة في جدة قبل عشرة أعوام، لكنها الآن بدأت الانتشار في الرياض. وكما هو معروف فإنّ الرياض مدينة محافظة لا تتبنّى المظاهر الجديدة بسرعة وسهولة. ويمكن القول إنّنا منذ (نحو عام)، بتنا في الرياض نرى العبايات الملوّنة".
في المحصلة، "بنت مكة"... مناسبة لدراسة كل ذلك وغيره بعمق أكثر وتروٍّ ومنهجية علمية. وإذا كان العقدان الماضيان من الألفية الثالثة، قد شهدا-في العالم العربي- طغياناً للأيديولوجيا، فعسى أن نشهد في العقد الحالي حضوراً للسوسيولوجيا؛ كي نفهم أكثر، وبصخب أقل.

للمشاركة:

كيف يسيطر رجال الدين على العامة؟

2020-02-25

لا شك أنّ رجال الدين يمثلون سلطة في العالم الإسلامي، على امتداد تاريخه، وهي سلطة على عقول وقلوب الناس، وعلى أدق تفاصيل حياتهم اليومية، وهي كذلك سلطة موازية للسلطة المدنية التي هي سلطة الدولة، فمن أين حصلوا على هذه السلطة؟ وكيف تكونت؟ وما هي عناصرها وآليات عملها؟
يسيطر البعض على العامة بابتكار مصطلح "رجال الدين"، وهم لا يفضلون هذا الاسم لدلالاته السلبية التي يعرفونها جيداً، ولذلك يفضلون اسم "علماء الدين"، لكن المعنى واحد.

اقرأ أيضاً: ما سر عداء رجال الدين للفلسفة والمنطق؟
إنّهم يحاولون إخفاء ما يحوزون عليه من سلطة تجعل منهم كهنوتاً داخل الدين والمجتمع المسلم بالتخفي تحت كلمة "علماء"، وهي الكلمة المخففة التي تدل على أنّ الدين علم مثله مثل أي علم آخر، ولما كان علماً فهو في حاجة إلى "علماء"؛ أي فئة متخصصة فيه تستبعد غيرها وتحتكر المعرفة الدينية ونتاجها الذي هو الفتوى والتفسير. وإلحاق العلم والتخصص والأهلية بفئةٍ ما يسحب من غيرها على نحو تلقائي أي قدرة على القول أو الرأي الديني، ويجعل المعرفة الدينية حكراً في أيدي هذه الفئة وحدها.

إلحاق العلم والتخصص والأهلية بفئةٍ يسحب من غيرها تلقائياً أي قدرة على القول أو الرأي

قد تكون هذه السيطرة مفهومة في عصور سابقة، نظراً لانتشار الأمية وندرة التعليم الذي كان قاصرة على أعداد معدودة من أعضاء الطبقات الموسرة؛ حيث كان رجل الدين هو المتعلم وسط محيط أمّيّ، والممتلك لناصية العلوم الدينية التي أساسها اللغة والتفسير والفقه.
لكن غير المفهوم هو استمرار سيطرة رجال الدين في عصر الحداثة وبعد انتشار التعليم وشيوع الثقافة وإتاحة المعرفة الدينية في المجال العام من خلال الطباعة وامتلاء المكتبات بالكتب التراثية وغيرها؛ فليس هناك أي شيء يمنع المثقف من التبحر في المعارف الدينية بمجرد قراءته للكتب التراثية، وما "علماء الدين" سوى أشخاص قرأوا ودرسوا نفس هذه الكتب المنتشرة والمتاحة للجميع الآن، لكن لم تسهم هذه الظواهر الجديدة في كسر احتكار رجال الدين للمعرفة الدينية؛ لأنّ سلطتهم معترف بها اجتماعياً، بل وسياسياً من الدولة، ونظراً لتقديم أنفسهم على أنّهم حماة الدين والقائمين عليه، الأوصياء عليه وعلى الناس، وحفظة التراث الديني وحملة الدين الممثلون له المتحدثون بإسمه.

اقرأ أيضاً: هل بمقدور البشر معرفة شؤون العقيدة بمعزل عن رجال الدين؟
كل هذه التوصيفات تجعل منهم كهنوتاً لا شك فيه، وهو ليس كهنوتاً وظيفياً تراتبياً مثلما نجد في المسيحية الكاثوليكية أو الأرثوذكسية، بل كهنوت يجد أساسه من النصوص التراثية، تلك النصوص التي تكون ملكية خاصة لهم من حيث التفسير والتوظيف الفقهي؛ أي من حيث الحراسة والحماية والاحتكار.
يستند رجال الدين على بعض العناصر لتدعيم سلطتهم، وهي الحاضرة بوضوح في النص القرآني، ومنها: السمع والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صحيح أنّ هذين المبدأين عبارة عن وصيتين قرآنيتين، إلا أنّهما في السياق القرآني لا يعنيان أبداً تكوين فئة خاصة من الناس تتولى فرض السمع والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إنّ الدلالة القرآنية أن يكونا عامَّين شائعين بين المسلمين، والخطورة هي في احتكارهما في أيدي فئة ما، تفرض السمع والطاعة لها، وتتولى هي وحدها الأمر والنهي.

إنّهم يحاولون إخفاء ما يحوزون عليه من سلطة تجعل منهم كهنوتاً بالتخفي تحت كلمة "علماء"

واللافت للنظر أنّ الآية الكريمة التي ورد فيها الأمر الصريح بالطاعة لا تدل أبداً على طاعة رجال دين، فهي تقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء 59).
الآية توصي بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر، وأولو الأمر هم الحكام، مما يعني أنّ رجال الدين ليس لهم وضع في هذه الوصية، وتوصية الآية بطاعة أولي الأمر نابعة من حال عرب شبه الجزيرة وقت الدعوة المحمدية، فهم لم يكونوا خاضعين لسلطة دولة مركزية، ولم يجمعهم نظام سياسي واحد، وعودتهم حياتهم في الصحراء على عدم الانقياد لأحد، وكان هذا طبيعياً فيهم نظراً لافتقادهم حياة الاستقرار وعيشهم في حالة من التنقل الدائم في الصحاري؛ وقد قال عنهم ابن خلدون إنّهم "أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة، وبُعد الهمة والمنافسة في الرئاسة؛ فقلما تجتمع أهواؤهم" بسبب "التحاسد والتنافس".

اقرأ أيضاً: العلمانية.. عندما ينصح بطرس البستاني بإبعاد رجال الدين عن العمل في السياسة
وبذلك كانت اللّبنة الأولى في النظام السياسي الذي يمكن أن ينشأ فيهم هي الطاعة لأولى الأمر، ولم يكن من الممكن أن تنشأ فيهم هذه الطاعة إلا بأمر ديني صريح ومباشر في القرآن نفسه؛ إذن الطاعة في القرآن هي لأولى الأمر من الحكام المدنيين لافتقاد العرب لسلطة جامعة ونظام سياسي معترف به ومستقر؛ ولم تكن أبداً طاعة لما سوف يُسمى بعد ذلك برجال/ علماء الدين.
لكن يعمل رجال الدين على نقل الوصية القرآنية بالطاعة لأولي الأمر المدنيين إليهم هم أنفسهم كقائمين على الدين، ونقل الوصية القرآنية بالسمع والطاعة إلى سمع وطاعة لأوامر رجال الدين، وهذا ما يمثل نقلاً غير مشروع لمبدأ الطاعة من مجاله الأصلي إلى مجال آخر غريب عنه، ولم يكن مقصوداً في النص القرآني وهو مجال السلطة الدينية لرجال/ علماء الدين.

اقرأ أيضاً: صنع الله إبراهيم لـ"حفريات": رجال الدين لا يحلون المشكلات بل يفاقمونها
وعلاوة على ذلك فإنّ رجال/ علماء الدين يستغلون مبدأ الترغيب والترهيب كآلية للسيطرة على العامة، الموظف في الأصل لأهداف معينة في النص القرآني كلها أخلاقية، منها التنبيه والتحذير من فعل السيئات، والتشجيع والتحبيب على فعل الخيرات. فهم يقلدون الطرائق القرآنية ويوظفونها لبث الطمع والخوف في نفوس الناس، وهما من الانفعالات البشرية البدائية البعيدة عن التعقل والتوسط والاعتدال.
كما يتم استغلال الشعور الأصلي بالخطيئة وعقدة الذنب والخوف من الوقوع في المحظور والرغبة الأصلية في نيل الرضا والرحمة والمغفرة، أو الخلاص، فيصير الوعد بهذه الأشياء وضمانها حكراً في يد رجال/ علماء الدين، ويتعاملون معها على أنّهم هم وحدهم المسؤولون عن توزيعها على الناس.

غير مفهوم استمرار سيطرة رجال الدين في عصر الحداثة وبعد انتشار التعليم وشيوع الثقافة وإتاحة المعرفة الدينية

ويحول توزيع الوعد والضمان بالخلاص، أو الرحمة والمغفرة وتخليص الناس من عقدة الذنب وإيلام الضمير، إلى "سلع دينية"، وهي كما قال عالم الاجتماعي الفرنسي بيير بورديو (1930 – 2002)، سلعاً رمزية تصنع "رأس مال رمزي" Symbolic Capital، يكون حكراً في يد فئة حصرية مغلقة على نفسها تتولى إنتاجه وتوزيعه. وبذلك يصير رجال الدين هم حَمَلة رأس المال الديني، الرمزي في طبيعته، المحتكرين له والمالكين الحصريين، القائمين وحدهم على إنتاجه وتوزيعه، ويشكلون سلطة ثانية موازية للسلطة المدنية، منافِسَة لها ومنازٍعَة، مما يهيئ لكل احتمالات الصدام معها. وغالباً ما تكون السلطة السياسية المدنية ضعيفة تجاه تلك السلطة الموازية لرجال الدين، نظراً لسيطرتهم على العامة، طالما ظلوا "عامة" غير قادرة على التفكير لنفسها والاستقلال برأيها وبالقدرة على تنظيم شؤونها لشخصية بنفسها.
إنّ مجرد وجود فئة تدعي لنفسها التخصص في الدين وتحتكر لنفسها إنتاج المعرفة الدينية على نحو حصري وسري وإقصائي لمن سواها، هو الذي يخلق فئة من العامة العاجزة المعتمدة في أدق شؤون حياتها على من يحتكر توزيع السلع الدينية، أهمها الفتوى والوعد بالخلاص.
لكن التفقه في الدين ليس في حاجة إلى متخصصين، فيكفي أن نقرأ وندرس الكتب التي درسوها وادعوا منها أنّهم متخصصون، التخصص أو بالأحرى الإيهام به واستغلاله، والمتاجرة به هو احتكار للدين وسيطرة على العامة، وهو ما يشكل عقبة أمام بناء أي شخصية مستقلة.

للمشاركة:

هل نحن أمام إيران جديدة بعد الانتخابات البرلمانية؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2020-02-24

انتخابات بطعم الهزيمة للثورة الإسلامية وللمشروع الإيراني برمّته، عكستها نسبة المشاركة الأقل في تاريخ الانتخابات الإيرانية منذ انطلاق الثورة قبل أربعين عاماً، والمشكوك أصلاً أنّها وصلت "42%"، حسب إعلان وزير الداخلية الإيراني، والذي بررها بأسباب مرتبطة بـ "الأحوال الجوية التي شهدتها إيران يوم الانتخابات، وانتشار فيروس كورونا، وتحطم الطائرة الأوكرانية"، فيما قال خامنئي، عبر حسابه الرسمي على تويتر: "مارست الوسائل الإعلامية الأجنبية ضخها الإعلامي السلبي منذ عدة أشهر وكثفته مع اقتراب موعد الانتخابات ولم يتوانوا خلال اليومين الأخيرين عن استغلال أدنى فرصة وتحججوا بمرض وفيروس من أجل ثني الناس عن المشاركة في الانتخابات".

يواجه مشروع الثورة الإسلامية في إيران مأزقاً حقيقياً إذ يطرح عمق أزمة الإسلام السياسي بنسخته الشيعية وتساؤلات حول مستقبله

ما سبق ذرائع لكنها تجانب الحقائق التي تقول مخرجاتها إنّ مشروع الثورة الإسلامية في إيران يواجه مأزقاً حقيقياً، وصل ذروته، ويطرح عمق أزمة الإسلام السياسي بنسخته الشيعية، ويطرح تساؤلات جادة وعميقه حول مستقبله.
لا يمكن اليوم للمحللين والمعنيين بالشأن الإيراني أن يتعاملوا مع رواية وزير الداخلية الإيراني ولا حتى تصريحات المرشد إلا بوصفها منفصلة عن الواقع؛ فانخفاض نسبة الاقتراع كانت تحدياً معروفاً يدركه المرشد الأعلى للثورة ومعه رئيس الجمهورية، اللذان نزلا بثقلهما لمخاطبة الشارع باستعطاف غير مسبوق، وبخطاب يخلط بين الديني والوطني لدفع الغالبية من الناخبين للإدلاء بأصواتهم، فيما كان تمديد الاقتراع لساعتين إضافيتين يؤكد أنّ التمديد جاء لتجاوز عتبة الـ "40%" للاقتراع، في الوقت الذي لم يكن قرار التمديد بسبب طوابير الناخبين الطويلة أمام مراكز الاقتراع.
تدرك القيادة الإيرانية بشقيها؛ الإصلاحي والمتشدد، أنّ العقوبات الاقتصادية وتداعياتها فعلت فعلها لدى الناخب الإيراني في ظل عجز عن مواجهة آثار العقوبات المعروفة، وخاصة الانتفاضة التي أعقبت قرار زيادة أسعار البنزين، وربما أخطأت في الاعتقاد بأنّ شعبية القيادة الايرانية ما زالت عالية بعد رد الفعل الشعبي "المبرمج" في أعقاب مقتل قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني، تلك الشعبية التي ذهبت أدراج الرياح بعد يومين من دفن سليماني، إثر حادثة الطائرة الأوكرانية التي أعقبتها بمظاهرات عارمة نفّذها طلبة الجامعات الإيرانية، كما تدرك القيادة الإيرانية أنّ مشروعها الإقليمي القائم على مذهبية مرفوضة شعبياً في المنطقة، يترنّح في بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء، وأنّ دلالات هذا الترنح ورسائله "غير المشفرة" ترد من بغداد، أقرب العواصم لطهران، رافضة مقولات المظلومية من قواعد محسوبة على المرشد الأعلى مذهبياً.

اقرأ أيضاً: المحافظون المتشددون يسيطرون على البرلمان الإيراني.. ما هو مستقبل روحاني؟

نسبة الاقتراع المتدنية تشكل ضربة موجعة للقيادة الإيرانية، التي أرادت أن ترسل رسالة للعالم بأنّ هناك ثقة وقبولاً شعبياً للنظام الإيراني بالداخل، وفوز المتشددين بأكثر من ثلثي مقاعد البرلمان "190 مقعداً من أصل 290" فيما فاز الإصلاحيون بـ "16" مقعداً، وهو ما  يعني أنّ الانتخابات كانت بدائرة مغلقة بين المتشددين، وهو ما يطرح تساؤلات حول حقيقة تمثيل النظام الإيراني للشعب الإيراني.

تدرك القيادة الإيرانية أنّ مشروعها الإقليمي القائم على مذهبية مرفوضة شعبياً في المنطقة يترنّح في بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء

لقد طرحت الانتخابات الإيرانية وبصورة واضحة الإسلام السياسي بنسخته الشيعية، الذي لم يتعرض لامتحان حقيقي كما هو اليوم، في الوقت الذي تعرض فيه الإسلام السياسي بنسخته السنّية لامتحانات صعبة في؛ السودان ومصر والمغرب العربي، فيما امتحانه الأصعب تعيشه تركيا، تثبت اليوم أن لا فرق بين الإسلام السياسي بنسختيه؛ شيعية كانت أم سنّية، وأنّ الإسلام السياسي غير قادر على استيعاب المكونات السياسية الوطنية ومنحها فرصاً في إطار تعددية واسعة، وأنّه لا يستطيع أن يعمل إلا في إطار الاستحواذ الكامل على السلطة وإقصاء الآخر حتى لو كان قريباً منه، وهو ما تم مع التيار الإصلاحي، بقيادة رئيس الجمهورية حسن روحاني، فرغم خلافاته مع المرشد إلا أنّه الأقرب له، رغم المرونة المزعومة التي كان يبديها في محطات مفصلية، فقد قدم غطاءات للحرس الثوري الإيراني أمام العالم، وللتذكير فإنّ روحاني هو صاحب مقولة: "إن طهران تسيطر على أربع عواصم عربية وليس المرشد الأعلى للثورة".

اقرأ أيضاً: ثوران البرلمان الإيراني الجديد
وإذا كانت إيران قادرة ولو بصورة محدودة أن تتواصل مع العالم الخارجي من خلال صيغة "حسن روحاني وجواد ظريف" وإرسال رسالة بأنّ هناك تياراً في إيران يمكن التفاهم معه، وتقدم من خلال وزراء إصلاحيين خطاب تهدئة للشارع الإيراني المنتفض، بوعود تخفف من حدة احتقانه، فكيف سيكون الحال اليوم بخطاب منفرد يقوده المرشد الأعلى وأعوانه، خطاب لطالما قدم الإيرانيون إجابات عليه منذ أواخر عام 2017، وكيف سيتعاطى العالم مع خطاب إيراني متشدد، مع مزيد من العقوبات الأمريكية والمزيد من العزلة الدولية لإيران؟ الإجابات واسعة ومتعددة على تلك التساؤلات وغيرها، إلا أنّ المؤكد أنّنا على أبواب إيران جديدة عنوانها التكيف مع التحولات الدولية العميقة، وليس مواجهتها والتصدي لها.

للمشاركة:



الهند: تصاعد أعمال العنف بين المسلمين والهندوس..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

ارتفعت حصيلة أعمال العنف بين الهندوس والمسلمين في العاصمة الهندية، نيودلهي، إلى عشرين قتيلاً و189 جريحاً، بينهم نحو ٦٠ شخصاً أصيبوا بعيارات نارية.

ودعا رئيس وزراء دلهي، اليوم، الحكومة الهندية إلى فرض حظر للتجول ونشر الجيش في المناطق التي تشهد صدامات بين أتباع الديانتين منذ أيام، حسبما نقلت "فرانس برس". 

وقال أرفيند كيجريوال، في تغريدة: "كنت على اتصال مع عدد كبير من الأشخاص طوال الليل"، مؤكداً أنّ "الشرطة، رغم كلّ جهودها، غير قادرة على السيطرة على الوضع، ويجب استدعاء الجيش وفرض منع للتجول في المناطق المتأثرة فوراً"، مؤكّداً أنه في طريقه لتقديم طلب إلى الحكومة المركزية في هذا الشأن.

ارتفاع حصيلة ضحايا أعمال العنف في نيودلهي إلى 20 قتيلاً وإصابة 189 جريحاً

من جهته، قال مدير مستشفى "غورو تيك باهادور"، سونيل كومار: إنّ "189 شخصاً نقلوا إلى المستشفيات، ٦٠ منهم مصابون بالرصاص".

ومنذ الأحد، ينشر أشخاص يحملون العصي والحجارة، وبعضهم مسدسات الفوضى والرعب في مناطق بشمال شرق العاصمة، تضمّ أغلبية مسلمة وتبعد نحو عشرة كيلومترات عن وسط نيودلهي.

وكان مصدر طبي في المستشفى قد تحدث قبل ذلك عن مقتل 17 شخصاً وجرح 150 آخرين، بينهم نحو عشرة في حالة حرجة.

وتحولت صدامات بين أنصار ومعارضين لقانون مثير للجدل حول الجنسية اعتبر تمييزياً حيال المسلمين، إلى مواجهات بين الهندوس والمسلمين.

وأوردت الصحف الهندية عدداً من الحوادث التي هاجمت فيها مجموعات مسلحة من الهندوس أشخاصاً مسلمين، وأظهرت تسجيلات فيديو عصابات تهتف "يحيا الإله رام".

وتزامنت أعمال العنف مع زيارة للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، استغرقت يومين إلى الهند.

 
 
في أربعاء، مُدق

 

للمشاركة:

مرتزقة أردوغان تستهدف المدنيين في طرابلس..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

جددت المليشيات والمجموعات الإرهابية التابعة لتركيا، اليوم، خرق قرارات وقف إطلاق النار بالعاصمة الليبية، طرابلس، مستهدفة منازل المدنيين.

 

 

وقال الناطق باسم الجيش الليبي، اللواء أحمد المسماري؛ إنّ العصابات الإرهابية، بقيادة ضباط أتراك، استهدفت منازل المدنيين بمنطقتي قصر بنغشير وعين زارة، جنوب العاصمة طرابلس، وفق ما نقلت وسائل إعلام محلية ودولية.

المليشيات التابعة لتركيا تخرق قرارات وقف إطلاق النار بطرابلس وتستهدف منازل المدنيين

وأضاف المسماري في بيان) المجموعات الإرهابية المدعومة، وبقيادة تركية، روعت المدنيين في تخوم طرابلس من خلال القصف بالأسلحة الثقيلة من عدة مواقع داخل العاصمة.

وأشار إلى أنّ الدفاعات الجوية للجيش الليبي قد أسقطت، أمس، طائرة مسيرة تركية جنوب طرابلس، بعد إقلاعها من القاعدة التركية معيتيقة.

وشدّد المسماري على أنّ غرفة عمليات المنطقة الغربية ووحدات الجيش الوطني في جاهزيتها التامة للتعامل مع أيّ تهديد أمني يعرض أمن وسلامة العاصمة والقوات للخطر.

الدفاعات الجوية للجيش الليبية أسقطت طائرة مسيرة تركية جنوب طرابلس بعد إقلاعها من معيتيقة

وبسقوط هذه الطائرة في جنوب طرابلس يرتفع إجمالي عدد الطائرات التركية المسيرة القتالية المسقطة، منذ نيسان (أبريل) الماضي، أو التي جرى استهدافها جواً في قاعدتي معيتيقة ومصراتة إلى أكثر من 17 طائرة، تضاف لها طائرات استطلاع أصغر حجماً متعددة الاستخدامات.

وبدأت في ليبيا، منذ 12 كانون الثاني (يناير) الماضي، عملية وقف لإطلاق النار، إلا أنّ تركيا والمجموعات التابعة لها تواصل خروقاتها المستمرة لوقف إطلاق النار، الذي أصبح ملزماً وفق قرارات مجلس الأمن وتعهدات مؤتمر برلين بشأن ليبيا.

للمشاركة:

السعودية تحاكم جواسيس إيران..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

حكمت محكمة في السعودية، أمس، على مواطن بالإعدام وسجن سبعة آخرين باتهامات بالخيانة والتخابر لصالح إيران.

وذكرت قناة "الإخبارية" السعودية، أمس؛ أنّ المحكمة الجزائية المتخصصة أصدرت حكماً ابتدائياً على مجموعة مكونة من 8 أشخاص، جميعهم سعوديون، وتضمن القرار الحكم على المدعى عليه السادس بالقتل تعزيراً، وذلك لثبوت إدانته بخيانته لوطنه ولأمانته المؤتمن عليها، من خلال تخابره لصالح شخص من الاستخبارات الإيرانية".

وأضافت "الإخبارية"، في تقرير نشرته على موقعها الإلكتروني: "القرار تضمن تعزير بقية المتهمين بالسجن لمدد متفاوتة، بلغ مجموعها ثمانية وخمسين عاماً، وذلك لارتباطهم وتعاونهم مع أشخاص مشبوهين يعملون في السفارة الإيرانية".

وتأتي هذه الأحكام ضمن جهود الرياض لتطويق الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة، وإحباط كلّ محاولات طهران تمديد نفوذها الاستخباراتي إلى داخل المملكة، للحصول على معلومات تعزز تحضيراتها لاعتداءات على منشآت نفطية ومواقع إستراتيجية سعودية.

محاكمة  8 سعوديين بتهمة الخيانة والتخابر لصالح إيران أحدهم بالإعدام والباقون بالسجن لمددامتفاوتة

وكانت المحكمة الجزائية المتخصصة السعودية قد أصدرت حكم الإعدام، في حزيران (يونيو) 2018، على أربعة مواطنين متهمين بالتجسس لصالح إيران وخططوا لاغتيال شخصيات سعودية.

وتتصاعد حدة التوترات بين الرياض وطهران على خلفية اعتداءات إيران على منشآت نفطية سعودية وتهديداتها المتكررة بضرب مواقع إستراتيجية بالمملكة.

ونفذت إيران، في أيلول (سبتمبر) الماضي، بطائرات مسيرة هجمات على منشأتي النفط السعوديتين بقيق وخريص، ومنشآت بخليج عُمان، ما أثار قلقاً دولياً على أمن المنطقة التي تتضمّن ثلث إمدادات النفط العالمية.

كما تفاقم إيران التوتر في منطقة الخليج العربي بدعمها المسلح لميليشيات الحوثي الانقلابية في اليمن.

 

للمشاركة:



حزب الله.. الولاء لإيران قبل الأمن الصحي للبنان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

عديد نصار

لم يكن في وارد انتفاضة 17 أكتوبر، منذ انطلقت، أن تضع حزب الله على رأس استهدافاتها، وعلى الرغم تصدر هذا الحزب مواجهة الانتفاضة من خلال خطابات زعيمه الذي أعلن بوضوح رفضه لأهدافها، كما من خلال إرسال وتحريض المجموعات التشبيحية للاعتداء على المتظاهرين والتهجم عليهم في عمليات “غزو” لساحات اعتصامهم وأماكن تظاهرهم، إلا أن خطاب الانتفاضة لم يتغير، واضعا جميع القوى السياسية التي شاركت في السلطة على مدى 30 سنة في خانة واحدة في تحمل المسؤولية عما آلت إليه أوضاع البلاد والكارثة الاقتصادية والاجتماعية التي ألمت بها.

لم يكن ذلك حبا لحزب الله وزعيمه، ولا خوفا من سلاحه أو بطشه، ولكن ذلك كان لأمرين بسيطين: الأول والأهم العمل على افتكاك القواعد الشعبية التي تعتبر البيئة الحاضنة للحزب، والرازحة كما كل اللبنانيين تحت وطأة الأزمات المتفاقمة، وبالتالي عدم إثارة الشكوك لديها حول حقيقة الانتفاضة كي تكون في صلبها، لأنه دون هذه الفئة من المجتمع لا يمكن للانتفاضة أن تحقق هدفها الأساس لتحقيق باقي أهدافها والمتمثل في الانتقال من مجتمعات الرعايا الطائفية إلى مجتمع المواطنة المتساوية في رحاب وطن لجميع أبنائه وبناته يحكمه القانون ويسوده عمل المؤسسات. والثاني عدم جر الخارج الإقليمي والدولي إلى ملعب الانتفاضة.

غير أن حزب الله لم يترك بابا إلا وشرّعه على نفسه في تأكيد عدائه للانتفاضة الشعبية ولجميع أهدافها، ممارسا قمعا ظاهرا وخفيا على أبناء المناطق التي يسيطر عليها مانعا عليهم التظاهر والاعتصام وملاحقا الناشطين منهم الذين يشاركون في التظاهرات في المناطق الأخرى. وهو لم يترك وسيلة لتشويهها إلا واستخدمها مسخرا وسائل إعلامه وحلفائه وجيشه الإلكتروني لإطلاق اتهامات متنوعة بحق الناشطين ولإطلاق النعوت المسيئة إليهم.

وفي حين فُرض حظر تام للتظاهر في الضاحية الجنوبية لبيروت، أتيح للشيوعيين واليساريين تنظيم “حراك” شعبي غير صدامي، أي أنه لا يهاجم إلا القوى التي كانت منضوية في اصطفاف 14 آذار، وتحديدا سمير جعجع قائد القوات اللبنانية وكذلك المصارف وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، مستثنيا حزب الله وحركة أمل. ومع ذلك لم يسلم المتظاهرون الجنوبيون في صور والنبطية من الاعتداءات المتكررة.

غير أن كل ذلك لم يكف، إلى أن جاءت الكورونا لتضرب في قم، محجة حزب الله المقدسة. هنا برز بوضوح أن حزب الله الذي تصدى للانتفاضة لا تعنيه معاناة اللبنانيين الاقتصادية والمعيشية فحسب، وإنما لا تعنيه صحتهم العامة أيضا.

فرض حزب الله على الحكومة أجندته كاملة. فليس هناك وقف للرحلات الجوية من إيران إلى بيروت، ولا أحد يمكنه أن يتحكم بكيفية وصول “الحجاج” وكيفية استقبالهم وانتقالهم إلى أماكن سكناهم المنتشرة في مختلف المناطق، مع أن أول حالة إصابة سجلت في لبنان بفايروس كورونا المستجد جاءت من إيران وبالتحديد من مدينة قم.

وفي مطار بيروت الدولي، حيث ينبغي أن تتشدد المراقبة على الوافدين من البلاد المصابة بالفايروس، ظهر إلى العلن مدى سيطرة حزب الله على هذا المطار وتحكمه بأمنه. فيد حزب الله فوق يد الأمن العام ووزارة الصحة والحكومة مجتمعة. وقد افتضح ذلك عندما أقدم عنصر من الحزب على الاعتداء على إحدى المراسلات التي كانت تسأل القادمين على متن طائرة إيرانية من طهران، حيث انتزع هاتفها المحمول وفرض عليها تشغيله ثم بادر إلى مسح ما قامت بتسجيله مع القادمين بمعرفتهم ورضاهم، كل ذلك على مرأى ومسمع القوى الأمنية في المطار دون أن تحرك ساكنا.

وفي حين أغلقت غالبية الدول أراضيها أمام الوافدين من إيران، برر وزير الصحة استمرار استقبال الطائرات الإيرانية بأسباب سياسية و“إنسانية”، إذ لا يمكن للبنان أن يرفض استقبال أبنائه القادمين من إيران. بينما عمدت السعودية إلى الطلب من الكويت الإبقاء على السعودي المصاب بالفايروس على أراضيها حتى استكمال علاجه. أما كندا فقد عمدت إلى تشديد المراقبة على جميع الوافدين من كل بلدان العالم بعد أن تبين لها مدى خطورة انتشار الفايروس في عدد كبير من الدول.

لبنان المحكوم من حزب الله، الذي تصدى للانتفاضة وأمّن حماية نظام المناهبة وإعادة إنتاج حكومته بالطريقة التي تؤكد سيطرته على البلاد، بات مهددا بالكورونا. فاستمرار فتح أجوائه ومطاره للطائرات الإيرانية يمثل تهديدا صريحا للأمن الصحي في البلاد، حتى بات حزب الله الذي وضع لبنان تحت حجر مالي وفي قبضة عصابات ناهبة، يمثل أيضا تهديدا صريحا للأمن الصحي لعموم اللبنانيين. وهذا ما يجعل الصدام أمرا محتوما بين الانتفاضة وبين الحزب، إذ لم تعد المسألة متعلقة بلقمة العيش فقط، بل بالخطر المحدق بصحة كل من هو متواجد على الأراضي اللبنانية، لا لشيء إلا لأن حزب الله لا يريد قطع خطوط الاتصال مع إيران لأنه بذلك تنقطع عنه الإمدادات والمؤونة. وإلا فما معنى أن يترك القادمون يخرجون من حرم المطار دون الالتزام بنقلهم بباصات خصصتها لهم وزارة الصحة؟

سيكون حزب الله مع اللبنانيين وجها لوجه، وبالتحديد مع ما يقول عنهم إنهم “بيئته الحاضنة” إذا سُجلت إصابات جديدة بفايروس كورونا المستجد بين القادمين من إيران.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

الانتخابات الإيرانية... عسكرة الثورة والدولة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

مصطفى فحص

حسم ناظم ولاية الفقيه موقفه داخلياً، وحدَّد طبيعة جديدة للنظام تختلف عن الطبائع السابقة التي شهدت تنافساً بين تيارات متعددة إصلاحية ومعتدلة، ومتشددة، ضمن ثنائية «الثورة» و«الدولة»، وكان الانطباع العام أن التيارين الإصلاحي والمعتدل يميلان إلى فكرة «الدولة»، بينما ارتبط التيار المحافظ بطبيعة «الثورة». إلا أنَّ الانتخابات التشريعية الأخيرة فتحت الطريق رسمياً لإخضاع المؤسسات الرسمية والعقائدية، وثنائية «الثورة» و«الدولة»، لطبيعة واحدة.
تنتمي هذه الطبيعة الواحدة الجديدة بكاملها إلى عسكريتارية عقائدية موالية لمؤسسة «الحرس الثوري»، الذي بات بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة يسيطر على مجلس الشورى (البرلمان)، ومن المرجح أن يكون رئيسه أحد قادته السابقين. هذا التحول غير الصحي في الحياة السياسية للنظام يكشف عن مأزق بنيوي عند النخبة الحاكمة في عدم قدرتها على إعادة إنتاج طبقة سياسية جديدة وفقاً لشروطها الآيديولوجية في توقيت يجري فيه الاستعداد لمرحلة ما بعد المرشد، لذلك اتخذت قرارها الأصعب بإنهاء الإصلاحيين وإقصاء المعتدلين، رغم تداعيات هذا القرار المستقبلية التي ستظهر التراجع الحاد في شعبية النظام، الذي ترجم في ضعف الإقبال على الانتخابات، خصوصاً في المدن الكبرى المؤثرة في صناعة الرأي العام الإيراني، يقابله تراجع حاد في حضور التيار الأصولي في الشارع؛ الأمر الذي عجّل ببدء نقل السلطة إلى العسكر الذي يحظى بتأييد التيارات الراديكالية كافة التي تخوض معركة الدفاع عن النظام، بهدف ضمان استمراره.
أظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة سيطرة «الحرس الثوري» والتيار الأصولي على أغلبية مقاعد البرلمان، فلأول مرة يحصل «الحرس» على 120 مقعداً من أصل 290، فيما تراجعت حصة الإصلاحيين إلى 19 مقعداً، بينما تقاسمت أجنحة النظام المتشددة والأصولية بقية المقاعد. إلا أن هذه النتائج ستفرز برلماناً منسجماً في توجهاته الداخلية والخارجية، فهو داخلياً سيحمل على عاتقه مهمتين: الأولى داخلية في جزأين: الأول تعطيل ما تبقى من ولاية حسن روحاني الرئاسية ومحاصرته تشريعياً وإلغاء أي تأثير له حتى إخراجه نهائياً من المشهد السياسي الإيراني، لكيلا تتكرر تجربة ما بعد الرئاسة التي مارسها الرئيس رفسنجاني والرئيس خاتمي. أما الجزء الأهم لبرلمان العسكر فهو في تقديم تجربة تشريعية شعبوية تلامس واقع المواطن الإيراني المتذمر اقتصادياً ومعيشياً، وذلك بهدف التمهيد لسيطرة «الحرس» على موقع رئاسة الجمهورية. أما المهمة الثانية فهي تقديم تغطية تشريعية لقرارات النظام المتعلقة بالسياسة الخارجية واحتمال الانتقال إلى التصعيد مع واشنطن خلال المرحلة المقبلة؛ فمن المتوقع أن تشهد مزيداً من الاحتكاكات الخشنة الإيرانية عبر وكلائها في مقابل استمرار واشنطن في فرض مزيد من العقوبات على إيران.
من البرلمان حالياً إلى الرئاسة مستقبلاً، يستعد النظام الإيراني لعسكرة طبيعة السلطة، وهذا أشبه باعتراف ضمني من النخبة بتراجع خطابها العقائدي وتقلص تأثيره الثقافي والاجتماعي على المجتمعات الإيرانية إلى مرحلة تهدد وحدتها، التي قامت منذ عام 1979 على الربط بين هويتين؛ دينية ووطنية، جمعتهما مؤسسة الولي الفقيه الذي شكّل موقعه في رأس هرم السلطة ضماناً لهذا الربط الذي أمّن الغطاء الروحي لـ«الثورة» و«الدولة».
ولكن مع ازدياد صعوبات المرحلة الانتقالية وغياب وجه يمتلك إرثاً تاريخياً يسمح له بملء الفراغ الذي سيتركه غياب المرشد الحالي، لجأ النظام إلى التسليم بدور «الحرس الثوري» المطلق، وتسليمه زمام الأمور؛ حيث باستطاعته ضمان انتقال السلطة إلى مرشد جديد وتأمين الغطاء الثوري والعقائدي له وحماية موقعه في تركيبة السلطة، ولكن هذه المعادلة تفرض على «الحرس» التدخل مباشرة في الانتخابات الرئاسية؛ حيث من الصعب أن يقبل بوجود رئيس قوي في مرحلة انتقالية تضعف دور المرشد، كما أن معضلته الكبرى أنه لا يمكن له ضمان استقرار النظام إذا كان المرشد جديداً والرئيس ضعيفاً، لذلك بات أغلب التكهنات أن «الحرس» يتجه لحسم الموقف في الموقعين، وبات الأقرب والأكثر احتمالاً أن يكون الرئيس قوياً لكن بشرط أن يكون من «الحرس».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

السلطان في عزلته.. أردوغان وأوهام الانقلاب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

كلما ضاق الخناق حول رقبة الدكتاتور، كلما زاد حديثه عن المؤامرات التي تدبر للانقلاب عليه، إنها نظرية الشك للسلطان المتوحد في عزلته بعيدا عن نبض الشعب.

ولعل هذا ما يفعله الرئيس التركي أردوغان الآن مع كثرة الحديث في وسائل الإعلام التركية الموالية له عن قرب حدوث انقلاب عسكري ضده.

هو تكتيك لإخفاء الانهيار في حزب العدالة والتنمية الحاكم، وفشل حكم الرجل الواحد. كما يقول السياسي المعارض بولنت كوش أوغلو.

أردوغان استغل تقريرا نشرته مؤسسة الأبحاث والتطوير (راند) بتمويل من الجيش الأميركي جاء فيه أن عمليات التطهير في الجيش التركي في أعقاب محاولة انقلاب عام 2016 أثرت سلباً على القدرة الاستراتيجية والتكتيكية للقوات المسلحة التركية.

ويشعر الضباط من الرتب المتوسطة بالإحباط الشديد إزاء القيادة العسكرية وبالقلق بعد إزاحتهم في عمليات التطهير المستمرة إثر الانقلاب. قد يؤدي هذا الاستياء إلى محاولة انقلاب أخرى في مرحلة ما.

ويبدو أن أردوغان المصاب بالرعب يستغل هذا التقرير إلى أبعد الحدود.

قال كوش أوغلو، نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض "هذه ليست حكومة تحكم الدولة بطرقها الطبيعية ... نحن نتحدث عن حكومة بسطت سيطرتها على جميع مؤسسات الدولة، بما في ذلك الجيش والجنود والقضاء والشرطة ووكالة الاستخبارات ووسائل الإعلام".

لكن

يبقى السؤال: هل يمكن لأحد محاولة الانقلاب على حكومة تسيطر بقوة على جميع مؤسسات الدولة؟

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية