سلطة أردوغان تتهاوى لهذه الأسباب

ترجمة: محمد الدخاخني


تمثّل الهزيمة الانتخابيّة في إسطنبول نقطة تحوّل بالنّسبة إلى الرّئيس التّركيّ، رجب طيّب أردوغان، الّذي كان حتّى هذه الّلحظة دائم الفوز. فمنذ انتخابه لأوّل مرّة رئيساً للوزراء، في عام 2002، فاز أردوغان وحزبه، "العدالة والتّنمية"، في كلّ انتخابات محلية أو فيدرالية مهمة أجريت في البلاد.

عمليّة إعادة انتخابات إسطنبول الّتي دفع من أجلها أردوغان وأنصاره تبيّن أنّها خطأ مميت

وكان حزب "العدالة والتّنمية" الإسلاميّ المحافظ قد انتصر أيضاً في الانتخابات البلديّة الّتي أجريت في آذار (مارس) الماضي، ممّا يجعله مستمرّاً بوصفه أقوى حزب في البلاد. ومع ذلك، يقفز النّاخبون في المدن من السّفينة. خارج إسطنبول، خسر حزب "العدالة والتّنمية" مقاعده لصالح المعارضة في كلّ من أنطاليا وأضنة وديار بكر وإزمير، وحتّى في العاصمة أنقرة.
يدلّ هذا على غضب النّاخبين، وتهاوي قوّة أردوغان. بالرّغم من أنّ حزب "العدالة والتّنمية" قد استخدم كلّ خدعة ممكنة للحفاظ على سيطرته على مضيق البوسفور، فإنّ عمليّة إعادة انتخابات إسطنبول، الّتي دفع من أجلها أردوغان وأنصاره، تبيّن أنّها خطأ مميت. ففي نهاية المطاف، عزّزت فقط مرشّح المعارضة لمنصب العمدة، إكرام أوغلو، ممّا أدّى إلى حصوله على أصوات أعلى من تلك الّتي حصل عليها خلال فوزه في المرّة الأولى.

حزب "العدالة والتّنمية" قد استخدم كلّ خدعة ممكنة للحفاظ على سيطرته على مضيق البوسفور

لا نهاية في الأفق للأزمة الاقتصاديّة

كانت الأزمة الاقتصاديّة والنّقديّة، الّتي ابتليت بها البلاد وأثقلت ظهر المواطنين منذ صيف 2018، واحدة من العوامل الرّئيسة الّتي ساهمت في خسائر حزب "العدالة والتّنمية" داخل المدن. لقد أدّت معدّلات البطالة المرتفعة والتّضخّم المتزايد إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائيّة الأساسيّة مثل البصل والخضروات الأخرى - وهو الأمر الّذي أحبط معظم الأتراك.

اقرأ أيضاً: قيادات تاريخية من العدالة والتنمية تعدّ لما بعد أردوغان
في رأي إردال يالجين، وهو خبير في الشّأن التّركيّ بجامعة كونستانز للعلوم التّطبيقيّة في جنوب ألمانيا، يجب إصلاح الاقتصاد المتدهور على الفور. يقول: "لكن ذلك يعني أنّ الشّركات غير المُربِحة ستُفلِس والاستهلاك سيتراخى وبطبيعة الحال سترتفع معدّلات البطالة".
مثل هذا الوضع سيكون مدمّراً لأردوغان، الّذي تعتمد شعبيته على الطّفرة الاقتصاديّة الّتي رافقت صعوده. إنّ العلاقة الصّعبة الّتي تربط أنقرة حالياً بالولايات المتّحدة تضع عبئاً على الاقتصاد التّركيّ. وإذا قرّرت تركيا شراء نظام الدّفاع الصّاروخيّ الرّوسيّ "إس-400"، فمن المحتمل أن تواجه عقوبات أمريكيّة.

أنصار الحكومة ما عاد لديهم أيّ صبر بخصوص أموال الضّرائب الضّائعة في أوقات الأزمة الاقتصاديّة

وحتّى أنصار الحكومة ما عاد لديهم أيّ صبر بخصوص أموال الضّرائب الضّائعة في أوقات الأزمة الاقتصاديّة. وقد أدرك إمام أوغلو ذلك ولم يفوّت فرصة للإشارة إلى تبذير سلطات إسطنبول فيما يخصّ ميزانيّات البلديّة. وأعلن قائلاً: "سنضع حدّاً للمحاباة الّتي تستهدف قلّة من المؤسّسات أو الأصدقاء أو الأحياء - فمن الآن فصاعداً سنُحابي إسطنبول بأسرها".
يُعرَف حزب العدالة والتّنمية بـ "شبكة المحسوبيّة" الخاصّة به، الّتي تعزّز وضع من تربطهم علاقات بالحكومة من قادة أعمال وشركات، ممّا يمنح هؤلاء تسهيلات قانونيّة في مقابل الحصول على دعمهم الانتخابيّ.
يقول كريستيان براكيل من فرع مؤسّسة "هينريش بول" في إسطنبول، وهي مؤسّسة فكريّة تابعة لحزب الخضر الألمانيّ، إنّ العلاقات بين مجتمع الأعمال والحكومة قد توسّعت إلى مستويات غير مسبوقة تحت حكم حزب "العدالة والتّنمية". ويضيف: "عندما يتولّى حزب الشّعب الجمهوريّ، الّذي يتزعّمه أوغلو مقاليد الأمور في إسطنبول، سيكون بمقدوره معرفة مقدار الأموال الّتي صُفّيت ومن خلال أيّة قنوات".
إنّ نقل السّلطة يمكن أن يسلّط الضّوء على المكائد غير القانونيّة الّتي تتجاوز المحسوبيّة - وهذا لن يُحرِج الإدارة السّابقة فحسب، بل سيُعرّض أردوغان نفسه للإهانة أيضاً.

 فوز إمام أوغلو

المعارضة أقوى من أيّ وقت مضى
لقد قبل الأتراك منذ فترة طويلة أنّ أردوغان وحزبه، "العدالة والتّنمية"، يقومان بإدارة الأمور على هذا النّحو، لكن أنصار الرّئيس كانوا يبرّرون دائماً تصويتهم بالادّعاء بأنّه لا يوجد بديل. لكن الآن هناك بدائل. فقد تمكّنت أحزاب المعارضة، للمرّة الأولى، من توحيد قواها لتحدّي حزب العدالة والتّنمية ذي النّفوذ القويّ.

اقرأ أيضاً: هل تقوّض إسطنبول إمبراطورية أردوغان؟
قام حزب المعارضة الأقوى في تركيا، حزب الشّعب الجمهوريّ، بالتّحالف مع حزب الخير القوميّ المتطرّف - بدعم من حزب الشّعوب الدّيمقراطيّ الموالي للأكراد - لتشكيل ائتلاف انتخابيّ. وفي إسطنبول، على سبيل المثال، لم يقدّم حزب الشّعوب الدّيمقراطيّ مرشّحاً. وبدلاً من ذلك، دعا صلاح الدّين ديميرتاش، الرّئيس السّابق والمسجون للشّعوب الدّيمقراطيّ، أنصاره إلى "التّصويت ضدّ الفاشيّة" - وبالتّالي تأمين فوز إمام أوغلو في الاقتراع الأوّل.
ومن المتوقّع أن تعزّز هذه المعارضة الموحّدة قوّتها بنجاح في الانتخابات القادمة. وعلى العكس من ذلك، يبدو تحالف حزب "العدالة والتّنمية" مع حزب الحركة القوميّة اليمينيّ المتطرّف أقلّ استقراراً - خاصّة عندما يتعلّق الأمر بمسألة كيفيّة التّعامل مع الأقلّيّة الكرديّة في تركيا.

 قاعدة سلطة أردوغان تنهار داخل حزبه

هل يتّجه حزب العدالة والتّنمية نحو الانقسام؟
يبدو أنّ قاعدة سلطة أردوغان تنهار داخل حزبه أيضاً. فكوادر ذات ثقل من عيّنة الرّئيس السّابق عبد الله غول، أو رئيس الوزراء السّابق أحمد داود أوغلو، أو وزير الاقتصاد السّابق علي باباجان، تعبّر عن انتقادات غير عاديّة لقيادة الحزب. وتشير وسائل الإعلام التّركيّة منذ فترة طويلة إلى أنّ هؤلاء "المرتدّين" يمكن أن يشكّلوا حزباً جديداً خلال فترة قريبة.

تمكّنت أحزاب المعارضة، للمرّة الأولى من توحيد قواها لتحدّي حزب العدالة والتّنمية ذي النّفوذ القويّ

ولعلّ هذا هو الوقت الأنسب للقيام بذلك. فقد أصبحت قوّة أردوغان الأسطوريّة الّتي "لا تقهر" جزءاً من التّاريخ الآن. وفي الواقع، لم يواجه الرّئيس البتّة الكثير من التحديات ولم يتعرّض للعديد من الهزّائم كما يحصل له الآن.
ومع ذلك، يبدو من السّابق لأوانه التّنبؤ بما إذا كان أردوغان قد تجاوز أوج قوّته. فهو يسيطر بشدّة على أهم المؤسّسات في البلاد - بما في ذلك الجيش والقضاء والإعلام. والنّظام الرّئاسيّ الّذي دفع به أردوغان من خلال الاستفتاء الدّستوريّ الّذي أجري عام 2018 يمنحه سلطة أكبر من أيّ من أسلافه.
بالرّغم من أنّ سلطة أردوغان قد تبدأ في الانهيار، فقد أمضى الأعوام الـ 17 الماضية في فعل كلّ ما هو ممكن لضمان استمرارها.


المصدر: دانييل بيلوت، دويتشه فيله

الأقسام: