"الإنسان قمة التطور": سلامة موسى متأثراً بداروين وجالباً على نفسه اللعنة!

4700
عدد القراءات

2019-07-03

ظهرت في القرن التاسع عشر العديد من النظريات الكبرى، التي حاولت أن تفسر الإنسان والعالم تفسيراً شمولياً بردّه إلى المبدأ الواحد (اللوجوس). وقد ظهرت هذه النظريات في حقول معرفية عدة، كان منها الأحياء؛ حيث برزت فيها "نظرية التطور" التي أطلقها تشارلز داروين، وقد لاقت النظرية قبولاً كبيراً في أوساط الجماعة العلمية آنذاك، في حين لاقت معارضةً كبيرة من المؤسسات الدينية المسيحية.

اللغة تحتاج إلى الحياة الاجتماعية؛ إذ هي للتفاهم؛ أي أن يفهم واحد ما يقوله الآخر؛ أي إنّ اللغة ليست اختراع فرد وإنما هي اختراع جماعة

وتقوم النظرية على افتراض مادي أساسه أنّ الكائنات الحية عُرضة للتطور من خلال التغير على مدار الزمن، هذا التغير يأخذ شكلاً تدريجياً؛ حيث تحدث تطورات كمية ونوعية في البنية الأساسية للكائن الحي. ويستند التطور إلى قاعدة حتمية هي؛ أنّ البقاء للأصلح، وأنّ التكيف أساس البقاء، بمعنى أنّ أساس بقاء الكائن الحي مرهون بصلاحيته، وصلاحيته تعتمد بشكل كلي على قدرته على تكييف نفسه مع الواقع من حوله.
وكان المفكر المصري سلامة موسى من أوائل من استقبلوا بحفاوة النظرية الداروينية، فأنشأ يكتب عنها وفيها، متأثراً بميوله العلمية وتفكيره الاشتراكي المادي، ودعوته إلى أنّ محاكاة الغرب والتجربة الحضارية التي خاضها هي الكفيلة بارتقاء المجتمع المصري.
ولد سلامة موسى عام ١٨٨٧ بقرية بهنباي على بعد سبعة كيلومترات من الزقازيق لأبوين قبطيين. التحق، كما تقول كتب السيرة المتصلة به، بالمدرسة الابتدائية في الزقازيق، ثم انتقل بعدها إلى القاهرة ليلحق بالمدرسة التوفيقية ثم المدرسة الخديوية، وحصل على شهادة البكالوريا عام ١٩٠٣.
تشارلز داروين

الرحلة إلى الغرب
سافر عام ١٩٠٦ إلى فرنسا ومكث فيها ثلاث سنوات قضاها في التعرف على الفلاسفة والمفكرين الغربيين. انتقل بعدها إلى إنجلترا مدة أربع سنوات بغية إكمال دراسته في القانون، إلا أنه أهمل الدراسة وانصرف عنها إلى القراءة، فقرأ للكثيرين من عمالقة مفكري وأدباء الغرب، أمثال: ماركس، وفولتير، وبرنارد شو، وتشارلز داروين، وقد تأثر موسى تأثراً كبيراً بنظرية التطور أو النشوء والارتقاء لتشارلز داروين. كما اطلع موسى خلال سفره على آخر ما توصلت إليه علوم المصريات.

داروين رفع الإنسان إلى العلياء، وأثبت أنّه لم يكن عالياً فسقط، وإنما هو كان ساقطاً يعيش على حضيض الطبيعة

بعد عودته إلى مصر، أصدر كتابه الأول تحت عنوان: "مقدمة السوبرمان"، الذي دعا فيه إلى ضرورة الانتماء الكامل للغرب، وقطع أية صلة لمصر بعالم الشرق. كما أصدر كتاباً آخر بعنوان: "نشوء فكرة الله"، يلخص فيه أفكار الكاتب الإنجليزي جرانت ألين، التي تتضمن نقد الفكر الديني والإيمان الغيبي، الذي يرى فيه تخديراً للشعوب وإغلالاً لأيديها. كما تَبَنَّى موسى كثيراً من الأفكار العنصرية التي سادت الغرب آنذاك؛ حيث دعا إلى أن يتزوج المصريون من الغربيات لتحسين نسلهم، وردد بعض المقولات العنصرية عن الزنوج التي كانت تعتبرهم من أكلة لحوم البشر!
المفكر المثير للجدل
توفي سلامة موسى عام ١٩٥٨، تاركاً إرثاً مثيراً للجدل، مدحه البعض كغالي شكري، حيث اعتبره نصيراً للطبقات الكادحة، ومحررا للعقول من الأوهام، وانتقده البعض الآخر كالعقاد الذي قال: "إن سلامة موسى أثبت شيئاً هاماً؛ هو أنه غير عربي". كما قال: "إنّ العلماء يحسبونه على الأدباء والأدباء يحسبونه على العلماء؛ لهذا فهو المُنبتّ الذي لا عِلْماً قطع ولا أدباً أبقى". وقد هوجم سلامة موسى من "مجلة الرسالة" الأدبية، التي وصفته بأنه الكاتب الذي يجيد اللاتينية أكثر من العربية، كما اعتبره مصطفى صادق الرافعي بأنه "معادٍ للإسلام"، ولم يره إبراهيم عبد القادر المازني سوى "دجال ومشعوذ".

اقرأ أيضاً: الإسلام والداروينية عند أمين خولي
ومن بين كتبه التي ألّبت عليه المحافظين من الكتاب والأدباء المصريين، كتابه "الإنسان قمة التطور" الذي نشره مسلسلاً، ثم جمعه في كتاب صدر عن دار المعارف بمصر، وهنا نورد منه ما يأتي:
كتابه "الإنسان قمة التطور"

مقتطفات من كتاب الانسان قمة التطور للكاتب سلامة موسى:
الشاب الذي درس التطور في الأحياء؛ نباتاً، وحيواناً، لا يتمالك أن يحس إحساساً دينياً نحو الطبيعة، ثم إذا درس بعد ذلك تطور المجتمعات والأديان والعائلة والثقافة والعلم والأدب والفن والحضارات، فإنه لا يتمالك أيضاً أن يحس المسؤولية نحو الوسط الذي يعيش فيه، ويجب أن يؤثر فيه، للخير والشرف والسمو؛ لأنه هو نفسه قد أصبح جزءاً عاملاً في هذا التطور، ويمكن أن يعد التطور بهذا الفهم ديناً أو مذهباً بشرياً جديداً.
اللغة بدورها تحتاج إلى الحياة الاجتماعية؛ إذ هي للتفاهم؛ أي: أن يفهم واحد ما يقوله الآخر؛ أي إنّ اللغة ليست اختراع فرد وإنما هي اختراع جماعة.

اقرأ أيضاً: ريتشارد دوكنز يعيد إحياء الداروينية: هل للملحد ما يواسيه؟
إنّ كل كلمة فكرة، وتسجيل الكلمات في الدماغ هو بمثابة تسجيل الأفكار، وهذه الأفكار تتصادم وتتفاعل في الدماغ الذي يكبر وينمو كي يستوعبها.

ما دامت معارفنا ناقصة، فإنّ منطقنا يبقى ناقصاً، ولذلك نحن نلجأ لغيبيات نضع فيها البصيرة والحدس مكان التعقل والمعرفة

الزراعة أنتجت الحضارة، والكتابة أنتجت الثقافة. وبالكتابة توسع التفكير البشري ووجدت كلمات التعميم والشمول، وأصبحت ممكنة، وصار الذكاء مدرباً على الفهم العام، ورويداً رويداً تحول البحث "النظري" الديني القائم على العقائد والخرافات إلى بحث فلسفي قائم على العقل والمنطق.
إنّ التقاليد تعوق التطور، والاستعمار يأكل ويشبع من الشعوب التي تجمدت بالتقاليد وسيطرت عليها الأديان التي تعلمها أنّ السعادة في عالم آخر وليست في هذا العالم، وأنّ العقيدة الدينية أهم من البترول.
(لا تعتني إلا بالصيد والكلاب، وإمساك الجرذان، وسوف تكون عاراً على نفسك وعلى عائلتك). هذه هي الكلمات التي تلقاها داروين من أبيه في وقت كان يلوح لأي إنسان يتأمل داروين أنها صحيحة، وأنّ هذا الشاب قد خاب الخيبة التامة، فقد تسكع في دراسات مختلفة، ولكنه لم يستقر على واحدة منها، فقد التحق بكلية الدين ثم تركها، والتحق بكلية الطب ثم تركها، وفي غضون ذلك كان يلعب، أو على الأقل كان يبدو كأنه يلعب، يخرج إلى الحقول ويجمع النباتات، ويصيد الحشرات ويقارن بين النباتات، ويفكر تفكيراً سرياً كأنه يتآمر على الكون كله، كي يغيّره أو يغيّر البصيرة البشرية فيه.
وبعد أكثر من مئة سنة من هذه الكلمات القاسية التي قالها أبوه عنه، لم يعد داروين عاراً على عائلته، بل هو فخر أمته يتباهى به التاريخ الإنجليزي، وبعد نحو خمسين سنة من هذا التوبيخ الأبوي، تأمّل داروين حياته الماضية، وبلغ ما أتمّه من الخدمة في التوجيه. قال: "أظن أنّ أبي قد قسا عليّ بعض القسوة".
جاليليو وداروين
لقد قيل: إنّ جاليليو حط الإنسان من عليائه، حين أعلن أنّ الأرض ليست مركز الكون، وأنها كوكب صغير يدور حول الشمس، ولعل الشمس أيضاً نجم صغير لا يختلف عن ملايين النجوم التي نراها كل ليلة في المساء، ولكن داروين رفع الإنسان إلى هذه العلياء من جديد، وأثبت أنه لم يكن عالياً فسقط، وإنما هو كان ساقطاً يعيش على حضيض الطبيعة حيواناً كسائر الحيوانات والحشرات، ثم ارتفع، وبهذه الكرامة الجديدة انتقل من أسر القدر، وأحسّ أنه تاج التطور، وأنّ له الحق في تدبير هذا العالم، وفي تعيين السلالات القادمة، بل ماذا أقول في إيجاد الأنواع البشرية الجديدة؟

جاليليو
الوسط الاجتماعي أو البيئة الثقافية في أوسع معانيها، حين تشمل المعيشة والاتجاه والعادات والعواطف، هي الحافز للتفكير، فإننا مع ذلك يجب ألا نُغفل الشخصية؛ وما دام كل فرد يولد مختلفاً عن الآخر في الحيوان والنبات، فإنّ هذا الاختلاف ينطوي بلا شك على ميزة أو عجز، فهو يساعد في الحال الأولى على البقاء والانتصار في معركة الحياة، وهو يهيئ له الهزيمة في الحال الثانية.

اقرأ أيضاً: أبناء داروين أم فرويد؟
نحن والحيوان نولد وبنا كفايات للكفاح والبقاء أو للموت والانقراض، ومهما جهد آباؤنا ومهما نالوا من كفايات في حياتهم، فلن نستطيع الانتفاع بهذه الكفايات؛ لأنّ طفل الحيوان يولد من الخلية المنوية، وهذه الخلية تعيش حياة مستقلة عن الجسم، جسم الطفل ثم الصبي ثم الشاب ثم الشيخ، وهي تظهر منذ أول التكوين للجنين؛ إذ نجد خليتين إحداهما تلك التي ينمو بها الجسم الحيواني والإنساني والأخرى تلك التي تتخصص للتناسل، وهذه تبقى خادرة كأنها نائمة إلى سن الشباب إلى حين تشرع في التكاثر وتؤدي إلى التناسل، وما يحدث للجسم إذا من ضعف أو جهد أو قطع ذراع أو أي عادات يعتادها الحيوان أو الإنسان، كل هذا لا يؤثر في الخلية المنوية؛ لأنها إنما تقطن الجسم فقط وتتغذى بالدم الذي يجري فيها ولكنها لا تتأثر به.
العادة والوراثة
وإذاً، مهما يعيش الإنسان في وسط سيئ، ومهما يكتسب في هذا الوسط السيئ من عادات مؤذية قد تحيله إلى مجرم أو وحش، فإنّ أبناءه سيخرجون وهم غير متأثرين بحياة الشر والإجرام التي عاشها.

اقرأ أيضاً: سلامة موسى.. مفكر أعزل أبحر عكس التيار
الوسط الاجتماعي، الذي يشمل التعليم وتربية الأطفال ونظام الزواج والارتزاق والأخلاق والأمراض والطعام والسكنى؛ كل هذا يؤثر في عادات الفرد ويستنبط منه كفايات أو يقتل فيه كفايات.
فإذا كنا نعيش في بيئة تعاونية تطالبنا بالحب والرفق والتعاون وتستنبط منا أجمل الفضائل، فإنّ ما نمارسه عندئذ كوظيفة يستحيل بعد أجيال إلى غرائز عضوية؛ فيعيش أبناؤنا بعد آلاف السنين وهم يتعاملون بالحب والرفق والتعاون.
وما دامت معارفنا ناقصة، فإنّ منطقنا يبقى ناقصاً، ولذلك نحن نلجأ من وقت لآخر إلى غيبيات نضع فيها البصيرة والحدس مكان التعقل والمعرفة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



غنوصية إخوان الصفا: الرهان على المعرفة والخلاص الإنساني

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-09-16

في قلب الصعيد المصري، ومن مدينة "نجع حمادي" عام 1945 اكتشف علماء الحفريات، مخطوطات لجماعة غنوصية قبطية، دفنوا مدوناتهم لتبقى في مأمن من غارات الأرثوذكس.

اقرأ أيضاً: إخوان الصفا سبقوا ماركس في الانتصار للعمال والمهمشين
عاشت الغنوصية في المسيحية واليهودية، مطاردات دائمة مع الدين الرسمي للحكام، في حين أنّ الغنوصية الإسلامية كان لها من الحظ ما أتاح لها العمل في ظل الخلافة العباسية، ووصلت إلينا بعض مدوناتها حيث رسائل إخوان الصفا وخلاّن الوفاء، أبرز تجلياتها.
في طريق المعرفة
الغنوصية تعني المعرفة في معناها المباشر، وهي ليست ديناً يدين به الناس بقدر ما هي مذهب فضفاض غير قائم على إيديولوجيا دينية متحجرة، أو دوغمائيات مذهبية، ظهرت صورته بوضوح في القرن الأول الميلادي، وجمعت بين تأثير الفلسفة الأفلاطونية الوسيطة، والتعاليم الهرمزية المنسوبة إلى هرمز المثلث العظمة، ويشار إليه في الأدبيات الإسلامية بالنبي إدريس، ومن خلال ثماني عشرة رسالة، تمّت كتابتها بواسطة رابطة أخوية مجهولة، جمعتهم المعرفة، تم ترسيخ مبادئ الغنوصية التي تدور حول الإنسان والإله الذي يسمونه بالأب الكلي؛ فالإنسان لدى الغنوصية هو جزء مادي، وجزء روحي يتحد مع الإله، ويتطلع إلى الكمال الروحي والسمو والتواصل مع الأب الكلي سعياً لانعتاق الروح، وبحسب كتاب "تأملات الوحي من المنظور الإسلامي"، للكاتب الإنجليزي "ريكي هوود"؛ فإنّ الغنوص لاهوت يختلف تماماً عن التيار المسيحي؛ فالمشترك بين الغنوص الإسلامي والمسيحي هو الخلاص؛ فالخلاص الغنوصي عند التيار المسيحي ليس عن طريق يسوع، وإنّما هو البحث والمعرفة وفهم المعنى الخفي لتعاليم يسوع، وهو المشترك مع تيار "إخوان الصفا وخلان الوفاء"، كأبرز ظهور للغنوصية الإسلامية.

تبقى رسائل إخوان الصفا وخلّان الوفا الشاهد الأكبر على وجود إسلام أكثر رحابة يتسع لكل الفكر الإنساني

يعزو الغنوصيون بؤس الإنسان إلى الجهل، وليس الخطيئة المتأصلة في البشر، لذلك فإنّ ما يرنو إليه أهل الغنوص هو المعرفة التي تنتشل الإنسان من بؤسه الأبدي، حتىّ أنّ يسوع الحي بالنسبة إليهم، ليس إلّا رمزاً للمعرفة، وذلك بحسب كتاب "الوجه الآخر للمسيح: مقدمة في الغنوصية المسيحية"، للباحث السوري فراس السواح، والذي يرى أنّ الجهل هو البؤس الحقيقي لأهل الغنوص من المسلمين والمسيحيين؛ فالمعلم فالينتينوس في إنجيل الحقيقة يشبّه الوجود بالكابوس، والمعرفة هي اليقظة من الكابوس، ويتشارك في مفهومه مع إخوان الصفا الذين يشبّهون الحياة دون المعرفة بنوم الغفلة ورقدة الجهالة، ويشير المستشرق الألماني"هاينس هالم"، في كتابه "الغنوصية في الإسلام"، إلى أنّ الباحثين العرب لم يلتفتوا إلى صياغة مصطلح الغنوصية إلّا بمطلع القرن العشرين، أمّا المستشرق الفرنسي"هنري كوربان"، والذي يظهر تأثره بالغنوصية كديانة عالمية جامعة للمعارف الإنسانية، يعزو تبلورها إلى اكتشاف النص الفارسي "أم الكتاب"، بالإضافة للتعاليم الإسماعيلية، التي تشكلت بفضل الجهد النظري لرسائل خلان الوفاء، ويرجع كوربان كل تلك التعاليم إلى غنوصية العصور القديمة، في اتصال بشكل غير مباشر بالتصوف الإسلامي.

الباحث والكاتب السوري فراس السواح

الخلاص والبعث 
في كتابه "طريق إخوان الصفا: مدخل إلى الغنوصية الإسلامية"، يوضح الباحث فراس السوّاح، إلى أنّ المعرفة والخلاص الإنساني هما محور الغنوصية في الإسلام؛ فالخلاص الغنوصي لن يأتي بالشكليات والطقوس التي يغرق فيها المتدينون، وإنّما عن طريق المعرفة والعلم، والبعث الأخروي للأجساد ينتفي لديهم، فالبعث إنّما هو للأرواح، والخلاص يأتي من الجسد والعالم؛ فالخطيئة الأصلية، إن وجدت لدى الغنوصيين، فإنّها سقوط الجسد البشري في عالم المادة، وبانعتاقه يكون التحرر الأبدي، وأمّا التوبة فهي إدراك الإنسان للقبس الإلهي في داخله، وبحثه عن الوحدة المفقودة، ومع انبعاث الوعي الإنسان بالوحدة، يبدأ في الانعتاق، ويتحول الموت من الفناء والزوال، إلى دورة كونية جديدة في تناسخ الأرواح، كما في الرسالة الخامسة لإخوان الصفا؛ إذ يشبهون فيها الروح بالدر، والجسد بالصدف، فأمّا الموت فهو استخراج الدر من الصدف، كما استخراج الجنين من الرحم؛ أيضاً تنشأ الأخلاق الغنوصية من معرفة الإنسان بذاته وبالأب الأعلى الذي وهبه الروح؛ فالأخلاق لديهم تنبع من الحرية الكاملة، حين يسمو الإنسان ويتلمس مكامن الخير والبر في نفسه، أما الشرائع والنواهي والأوامر فليست حقيقية؛ لأنّ الخوف هو محركها، وأما الخوف فيتلاشى بالغنوص وانغماس الإنسان في قبسه النوراني الداخلي.

غلاف كتاب "طريق إخوان الصفا" لفراس السواح

تغاير الغنوصية الإسلامية، غيرها من المسيحيين الغنوصيين، الذين يرفضون العالم كله ويدعون للانسحاب منه، فهو ليس سوى شر مطلق، أرسل الرب يسوع لتخليصهم منه، أمّا إخوان الصفا فلا يرونه شراً، بل هو منتقص، بحيث أنّه آخر حلقة في سلسلة الفيض الإلهي، أمّا الجسد فهو سجن لمن ينغمس في الشهوات ويهبط في عالم المادة؛ فالحياة برأي الإخوان أشبه بمدة الحمل؛ فالجنين لن يخرج من الرحم إلّا حين يكتمل نموه، كذلك الإنسان لن تنعتق روحه من هذا العالم المادي إلّا باكتمال المعرفة الحقيقية، فلا ينكر الإخوان ملذات الجسد، بل يفضلون الاقتصاد فيها، والانشغال بالروح ومعرفتها التي تسمو بالإنسان الكلي، ومن هذا التصالح الفكري مع طبيعة العالم؛ فإنّ إسلام إخوان الصفا كان الجامع المانع لكل الأديان والملل والنحل، فمحور الخلاف الرئيسي بين المذاهب الإسلامية هو الإمام علي، رضي الله عنه، وحقه في الخلافة، تبددّ فوق مذهب الإخوان الذين أخذوا من كل الأديان ما يتناسب مع طبيعة البشري، ويلائم الروح ويساهم في انعتاقها، ويتجلى هذا في بداية طريقهم للمعرفة الذي استهلوه بأكثر العلوم تجريداً "الرياضيات"، ثُمّ الحساب، ثم الموسيقى باعتبارها علماً رياضياً أيضاً، حتى بدأوا بدراسة الكون والفيزياء والكواكب وحساب زوايا الشمس والقمر.
هل تشيّع إخوان الصفا؟
بالرغم من أنّ معظم المستشرقين، يدرجون إخوان الصفا كأحد الفرق الشيعية، إلّا أنّ رسائلهم الفضفاضة الجامعة، لا يمكن أن تثبت ذلك، فهم لم يجزموا بانتسابهم لأحد مذاهب الشيعة بما فيها الإسماعيلية، لكنهم لم يتخفوا من حب آل البيت، ووصفهم بخزان العلم، وورثة النبوة، وهو ما يأخذه الباحثون في مقدمتهم كوربان، الذي يتبنى تشيعهم المعتدل، وليس المغالي، وأمّا مسألة الإمامة، فعلى الرغم من وجود الإخوان في قلب الصراع السني الشيعي على الخلافة، إلّا أنهم لم يتعرضوا لها إلّا لماماً، ولم يختصوا أحداً بها، وينفي السّواح العلاقة بين إخوان الصفا والإسماعيلية، معللاً أنّ رسائل الإخوان لم تتعرض للإسماعيلين مطلقاً، ولا يوجد لها ذكر كذلك في كتب الإسماعيلية الأوائل في القرن الرابع والخامس الهجري، مثل القاضي نعمان، والكرماني والنسفي والرازي، ويذكر السواح أيضاً، أنّ الإسماعيلية الطيبية التي أنشأت دولة لها في اليمن في القرن السابع الهجري؛ أي بعد سقوط الفاطميين في مصر، قد أعلنوا اتخاذهم لرسائل الإخوان مذهباً للحكم.

معظم المستشرقين يدرجون إخوان الصفا كأحد الفرق الشيعية إلّا أنّ رسائلهم الفضفاضة الجامعة لا تثبت ذلك

في كتابه "حقيقة إخوان الصفا وخلّان الوفا"، يورد الكاتب السوري، الدكتور عارف تامر، أنّ إسماعيلية إخوان الصفا تتجلى في تماثل التعاليم، ويتبنى عارف في أطروحته رأي المستشرق الفرنسي "بول كازانوفا"، لكن تبقى كتب الإسماعيلية الأوائل خالية الذكر من قريب أو بعيد، من الإخوان، وهو ما يثبت عدم تشيعهم، بالإضافة إلى امتداحهم للخلفاء الثلاثة الأوائل "أبوبكر، وعمر، وعثمان"، رضي الله عنهم، وهو ما ينفي شيعيتهم تماماً، أمّا عن الإمامة فقد وقع إخوان الصفا في تناقضات بشأنها، برزت في إهمالهم أمرها وعدم اكتراثهم بها في بعض الرسائل، أمّا الرسائل المتأخرة، فتقدم رأياً إسماعيلياً بامتياز في الإمامة، ويعزى هذا التناقض إلى إقحام بعض المقاطع الإسماعيلية على النصوص في القرون اللاحقة على الإخوان، بحسب كتاب طريق إخوان الصفا، فبرزت الإمامة في الرسالة الأخيرة بوصفها منقذ العالم من الضلال، وهو ما يتنافى مع فكر الإخوان، الذي يهتم بالإنسان وخلاصه، فلم تكن الإمامة ما يشغلهم، وهو أيضاً دليل إضافي لنفي تشيعهم.
تبقى رسائل إخوان الصفا وخلّان الوفا الشاهد الأكبر على وجود إسلام أكثر رحابة يتسع لكل الفكر الإنساني، ويتصالح معه وينقحه، لا يرفض من تراث البشر شيئاً، رسائل تخلو من الكراهية، تتأمل العالم وتسمو بالنفس والعقل والجسد فوق ملذات المادة الفانية، وتبقى في رحابها روحُ الإنسان رهينة المعرفة والحرية المطلقة التي يعرف من خلالها الإنسان طريق الإله من داخله.

للمشاركة:

عبد الحميد بن باديس: إصلاحي ضدّ الخلافة ومولع بأتاتورك

2019-08-28

حين كان الأزهريون يحاصرون الشيخ علي عبد الرازق، ويحاكمونه على كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، عام 1925، إلى درجة أنّ الشيخ محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار المصرية حينها، اتهم الكتاب بأنّه يهدد، ضمنياً، نظام العقيدة الإسلامية بكامله، وذلك بمحاولته هدم أحد أسس هذا النظام؛ "عقيدة الخلافة"، انبرى المجاهد الجزائري، عبد الحميد بن باديس، للدفاع، من وجوهٍ عدة، عن طرح عبد الرازق، وإن بشكل غير مباشر؛ عبر نقد الخلافة كما طُبقت في التاريخ، ومعارضة تحويلها إلى مشروع سياسي، يجري حشد المسلمين تحت ظلاله.
سيرة فكرية
من أجل فهم كيف وقف هذا الشيخ في وجه العاصفة التي جعلت من الدفاع عن عبد الرازق من موقع "إسلامي" شبه مستحيل، (وإن كان هناك دفاع من قِبل التيار العلماني في مصر، وقد أضعف في الواقع موقف عبد الرازق كعالم ديني)؛ يجب تتبع السيرة الفكرية لابن باديس، وهي السيرة التي تتموضع داخل المدرسة الإصلاحية، كما جسدها الإمام محمد عبده، وعبّرت عنها مجلة "المنار"؛ وهي المدرسة التي يضرب عبد الرازق بسهمٍ فيها؛ وتكمن المفارقة في هجوم أحد مؤسسي الإصلاحية الكبار، الشيخ رشيد رضا، على كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، واتهامه بأنّه "آخر محاولة يقوم بها أعداء الإسلام لإضعاف هذا الدين وتجزئته من الداخل".

 كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق
على كلٍّ، ولد ابن باديس، كما يقول كاتب سيرته الفكرية، محمد الميلي، في كانون الأول (ديسمبر) 1889، في أسرة عريقة، في قسنطينة بالجزائر، يمتد نسبها إلى عائلة مالكة؛ هي عائلة المعز الصهناجي الأمازيغية، وأتمّ حفظ القرآن الكريم في الثالثة عشرة من عمره، وتعلّم مبادئ العربية في صغره، ثم انتقل إلى جامع الزيتونة؛ حيث درس في الفترة ما بين 1908 و1912.

اقرأ أيضاً: رشيد رضا والإصلاح الديني ... انقلاب على الانقلاب
خلال دراسته اتصل بروافد الفكر الإصلاحي الآتي من المشرق، وهو الفكر الذي ظلّ بمثابة البطانة الثقافية؛ لإسهامه السياسي في تاريخ الجزائر، وكانت جمعية "العلماء المسلمين"، التي أسسها، قائمة على فكر "المنار"؛ لذلك اضطلعت الجمعية بالهجوم على الطرق الصوفية، وإحياء "الكتاتيب" في كافة أرجاء الجزائر، ولم يكن تأسيسه لصحيفة "المنتقد" سوى صدى لأيديولوجيته الإصلاحية في مواجهة شعار الصوفية "اعتقد ولا تنتقد".
معالم إصلاحية
مثل كلّ مفكري الإصلاح (وابن باديس هو آخر نسخة من مدرسة الإصلاح) لم يهتم ابن باديس بالاستعمار كظاهرة سياسية بحتة وطارئة؛ بل ربط بينه وبين تخلّف المجتمعات الإسلامية في شتى النواحي: الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، السياسية، ورأى بين ظاهرتَي التخلف والاستعمار وشيجة قربى ينبغي فصم عراها.

اقرأ أيضاً: كيف نظر الإصلاحيون إلى "الإسلام الصحيح"؟
في سبيل ذلك؛ لم يكن هناك مفرّ من التثاقف مع الغرب، والأخذ بأسباب النهوض، وكذلك العودة إلى التاريخ، لا لاستلهام مرحلة ذهبيةٍ يمكن أن تُعاش مجدداً، كما فعل الإصلاحيون من قبله، بل من خلال القراءة النقدية لتجارب الأمة التاريخية شاملة ودون انتقائية (على عكس مفكري الإسلام الحركي)؛ وكانت هذه النظرة الشمولية بمثابة الرافعة المنهجية في هجومه على الخلافة، ونقده الحاد للتجربة التاريخية للمسلمين، أو ما يسميه "الإسلام الوراثي"؛ أي الموروث تاريخياً دون تمحيص أو نظر.

بالغ ابن باديس في الهجوم على دعاة الخلافة بقرنهم بالأيدي الأجنبية التي تحرك شعار الخلافة في الخفاء

وفي هذا تفوق ابن باديس على محمد عبده والأفغاني معاً، اللذين رأيا في الماضي مثلاً أعلى، من وجهٍ ما؛ إذ إنّ هذا الماضي، في نظره، ليس محلاً للتقديس والاستلهام، بقدر ما هو خبرة تاريخية يمكن الاستعانة بجوانبها الإيجابية في خوض المعركة ضدّ التخلف الذي يمثله "الإسلام الوراثي".
رأى ابن باديس؛ أنّ "الإسلام الوراثي" لا يمكن أن ينهض بالأمة؛ لأنّ الأمم لا تنهض إلا بعد تنبّه أفكارها، وتفتّح أنظارها؛ والإسلام الوراثي مبني على الجمود فيه، لا النظر، ومع ذلك امتلك إدراكاً حاداً للجوانب الإيجابية، على ضمورها في الإسلام التاريخي؛ إذ إنّه حفظ للأمة شخصيتها (وهو مشغول بالحفاظ على الشخصية الجزائرية في مواجهة المسخ الفرنسي الشامل للمجتمع الجزائري)، ولغتها، وشيئاً كثيراً من الأخلاق، ويتفق معه في هذا المفكر العربي، فهمي جدعان، في إنصافه للإسلام التاريخي في كتاب "أسس التقدّم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث"، عام 1988.
ضدّ الأوهام المقدسة
أتى عبد الرازق، على حدّ قول ألبرت حوراني في "الفكر العربي في عصر النهضة"، عام 1961، "بنظرية تاريخية جديدة حول أمور كانت النظرة التاريخية المقبولة بشأنها بمثابة عقيدة دينية"، ومع ذلك لم يكن هذا ليبرر العاصفة ضدّه على كلّ حال، ولعلّ في العنف اللفظي لدى رشيد رضا؛ الذي أتم انقلابه على الإصلاحية العربية قبل صدور الكتاب بعقد على الأقل، وفي دفاع ابن باديس (سليل الإصلاحية) عنه، ما يؤكّد أنّ المسألة لا تتعلق بأصول الدين الإسلامي، بقدر ما تتعلق بتغييرات سياسية وفكرية حطمت محاولات عبد الرازق في استئناف القول الإصلاحي، بعد أن هدم رشيد رضا معبد الإصلاحية على من فيه.

كتاب  "الفكر العربي في عصر النهضة" لألبرت حوراني
على عكس عبد الرازق؛ كان ابن باديس يتخذ موقفاً إيجابياً من الخلافة (على المستوى النظري)؛ إذ عدّها بمثابة "المنصب الإسلامي الأعلى الذي يقوم على تنفيذ الشرع وحياطته بواسطة الشورى من أهل الحلّ والعقد من ذوي العلم والخبرة والنظر، وبالقوة بالجنود والقواد وسائر وسائل الدفاع"، إلّا أنّ هذا المنصب لم يظل على ذلك، في رأيه؛ إذ أوفى بمهمته السياسية في صدر الإسلام، ثم انهارت رمزيته ومركزيته السياسية، وتعددت مراكز الحكم في الشرق والغرب، وقد أتى هذا التعدد بالهدم على معنى وصورة الخلافة.

اقرأ أيضاً: النفّري الذي اتسعت رؤيته فضاقت عبارته: الجهل عمودُ الطمأنينة
إذاً، اختلف ابن باديس مع عبد الرازق في تقييمه السلبي الشامل للخلافة؛ إذ لم ينكر مبدأ الخلافة في ذاته، كما تبين، لكنه اتفق معه في الجوهر السياسي للمسألة؛ وهو استحالة قيامها، ووجوب عدم السعي إلى إحيائها مجدداً.
وبهذا المنطق استنكر ابن باديس دعوات شيوخ الأزهر المطالبة بعودة الخلافة التي دخلت طور الامتناع، والخلافة التي ألغاها أتاتورك لم تكن إلا نظاماً حكومياً خاصاً بتركيا الإمبراطورية، وإن كان قد اكتسب رمزيةً ما عند المسلمين، دونما أساس.

كان الفارق بين عبد الحميد بن باديس وعلي بلحاج كالفارق بين محمد عبده وعبد السلام فرج

شنّ ابن باديس هجوماً شرساً على دعاة الخلافة، على اعتبار أنّهم "يفتنون الناس ويمتهنون إلهاءهم بما ليس في الإمكان تحقيقه"؛ ولأنّ "قيام الخلافة لن يتحقق، والمسلمون سينتهون يوماً ما، إن شاء الله، إلى هذا الرأي".
في كتابه "الماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات التجربة الفكرية العربية"، عام 1997، حاول فهمي جدعان تفسير موقف ابن باديس المعادي لدعوات إعادة الخلافة، بالإحالة إلى البيئة السياسية الجزائرية؛ إذ إنّ نقد الخلافة يعني عملياً فصل الدين عن السياسة؛ وقد كان ذلك بمثابة الضمانة الوحيدة لمنع الإدارة الفرنسية من التذرّع بتدخّل علماء الدين في السياسة وبالتالي السيطرة على المؤسسات الدينية والثقافية.
إلا أنّ هذا لا ينفي القدر الكبير من المجازفة في الوقوف في وجه التيار المُتفجع من سقوط الخلافة، الذي أحيا القول الفقهي والسياسي فيها، في ظلّ الهيمنة الاستعمارية على العالم الإسلامي المُهشّم، ولا ينفي كذلك الصعوبة الناجمة عن محاولة العودة بالمسألة السياسية إلى رحاب الإصلاحية الإسلامية التي انقلب عليها أحد كبار مؤسسيها (رشيد رضا)، حتّى بات السائر في مسارها، المحفوف بالمكارِه، ملكياً أكثر من الملك المنقلب على نفسه.
ومع ذلك، يبقى السؤال: إذا كان ابن باديس يرفض الخلافة كمشروع سياسي، الآن وهنا، فأيّ شكل للنظام يمكن أن يرتضيه؟
كتاب "الماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات التجربة الفكرية العربية" لفهمي جدعان

في سبيل الدولة الوطنية
للإجابة عن سؤال بديل الخلافة؛ يؤكّد ابن باديس أنّ الشعب المستقل (لا الأمة برمتها)، هو صاحب القول الفصل في النظام السياسي الذي يريده، ولا يجوز أن يُستغل الدين في هذا؛ فمثل كلّ الإصلاحيين؛ لم يتناول ابن باديس الدولة كإشكالية نظرية (هذا شيء متأخر في الوعي العربي عموماً، بدأ مع المفكّر المغربي، عبد الله العروي)، لكنَّه عنيَ بتبيان علاقتها بالدين والأمة.
لذا فقد حدّد ابن باديس تصوّره للنظام السياسي الحائز للشرعية في الراهن في ثلاثة عشر أصلاً، ترتبط بجملتها بنموذج مغاير لنظام الخلافة التاريخي، ولشكل الدولة الإسلامية كما تجلّى في أدبيات الجماعات الدينية لاحقاً، وهي:
1- "لا حقّ لأحد في ولاية أمر من أمور الأمة إلا بتولية الأمة؛ فهي صاحبة الحقّ والسلطة في الولاية والعزل"، بالتالي؛ يكرّس ابن باديس لمرجعية الأمة على أساس أنّها مصدر السلطات.
2- "الذي يتولى أمراً من أمور الأمة هو أكفؤها، لا خيرها في سلوكه"، وبذلك يسحب بساط الشرعية من حكم "رجال الدين" أصحاب التفوق الأخلاقي الأبدي.
3- "لا يكون أحدٌ بمجرد ولايته أمراً من أمور الأمة خيراً من الأمة" في استهداف واضح لأكثر مبررات الاستبداد فاعلية.
4- "للأمة الحقّ في مراجعة أولي الأمر؛ لأنّها مصدر سلطتهم وصاحبة النظر في ولايتهم وعزلهم" في إقرار لمبدأ المراقبة والمحاسبة.
5- "هناك حقّ للوالي على الأمة إذا رأت استقامته؛ فهي شريكة في المسؤولية" وبالتالي ترتبط طاعة السلطة بسلامة سياساتها.
6- "حقّ الوالي على الأمة في نصحه وإرشاده" وهو مبدأ استوحاه ابن باديس من خطبة الخليفة الأول؛ الصحابي الجليل "أبي بكر الصديق".
7- "للأمة حقّ في مناقشة أولي الأمر ومحاسبتهم على أعمالهم، وحملهم على ما تراه هي لا ما يرونه"؛ وهو مبدأ يجرّد الاستبداد من أيّة مشروعية محتملة.
8- "على من يتولى أمراً من أمور الأمة أن يبين لها الخطة التي يسير عليها؛ ليكونوا على بصيرة، ويكون [الحاكم] سائراً في تلك الخطة عن رضى الأمة"، وهو ما يعرف في الفكر السياسي الحديث بالبرنامج السياسي.
9- "لا تحكم الأمة إلا بالقانون الذي رضيت به لنفسها، وما الولاة إلا منفّذون لإرادتها؛ فهي تطيع القانون لأنّه قانونها، لا لأنّ سلطة أخرى لفرد أو جماعة فرضته عليها" في تحدٍّ سابق لأوانه لكلّ نظريات الحاكمية الإلهية.
10- "الناس (وليس المسلمون وحدهم) أمام القانون سواء" وهو إقرار صريح بمبدأ المواطنة.
11- "من الواجب صون الحقوق؛ فلا يضيع حقّ الضعيف".
12- "من الواجب حفظ التوازن بين طبقات الأمة" كأثر لحساسية جديدة دشّنها المدّ الاشتراكي في العالم العربي.
13- "المسؤولية مشتركة بين الراعي والرعية".

اقرأ أيضاً: بعد ربع قرن على مناظرة أبو زيد وعمارة.. هل اختلف خطاب الإسلامويين؟
وتؤسّس الأصول الثلاثة عشر (في المجمل) لتصور عصري للسياسة ونظام الحكم، تَنَاسَل من تصور الإصلاحية التي أرسى جذورها محمد عبده؛ وفي قلب هذا التصور يكمن مبدأ مدنية السلطة، وفي منطقه؛ إنّ الأمة هي الأساس، وليس الحاكم (كما في فقه السياسة الشرعية)، أو الشريعة (كما في اللاهوت المصطنع لمنظري الإسلام السياسي).
كان مولعاً بمصطفى كمال أتاتورك

في مديح أتاتورك
بالغ ابن باديس في الهجوم على دعاة الخلافة؛ بقرنهم بـ "الأيدي الأجنبية التي تحرك شعار الخلافة في الخفاء [في إشارة إلى بريطانيا]"، وهو لا يتعجب من سعي بريطانيا إلى إحياء الخلافة من أجل خلق قيادة للشعوب الإسلامية، تسهُل السيطرة عليها، وإنما العجيب بالنسبة إليه؛ "أن يُدفع في تيارها [تلك الدعوات] المسلمون، وعلى رأسهم أمراء وعلماء".
ويشير إلى مساعي علماء الأزهر، ومن خلفهم الملك فؤاد، في إقامة خلافة في مصر، حيث يقول: "في هذا الاندفاع ما يُتحدث به في مصر، فيتردّد صداه في الصحف في الشرق والغرب، وتهتم به صحافة الإنجليز على الخصوص، يتحدثون في مصر عن الخلافة كأنّهم لا يرون المعاقل الإنجليزية الضاربة في ديارهم".

اقرأ أيضاً: جمال الدين الأفغاني: هل كان "عراب الصحوة" إسلامياً؟
لكنّ المفاجأة التي تنتاب الباحث في سيرته الفكرية؛ كانت موقفه من مصطفى كمال أتاتورك "الشيطان الأكبر" عند الشيوخ الرسميين والحركيين الإسلاميين؛ إذ كتب عقب وفاة أتاتورك، عام 1938، ما صدم به الذين احتفوا بموت أتاتورك على سبيل الشماتة والتشفي: "الآن خُتمت أنفاس أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث، وعبقري من أعظم عباقرة الشرق الذي يطلعون على العالم في مختلف الأحقاب؛ فيحولون مجرى التاريخ، ويخلقونه خلقاً جديداً؛ ذلك هو مصطفى كمال أتاتورك، باعث تركيا من شبه الموت إلى حيث هي اليوم من الغنى والعزّ والسمو".

اقرأ أيضاً: بين محمد عبده وفرح أنطون.. ما تبقى من سجالات النهضة المُجهضة
أما حيثيات هذا الاحتفاء؛ فيردّها ابن باديس إلى أنّه: "لو لم يخلق الله المعجزة على يد كمال لذهبت تركيا وذهب الشرق الإسلامي معها؛ لكنّ كمالاً جمع تلك الفلول المبعثرة فالتفّ به (حوله) إخوانه من أبناء تركيا البررة، ونفخ من روحه في أرض الأناضول؛ حيث الأرومة التركية الكريمة، وحيث الشعب النبيل الذي قاوم الخليفة الأسير (يقصد تبعيته لقوات الحلفاء المحتلة) وحكومته المتداعية، وشيوخه الدجالين من الداخل، وقهر دول الغرب، وفي مقدمتها إنجلترا من الخارج؛ فأوقف الغرب عند حدّه، وكبح جماحه، وكسر غلواءه، وبعث في الشرق الإسلامي أمله، وضرب له المثل العالمي في المقاومة والتضحية؛ فنهض يكافح ويجاهد".

اقرأ أيضاً: لماذا يُتهم علي عبدالرازق بتمهيد الطريق للإخوان المسلمين؟
أما الأمثلة التي ضربها الشيوخ كدليل على عداء أتاتورك للإسلام فقد جعل منها ابن باديس دليلاً على حُسن إيمانه، وعلى رأسها ترجمة القرآن بالتركية؛ إذ يقول: "لقد تُرجم القرآن إلى التركية، ليأخذ الأتراك الإسلام من معدنه، ويستسقونه من نبعه؛ ويتمكنون من إقامة شعائره [الإسلام]؛ فكانت مظاهر الإسلام في مساجد تركيا تتزايد في الظهور عاماً بعد عام، حتى كان المظهر الإسلامي العظيم يوم دفنه والصلاة عليه".
بل يقيم ابن بايس مفاضلة بين تطبيق الشريعة وتحقيق الاستقلال السياسي لصالح الأخير، يقول: إنّ "مصطفى أتاتورك نزع عن الأتراك الأحكام الشرعية، وليس مسؤولاً في ذلك وحده (يشير إلى مسؤولية العلماء الذين تجمدوا على المدونة الفقيهة الموروثة)، وفي إمكانهم (الأتراك) أن يسترجعوها متى شاؤوا، ولكنّه أعاد لهم حريتهم واستقلالهم وسيادتهم وعظمتهم بين أمم الأرض، وذلك ما لا يسهل استرجاعه لو ضاع".
في المجمل؛ أُجهض مشروع ابن باديس الإصلاحي؛ إذ سارت الدولة الجزائرية الوليدة في درب القومية العلمانية، وسار الإسلاميون من بعده في مسار تحقيق الدولة الإسلامية، نحو التمايز عن العالم والانفصال عنه؛ فكان الفارق بينه وبين علي بلحاج، كالفارق بين محمد عبده وعبد السلام فرج، لكنّ هذا لا يمنع ضرورة العودة إلى مقدمات ونتائج المدرسة الإصلاحية، التي لا يبدو أننا تجاوزنا إشكاليتها كثيراً، رغم تبدّد شرعيتها التاريخية.

للمشاركة:

"العشق المحرَّم" بين الديكتاتوريات والساحرة المستديرة

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-08-20

بعد عامين من انقلابه على رئيسة البلاد، إيزابيل بيرون، حرص الجنرال العسكري، خورخي فيديلا، على إقامة كأس العالم في الأرجنتين، لعام 1978، بعد اتهامات عالمية بالقتل، وزجّ المعارضين في السجون، وحالة من القمع السياسي، أعادت للأرجنتين مشاهد من الفاشية والنازية الأوروبية.

اقرأ أيضاً: آلان روب غرييه: ثلاثة فتية شقر يسيرون بمحاذاة البحر
فيديلا ليس الأول أو الأخير، بل تتعاقب الديكتاتوريات على كلّ الشعوب، ولا يفلح مع الجموع أيّ مخدِّر سوى كرة القدم، فهل تغدو أفيوناً جديداً للشعوب المكتوية بنيران الشمولية؟

 خورخي فيديلا

لتمت إيطاليا من أجل كأس العالم
الشعار المثالي لما فعله القائد الفاشي الأشهر، بينيتو موسوليني، وفق كتاب الصحفي البريطاني (Amit Katwala)، المعنوَن "حكايات كرة القدم"، يذكر فيه أنّه، وقبل أشهر قليلة من كأس العالم 1934، استدعى موسوليني، رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم وقتها، جورجيو فاكارو، بعد أن كانت البلاد قيد استعدادها لإقامة البطولة على أراضيها، ليأمر الدوتشي رئيس الاتحاد: "يجب أن تفوز إيطاليا بالكأس هذا العام، سيكون هذا حقاً إنجازاً رائعاً"، وامتثالاً لأوامر الديكتاتور؛ كان على اللاعبين الفوز باللقب، وتحت قيادة مدرب عسكري، فيتوريو بوزو، الذي استدعى اللاعبين الإيطاليين من الفرق العالمية كافة، وأجبرهم على اللعب في المونديال، تحت شعار "إذا استطاعوا الموت لأجل إيطاليا سيتمكنون من الفوز من أجلها"، وبحسب الكاتب؛ فإنّ اختيار إيطاليا لإقامة البطولة كان محفوفاً بالغموض، خاصة بعد أدلة تثبت تورط رئيس الاتحاد الإيطالي السابق، جيوفاني ماورو"، وقيامه بضغوط سياسية غير رسمية على الفيفا، لإقامة البطولة على أراضيه، وتكفّل نيابة عن الحكومة الفاشية، بدفع بلاده لأيّة خسائر مالية تكبدتها المنظمة، خاصة بعد تفضيلها على منافسها الأكثر جدارة "السويد".

"أنت يا لاعب كرة القدم الحقير!" كلمات أطلقها الكونت كينت على لسان شكسبير في مسرحيته الأشهر "الملك لير"

وبينما يحاول العالم الاستشفاء من أكبر أزمة اقتصادية "أزمة الكساد العالمي 1929"، يبذل موسوليني المزيد من المال على حساب الشعب الإيطالي، من أجل إنجاز كروي، ويرجع الفضل في ذيوع صيت تلك البطولة بشكل خاص إلى أخيل ستاراس، المروّج الإعلامي للحكم الفاشي في إيطاليا، والمشهور آنذاك بلقب "الكاهن الأكبر"؛ فبعد أن صمّمت شركته "Starace" للدعاية، التحية الفاشية الشهيرة، كان عليها أن تجعل خبر كأس العالم في كلّ مكان بالبلاد، فصمّمت الإعلانات واللافتات في الشوارع بشعار جديد لكأس العالم، ونشرت أكثر من 300 ألف منشور من الملصقات والطوابع الصادرة مع صور لكأس العالم، وحتى السجائر الوطنية صممت أغلفتها من أجل الكأس تحت شعار"Campionato del Mond".

موسوليني
بحسب الصحفي الإنجليزي في جريدة "الغارديان"، جيم هارت؛ فإنّ موسوليني أراد تقديم الفاشية بصورة المستقبل الأفضل لإيطاليا، وحرص على توفير سائر الاستعدادات، مهما تكلّف الأمر، كما حرص على شراء تذكرة الافتتاح بنفسه، وبثّ جميع المباريات على الإذاعة، ودعوة المواطنين لحضور المباريات، ولكنّ الحضور ظلّ ضعيفاً حتى النهائي، الذي حضره 65 ألف متفرّج، في مباراة كانت عراكاً جسدياً بين الفريقين، حتى توِّجت إيطاليا بما أمر به الزعيم، وكانت تلك بداية لعلاقة صداقة بين اثنين من أكثر قادة العالم ديكتاتورية في القرن العشرين.

تحت راية الشمولية
بعد أربعة أيام من حصول إيطاليا على لقب بطولة كأس العالم 1934، تمّ إلغاء اللقب؛ بسبب بعض المؤامرات السياسية التي دبّرت قصة الفوز بالبطولة، ما دفع موسوليني إلى اللجوء إلى نظيره الديكتاتور الألماني، أدولف هتلر، والذي كان يستفيق لتوه من خسارته لمعركة الدعاية في أولمبياد برلين 1936.

أنطونيو غرامشي لم يجد حرجاً من وصف كرة القدم بـ "مملكة الوفاء البشري تلك التي نمارسها في الهواء الطلق"

وفق فيلم وثائقي قدّمته شبكة الإذاعة البريطانية "BBC" عام 2003، بعنوان "الفاشية وكرة القدم"؛ فإنّ "العلاقة بين الفاشية وكرة القدم بدأتها إيطاليا، لتصاب الديكتاتوريات المجاورة بالعدوى ذاتها". وكما ورد في حوار أجرته عضوة الأكاديمية الوطنية للألعاب الأوليمبية في إيطاليا، أنجيلا تاج؛ فإنّ "موسوليني، كديكتاتور، حرص على الظهور إعلامياً وهو يمارس مختلف الرياضات؛ بدءاً من ركوب الخيل والتزلج على الجليد، وحتى السباحة، لكنّه وجد أنّ مفعول كرة القدم أكثر جاذبية للناس، فحرص على أن يُعدَّ الراعي الرسمي لبطولة عالمية تتوج بها حقبته الدموية"، وتؤكّد أنّ الفكرة نفسها كانت دافعاً لهتلر في ألمانيا وفرانكو في إسبانيا.

الفاشية وكرة القدم

"أنت يا لاعب كرة القدم الحقير!"، كلمات أطلقها الكونت كينت، على لسان شكسبير في مسرحيته الأشهر "الملك لير"، لكنّه لم يعِش اليوم ليرى ما آلت إليه كرة القدم، وما يمثله أبطالها في عالمنا، وكيف صارت أهدافها، مسعى يلهث خلفه أباطرة العالم الجديد، كهتلر الذي لم يجد حرجاً في احتلال النمسا عام 1938، وإجبار أعضاء الفريق على اللعب لصالح ألمانيا النازية، مرتدين الشعار النازي، وكان على الفريق النمساوي بأكمله الانسحاب من البطولة؛ احتجاجاً على احتلال بلادهم، وبالألاعيب السياسية نفسها حاول هتلر الضغط على الفيفا، لجعل البطولة في ألمانيا، ولكنّها اختارت فرنسا، كبلد المنشأ للمؤسسة، وحتى لا يتكرر ما حدث مع إيطاليا، لكن تبقى قصة اللاعب النمساوي، ماتياس سينيديلار، الذي رفض أن يخضع لتهديدات الفريق الألماني، وحثّ فريقه على الفوز بمباراة صورية أمر هتلر بانعقادها، وبالفعل فاز النمساويون على الألمان؛ بسبب هدف ماتياس، الأمر الذي جعله تحت مراقبة الجيستابو، وبعد أشهر قليلة وجِد مقتولاً في شقته، مدّعين أنّ سبب الوفاة كان اختناقاً بالغاز، لكن حتى اليوم يؤمن كثيرون بأنّ النازيين اغتالوه، لما عُرف عنه من مساعدة زملائه اليهود على الهرب من جحيم النازية، وبذل أمواله في مساعدتهم.

اقرأ أيضاً: في عالم بلا قلب: لماذا أراد ماركس أن يحرمنا عزاءنا الوحيد؟

اللاعب النمساوي ماتياس سينيديلار

الثلاثي المرح يعبث بالشعوب
أهي أفيون للشعوب؟! بهذا التساؤل البسيط يطرح الكاتب الصحفي من الأوروغواي، إدواردو غاليانو، في كتابه "كرة القدم بين الشمس والظلّ"، قصة كرة القدم كمرآة للشعوب، وتاريخ آخر موازٍ للتاريخ السياسي، الذي ربما يجهل البعض مدى الصلة الوطيدة بينهما، مجيباً عن تساؤله: "ما ھو وجه الشبه بين كرة القدم والإله؟ إنه الورع الذي يبديه كثيرون من المؤمنين والريبة التي يبديھا كثيرون من المثقفين"؛ فالصينيون كما بدؤوا كلّ شيء تقريباً في عالمنا، بدؤوا بلعب كرة القدم، التي انتقلت عدواها إلى أرجاء العالم أجمع، وحين امتزجت بالسياسة، انحرفت عن مسارها الذي قامت لأجله "متعة اللعب لأجل اللعب"، وفي قصة الحرب الأهلية الإسبانية، التي امتزجت بالكرة، أكبر دليل على ذلك؛ فبينما كان هتلر وموسوليني يلهثان خلف لقب المونديال، اشتعلت الحرب الأهلية في إسبانيا، عام 1936، واستمرت لعامين، منح فيها الفوهرر والدوتشي كلّ الدعم لـ "الكاوديو"، نظيرهما في إسبانيا، والذي اتخذ من نادي ريال مدريد وجهاً سياسياً له ضدّ نادي الشعب المندد بالديكتاتورية "برشلونة"، وفي مواجهة كأس إسبانيا لعام 1943، هتف جمهور برشلونة داخل الملاعب ضدّ فرانكو، ما جعل التهديدات تلاحق النادي من الإدارة العسكرية بألّا يفوز على ريال مدريد، لتأتي النتيجة التاريخية التي فاز بها الريال على برشلونة 11/1.

اقرأ أيضاً: "الإنسان قمة التطور": سلامة موسى متأثراً بداروين وجالباً على نفسه اللعنة!

اقتحمت كرة القدم مجالات الحياة

بين كرة القدم والوطن علاقة وطيدة الصلة، رسّخها الديكتاتوريون في التاريخ الحديث، واحتقرتها النخب المثقفة من اليسار الماركسي، الذي يرى في هذه الكرة ملهاة للشعوب والعمال عن نضالهم المستحقّ، ورغم ذلك لم يجد الماركسي الإيطالي الأشهر، أنطونيو غرامشي، حرجاً من وصفها بـ "مملكة الوفاء البشري، تلك التي نمارسها في الهواء الطلق"، بينما بقي الماركسيون يرددون؛ أنّ العمال المنوَّمين بالكرة التي تمارس عليهم سحراً خبيثاً، يصابون بضمور الوعي، ويتيحون لأعدائهم الطبقيين أن يسوقوهم كالقطيع، لكن عندما جاءت كرة القدم من قلب الموانىء، وورش سكك الحديد في الأرجنتين، التي ولد منها نادي "جونيورز"، لم يجد بعض الماركسيين غضاضة في الاستمتاع بكرة القدم، رغم وصفها بآلية برجوازية لمنع الإضرابات، والتستّر على التناقضات الاجتماعية، فهي –برأيهم- مؤامرة إمبريالية للإبقاء على الشعوب المقهورة في طور الطفولة.

اقرأ أيضاً: فيلسوف صنع مراهم الزئبق وابتكر خيوط الجراحة من أمعاء القطة
وفي عالم ما بعد الحداثة، وعولمة قلبت العالم رأساً على عقب؛ اقتحمت كرة القدم مجالات الحياة، وأصبحت سلعةً تقدم على شرفها حمى الاستهلاك النهم الذي يغزو الأرض، ورمزاً للوطنية، فليس مهمّاً أن يملك الإنسان قوت يومه، بقدر ما يهم أن يفوز منتخبه الوطني، وفي هذا تحقق لنبوءة الماركسيين، الذين رفضوها كسلعة برجوازية وملهاة لبشرية لم يكتمل نضجها بعد.

للمشاركة:



تفجير يستهدف تجمّعاً للرئيس الأفغاني أشرف غني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

قتل 24 شخصاً، وأصيب أكثر من 30 آخرين، بتفجير استهدف تجمّعاً انتخابياً لرئيس أفغانستان، شمال العاصمة كابول، ولم يصب الرئيس أشرف غني بأذى.

وأشارت قناة "طلوع نيوز" الأفغانية؛ إلى أنّ الانفجار وقع قبيل بدء غني بإلقاء كلمته أمام مؤيديه، بمدينة شاريكار في مقاطعة باروان.

قتل 24 شخصاً وأصيب أكثر من 30 آخرين بتفجير استهدف تجمّعاً انتخابياً لأشرف غني

من جهته، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية، نصرت رحيمي؛ إنّ التفجير نفّذه انتحاري بدراجة نارية.

وفي وقت سابق؛ ذكر مسؤول محلي أنّ التفجير تسبّبت فيه عبوة ناسفة، تمّ تركيبها أسفل إحدى سيارات قوات الأمن.

وأعلنت حركة طالبان مسؤوليتها عن الانفجار، اليوم الثلاثاء، ولم تعقّب الحكومة رسمياً على الحادث، غير أنّ أصابع الاتهام عادة ما تشير إلى حركة طالبان التي تبنت العديد من العمليات الإرهابية.

وكانت حركة طالبان قد هددت بإحباط الانتخابات الرئاسية، المقررة في 28 أيلول (سبتمبر) الجاري، والتي يخوضها 18 مرشحاً، بينهم الرئيس الحالي ومنافسه الأساسي في الانتخابات السابقة، عبد الله عبد الله.

الانفجار وقع قبيل بدء أشرف غني بإلقاء كلمته أمام مؤيديه لكنّه لم يصب بأذى

وستكون المنافسة الحقيقية في الانتخابات المقبلة بين غني وعبد الله وأتمارا، أما باقي المرشحين فيبحثون عن مكاسب سياسية؛ لأنّ الكتلة التصويتية لكلّ منهم لا تخوّله حتى بالانتقال إلى الجولة الثانية على الأقل.

هذا وقد جرى تأجيل الانتخابات لمرتين؛ حيث كانت مقررة في نيسان (أبريل) الماضي، ثم في تموز (يوليو) الماضي.

 

 

للمشاركة:

المخدرات الإيرانية تعصف بشباب العراق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

انتشر في الآونة الأخيرة مخدّر "كريستال ميث" الإيراني، بين الشباب العراقي، بشكل ملحوظ، خاصة في العاصمة بغداد ومدينة البصرة.

"نيويورك تايمز" ترصد انتشار مخدر "كريستال ميث" الإيراني بين الشباب العراقي في بغداد البصرة

ورصد تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية؛ أنّ "محافظة البصرة الجنوبية واجهت خلال العام الماضي، إحدى أسوأ الأزمات المتعلقة بالمخدرات، وقد سجن نحو 1400 شخص، معظمهم من الرجال، بتهمة حيازة وبيع المخدرات، الذي يأتي بشكل أساسي من إيران المجاورة".

وأضاف تقرير الصحيفة الأمريكية: "المجتمع والحكومة العراقية غير مستعدين للتعامل مع الأزمة، نظراً إلى أنّها ما تزال جديدة عليهم، باستثناء الحلّ المتمثل في وضع المتورطين في السجون".

وقبل سبعة أعوام، صنّفت الأمم المتحدة العراق على أنّه بلد عبور للمخدرات بشكل أساسي، ما يعني أنّ المخدرات تعبر من خلاله لمنطقة أخرى.

لكنّ هذا تغير الآن؛ إذ أصبح من الممكن شراء مجموعة من المخدرات التي تسبّب الإدمان في العراق، إضافة إلى الحشيش، بحسب تقرير صحيفة "نيويورك تايمز".

وقد بدأت عملية صناعة المخدرات في العراق من خلال الزراعة، وتصنيعها في المختبرات، وفق خبراء الأمم المتحدة والأسر العراقية التي شهدت انتشار الظاهرة.

وذكر التقرير؛ أنّ المخدرات تساهم في زيادة نسبة الفقر في العراق؛ حيث تفقد العائلات جزءاً كبيراً من الدخل الذي يتقاضاه الذكور بسبب الإدمان والسجن.

بدوره، قال قائم مقام مدينة الزبير بمحافظة البصرة، عباس ماهر السعيدي، في تصريح صحفي: إنّ "السلطات الحكومية خجولة للغاية في التعامل مع هذا الوضع".

وأضاف السعيدي: "هم لا يعترفون بالمشكلة بسبب التقاليد الاجتماعية، حتى وسائل الإعلام لا تناقشها".

وتجوب العشرات من فرق التدخل السريع في محافظة البصرة كل ليلة لاعتقال مستخدمي ومتاجري المخدرات؛ حيث تتم إدانتهم وتزدحم السجون بالمئات منهم في زنازين مكتظة.

كثيرون من المتواجدين في السجون بسبب التعاطي يؤكدون أنّ عناصر الحشد الشعبي يعملون مع تجار بالمخدرات

من جانبها، صرّحت رئيسة البحوث في وكالة المخدرات التابعة للأمم المتحدة، أنجيلا مي، بأنّ "استخدام وانتشار المخدرات بدأ يظهر في العراق قبل سبعة أعوام".

وأكّدت مي أنّ "خلال ذلك الوقت قامت العصابات بالاتّجار بالمخدرات مع دخول كميات كبيرة من مخدر "كريستال ميث" من إيران؛ حيث يوجد العديد من المختبرات المصنَّعة لهذا المخدر.

كبير قضاة محكمة الاستئناف في البصرة، عادل عبد الرزاق، أشار لـ "نيويورك تايمز"، بأنّ تجار المخدرات يأتون بها من خلال الحدود العراقية، أو عن طريق نهر شط العرب بمحافظة البصرة.

وشدّد السعيدي على أنّ تجار المخدرات قد طوروا أساليب التهريب والاتجار؛ إذ استطاعوا تغيير طرق التهريب التقليدية، بجانب استخدام الطائرات المسيرة وكاميرات المراقبة، واتخاذ مراكز محصنة لهم.

وأضافت صحيفة "نيويورك تايمز"؛ "رغم استحالة إثبات تورّط الحشد الشعبي في تجارة المخدرات، فإنّ كثيرين من المسجونين بسبب التعاطي، يؤكّدون أنّ بعض عناصر الحشد يعملون مع تجار المخدرات وأنّهم على صلة بالحكومة".

ولفت تقرير "نيويورك تايمز" إلى أنّ مخدر "الكبتاغون" قد يكون أشهر المخدرات من حيث الاستخدام في العراق.

يذكر أنّ الكريستال ميث؛ هو من أنواع مخدرات "الأمفيتامين" الخطرة، التي تعمل على تنشيط الجهاز العصبي، ويصنَّع تحت مسمى "الكبتاغون"، وتقول وسائل إعلام؛ إنّ هذا النوع من المخدّر شائع بين المقاتلين في الشرق الأوسط؛ حيث يقول خبراء في مجال المخدرات إن متعاطيه يشعرون بطاقة أكبر، لكنّ المنظمات العالمية تحذّر من خطر هذا النوع من المخدر على الصحة.

 

للمشاركة:

الأمم المتحدة تحذّر من "إبادة جديدة" في بورما

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

يعيش حوالي 600 ألف من الروهينغا في بورما تحت تهديد التعرض "لإبادة" جماعية من قبل الجيش البورمي.

وطالب محققو الأمم المتحدة، أمس، بإحالة كبار العسكريين في بورما إلى المحكمة الجنائية الدولية، على ما ارتكبوه من جرائم حرب ضدّ الروهينغا، وفق "فرانس برس".

وقال رئيس بعثة تقصّي الحقائق، مرزوقي داروسمان، في بيان: "التهديد بالتعرض لإبادة ما يزال يحدق بالروهينغا الذين بقوا في بورما"، مضيفاً: "قبل عام أعلنت البعثة اكتشاف "أعمال إبادة" في عمليات تطهير ارتكبت في 2017، أسفرت عن مقتل آلاف الروهينغا".

الأمم المتحدة: 600 ألف من الروهينغا في بورما يعيشون تحت تهديد التعرض "لإبادة" جماعية

وقال كريستوفر سيدوتي، أحد المحققين الأمميين: "في حال لم تتخذ الأمم المتحدة والأسرة الدولية تدابير فعّالة هذه المرة، فستتكرر هذه المأساة المؤلمة، على فضيحة الصمت الدولي أن تنتهي".

وذكرت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن بورما، في تقرير: "لدينا أسباب مقنعة للاستخلاص بأنّ الأدلة التي تدفع إلى الاقتناع بأنّ للدولة نوايا بارتكاب إبادة تعززت منذ العام الماضي"، وأنّ "ثمة تهديداً جدياً بوقوع إبادة جديدة".

وقالت البعثة: "ذلك من مسؤولية الدولة، ما يعني أنّه تجب إحالة ملف بورما للمحكمة الجنائية الدولية؛ لتخلفها عن احترام تعهداتها بموجب المعاهدة حول الإبادة، عام 1984، إحدى الأدوات الدولية النادرة المتعلقة بحقوق الإنسان التي صادقت عليها".

وأفاد المحققون الدوليون الذين لم يسمح لهم بالتوجه إلى بورما بأنّ "هذا البلد يستمر في ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية في أعمال غير إنسانية، تتسبّب بمعاناة كبرى واضطهاد في إطار هجوم معمم ومنهجي ضدّ السكان الروهينغا".

وفرّ 740 ألفاً من الروهينغا من ولاية راخين (غرب بورما)، في آب (أغسطس) 2017، بعد قمع نفذه الجيش في بورما؛ حيث غالبية السكان من البوذيين.

 

 

للمشاركة:



لماذا بقيق؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

سوسن الشاعر
الهجوم على "بقيق" في المملكة العربية السعودية يؤكد ثلاث حقائق مهمة، الأولى حجم الضغط الحقيقي الذي تشعر به إيران، والحقيقة الثانية أن أذرعها "العربية" أينما كانت هم جيش إيراني بامتياز، أما الحقيقة الثالثة علينا تجاهل تصريحات المسؤولين الإيرانيين وإعلامها تماماً، فتلك لا تزيد عن بروباغندا أجادتها إيران لفترة من الزمن وانتهت صلاحيتها، أما الحقيقة الأخيرة والأهم فهي أن المملكة العربية السعودية ترد بهدوء بأنها قادرة على تعويض النقص الذي تحتاجه الأسواق النفطية، وهنا بيت القصيد!!

مجرد أن تعلم إيران قامت باستعداء عالمي لا أمريكي فحسب حين أوعزت لوكلائها سواء كانوا في اليمن أو العراق أن يهاجموا معامل النفط في السعودية، فتأكد أنها متضررة داخلياً بشكل كبير ومربك بالنسبة لنظامها، خاصة مع اقتراب احتمال اجتماع روحاني وترامب على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، لأنها تعلم أنها بهذا الفعل تقوض المبادرات الفرنسية التي تحاول إنقاذها وتخليصها، وأنها تحرج ماكرون الذي يحاول أن يعيد تسويقها من جديد، ومع ذلك لا تبالي بهذه النتائج، فقيامها بهذا الفعل يؤكد أن صبرها، الذي جعلها تبدو هادئة وغير متأثرة منذ بدأ تنفيذ العقوبات إلى الآن، قد بدأ ينفد، وأن العقوبات بدأت تؤثر بالفعل على الداخل.

فصادراتها النفطية تقلصت من ثلاثة ملايين برميل إلى 300 ألف برميل يومياً، والعقوبات تخنق صادراتها من التعدين أيضاً، وتطال مساراتها المالية التي تغذي بها وكلاءها "العرب"، فلا يخلط الأوراق بهذا الشكل من كان مسترخياً كما يدعي وغير متأثر كما يروج، أنها تضعف أوراقها التفاوضية وتقيد حلفاءها.

الحقيقة الثانية هي "الجيش العربي" الذي يقع تحت قيادة إيرانية يقود حرباً على المملكة العربية السعودية من العراق ولبنان واليمن، مطلقاً صواريخ إيرانية وطائرات إيرانية مسيرة لا تحدث أضراراً كبيرة ولكنها تحدث عملية استنزاف طويلة الأمد وقليلة الخسائر على الطرف الذي يقودها، والأهم أنها تحدث ضجة أكبر على المستوى الإعلامي، وهذا ما تلعب به إيران أي حرب "البروباغندا".

في نهاية المطاف نعود للحقيقة الأهم من هذا كله، إيران تحاول أن تحدث نقصاً في الإمدادات النفطية، والمملكة العربية السعودية تعرف ذلك جيداً وتملك من النفس الطويل والهدوء في ردة الفعل مما يبطل مفعول جميع هذه المحاولات.

تحاول إيران أن تحدث نقصاً في السوق النفطية من أجل الضغط على ترامب لدفعه للتفاوض والإسراع بقبول العروض الإيرانية، لذلك تسارع المملكة العربية السعودية بنفي أي تأثر وتعويض السوق بالسرعة المطلوبة، فهذا هو الاتفاق الذي يضمن استمرارية العقوبات والضغط على إيران.

ما يهمنا ويهم المملكة العربية السعودية أن تستمر العقوبات الاقتصادية، وأن نوسع دائرة التحالفات حتى لا تتم عملية الاختراقات التي تعمل عليها إيران.

الوقت في صالحنا ولسنا من يتعرض للضغوطات، لذلك ضبط النفس والنفَس الطويل هما أهم الأدوات التي نحن بحاجة لتعزيزها.

عن "الوطن البحرينية"

للمشاركة:

الملالي وطوق النجاة: ارتهان أمن المنطقة بمنطق الميليشيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

يوسف الديني

أصبحت كل أزمات المنطقة مرتبطة بشكل جوهري بوضعية دولة الملالي في طهران التي ترسل أذرعها لتهديد المنطقة عبر الميليشيات التي تدعمها في العراق ولبنان، وبشكل مركز الآن في اليمن من خلال ميليشيات الحوثي.
تركز إيران على استراتيجية نقل المعركة إلى الخارج لتخفيف أزمتها مع المجتمع الدولي في الملف النووي، مستغلة أنه لا يأبه بغير المصالح الاقتصادية. ربما لهذا السبب تحديداً تدرك دولة الاعتدال وفي مقدمتها السعودية أن دولة الملالي، الراعية للإرهاب في المنطقة والمتحالفة مع دول التصعيد ضد استقرار ومنطق الدولة وفي مقدمتها تركيا وذراعها الإعلامية قطر - «الجزيرة» -، تحاول إدارة أزمتها عبر استثمار حالة «الفزع» التي يعيشها المجتمع الدولي تجاه ملفات المنطقة وحضيض الوضع الأمني والاقتصادي وانتعاش الميليشيات، إذ يحاول الملالي في لغتهم مع الدول الأوروبية الضعيفة أمام إمدادات النفط استخدام الشعارات البلاغية في إيصال حقيقة لطالما بشروا بها وهي تفجير الأوضاع في المنطقة واللعب على إمدادات النفط، وكان آخرها، نقل تصعيد ميليشيا الحوثي من الصواريخ إلى الطائرات المسيرة التي قاموا بتدريبهم عليها، بسبب قدرتها على التخريب بأقل الإمكانات في ظل صمت المجتمع الدولي عن إعادة موضعة الميليشيا كمنظمة إرهابية، وليس كطرف نزاع حتى بعد تغير الأوضاع في اليمن واختطاف الدولة وتغيير هويتها السياسية، فإيران تعتبر نفسها كياناً ثورياً عابراً للقارات محكوماً بمنطق الميليشيات والحرس الثوري، وليس الدولة التي تداعب أحلام الدول الأوروبية حول صيغة توافقية في ظل ارتباك البيت الأبيض في اتخاذ خطوات حاسمة تجاه الوضع في إيران، بسبب عامل الوقت والانتخابات. الملالي يرون في المنطقة جغرافيا يجب حرثها من جديد عبر التخريب، بحيث لا تبقى مستقرة في حال انهيارهم الداخلي أو قدرتهم على جر المنطقة إلى حرب كبرى لا يريدها أحد.
في السياسة لا مجال للعاطفة أو التحليل المبني على معطى رمزي عادة ما يتم الحديث عنه بنرجسية بالغة، وهو الوطن العربي الكبير الذي تحول إلى أوطان مهددة بانقسامات صغيرة وهشة، واللافت في الموضوع أن رمزية «الوطن» غير المقسم وبطريقة عاطفية هي الحجة التي يرفعها أنصار الشرعية في اليمن، لكنه لم يرتق إلى مستوى الحتمية التي يجب الحفاظ عليها عبر مصالحة شاملة بين كل الأطراف، خصوصاً الفاعلين في الجنوب الذين لا يرون أبعد من تجاوز إخفاقات صالح في إدماجهم بعد الوحدة القسرية.
الأكيد أن سيناريو التقسيم هو هدف ميليشيا الحوثي والملالي لتفرد ذراعهم بالشمال وتهديد أمن المملكة، وهو ما تدرك السعودية مبكراً خطورته، كما تدرك بالتالي مسؤوليتها في حث الفاعلين في الجنوب على المصالحة، وإيجاد صيغة تفاوضية عادلة تمكنهم من اقتسام السلطة دون استئثار الشمال الذي اتخذ أشكالاً متعددة من رحيل الاحتلال البريطاني.
المعطيات الجديدة التي أفرزتها لنا الأزمة اليمنية التي لعب فيها صمت المجتمع الدولي وتباطؤه وتقاعسه عن طرح حلول جادة أو التفكير خارج صندوق المصالح الضيقة تبدو كارثية جداً، ويوماً بعد يوم تزداد الفجوة بين الأطراف المؤثرة في اليمن بسبب حالة الشره السياسي، وتركة صالح الثقيلة من الانقسام وضعف مستوى النخبة السياسية، وهي معطيات لا يمكن للتحالف تحمل مسؤوليتها دون اليمنيين.
يجب على الفاعلين في اليمن الخروج من ثنائية منطق القوة والغنيمة، من خلال التأثير على وضعية الداخل عبر استثمار التقدم على الأرض كل في سبيل أجندته السياسية وليس الوطن الواحد الموحد، ومن هنا فإن الانفصال بين «الثوار» أو المقاتلين الفاعلين على الأرض، وبين من يتحدثون باسمهم في الخارج، يبدو كبيراً في حالة قد تلقي بظلالها على مستقبل اليمن بشكل جذري وغامض.
النظام الإيراني يهمه نفوذه وسلطته في المنطقة أكثر من وضعيته المتراخية مع المجتمع الدولي التي يلعب فيها على عامل الزمن، وفيما يخص اليمن يحرص على تقوية وضعية ذراعه في الشمال عبر سيطرة ميليشيا الحوثي على أكبر قدر من الأرض، واستمرار تهديدها العبثي والفوضوي للتخفيف على إيران مما يعرض أمن منطقة الخليج إلى حالة التهديد الدائم، لكن ما لم يدركه الملالي في ظل هذا الصلف والتمادي هو أن الوضع الآن انتقل من تهديد أمن الملاحة الدولية إلى إمدادات النفط التي لا يمكن التعامل معها بذات الوضعية المتراخية للملف النووي، وهو ما يعني المزيد من فرص الانقسام في اليمن، ليس بفعل وضعية التحالف، وإنما نتيجة أخطاء فادحة من التيارات السياسية والفاعلين الذين لا يفكرون أبعد من أرنبة مصالحهم.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

نصرالله "قائم مقام" علي خامنئي وحامل سيفه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

هشام ملحم

في ذكرى عاشوراء، جدد الأمين العام لـ "حزب الله" اللبناني حسن نصرالله ولاءه وولاء حزبه المطلق للجمهورية الإسلامية في إيران، ونصّب قائدها آية الله علي خامنئي، "حسين" هذا الزمان، وشبّه النزاع السياسي والاستراتيجي بين إيران ومحورها والولايات المتحدة وحلفائها، "بمعركة الحق والباطل، وفي معركة الحسين ويزيد."، مشددا على أنه لا حياد في مثل هذه المعركة الوجودية.

وغالى نصرالله في لغته الغيبية حين قال "نحن من لبنان نقول للعالم إن إمامنا وقائدنا وسيدنا وعزيزنا وحسيننا في هذا الزمان هو سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي دام ظله، وأن الجمهورية الإسلامية في إيران هي قلب المحور... نرفض أي مشروع حرب على الجمهورية الإسلامية في إيران، لأن هذه الحرب ستشعل المنطقة، وتدمر دولا وشعوبا، ولأنها ستكون حربا على كل محور المقاومة".

تحدث نصرالله وكأنه مَرْزُبان (حاكم ولاية فارسية) وهذا المفهوم أو التقليد السياسي ـ الإداري لحكم الولايات البعيدة، الذي أتقنته الامبراطورية الفارسية القديمة، يعرف الآن بالإنكليزية بكلمة Satrap التي دخلت إلى اللغة الإنكليزية في القرن الرابع عشر، بعد أن عبر أصلها الفارسي في تنويعات إغريقية ولاتينية وفرنسية.

وهذا الأسلوب الفارسي القديم للحفاظ على المقاطعات المختلفة للإمبراطورية، يعرفه اللبنانيون في تاريخهم الحديث بمنصب قائم مقام في الدولة العثمانية، أي قائم مقام الباب العالي.

حروبنا الأهلية وحروب الآخرين

الحروب التي شهدها لبنان منذ 1975، والتي لم تنته حتى الآن بسلم حقيقي ووفاق وطني قابل للحياة، كان لها أسباب سياسية واقتصادية واتسمت، بسبب طبيعة النظام السياسي والتركيبة الاجتماعية للبلاد، بأبعاد طائفية ومذهبية، واكتسبت أبعادا إقليمية زادتها تعقيدا، بسبب الوجود الفلسطيني في لبنان والنزاع العربي ـ الإسرائيلي، وتنافس، لا بل تصارع دول المنطقة فوق أرض لبنان وإن بأدوات لبنانية.

معظم الحروب الأهلية، وخاصة تلك التي لا تحسم بسرعة وتتصارع فيها أطراف عديدة وتطول لسنوات، تؤدي حتميا إلى تورط جيرانها فيها.

وحدها الحرب الأهلية الأميركية (1861 ـ 1865) من بين الحروب الأهلية الكبيرة في القرنين الماضيين، والتي انتهت بغالب ومغلوب بعد سقوط 750 ألف جندي، لم تتدخل فيها دول أخرى لأن أميركا محاطة بمحيطين ضخمين في الشرق والغرب ودولتين أضعف منها في الشمال والجنوب، كندا والمكسيك.

ولكن الحرب الأهلية الإسبانية (1936 ـ 1939)، التي أدت إلى مقتل نصف مليون نسمة، هي النقيض للحرب الأميركية، لأن دولا أوروبية مثل ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية والبرتغال أرسلت عشرات الآلاف من الجنود للقتال إلى جانب المتمردين اليمينيين وحلفائهم المحافظين، بينما أرسل الاتحاد السوفياتي مئات الجنود والطيارين للقتال إلى جانب الحكومة الجمهورية اليسارية (جوزف ستالين لم يفعل ذلك تضامنا مع اليسار، بل لقاء كميات كبيرة من احتياط الذهب الاسباني).

وانضم إلى الجمهوريين اليساريين أكثر من 40 ألف متطوع أجنبي حاربوا كألوية دولية، من بينهم حوالي 2800 أميركي نظموا أنفسهم باسم "لواء لينكولن" تيمنا بالرئيس أبراهام لينكولن.

القتال الشرس الذي جرى بين هذه القوات (من بينها أكثر من سبعين ألف جندي مغربي بأمرة الجنرال يسيمو فرانسيسكو فرانكو، شكلوا في بداية الحرب رأس الحربة للمتمردين) حوّل اسبانيا إلى مسرح اقتتال عالمي بين اليمين واليسار، كان مقدمة للحرب العالمية الثانية، التي بدأت فور انتهاء الحرب الإسبانية.

الحرب السورية في السنوات الماضية جرت وفقا "للنموذج" الإسباني، مثلها مثل الحرب اللبنانية. الدول الإقليمية ومن بينها إيران وإسرائيل وتركيا، ولاحقا روسيا، إضافة إلى عشرات الآلاف من المتطوعين "الجهاديين" والإسلاميين من سنّة وشيعة، من آسيا الوسطى إلى أوروبا حوّلوا سوريا إلى مسرح قتال إقليمي وعالمي، هو الأسوأ في القرن الحادي والعشرين.

وبعد بروز ظاهرة تنظيم "الدولة الإسلامية" تدخلت الولايات المتحدة وحلفائها لشن حرب جوية ضد هذه الظاهرة التي اقتربت وحشيتها من وحشية النظام السوري. وعند كتابة تاريخ الحرب السورية بشكل كامل، سوف يكون هناك فصلا رئيسيا حول إيران ورأس حربتها في سوريا، قوات حزب الله، التي لعبت دورا ربما مفصليا في إنقاذ نظام الطاغية بشار الأسد من الانهيار.

خصوصية "حزب الله" في لبنان

خلال الحرب اللبنانية حصلت الأطراف المتقاتلة على دعم سياسي ومالي وعسكري من دول عربية ومن إسرائيل ومن دول غربية. ولم يحدث أن تدخل أي جيش أجنبي بدعوة من طرف لبناني أو آخر، أو اجتاح جيش إقليمي جزءا من الأراضي اللبنانية، إلا ووجد طرفا لبنانيا يرحب به ويهلل لدخوله كمنقذ، ويرمي على جنوده الأرز والورد.

كانت الأطراف المتقاتلة تتمتع بمستويات مختلفة من "الاستقلالية" في تعاملها مع حماتها أو داعميها من الخارج. وفي هذا السياق لعبت "الفهلوية" اللبنانية دورا هاما في إقناع بعض الأطراف المحلية بأنها قادرة على استخدام أو استغلال القوى الخارجية كأدوات للتخلص من أعداء الداخل أو إضعافهم، ما أدى إلى نتائج عكسية وحتى كارثية.

لبنانيون راهنوا على إسرائيل، وآخرون (من لبنانيين وفلسطينيين) تعاونوا مع سوريا، آخرون فتحوا لبنان لإيران، بينما تعاون بعضهم مع العراق، وقبض آخرون من ليبيا أو من السعودية، وهكذا. اليساريون ومنظمات فلسطينية تطلعوا إلى الاتحاد السوفياتي للدعم والإرشاد، ورحب كثيرون بمجيء القوات المتعددة الجنسيات.

ولكن لم يحدث أن كان لفريق لبناني علاقة عضوية بدولة أجنبية كما هي علاقة حزب الله بإيران. إيران لم تساعد "حزب الله" كفريق لبناني سعى إليها طلبا للمساعدة؛ وإيران لم تكن حاضنة لـ"حزب الله"، لأن "حزب الله" خرج من رحمها. وهو، أي الحزب، غير قادر على البقاء دون مقومات الحياة التي توفرها إيران، من إرشاد وتوجيه سياسي ومذهبي إلى دعم مالي ومادي وعسكري ولوجستي.

وللمرة الأولى منذ الحروب الإغريقية ـ الفارسية التي استمرت لعقود قبل 500 من الميلاد، أصبحت إيران دولة متوسطية بسبب وجودها العسكري والسياسي والمذهبي في سوريا، ولأنها تهيمن على ولايتها في لبنان من خلال "حزب الله".

ضغوط أمريكية غير مسبوقة

خطاب نصرالله تزامن مع وجود مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر في بيروت. زيارة شينكر هي لمواصلة مساعي سلفه ديفيد ساترفيلد للتوسط بين لبنان وإسرائيل لمحاولة ترسيم الحدود البحرية والبرية، ولكنه حمل معه رسائل واضحة للسياسيين اللبنانيين وخاصة المتواطئين مع سياسات وطموحات "حزب الله"، إما عن قناعة أو عن خوف، وتحديدا "التيار الوطني الحر" الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون ويقوده الآن صهره وزير الخارجية جبران باسيل، بأن "تفهم" واشنطن التقليدي لمعضلة "الدولة" اللبنانية مع "حزب الله" وعجزها أو رفضها عن الوقوف، ولو رمزيا، بوجهه يشارف على النهاية.

ويؤكد المسؤولون الأميركيون، وآخرهم مارشال بيلينغسلي، مساعد وزير الخزانة لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب، أن سياسة واشنطن بتقويض اقتصاد إيران وتجفيف مصادر تمويل "حزب الله" سوف تستمر وتتفاقم في المستقبل.

وفي هذا السياق سوف تدرج واشنطن للمرة الأولى شخصيات سياسية ومالية لبنانية من خارج "حزب الله" ومن خارج الطائفة الشيعية ـ في إشارة واضحة لعون وأنصاره الذين تتهمهم واشنطن بتوفير "الغطاء المسيحي" لـ"حزب الله" ـ على لائحة العقوبات.

بعض رسائل شينكر للسياسيين اللبنانيين ولقادة الجيش الذين التقاهم، وفقا لما قالته مصادر مسؤولة قبل وصوله إلى بيروت تشمل تأكيده بأن واشنطن ستؤيد أي إجراءات عسكرية تتخذها إسرائيل ضد "حزب الله" في لبنان أو قواته وقوات إيران في سوريا، وأن واشنطن "تتفهم وتتعاطف" مع قلق إسرائيل من حصول "حزب الله" على معدات وأجهزة متطورة مصممة لتحسين آداء ودقة الصواريخ الإيرانية الموجودة في ترسانة الحزب، وهو ما دفعها لإطلاق مسيرات لتدمير هذه المعدات التي وصلت إلى مقر قيادة تابع لـ "حزب الله" في الضاحية الجنوبية لبيروت. أحد الاسئلة التي طرحها شينكر هي كيف يمكن تبرير عجز الجيش اللبناني عن دخول الضاحية الجنوبية لمعاينة الأهداف التي قصفتها إسرائيل؟

وهناك جدل في الأوساط الأميركية المعنية بلبنان، بين من يدعو إلى الحفاظ على العلاقات العسكرية الأميركية ـ اللبنانية، وضرورة مواصلة تسليح وتدريب القوات اللبنانية المسلحة، وبين من يقول إن الجيش اللبناني غير قادر أو غير مستعد للتصدي، ولو بشكل خجول أو محدود، لـ"حزب الله"، ولذلك يجب أن تقلص واشنطن من مساعداتها العسكرية أو تجعلها مشروطة بإجراءات لاحتواء نفوذ "حزب الله"، وإذا لم ينجح ذلك، يتم قطع هذه المساعدات.

معقل المتشددين هو مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض. في المقابل، لا تزال القيادة العسكرية الأميركية تدعو للحفاظ على العلاقة العسكرية، لأن قطع الإمدادات الأميركية سوف يدفع بلبنان للجوء إلى سوريا وإيران. ووفقا للمطلعين على هذا الجدل، يقول العسكريون الأميركيون إن أداء الجيش اللبناني ضد "التطرف السنّي" المتمثل بعناصر تنظيم "القاعدة" أو تنظيم "الدولة الاسلامية" وخاصة في شرق لبنان كان جيدا، وإن اعترفوا بأن تصدي الجيش "للتطرف الشيعي" المتمثل بـ"حزب الله" غير وارد.

ويتبين من سلوك الدولة اللبنانية الرسمية أنها إما غير قادرة على استيعاب أبعاد هذا الجدل في واشنطن، أو أنها تعيش في حالة نكران. الصمت الرسمي للدولة اللبنانية في أعقاب خطاب نصرالله وصل دويه إلى واشنطن، قبل عودة ديفيد شينكر إليها.

لخطاب نصرالله في ذكرى عاشوراء، والذي أكد فيه تبعية لبنان للجمهورية الإسلامية في إيران، جذور قديمة ويمثل استمرارية واضحة لتفكيره ولرؤيته للبنان كولاية إيرانية. وهناك شريط قديم لنصرالله، بالأبيض والأسود ويعود ربما لسنة 1988 أي قبل قيادته للحزب، ويقول فيه بكل وضوح إن مستقبل لبنان هو أن يصبح جزءا من جمهورية إسلامية واسعة يقودها آية الله روح الله الخميني آنذاك.

أنصار "حزب الله" لا يجاهرون بهذا الشريط لأنه يحرجهم مع حلفائهم ويخيف الفئات اللبنانية الأخرى. يقول نصرالله الشاب، وبلكنة فارسية واضحة "ومشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره كوننا مؤمنين عقائديين، هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الولي الفقيه الإمام الخميني".

هذا هو مشروع إيران الإسلامية الإنقلابي في لبنان، وهذا ما يقوم به حسن نصرالله لتحويل لبنان إلى ولاية إسلامية يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق آية الله علي خامنئي.

أيها اللبنانيون وطنكم أسير إيران.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية