علي مبارك "أبو التعليم في مصر" لا تمثال له في القاهرة

"أبو التعليم في مصر" و"طليعة الأفندية"، وسواها. ليست مجرد صفات بلاغية أو ألقاب، تحمل مبالغات حول شخصية تنتمي إلى النخبة السياسية والثقافية في تاريخ مجتمعها، كما يحدث أحياناً، لكنها في حالة "علي مبارك"، تعني بدقة ووضوح شديدين، أهمية تأثيره ودوره في مجالات حيوية عديدة، ساهم فيها بدرجات متفاوتة، وترك آثاره عليها، في التعليم والصحافة والعمران، وجمع بين عدة اهتمامات كالعلم والفنون، وهندسة المدن، وأنظمة الري والمواصلات، والعمل الوزاري والدور الشعبي، بالإضافة إلى الاطلاع الواسع على التراث، وعلوم العرب القديمة، وفنون الغرب الحديثة.
الهروب من القرية
ولد علي مبارك (1833-1893) في إحدى قرى محافظة الدقهلية، شمال شرق دلتا النيل. وكحال معظم أبناء جيله، التحق بـ "كتاب" القرية، حيث حفظ القرآن الكريم، وتعلم القراءة والكتابة، لكنه لم يحتمل الطريقة التقليدية للدراسة والحفظ لدى مشايخ الكتاب، فهرب من قريته أكثر من مرة، حتى تمكن من استكمال مسيرته التعليمية التي بدأها بشغف، ورغبة في التقدم والنبوغ، إذ أمضى ثلاث سنوات في المدرسة التجهيزية، والتي انتقل إليها من مدرسة الجهادية بالقصر العيني، حين التحق بها بعد هروبه، بينما كان في الثانية عشرة من عمره، وهي مدرسة داخلية، يحكمها النظام العسكري الصارم، بيد أنّها ألغيت بعد عام من دخوله إليها.

من المفارقات التي تبعث على الدهشة والحيرة أنّ المتجوّل في شوارع القاهرة لا يجد تمثالاً واحداً لعلي مبارك

وفي مدرسته الجديدة، التي تميزت بخصائص تعليمية عديدة، ونظام تربوي وتعليمي، أكثر حداثة تطوراً ومرونة، اختير مع مجموعة من الطلبة المتفوقين، للالتحاق بمدرسة المهندسخانه، وقد كان المسؤول عنها، المهندس الفرنسي، "يوسف لامبيز"، وخلال خمسة أعوام، هي عمر ما قضاه في تلك المدرسة للدراسة، تعرف على أصول ومبادئ الهندسة والرياضيات، ودرس المعادن وطبقات الأرض والجيولوجيا، حتى سافر في بعثة إلى فرنسا، العام 1845، لدراسة العلوم، حيث اختاره سليمان الفرنساوي، للسفر مع أبناء محمد علي باشا وأحفاده، في البعثة التعليمية التي عرفت باسم "بعثة الأجيال".
ولد علي مبارك (1833-1893) في إحدى قرى محافظة الدقهلية

النهضة التعليمية ومسيرة النبوغ
اقترنت نشأة علي مبارك بالتطور الذي رافق العملية التعليمية في مصر، والتغيرات الجمة التي تعرضت لها، في مسيرة تأسيس الدولة المدنية الحديثة، منذ شرع محمد علي في بنائها، خلال سنوات حكمه، الممتدة من 1805 وحتى العام 1848، إذ شهدت طموحات مؤسس مصر الحديثة في التوسع، وزيادة مساحة نفوذه السياسي والعسكري. لذا، يعد مسار مبارك التعليمي مرتبطاً بمسار الدولة المدنية، وخطواتها في التأسيس والازدهار؛ إذ كان تعليمه من البداية وحتى النهاية مدنياً، كما يشير الناقد الأدبي، الدكتور جابر عصفور، في كتابه: "أعلام التنوير".

اقرأ أيضاً: صبحي غوشة: شمس مقدسية تطل من النافذة العالية
إذاً، ذهب مبارك إلى فرنسا في البعثة التعليمية، بوصفه طالباً مدنياً وليس شيخاً أزهريا معمماً، كحال من سبقوه، سيما رفاعة الطهطاوي.
أمضى مبارك في باريس عامين، قضاهما مع أعضاء البعثة، والتي كان من بين أعضائها الخديوي إسماعيل، والأخير كان الأقرب لمبارك في البعثة، وأضحى مبارك في عهده ناظراً للمعارف العمومية ووزارة الأشغال والسكك الحديدية، بالإضافة إلى إسناد مهمة الإشراف على القناطر الخيرية أثناء تدشينها.
بصمات على البشر والعمران
ومن بين الأدوار المهمة التي قام بها علي مبارك، والتي مازال أثرها قائماً حتى اليوم، هي إنشاء دار الكتب التي أشرف على تأسيسها، وكان أول من وضع لها نظاماً دقيقاً في ما يتصل بعملية المطالعة والمراجعة والنسخ، وتمكن من حيازة نوادر المخطوطات، والمطبوعات، والوثائق، التي كانت متفرقة بين الزوايا والمساجد والبيوت، بالإضافة إلى الكتب المطبوعة التي تزامن وقت طباعتها مع إنشاء مطبعة بولاق، العام 1822، بعد أن ظلت الطباعة العربية تحتكرها مطبعة الآستانة.

اقرأ أيضاً: أحمد لطفي السيد: لا نهضة دون اختلاف
فطن مبارك إلى تأسيس ديوان المدارس، وهي خطوة تعكس رؤية متقدمة وجادة في سبيل تغيير نوعي في العملية التعليمية، ورفع مستواها، عبر أسس علمية سليمة، تراكم المعرفة بشكل منظم؛ حيث من شأن "ديوان المدارس" أن يعنى بتوحيد أنظمة التعليم، وتطويرها، عبر نظام مركزي واحد، مهمته التحديث وبناء المناهج. وفي العام 1871، الذي أنشأ فيه الديوان، أسس "دار العلوم" التي تقوم بتخريج معلمين، يقومون بالتدريس في المدارس المدنية الحديثة، والتي كانت قد بدأت في الانتشار في مصر، في فترة شهدت تصاعد لوتيرة التعليم المدني.
قام بتوسيع شارع محمد علي وميدانه في منطقة وسط القاهرة

الصحافة المدرسية.. طلائع الأفندية
تدين الصحافة المدرسية إلى علي مبارك الذي تفتق ذهنه إليها، في إطار رؤيته لتحديث التعليم، إذ اعتبر أنّ ممارسة الطلبة للصحافة داخل مدارسهم، من شأنها أن تربطهم بالمعرفة الحديثة، وتحرضهم على الثقافة والنقد، والاشتباك مع الواقع وأحداثه وتطوراته في مختلف المجالات، لذا، أنشأ مجلة "روضة المدارس"، في العام 1870.

من بين الأدوار المهمة التي قام بها مبارك إنشاء دار الكتب حيث وضع لها نظاماً دقيقاً للمطالعة والمراجعة والنسخ

ثمة إشارة لافتة إلى دور صاحب مجلة "روضة المدارس"، في تحديث العمران، وتطوير الأحياء والشوارع، والاهتمام بجماليات المدينة التي عاش فيها، وبنفس الدرجة التي سعى فيها إلى تطوير الفكر وتحديث المعرفة، شغف بالتخطيط المدني، وضم أدوات الاتصال والنقل العصرية، ووسائل التحديث، فقام بتوسيع شارع محمد علي وميدانه، في منطقة وسط القاهرة، وميادين الأزبكية وعابدين، وأزال التلال الموجودة بين منطقتي الفجالة وباب الفتوح، وأقام فيها الحدائق.
كما أنشأ جسر قصر النيل الواصل بين القاهرة والجيزة، ونظم المرافق الصحية، فضلاً عن تأسيس مباني البريد، ومحطات السكك الحديدية الحديثة، وتعددت القناطر والجسور التي أسسها، وأشهرها: "ترعة الإسماعيلية والإبراهيمية".

اقرأ أيضاً: جادو عزّ الدين.. رحيل شاهد على ذاكرة النضال والوحدة
ومن المفارقات التي تبعث على الدهشة والحيرة، أنّ المتجوّل في شوارع القاهرة، لا يجد تمثالاً واحداً لعلي مبارك، حتى يخلد دوره الذي ساهم فيه بالكثير تجاه المدينة التاريخية، ويعد صاحب النهضة العمرانية الحديثة بها، وذلك حين أسند إليه، الخديوي إسماعيل، قيادة مشروعه المعماري العمراني، وإعادة تنظيم القاهرة على نمط حديث، فشق الشوارع الواسعة، والميادين، وأسس المباني والعمائر العثمانية الجديدة، وأمد القاهرة بالمياه وأضاء شوارعها بالغاز والمصابيح.

الأقسام: