كيف ستستجيب برلين لطلب واشنطن إرسال قوات برية لسوريا؟

كيف ستستجيب برلين لطلب واشنطن إرسال قوات برية لسوريا؟
5426
عدد القراءات

2019-07-08

تدعم ألمانيا منذ سنوات التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش"، لكنّ واشنطن تطلب منها حالياً إرسال قوات برية لسوريا. ما هو قائمٌ بالفعل الآن هو أنّ الدعم الألماني في إطار التحالف الدولي يتمّ من خارج سوريا، وذلك بتوريد طائرات "تورنادو" للاستطلاع وإعادة تزويد الطائرات بالوقود من الأردن، وهناك سفينة حربية ألمانية لدعم حاملة الطائرات الفرنسية "شارل ديغول" في البحر المتوسط، فضلاً عن عمليات استطلاعية عبرالأقمار الصناعية، إلى جانب تدريب قوات في العراق.

الطلب الأمريكي الجديد من برلين في سوريا له صفة الاستعجال فواشنطن ترغب في الإجابة عن طلبها خلال الأسابيع المقبلة

وكان من المفترض أن تنتهي مهمة القوات الألمانية في 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، لكن وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، أوضح خلال زيارة له إلى العراق الشهر الماضي أنّه يمكن تمديدها. وسيناقش البرلمان الألماني، الذي يتعين عليه الموافقة على أي تمديد، المسألة في شهر أيلول (سبتمبر) المقبل على أقرب تقدير، وفقاً لـ"دويشته فيله".
الطلب الأمريكي الجديد من برلين في سوريا له صفة الاستعجال؛ فواشنطن ترغب في الإجابة عن طلبها خلال الأسابيع المقبلة. ويُعزز طلب الولايات المتحدة أمس من ألمانيا تقديم قوات برية لمكافحة الإرهاب في شمال سوريا الضغوط لالتزام عسكري أكبر من قبل برلين.
حاملة الطائرات الفرنسية "شارل ديغول"

جيفري: نريد ردّاً خلال الشهر الجاري
وقال الممثل الأمريكي الخاص لسوريا، جيمس جيفري، لصحيفة "دي فيلت" الألمانية "نريد من ألمانيا قوات برية لتحلّ محلّ جزء من جنودنا" المنتشرين في إطار مهمة دولية لمكافحة الإرهاب في هذه المنطقة تجري مناقشتها حالياً.
وكان جيفري يزور برلين الجمعة الماضية لإجراء محادثات في هذا الشأن. وقال إنّه ينتظر رداً خلال تموز (يوليو) الجاري، كما ذكرت "وكالة الصحافة الفرنسية".

جيفري: الدعم المطلوب من ألمانيا لن يكون بوحدات مهاجمة ولكن سيتعلق بالتدريب والأمور اللوجستية والتقنية

وأعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في نهاية 2018 سحب الجزء الأكبر من نحو ألفي جندي أمريكي ينتشرون في شمال شرق سوريا، مؤكداً حينها الانتصار بشكل كامل على تنظيم "داعش".
لكن منذ ذلك الحين تم إقناعه بإبطاء الانسحاب، وبأن يبقي في هذه المنطقة، التي لا يسيطر عليها النظام السوري، بضع مئات من الأمريكيين، الذين يدعمهم عسكريون من الدول الحليفة، وفقاً لـ "الفرنسية".
وقال جيفري إنّ واشنطن تبحث "هنا (في ألمانيا) ولدى شركاء آخرين في التحالف" الدولي ضد تنظيم داعش، الذي يشمل ثمانين بلداً، عن "متطوعين (دول) مستعدين للمشاركة". وأضاف "نعتقد أنّنا سنحقق ذلك".
ولهذه المهمة، أضافت "الفرنسية"، هدف مزدوج: الأول؛ هو عدم التخلّي عن الأكراد الذين خاضوا المعارك على الأرض ضد تنظيم داعش بدعم من التحالف لكنهم مهددون من تركيا. والثاني؛ مواصلة جهود مكافحة الإرهاب لمنع عودة التنظيم المتطرف.

اقرأ أيضاً: تركيا والنظام و"قسد".. مَن الأقرب إلى كسب العشائر السورية؟
وتعوّل واشنطن على أوروبا للقيام بذلك، أي بريطانيا وفرنسا وحالياً ألمانيا. لكن مسألة نشر جنود على الأرض بالغة الحساسية في ألمانيا ذات الثقافة السلمية جداً؛ بسبب ماضيها النازي، ويمكن أن تثير جدلاً حاداً داخل التحالف الحكومي الهش، الذي تقوده المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، وفقاً لـ "الفرنسية".
نشر جنود على الأرض مسألة بالغة الحساسية في ألمانيا

تفصيلات حول طبيعة الدعم الألماني المطلوب
جيفري قدّم بعض التفصيلات بخصوص طبيعة الدعم المرغوب في أن تقدمه برلين، مؤكداً أنّ الدعم المطلوب من ألمانيا لن يكون بوحدات مهاجمة، ولكن سيتعلق بالتدريب، والأمور اللوجستية والتقنية، وهدفه استبدال القوات الأمريكية التي أعلن الرئيس ترامب عن نيّته سحبها بعد الإعلان عن هزيمة التنظيم في شهر آذار (مارس) الماضي، وبيّن أنّ القوات الأوروبية لن تُستخدم في المنطقة الآمنة الفاصلة بين تركيا والقوات السورية ذات القيادة الكردية، حسبما نقلت عنه صحيفة "والت إم سونتاغ" الألمانية.

اقرأ أيضاً: بعد انتصار "قسد".. هل انتهى تهديد داعش؟
وتدعم القوات الأمريكية تحالف قوات سوريا الديمقراطية، التي تضم ميليشيات قوات حماية الشعب الكردية وغيرها من الجماعات المقاتلة. وفي آذار (مارس) الماضي، استولت قوات سوريا الديمقراطية على آخر معقل لداعش في سوريا في بلدة الباغوز، على الرغم من استمرار نشاط التنظيم الإرهابي من تحت الأرض، بحسب صحيفة "الشرق الأوسط".
وكان الجيش العراقي قد أعلن أمس إطلاق المرحلة الأولى من عملية "إرادة النصر" ضد فلول "داعش"؛ بعمليات واسعة لتطهير المناطق المحصورة بين محافظات صلاح الدين ونينوى والأنبار إلى حدود العراق مع سوريا. ومن المقرر أن تستمر العملية أياماً عدّة، بحسب بيان للجيش.
ميليشيات قوات حماية الشعب الكردية

استمرار المراقبة والعمليات الجوية
وكان السفير جيمس جيفري قال في الثامن والعشرين من حزيران (يونيو) الماضي في تصريحات لموقع "دِفَنْس وان" المتخصص في أخبار الدفاع، إنّ "هناك شيئاً معلقاً نتطلع إليه"؛ وذلك في ختام اجتماعات عقدها على مدار أيام في باريس وبروكسل أواخر الشهر الماضي، مع قادة عسكريين وسياسيين في التحالف الدولي ضد "داعش" الذي تقوده الولايات المتحدة، جدّد خلالها الحلفاء التزامهم القضاء على التنظيم الإرهابي وأيديولوجيته، وفق قناة "الحرّة".

اقرأ أيضاً: "قسد": هذه أعداد وجنسيات معتقلي داعش لدينا
وقال جيفري إنّ "الانسحاب (الأمريكي من سوريا) مستمر" وإنّ الرئيس "ترامب ملتزم الحفاظ على القوة المتبقية (400 جندي في سوريا) لفترة غير محددة، فيما نواصل هذا التخفيض الدقيق والمسؤول"، مذكراً بأنّ هذا الانسحاب يخص القوات الأمريكية على الأرض فقط.
وتابع أنّ الولايات المتحدة تتوقع أن تملأ قوات التحالف الفراغ، متحدثاً حينها عن "رد مشجع من أعضاء التحالف". وأكد من جهة أخرى أنّ الولايات المتحدة "ستواصل الحفاظ على المراقبة الجوية ذات الأهمية القصوى، فضلاً عن العمليات الجوية فوق شمال شرق سوريا، وستواصل وجودها على الأرض في قاعدة التنف، وستكون مستعدة لإرسال قوات لمطاردة أهداف إرهابية محددة".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



عملية قاسم الريمي.. ما أهم تداعيات استهداف قيادات القاعدة باليمن؟

2020-02-17

بعد أن نجحت الولايات المتحدة مؤخراً، بمعاونة محليين، في القضاء على قاسم الريمي، "قائد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، ثم إعلانها عن جائزة مقدارها 11 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات عن القيادي سعد العولقي، وخالد باطرفي، انسحبت القاعدة إلى مناطق الملاذات الجبلية الآمنة كعادتها من أجل تقليل خسائرها، بعد أن وصلت لمستوى كبير من الانحدار والاختراق والتفكّك، وذلك بالتزامن مع تقدم الجيش اليمني وقوات النخبة مصحوبة بدعم التحالف العربي للسيطرة على اليمن وتحرير ما تبقى من المدن من يد الحوثيين.
انعكاسات سلبية على التنظيم
إنّ مقتل قاسم الريمي ستكون له انعكاسات سلبية على التنظيم؛ فالرجل يعتبر من مؤسسي الفرع اليمني وأبرز وجوهه المؤثرة، ومن بقايا الرعيل الأول من الأفغان العرب، كما أنّ مقتله جاء في وقت حساس جداً بالنسبة للتنظيم الذي يخوض معارك شرسة مع تنظيم داعش في كثير من مناطق اليمن، إضافة إلى أنّ عملية قتل الريمي أتت في وقت يفتخر فيه التنظيم بأنّه تمكن من "هدم الجاسوسية" كما عبر عن ذلك في سلسلة الأفلام التي أخرجها مؤخراً، مؤكداً أنّه نجح في تأمين قياداته عبر كشفه للخلايا التي اخترقت صفوفه.

في هذا السياق، يؤكد الباحث المغربي مزوز عبدالغني أنّ الفرع اليمني في القاعدة ليس كالفروع الأخرى فهو "يحظى باهتمام خاص من أيمن الظواهري؛ لأنّه المكلف بالعمل الخارجي، وأميره يعتبر نائباً للقيادة العليا، كما أنّه المكلف بالوساطة والحكم في القضايا التي يختلف حولها أفرع التنظيم الأخرى، وبالتالي فمقتله يعتبر خسارة فادحة".

مقتل قاسم الريمي ستكون له انعكاسات سلبية على التنظيم إذ يعتبر من مؤسسي الفرع اليمني وأبرز وجوهه المؤثرة

ويوضح عبد الغني، في حديثه لـ"حفريات"، أنّ التنظيم اليمني هو الذي نفّذ خلال الأعوام الماضية عدداً كبيراً من العمليات، أهمها على الإطلاق العملية الإرهابية التي طالت صحيفة شارلي إبدو الفرنسية، والتي أعلن المسؤولية عنها القيادي جلال بلعيدي، ثم إطلاق جندي من قوات البحرية بفلوريدا النار على زملائه، وهو ما دفع الولايات المتحدة للتركيز بشكل كبير على اصطياد القيادات عبر الطائرات المسيَّرة (الدرونز).
وأدت عمليات الاستهداف الأمريكية، وبدرجة أقل منها الإماراتية، إلى مقتل عددٍ كبيرٍ من قيادات القاعدة ومنها الهجوم بدون طيار العام 2015، على اجتماع تنظيمي ما تسبب في مقتل زعيم التنظيم، ونائب الظواهري المرشّح لخلافته ناصر الوحيشي، والزعيم إبراهيم الربيش، ونائب القائد العام ناصر بن علي العنسي، والمسؤول الديني البارز حارث بن غازي النظاري.

اقرأ أيضاً: داعش يواصل هجماته مجدداً ضدّ القاعدة.. لماذا الآن؟
وفي كانون الثاني (يناير) 2017 هاجمت الطائرات قرية يكلا وقتلت 14 عنصراً، منهم الأمير المحلي للقاعدة عبد الرؤوف الذهب، كما في حزيران (يونيو) قتلت طائرة مسيّرة أبو خطاب العولقي، الأمير المحلي في شبوة، وقد تزامن ذلك مع غارة جوية استهدفت قادة آخرين.

وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2017 قتلت غارة جوية أبو عبيدة اللودري، أمير القاعدة في أبين، وبعد شهر من ذلك، قُتل مجاهد العدني، الأمير الجديد في شبوة، وأبو الليث الصنعاني، القيادي البارز في تنظيم القاعدة بالبيضاء.
ونفّذت القوات الإماراتية اغتيال عدد من قادة القاعدة في كانون الأول (ديسمبر) 2017 منهم مقداد السيستاني، في غارة جوية على محافظة البيضاء؛ ومسؤول تسهيل حركة الأسلحة حبيب الصنعاني، وعضو اللجنة الدعوية أبو عمر الصنعاني، في غارة على مأرب؛ والأمير المحلي في شبوة مجاهد العدني؛ والمسؤول الإعلامي أبو هاجر المالكي، في مأرب.

الحرب مع الحوثيين واستمرارها سيسهم وفق خبراء في إعطاء نفس أطول للقاعدة

وكان جنود أمريكيون هاجموا في 29 كانون الثاني (يناير) 2017، منزلاً في قرية الغيل بمحافظة البيضاء، في أول عملية عسكرية خارجية يصادق عليها ترامب، في الأسبوع الأول من رئاسته.
أما في آب (أغسطس) 2018 أعلن مسؤولون أمريكيون مقتل إبراهيم العسيري، خبير المتفجرات في القاعدة، بغارة أمريكية بطائرة بدون طيار، كما أعلنوا عن مقتل سامح المارمي بغارة جوية في أيلول (سبتمبر) 2018، وجمال البدوي، أحد كبار العناصر المعتقد وقوفهم وراء هجوم المدمرة الأمريكية (يو إس إس كول)، في كانون الثاني (يناير) 2019.
تراجع مستمر نحو الملاذات الآمنة
رغم كل هذه الاستهدافات، أظهرت القاعدة قدرتها على البقاء وتجاوز الخسائر المتكررة في صفوف قياداتها، في حين تخلق الحرب المستمرة في اليمن نبعاً طبيعياً "للمواهب والخبرات" التي يمكن للقاعدة استقطابها.
ويحاول تنظيم القاعدة التغلغل في النظام الاجتماعي القبلي بالذات في أدبياته (الزوامل- الأشعار- الأناشيد) الحماسية، كما أنّ توسع التنظيم في أساليب الحشد على أساس القبيلة والقرابة من قيادات التنظيم ساهمت بالفعل في توسع التنظيم في ظل غياب المؤسسات الحكومية.

التنظيم اليمني للقاعدة هو الذي نفّذ خلال الأعوام الماضية عدداً كبيراً من العمليات الخارجية

لكن الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، حسام ردمان، يرى، في تقرير له، أنّ القاعدة تشهد معارضة شعبية وقبلية متزايدة تجاهها، سواء من جانب حلفاء الجماعة –وهم أقلية صغيرة– أو من أولئك الذين كانوا غير مبالين أو محايدين تجاهها في السابق، وأنّ الإمارات سعت بانتظام إلى نيل موافقة القبائل والمجتمع في حملاتها، مما تسبب في فقدان القاعدة الحاضن المحلي ومهّد الطريق أمام الحملات العسكرية ضدها.
وأحدث الأدلة على خسارة القاعدة نفوذها المحلي، كما يؤكد ردمان، تمثل في اجتماع تشاوري لشخصيات قبلية في محافظة أبين بداية شباط (فبراير) 2019، وكان من بنود البيان الختامي للاجتماع إعلان القبائل احتفاظها بسياسة "الباب المفتوح" لأي من الأحزاب والأفراد الذين يتخلون عن دعمهم للقاعدة ويثبتون استعدادهم للمشاركة في "حماية" الدولة اليمنية.

من جهته، قال الباحث في شؤون الإسلام السياسي، رشيد عزوز، إنّ "التنظيم سيواجه هزة تنظيمية قوية، ولن نبالغ إن قلنا غير مسبوقة لاعتبارات عديدة ذاتية وأخرى موضوعية، أبرزها أنّ اغتيال الريمي جاء بعد حوالي 5 أعوام من أكبر عملية قام بها"، مضيفاً في حديثه لـ "حفريات" أنّ "الأزمة الأخيرة في البلد عكست حجمه على الأرض دون أن ننسى أن دول الخليج، والعديد من الدول العربية والإسلامية مع حلفائها الأمريكيين والأوروبيين في الأعوام الأخيرة، مصممة على اجتثاث إرهاب القيادات، بالموازاة مع كشف تناقضاتهم الفكرية لدى العامة، ويبدو أنّ هذه السلسلة من الاغتيالات التي طالت رموزاً عدة أبرزها زعيم داعش وزعيم الحرس الثوري وعدة قيادات لتنظيم القاعدة في السنوات المنصرمة رامية إلى دحر التنظيم في اليمن من خلال الاستهداف المباشر لقيادات الصف الأول".

رغم الاستهدافات تظهر القاعدة قدرتها على البقاء وتجاوز الخسائر المتكررة في صفوف قياداتها

في هذا السياق تقول الباحثة في شؤون إدارة النزاعات ندوى الدوسري، في مقابلة سابقة مع مركز كارنيغي، إنّ "القاعدة في شبه الجزيرة العربية تهديد خطير، لكن هذا يتوقّف على مدى استمرار هذه الحرب"، موضحة أنّ "الحرب التي شنّها الحوثيون ضد القبائل المحلية تُضعف هذه الأخيرة وتسمح للتنظيم بتجنيد رجالها، من دون أن تتصدّى له القبائل المشتّتة الآن بفعل القتال للدفاع عن وطنها ضد الحوثيين. ومع مرور الوقت، وإذا استمر القتال، فإنّ قدرة القبائل على محاربة القاعدة في شبه الجزيرة العربية والحفاظ على النظام والسيطرة على مناطقها ستتضاءل".
وعملياً فإنّ هناك من يرى أنّ الحرب مع الحوثيين واستمرارها سيسهم بكل تأكيد في إعطاء نفس أطول للقاعدة، ومنهم منظمة مجموعة الأزمات الدولية (Crisisgroup) التي أكّدت في تقارير سابقة منشورة أنّ "الحوثيين بوصفهم شيعة زيديين هم الأعداء الأيديولوجيون الرئيسيون للقاعدة في شبه الجزيرة العربية، عززوا من قوة عدوهم عبر اندفاعتهم العسكرية في شباط (فبراير) 2015 إلى المناطق ذات الأغلبية الشافعية (السنية)، ما سمح للقاعدة في شبه الجزيرة العربية بتقديم نفسها كجزء من جبهة "سنية" أوسع ضد توسع الحوثي/ صالح، وفي نهاية المطاف، تظل الوسيلة التي يمكن بها إنهاء تهديد القاعدة في اليمن وخارجه، هي إنهاء النزاع عبر تسوية سياسية تعيد بناء الدولة والمؤسسات العامة، وتستعيد فاعلية قوات الأمن، وإلى أن يتحقق ذلك، فإنّ الانسحابات الاستراتيجية للتنظيم – كالانسحاب الحالي– ستتيح له عودة محتومة، ولن تفيد التدابير الحالية ضد القاعدة أكثر من احتوائها، بدلاً من القضاء عليها كتهديد".

أما مركز أبعاد للدراسات في دراسته المعنونة بـ"تنظيم القاعدة في اليمن.. قدراته العسكرية ومناطق نفوذه" فرأى أنّ "أخطاء الطائرات بدون طيار، تدفع للانتقام والثأر، وتبقى مناطق القبيلة مفتوحة لعناصر التنظيم بما في ذلك الأجانب، لتصبح مواجهة التنظيم صعبة للغاية".

اقرأ أيضاً: ما الذي تكشفه ردّة فعل تنظيم القاعدة على مقتل سليماني؟
إنّ القراءة الصحيحة لتنظيم القاعدة باليمن تستلزم إدراك أنّ اصطياد قياداته يؤدي إلى تحولات حقيقية يمر بها على المستوى الأيديولوجي والإستراتيجي، وهذا بحدّ ذاته يمثل تحدياً جديداً للحرب مع الإرهاب والقدرة على فهم ما يجري واستشراف المستقبل.

للمشاركة:

عُمان: عدم الاستقرار في هرمز سيستمر حتى الانتخابات الأمريكية

2020-02-17

عبّرتْ سلطنة عُمان عن قلقها من تزايد عدد الدول التي تقوم بإرسال سفنها الحربية إلى مضيق هرمز. وقالت السلطنة إنّ الأوضاع في منطقة الخليج تمرّ في مرحلة من عدم الاستقرار، مضيفة بأنّها لا تتوقع تغيّراً في هذه الحالة إلى حين موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية في أواخر العام الجاري. وحذّرت السلطنة من أي تصعيد في المضيق.

اقرأ أيضاً: مضيق هرمز والنفوذ الإيراني
جاء الموقف العُماني في مداخلة أدلى بها الوزير العُماني المسؤول عن الشؤون الخارجية، يوسف بن علوي بن عبد الله، في مؤتمر ميونيخ للأمن.
وقال الوزير بن علوي إنّ خطر اندلاع مواجهة عسكرية في مضيق هرمز أكبر مقارنة بأي مكان آخر بمنطقة الخليج، وهو ما يرجع جزئياً إلى العدد المتزايد من السفن الحربية الآتية من دول مختلفة والتي تؤمنه، وفقاً لما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء.

بن علوي: إنّ خطر اندلاع مواجهة عسكرية في مضيق هرمز أكبر مقارنة بأي مكان آخر بمنطقة الخليج
ويعبر بالممر المائي الواقع بين إيران وسلطنة عُمان، والذي يبلغ عرضه عند أضيق نقطة 33 كيلومتراً، نحو 30 بالمئة من جميع شحنات النفط الخام وغيره من المشتقات النفطية السائلة التي يتم الاتجار بها بحراً.
ودفع الخلاف بين إيران والغرب دولاً عديدة لإرسال مجموعات عمل حربية لحماية الشحن هناك، وألقت واشنطن بالمسؤولية على طهران في هجمات على سفن تجارية دولية في المنطقة أو بالقرب منها، وهو ما تنفيه الجمهورية الإسلامية، بحسب "رويترز".

اقرأ أيضاً: لماذا لم تنضج مساعي واشنطن بشأن مضيق هرمز حتى الآن؟
وقال الوزير العماني في وقت متأخر من مساء أول من أمس خلال مؤتمر ميونيخ للأمن "هناك الكثير من السفن الحربية في (منطقة) هرمز ومبعث قلقنا هو أنّ خطأ قد يحدث". وأضاف أنّ هذا يجعل المنطقة نقطة الاشتعال الأخطر في الخليج في الشهور المقبلة.
خط أحمر
ولا تستطيع إيران من الناحية القانونية إغلاق الممر المائي بشكل أحادي؛ لأنّ جزءاً منه يقع بالمياه الإقليمية العمانية. لكن السفن التي تمر فيه تبحر في المياه الإيرانية التي تتبع مسؤولية بحرية الحرس الثوري الإيراني.
وهددت طهران أيضاً بأعمال انتقامية على مقتل القائد العسكري البارز قاسم سليماني، في ضربة أمريكية بطائرة مسيرة بداية هذا العام، إلا أنّ محللين في المنطقة قالوا، بحسب "رويترز"، إنّ ذلك لن يشمل تدخلاً في المضيق على الأرجح.

عبّرتْ سلطنة عُمان عن قلقها من تزايد عدد الدول التي تقوم بإرسال سفنها الحربية إلى مضيق هرمز

وتقود واشنطن، التي قررت في 2018 الانسحاب من الاتفاق النووي الدولي مع إيران وعاودت فرض عقوبات عليها، مهمة بحرية لحماية ناقلات النفط وسفن الشحن تشمل بريطانيا. وتقود فرنسا مهمة أوروبية منفصلة، وأرسلت اليابان وروسيا وكوريا الجنوبية والصين والهند أيضاً قطعاً بحرية إلى المنطقة.
وأشارت "رويترز" إلى أنّه تكرر وقوع مواجهات بين الحرس الثوري الإيراني والجيش الأمريكي في الخليج خلال الأعوام القليلة الماضية. وقال مسؤولون أمريكيون إنّ إغلاق المضيق سيكون بمنزلة تجاوز "خط أحمر"، وإنّ الولايات المتحدة ستتحرك عندها لإعادة فتحه.

الكويت: لا حاجة لاتفاقية عدم اعتداء
وقال وزير الخارجية الكويتي، الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح، في مداخلة له في مؤتمر ميونيخ إنّ المنفذ الوحيد "للكويت والبحرين وقطر هو مضيق هرمز، وإذا أُغلق فسنكون جميعاً في مشكلة، ولذلك فإنّ من المهم مواصلة تأمين الملاحة البحرية"، وفق "رويترز". من جانب آخر، قال الوزير الكويتي إنّه "لا حاجة لتوقيع أي اتفاقية عدم اعتداء مع إيران؛ إذْ يكفي الالتزام بميثاق الأمم المتحدة"، الذي يؤكد وجوب احترام الدول للسيادة الوطنية للدول الأخرى، وعدم التدخل في شؤونها أو تهديد سلامتها الإقليمية.
مبادرات
في سياق متصل، نشرت مجلة "المجلة" تحليلاً وضعته على صدر غلاف عددها الأخير، تناولت فيه المبادرات التي طرحت حول مضيق هرمز، والتي تتمحور حول ضرورة وجود عسكري لضمان الملاحة والمرور في هذا المضيق البحري. وتقول المجلة إنّ تدقيق النظر في المبادرة الأمريكية أو المبادرتين الأوروبيتين (البريطانية قبل تحول موقفها ثم الفرنسية المؤيدة أوروبياً) تطالبان بوجود قوات عسكرية لمواجهة التهديدات الإيرانية. في حين تظل المبادرة الروسية في ظاهرها بعيدة عن المطالبة بوجود قوات أجنبية في المنطقة، إلا أنّ جوهرها لم يختلف كثيراً عما تضمنته المبادرات الأمريكية والأوروبية، وإن تباينت في الأساليب فحسب؛ إذ تضمنت المبادرة الروسية أنّ الهدف الرئيسي منها هو إنشاء "منظمة للأمن والتعاون في منطقة الخليج"، محددة الدول الأطراف المعنية بضمان هذا الأمن، وذكرتهم بالتحديد: روسيا، والصين، والولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والهند، كأطراف أساسية، وهو ما يعني في جوهره تدويل الحفاظ على الأمن في منطقة الخليج، خاصة أنّ المبادرة لم تحدد على وجه الدقة دور هذه الأطراف الأساسية، وأغلب الظن أن هذا الدور لن يختلف كثيراً في جوهره عما تضمنته المبادرات الأخرى.

أما الملاحظة الثانية التي توردها "المجلة"، فتتعلق بالموقف الإيراني الذي يعد هو محور هذه المبادرات جميعها، بل إنّها طرحت بدورها مبادرة أطلقت عليها "مبادرة هرمز للسلام" في أيلول (سبتمبر) 2019 من على منبر الأمم المتحدة، تمحورت حول تشكيل تحالف دولي لضمان أمن الخليج، يضم إيران والسعودية والعراق والبحرين والإمارات وقطر وعُمان والكويت، وينشط تحت رعاية الأمم المتحدة، وتعارض هذه المبادرة كافة المبادرات الدولية المطروحة بحجة رفضها للوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، من منطلق أنّ أمن الخليج وممراته هو مسؤولية الدول المطلة عليه.

دفع الخلاف بين إيران والغرب دولاً عديدة لإرسال مجموعات عمل حربية لحماية الشحن هناك

وتضيف "المجلة" أنّه برغم وجاهة هذه الحجة في ظاهرها إلا أنّ الممارسات العملية والتهديدات المستمرة من جانب طهران تفرغ هذه الحجة من مضمونها، فإذا كانت طهران تدافع عن المنطلق القائل بمسؤولية الدول المطلة على الخليج عن أمن الخليج واستقراره، فالسياسات التي تنتهجها إيران حيال جيرانها سواء من خلال التدخل المستمر في شؤونها الداخلية ودعمها الدائم للكيانات والتنظيمات الإرهابية في المنطقة، فضلاً عن ممارسات القرصنة التي يرتكبها حرسها الثوري حيال السفن والناقلات العابرة للمضيق، كل هذه السياسات هي المصدر الرئيسي لتهديد الأمن في مضيق هرمز، الذي تعد حمايته وحماية المرور فيه لكافة السفن والناقلات مسؤولية دولية وإقليمية معاً؛ فكون المضيق ممراً مائياً دولياً تجعل تهديده مسؤولية دولية تستوجب التدخل.

اقرأ أيضاً: لماذا يحمل مضيق هرمز كل هذه الأهمية؟
وتتابع "المجلة": الأجدر إذا ما أرادت طهران أن يكون لحجتها أولوية وأسبقية في مواجهة المبادرات الدولية التي تطرح لأمن الخليج، أن تكف هي عن سياساتها التدخلية في شؤون جوارها الإقليمي، وأن تُوقف تهديداتها المستمرة للملاحة والعبور الآمن للسفن والناقلات في المضي. حينذاك ستكون مسؤولية أمن الخليج وممراته مسؤولية دوله المشاطئة، وهو ما يتطلب أن تكون ثمة مبادرة خليجية لأمن الخليج تراعي مواقف الأطراف الدولية من ناحية، والمصالح الوطنية لدول الخليج من ناحية أخرى.

للمشاركة:

الهند ترد لأردوغان الصاع صاعين: لا تتدخل في شؤوننا

2020-02-17

لم يطل صمت الهند على المزاعم التي تفوّه بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فردّت له الصاع صاعين، حين طالبت نيودلهي تركيا عدم التدخل في شؤونها الداخلية، أو في النزاع مع جارتها باكستان حول "جامو وكشمير".
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الهندية رافيش كومار، أول من أمس السبت، "ندعو القيادة التركية إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية للهند، وأن يكون لديها فهم مناسب للحقائق، بما في ذلك التهديد الخطير الذي يمثله الإرهاب الذي مصدره باكستان، وموجه إلى الهند والمنطقة".

أردوغان يسعى إلى استفزاز السعودية بمحاولة التقرب من باكستان والعمل على تهميش العلاقات الوطيدة بين الرياض وإسلام أباد

وأضاف "الهند ترفض جميع الإشارات إلى جامو وكشمير، والتي تعد جزءاً لا يتجزأ من الهند".
وجاءت تصريحات المتحدث الهندي، رداً على تعليقات أردوغان، بشأن جامو وكشمير، خلال زيارته لباكستان، الجمعة، وإعرابه عن دعم بلاده لموقف باكستان من قضية كشمير.
كما أعلن أردوغان دعمه لرفع اسم باكستان من قائمة مراقبة تمويل الإرهاب العالمية، قبل مراجعة الإجراءات التي اتخذتها إسلام أباد الأسبوع المقبل.
وقال أردوغان في خطاب أمام البرلمان الباكستاني "سنواصل دعم باكستان في مجموعة العمل المالي رغم الضغوط".
يشار إلى أنّ "مجموعة العمل المالي" هي منظمة حكومية دولية تدعم سياسات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وتتمتع تركيا بحق التصويت في المنظمة.
 المتحدث باسم وزارة الخارجية الهندية رافيش كومار: ندعو القيادة التركية إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية للهند

فصل جديد من فصول التدخل التركي
ورأى مراقبون أنّ التدخل التركي في ملف كشمير هو فصل جديد من فصول التدخل التركي في إطار مشاريع أنقرة التوسعية، وذلك بعد تورطها في دعم المجموعات الإرهابية والمتشددة في سوريا وليبيا، إضافة إلى بسط نفوذها في مناطق في أفريقيا.

اقرأ أيضاً: هل يمكن لبوتين أن يُضحي بأردوغان؟
وقالت وسائل إعلام إنّ أردوغان يسعى إلى استفزاز المملكة العربية السعودية بمحاولة التقرب من باكستان، والعمل على تهميش العلاقات الوطيدة بين الرياض وإسلام أباد، وذلك في إطار جهود تركية لتزعم عالم إسلامي ساهمت في نشر أزمات في عدد من دوله.

الهند ألغت عطاء بقيمة 3ر2 مليار دولار لشركة "أناضول شيبيارد" التركية لبناء السفن في وقت سابق العام الماضي

ويتحرك أردوغان لاستمالة إسلام أباد في صفه، بعد أن قاطعت قمة كوالامبور الإسلامية التي استضافتها ماليزيا في 19 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، والتي حشدت لها تركيا ضمن جهود إنشاء كيان مواز لمنظمة التعاون الإسلامي، وأيضاً في إطار محاولاته لتحجيم الدور السعودي إقليمياً ودولياً.
وحضرت قمة كوالامبور تنظيمات وجماعات إخوانية من عدة دول في العالم، وكان حضور تلك التنظيمات أكثر من حضور ممثلي دول العالم الإسلامي، وذلك في ضوء فشل المشروع الذي يقوده أردوغان لتمكين جماعة الإخوان في المنطقة العربية.
وأظهر حجم المقاطعة للقمة، فشل الجهود التركية لسحب البساط من تحت أقدام السعودية التي ترتبط مع إسلام أباد بعلاقات وثيقة، وربما هذا ما يفسر، في نظر محللين، اندفاع الرئيس التركي لتعزيز علاقاته مع باكستان لاستكمال ما بدأه في قمة كوالامبور التي لم تحضرها السعودية، ولم تشارك فيها إسلام أباد، وقاطعتها معظم الدول الإسلامية.

هواية أردوغان في إشعال الحرائق
أردوغان، تعمّد إثارة نار الفتنة بين الهند وباكستان، وعاد إلى هوايته في إشعال الحرائق، حينما قال في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان: "ندعم حل قضية كشمير من خلال الحوار وقرارات الأمم المتحدة مع الأخذ بعين الاعتبار تطلعات إخوتنا الكشميريين".

اقرأ أيضاً: الاصطدام بين أنقرة وموسكو مستبعد.. فلِمَ يتبنى أردوغان سياسة الحرباء في إدلب؟
من جانبه، أكد خان أنّ بلاده تقف إلى جانب تركيا ضد الهجمات التي تتعرض لها في سوريا. وأشار إلى أنّ إقليم كشمير "تحول إلى سجن مفتوح فيه 8 ملايين"، معرباً عن شكره للرئيس أردوغان لمواقفه تجاه الكشميريين.
وهذه ليست المرة الأولى التي يصب فيها أردوغان الزيت على نار الخلاف الهندي الباكستاني بخصوص كشمير، فقد قال أواخر أيلول (سبتمبر) 2019، إنّ سكان إقليم جامو وكشمير أصبحوا في وضع السجين في مناطقهم والدخول والخروج من وإلى الإقليم أصبح محظوراً، مشبّهاً وضعهم بوضع سكان قطاع غزة المحاصر من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
وأضاف أردوغان أنّ إقليم جامو وكشمير الخاضع لسيطرة الهند، تحول إلى سجن مفتوح في الوقت الراهن، معرباً عن قلقه لما ستؤول إليه الأوضاع في جامو وكشمير، بالقول: "لا أستطيع أن أتخيل أي نوع من الأعمال الدموية ستقع غداً في جامو وكشمير".

اقرأ أيضاً: مرتزقة أردوغان في ليبيا إلى البحر
ودعا جميع المؤسسات الرسمية إلى القيام بما يقع على عاتقها من واجبات مهمة بصدد جامو وكشمير، مضيفاً: "لذا ينبغي جعل المبادرات الملموسة المتخذة على مستوى المنظمات الدولية والإقليمية والعالمية أكثر فعالية"، وفقاً لما نقلته وكالة "الأناضول" التركية.
وتطرّق الرئيس التركي، أيضاً، إلى ما يتعرض شبان المسلمين في الهند إلى عمليات جلد، وضرب وقتل بسبب أكلهم لحوم البقر، مبيناً أنه لا يمكن فهم هذه العقلية التي تدفع إلى الاعتداء على المسلمين بسبب أكلهم لحوم البقر.
وتساءل أردوغان، بطريقته الاستفزازية الساخرة: "ما مصير الذين يأكلون لحوم البقر في العالم؟ لا يمكن التوقع من الجميع أن يصبحوا نباتيين."

تأزم علاقات تركيا مع الهند
هذه التصريحات القديمة الجديدة أدخلت علاقات تركيا مع الهند، في طور الأزمة، كما هو حال علاقات أنقرة مع كثير من الدول في العالم. فبعد أن حاولت تركيا استمالة الهند العام الماضي لصالحها للوقوف في وجه الولايات المتحدة التي هدّدت بفرض عقوبات بسبب صفقة الصواريخ الروسية، يبدو أنّ العلاقات التركية الهندية لم تستمر في الصمود الودي.

اقرأ أيضاً: الدرس الليبي: أردوغان لا أصدقاء له
يُذكر أنّ رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ألغى زيارته لتركيا التي كانت مقررة نهاية  العام الماضي، وذلك لإظهار استيائه من تعليقات أردوغان إزاء إلغاء الهند للوضع الخاص لكشمير.
وكان أردوغان قد حثّ الهند على عقد مباحثات مع باكستان حول إقليم كشمير المتنازع عليه بعد أن قرّر مودي في آب (أغسطس) إلغاء الوضع الخاص المستمر منذ سبعة عقود للشطر الخاضع لسيطرة الهند من إقليم كشمير.
وجاء تأجيل الزيارة مترافقاً مع تدابير أخرى من بينها إلغاء عطاء بقيمة 3ر2 مليار دولار تمّ منحه لشركة "أناضول شيبيارد" التركية لبناء السفن في وقت سابق العام الماضي لمساعدة شركة "هيندوستان شيبيارد" المحدودة في بناء خمس سفن لدعم الأسطول الهندي حمولة كل منها 45 ألف طن.

اقرأ أيضاً: عندما يحول أردوغان الدولة إلى ميليشيات
وأفادت مصادر أنّ أردوغان عمل على تعزيز علاقات بلاده مع باكستان العدو التقليدي للهند، وذلك ضمن مساعي استغلال عمران خان كرئيس لوزراء باكستان في إعادة الإخوان للحكم وإن بأسلوب غير ظاهر للعلن، وذلك ضمن مُخططات تحقيق أهداف الإسلام السياسي، كما تقول صحيفة "أحوال".

اقرأ أيضاً: أردوغان وحراس الليل
لكنّ تركيا، وكما دأبت في دول أخرى؛ كالصومال والسودان وليبيا ودول البلقان، لا تكتفي بالطبع كعادتها بتقديم تلك المساعدات المحدودة، وبعقد صفقات اقتصادية مربحة لشركاتها، بل تسعى لزيادة نفوذها الديني والأمني في العالم الإسلامي، من خلال إرسال فرق للتعليم الديني وإحياء النفوذ العثماني التاريخي خارج حدودها.

صفقة صناعة أربع سفن حربية
ومؤخراً عزّزت تركيا تعاونها العسكري مع باكستان من خلال توقيعها صفقة صناعة أربع سفن حربية لصالح القوات البحرية الباكستانية، وتحظى الصفقة التي تعد الأكبر في مجال الصناعات الدفاعية التركية بأهمية كبرى لدى أنقرة.
وتحاول أنقرة تجميل صورتها لدى الباكستانيين الذين لا ينسون ما جرى قبل أربعة أعوام، حينما قامت السلطات التركية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016 بترحيل عشرات المعلمين الأتراك، حيث وصفت منظمة العفو الدولية القرار بأنّه "مسيس"، ما أثار تظاهرات احتجاجية في العديد من المدن الكبرى في باكستان.

أفادت مصادر أنّ أردوغان عمل على تعزيز علاقات بلاده مع باكستان العدو التقليدي للهند، ضمن مساع لإعادة الإخوان للحكم

وأكدت باكستان أنّها أُمرت بترحيل 130 مدرساً، إضافة إلى موظفين في المدارس وعائلاتهم، أي إجمالي 450 شخصاً. وجرى في حينها اتهام مدارس "باك تورك إنترناشونال" الدولية الخاصة بأنّها مدعومة من جمعية "حزمت" (خدمة) التابعة للداعية التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن.
وتظاهر مئات الطلاب في إسلام أباد ولاهور وكراتشي ضد القرار، الذي دانته الصحافة الباكستانية. وقال مسؤولو المدارس، إنّ نحو 10 آلاف طالب سيتأثرون بالقرار، وهو ما يعد ضربة للتعليم في باكستان، حيث تشير الأرقام الرسمية إلى أنّ 24 مليون طالب غير ملتحقين بالمدارس.
وقالت منظمة العفو الدولية في بيان لها إنّ هذه الخطوة "ستضر فقط بأطفال باكستان". وصرح تشامبا باتيل مدير المنظمة في جنوب آسيا "ما تحتاج إليه البلاد هو المزيد من الغرف الصفية والمعلمين، وليس قرارات مسيسة بتطهير المعلمين بناء على تعليمات الحكومة التركية".

للمشاركة:



البعث الأممية تطالب بحماية المتظاهرين العراقيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

دانت بعثة الأمم المتحدة في العراق، اليوم، عمليات استهداف المحتجين السلميين في العاصمة بغداد، خلال الأيام الثلاثة الماضية، داعية إلى وقف العنف وحماية المتظاهرين.

وقالت ممثلة الأمم المتحدة، جينين هينيس بلاسخارت، في بيان: "البعثة تتلقى معلومات ذات مصداقية عن استهداف متظاهرين على الطريق بين ميدان التحرير وميدان الخلاني، في بغداد، مساء 14 و15 و16 شباط (فبراير)"، وفق ما أوردت وكالات أنباء عالمية وعربية.

وأضافت: استهداف المتظاهرين أدّى إلى إصابة 50 شخصاً، على الأقل، كما أصيب عدد من أفراد الأمن، مشيرة إلى أنّ معلومات وردت من كربلاء حول إصابة أكثر من 150 محتجاً، في كانون الثاني (يناير) الماضي.

البعثة تلقت معلومات ذات مصداقية عن استهداف متظاهرين على الطريق بين ميدان التحرير وميدان الخلاني

وطالبت السلطات العراقية بـ "منع استخدام القوة ومحاسبة المسؤولين عن إساءة استخدام القوة"، معتبرة أنّ ذلك مصدر قلق أمني خطير يجب التعامل معه بشكل عاجل وحاسم.

وأتت هذه التصريحات تزامناً مع مهاجمة عناصر "القبعات الزرقاء"، وهم أنصار للتيار الصدري، بداية الشهر الجاري، المعتصمين داخل خيامهم قرب ساحة التحرير وسط بغداد، ما أدّى إلى إصابة عدد من الجرحى.

فيما ما يزال المتظاهرون العراقيون، حتى اليوم، مصممين على مطالبهم، رغم مرور أكثر من 4 أشهر على "انتفاضتهم"، وعلى رأسها تكليف شخصية مستقلة من أجل تشكيل الحكومة، وإنهاء النفوذ الإيراني، وبالتالي رفضهم مساعي رئيس الوزراء المكلَّف، محمد علاوي.

يشار إلى أنّه منذ بداية التظاهرات قتل نحو 550 شخصاً، غالبيتهم العظمى من المتظاهرين الشبان، بينما أصيب حوالي 3 آلاف بجروح.

 

 

للمشاركة:

صفقة تبادل أسرى بين الحكومة الشرعية وميليشيا الحوثي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

كشفت مصادر إعلامية تفاصيل صفقة تبادل الأسرى بين الحكومة الشرعية وميليشيا الحوثي الانقلابية، التي وقّعها الجانبان، أمس، في العاصمة الأردنية عمّان.

وبحسب المصادر، التي نقلت عنها وكالات أنباء يمنية؛ فإنّ من بين من شملهم اتفاق تبادل الأسرى؛ ناصر منصور، شقيق الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي.

وأشارت المصادر إلى أنّ الإفراج عن شقيق هادي جاء عن طريق الأمم المتحدة في مباحثات الأردن، وهو أحد القادة المشمولين بقرار مجلس الأمن، وهم: محمود الصبيحي، محمد قحطان، فيصل رجب، ناصر منصور هادي.

اتفاق تبادل الأسرى شمل ناصر منصور شقيق الرئيس اليمني عبد ربّه منصور هادي

وكان وزير الخارجية اليمني، محمد الحضرمي، قد أكّد أنّ اتفاق الحكومة الشرعية لعملية تبادل الأسرى مع ميليشيا الحوثي خطوة إنسانية، ويجب تنفيذها دون مماطلة.

وأضاف وزير الخارجية؛ أنّ هذا الاتفاق هو ما سعت له الحكومة بتوجيهات الرئيس منذ البداية، وفق مبدأ الكلّ مقابل الكلّ، مشدداً على أنّه خطوة إنسانية بحتة يجب تنفيذها دون مماطلة، وفق ما تمّ الاتفاق عليه في الأردن.

وأشاد الحضرمي، في تغريدة بحساب وزارة الخارجية بتويتر، بجهود المبعوث الأممي إلى اليمن، واللجنة الدولية للصليب الأحمر: "توصلنا إلى اتفاق مرحلي لإطلاق سراح الأسرى".

وأعلنت الأمم المتحدة، في وقت سابق، موافقة ممثلي أطراف النزاع في اليمن على خطة مفصلة لإتمام أول عملية تبادل رسمية واسعة النطاق للأسرى والمحتجزين منذ بداية النزاع، وذلك في ختام اجتماع دام سبعة أيام في العاصمة الأردنية.

وزير الخارجية اليمني: اتفاق تبادل الأسرى خطوة إنسانية يجب تنفيذها دون مماطلة

وقال بيان مشترك للمبعوث الأممي إلى اليمن واللجنة الدولية للصيب الأحمر؛ إنّ "الاتفاق خطوة أولى نحو الوفاء بالتزامات الأطراف بالإفراج المرحلي عن جميع الأسرى والمحتجزين على خلفية النزاع وفق اتفاقية ستوكهولم".

وحثّ المبعوث الأممي، مارتن غريفيث، الأطراف على الإسراع في تنفيذ عملية التبادل التي اتفقوا عليها، أمس، وفق "فرانس 24".

وقال: "كان التقدم بطيئاً للغاية في هذا الملف حتى الآن، ويجب أن تنتهي آلام الآلاف من الذين ينتظرون لمّ شملهم مع عائلاتهم وأحبائهم".

وتوصلت الأمم المتحدة، في 13 من كانون الأول (ديسمبر) 2018، إلى اتفاق بين أطراف النزاع والذي يعرف بـ "اتفاق ستوكهولم"، وتضمّن تبادل أكثر من 15 ألف أسير، ومخطوف من الطرفين، إلا أنّ عميلة التدقيق والمراجعة والتمحيص، كشفت في النهاية عن عدد أقل بكثير ممن ستشملهم عملية الإفراج.

للمشاركة:

تقرير استقصائي يكشف علاقة أردوغان بأحد ممولي تنظيم القاعدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

كشف موقع "نورديك مونيتور" الاستقصائي، عن  ملف جديدة يثبت علاقات أردوغان بقيادات إرهابية، ودعمهم المستمر.

وأكّد الموقع، مستنداً إلى وثائق وصفها بـ "السرية"؛ أنّ كبير موظفي الرئيس التركي، حسن دوغان، تواصل مع العديد من السفارات الأوروبية في أنقرة، للحصول على تأشيرة "شنغن" لأحد أبرز ممولي تنظيم القاعدة الإرهابي، ياسين القاضي، وهو رجل أعمال سبق أن أدرج اسمه في قائمة عقوبات الأمم المتحدة ووزارة الخزانة الأمريكية لارتباطه بالتنظيم الإرهابي، وفق ما نقلت "سكاي نيوز".

ووفق التقرير؛ كانت السفارات الأوروبية دائمة الرفض لطلب التأشيرة الذي حظي بدعم شخصي من أردوغان، باستثناء السفارة الفنلندية التي أشارت إلى أنها قد تنظر فيه.

وأشار "نورديك مونيتور" إلى أنّ فكرة تزويد القاضي بتأشيرة "شنغن"، مصدرها رجل الأعمال المقرب من أردوغان، وشريك القاضي "السري" في العديد من الصفقات بتركيا، مصطفى لطيف طوباش.

كبير موظفي الرئيس التركي تواصل مع السفارات الأوروبية في أنقرة للحصول على تأشيرة لياسين القاضي

وأدخل القاضي مبالغ مالية كبيرة إلى تركيا لتمويل مشروع مشترك مع طوباش، وابن أردوغان، نجم الدين بلال، فيما وصفه مراقبون أتراك بأنّه "تجاوز خطير واحتيال على الشعب واستغلال شخصيات قوية في الحكومة".

وطبقاً للوثائق؛ فإنّ القاضي كان قادماً إلى تركيا، حيث خطط طوباش لاصطحابه في جولة إلى إسبانيا، الأمر الذي دفعه للاستعانة بنفوذ أردوغان لاستخراج التأشيرة الأوروبية من أنقرة.

ولم يعرف طوباش أنّ محققين أتراكاً كانوا يراقبون محادثات القاضي معه ودوغان، بعد أن كانوا محور تحقيق يتابعه الادعاء العام، وحصلوا على موافقة محكمة في إسطنبول للاستماع إلى محادثات مؤرخة في 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2013.

وخلال أول حالة تنصت على المكالمات الهاتفية، يوم 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، تحدث طوباش مع القاضي وسأله عن مسار رحلته في تركيا، مقترحاً أن يحصل له على تأشيرة أوروبية.

القاضي أدخل مبالغ مالية كبيرة إلى تركيا لتمويل مشروع مشترك مع طوباش وابن أردوغان نجم الدين بلال

وفي اليوم التالي، اتصل طوباش بدوغان، وأعلمه بحاجته إلى تأشيرة أوروبية عاجلة للقاضي، دون ذكر اسمه بشكل صريح، وذلك لخوفهما من احتمال التنصت على المكالمة، حيث استبدل طوباش اسمه بـ "صديق سعودي" بالنظر إلى جنسية القاضي.

وأعلم دوغان طوباش، في مكالمة أجريت بتاريخ 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، بأنّ سفارات كلّ من اليونان وإسبانيا وإيطاليا، رفضت منح القاضي التأشيرة، لأنّ عليه أن يتقدم للحصول عليها في البلد الذي يحمل جنسيتها وليس بتركيا.

ووصف دوغان ردّ تلك السفارات بأنّه "غريب"، رغم أنّ طلب التأشيرة كان من مكتب رئيس الوزراء، مضيفاً أنّ مساعديه سيحاولون مع السفارة الفنلندية، وذلك بالاستعانة بحسن بهليفان وهو شريك بإحدى المشاريع العملاقة بإسطنبول التي يمولها القاضي، وكان وقتها يعمل كمستشار في الوكالة المسؤولة عن تشجيع وترويج الاستثمارات، التي تعرف اختصارا بــ "ISPAT".

وتحدّث طوباش مع دوغان "محبطاً" من عدم الحصول على تأشيرة للقاضي، قائلاً: إنّه "من الأفضل أن يحصل على الجنسية التركية، بحيث يكون ضمان تأشيرة بتلك الحالة أسهل بكثير".

ولفت "نورديك مونيتور" إلى أنّ القاضي ودوغان وطوباش كانوا من "المشتبه بهم" في تحقيق بجريمة منظمة، قام به الادعاء في إسطنبول، وصدرت بحقهم أوامر اعتقال، في 25 كانون الأول (ديسمبر) 2013، لكن تدخّل أردوغان حال دون حدوث ذلك، ليسرّح المدّعين والمسؤولين عن القضية قبل إغلاقها لاحقاً.

الجدير بالذكر؛ أنّ القاضي كان ما يزال مدرجاً في قوائم عقوبات الأمم المتحدة والولايات المتحدة، التي كانت تمنعه من الدخول أو الاستثمار في تركيا، بموجب قرارَي مجلس الأمن 1267 و1989، الخاصين بتنظيم القاعدة والأفراد والكيانات المرتبطة به، عند وقوع الحادثة التي أشار إليها "نورديك مونيتور".

 

للمشاركة:



لحوم الأدغال.. مرتع للفيروسات والميكروبات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

أكمل عبد الحكيم

تشير التقارير المتواترة، وغير المؤكدة حتى الآن، إلى أن مصدر فيروس كورونا الجديد، أو الكوفيد19، هو أصناف من الحيوانات البرية كانت تباع بشكل غير قانوني في أحد أسواق مدينة ووهان بوسط الصين. وهو ما عاد ليلقي بالضوء مرة أخرى على ظاهرة استهلاك بعض المجتمعات البشرية للحوم الأدغال (Bushmeat)، إما نتيجة لظروف اقتصادية، مثل الفقر وانعدام المصادر الغذائية الأخرى، أو بسبب عادات غذائية محلية، أو معتقدات ثقافية تربط بين هذه النوعية من اللحوم وبين الصحة والجمال والفحولة.
ويشير مصطلح لحوم الأدغال إلى لحوم الحيوانات البرية، مثل الثدييات، والزواحف، والبرمائيات، والطيور.. التي يتم اصطيادها من الغابات لغرض الاستهلاك البشري. وتعتبر هذه النوعية من اللحوم، مصدراً هاماً للغذاء في الدول الفقيرة، وخصوصاً سكان المناطق الريفية، ولدرجة أن عدد الحيوانات التي تم قتلها والاتجار بها خلال عقد التسعينيات مثلا في غرب ووسط أفريقيا، أصبح غير مستدام، مهدداً هذه الحيوانات بالانقراض والفناء. وبحلول عام 2016، قُدر أن أكثر من 300 نوع من الثدييات الأرضية أصبحت مهددة بالانقراض، بما في ذلك أصنافاً من القردة العليا، والحيوانات ذات الظلف، مثل الزراف والأيل والظبي، بالإضافة إلى الخفافيش، والجربيات، والقوارض، والحيوانات المفترسة آكلة اللحوم. ويحمل هذا السلوك البشري في طياته مشكلتين رئيسيتين، الأولى هي فقدان التنوع الحيوي نتيجة انقراض العديد من أنواع الحيوانات، والثانية هي انتقال الأمراض الفيروسية والبكتيرية والطفيلية من الحيوانات إلى الإنسان.
وتأتي أهمية التنوع الحيوي من أن البيئات الطبيعية هي عبارة عن حالة من التوازن بين التركيبات الوراثية المختلفة (أي أشكال الحياة)، بحيث غالباً ما يعتمد بقاء شكل من أشكال الحياة على وجود أشكال أخرى من الحياة في بيئته نفسها، ولذا يمكن أن يؤدي انخفاض التنوع الحيوي في بيئة ما إلى تداعي النظام البيئي وانهياره بالكامل. وكما تعتمد الحيوانات والنباتات على بعضها البعض في البقاء والاستمرار، يعتمد أيضاً أفراد الجنس البشري على التنوع الحيوي، للاستمرار في الحياة، وللحفاظ على صحتهم، وللوقاية من الأمراض والعلل. فالهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والغذاء الذي نتناوله، والأدوية التي نستخدمها، هي نتاج للتنوع الحيوي للكوكب الذي نعيش عليه.
أما المشكلة الثانية التي تنتج عن استهلاك لحوم الأدغال، أي مشكلة انتقال الأمراض الحيوانية إلى الإنسان، فالمعروف والمؤكد أن الإنسان والحيوان يشتركان في عدد من الأمراض المعدية، تُعرف بالأمراض حيوانية المنشأ، وهي الأمراض التي تصيب الحيوانات في الأساس، الفقارية في الغالب، لتنتقل منها إلى الإنسان الذي يمكن أن يكون بدوره مصدر عدوى للآخرين. حيث تعود جذور الكثير من الأمراض التقليدية إلى منشأ حيواني، مثل السُعْار (أو داء الكَلَب)، والجمرة الخبيثة، وفيروس النيل الغربي، هذا بالإضافة إلى عدد من الأمراض التاريخية، مثل الحصبة، والجدري، والدفتيريا، وحتى أمراض شائعة مثل البرد العادي، والسل الرئوي.. تردّ هي الأخرى إلى منشأ حيواني. ومن بين أكثر من 1400 مرض معد يصيب الإنسان، سواء في شكل عدوى فيروسية، أو بكتيرية، أو فطرية، أو طفيلية، تشكل الأمراض حيوانية المنشأ أكثر من 60 بالمئة من هذه الأمراض، أي ما يعادل تقريباً ثلثا الأمراض المعدية التي تصيب أفراد الجنس البشري. ويمكن إدراك أهمية الأمراض حيوانية المنشأ، من حقيقة كونها شكلت أخطر أوبئة الأمراض المعدية بين البشر في الذاكرة الحديثة. هذا الخطر أصبح يتزايد بشكل مضطرد، مع ازدياد استهلاك لحوم الأدغال، والتي يُعتقد أنها المسؤولة مؤخراً عن انتقال أمراض جديدة، كانت محصورة سابقاً داخل صنف أو نوع من الحيوانات يسكن بيئات برية في أعماق الغابات. وعلى سبيل المثال، وباء فيروس نقص المناعة المكتسبة أو الإيدز، الذي يصيب حالياً 35 مليون شخص، ووباء فيروس إيبولا الذي اجتاح دول غرب أفريقيا منذ شهر مارس العام الماضي، وتسبب حتى الآن في أكثر من 11 ألف وفاة مسجلة. وعلى المنوال نفسه، ترد أوبئة الإنفلونزا الحديثة بأنواعها المختلفة (الخنازير والطيور وغيرها) إلى أصول حيوانية.
وهناك أيضاً، فيروس مرض سارس، والذي انتشر عام 2003 ليصيب أكثر من 8 آلاف شخص، توفي منهم 774 شخصاً، ويعتقد أنه انتقل للإنسان من أحد أنواع القطط البرية (Civet Cat). ومؤخراً فيروس كورونا الجديد الذي يعتقد، وإن لم يؤكد بعد، أنه انتقل من الخفافيش عبر وسيط من الطيور والثدييات، وليس من الثعابين كما كان يُعتقد في البداية.
وتظل العلاقة بين الإنسان والأمراض الحيوانية علاقة شائكة، مع التوقع بأن تزداد هذه العلاقة تعقيداً، نتيجة ازدياد أعداد البشر، وبسبب تغولهم على البيئات الطبيعية، واستهلاكهم للمزيد من الحيوانات البرية التي تحمل في أعضائها وأنسجتها ميكروبات، تتعايش معها في سلام ووئام، لكن قد تتسبب هذه الفيروسات والميكروبات في أمراض وأوبئة وجائحات، إذا ما نجحت في القفز لأحد أفراد الجنس البشري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

تركيا والأمن القومي العربي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

عبدالله السويجي
هل باتت تركيا بزعامة رجب طيب أردوغان تشكل خطراً على الأمن القومي العربي، أم أن ما تفعله عبارة عن تحقيق مصالح أمنية ذاتية وداخلية، وأن تدخلاتها فقط عبارة عن ملاحقة لأعدائها وللأحزاب المناوئة لها كما تزعم؟ وهل تستخدم تركيا تدخلاتها في الشأن العربي شرقاً وغرباً كورقة للضغط على أوروبا التي تتسم علاقتها معها بغير الود؟ أم أن تركيا بتحالفها مع «الإخوان المسلمين» باتت تشكل رأس حربة لمناوشة الدول التي لديها خصومات من هذا التنظيم؟
هناك أكثر من هذه الأسئلة يطرحها المحللون السياسيون بشأن التخبّط في السياسة الخارجية التركية، إلا إذا كان هذا الذي نصفه تخبّطاً يصب في سياسة «الفوضى الخلاقة» التي تتزعمها أمريكا في الدول التي تشهد اضطرابات سياسية وعسكرية، لاسيّما أن الولايات المتحدة أعلنت عن دعمها لتركيا إذا ما أرادت محاربة التنظيمات الإرهابية.
وهذا التخبط أو الفوضى المدروسة في حالاته جميعاً ينعكس سلباً على علاقاتها مع أكثر من طرف عربي، إن كان مع جارتها القريبة سوريا أو البلد البعيد عنها ليبيا أو مع دول الخليج، ولا سيما الإمارات والسعودية والبحرين.
لم يعد التدخل العسكري التركي في سوريا لملاحقة مقاتلي «حزب العمال الكردستاني»، فهذه الأرتال من العربات العسكرية التي توغلت في شمال سوريا بتشكيلاتها؛ تهدف إلى احتلال جزء من الأراضي السورية؛ بل إن تصريحات السياسيين والعسكريين الأتراك باستهداف الجيش السوري مباشرة إذا ما واصل استهداف الجنود الأتراك، يمهد فتح معركة شاملة بين سوريا وتركيا، ولولا الوجود الروسي هناك لكانت الحرب الشاملة قد استعرت منذ سنوات.
من الواضح أن تركيا تقوم بدور تخريبي للسلام في سوريا، فهي لا تريد لهذا البلد الاستقرار واستعادة أراضيه، والدليل أن تدخلها العسكري جاء بعد سيطرة الجيش السوري على مساحات واسعة كانت تحت سيطرة التنظيمات الإرهابية المسلحة؛ ومن بينها طريق إدلب دمشق، وتدخلها يمنح تلك التنظيمات فرصة لتجميع أفرادها، واستعادة أنفاسها ما سيطيل من عمر الأزمة.
وما يثير المزيد من الأسئلة دخول «إسرائيل» على الخط، وقيامها بقصف تجمعات ومخازن أسلحة وغيرها، كل ذلك لإحداث المزيد من الارتباك في الجيش السوري النظامي. ولا شك أن الوجود العسكري لتركيا يهدد الأمن الوطني السوري، وهو جزء من الأمن القومي العربي، ونضيف إلى ذلك وجودها العسكري في ليبيا، ووقوفها إلى جانب طرف ضد طرف آخر، ما سيعقد النزاع، ويعمّق الأزمة الليبية ويبعدها عن الحل.
إن الخطر الأكبر يتمثل في تحالف تركيا مع تنظيم «الإخوان المسلمين»؛ الراعي للتنظيمات المتطرفة في سوريا وغير سوريا، ونعيد هنا إلى الأذهان دعم تركيا لتنظيم «داعش»؛ أي أن دعمها لم يتوقف عند الجانب السياسي؛ بل تجاوزه إلى الدعم العسكري واللوجستي بأنواعه، وتستخدم تركيا هذه التنظيمات؛ لنشر الفوضى في الدول العربية، ومن بينها مصر أيضاً، في سبيل تحقيق هيمنة عسكرية أو اقتصادية أو عقائدية، تتيح لها الحصول على موطئ قدم في البلدان العربية، واستعادة المجد العثماني الغابر.
إن وجود تركيا وأذرعها في سوريا وليبيا ومصر يشكل خطراً حقيقياً على الأمن القومي العربي. وهذا الواقع غير الطبيعي؛ يتطلب وقفة عربية جادة تتجاوز البيانات والرسائل الدبلوماسية والاحتجاجات نحو توجيه رسالة إليها بالكف عن التدخل في شؤون الدول العربية؛ لأن تحقيق الرخاء ونجاح المشاريع العقارية يجب ألا يكون على حساب الدول العربية. وقد يكون من واجب جامعة الدول العربية القيام بدور مهم؛ لوقف الانتهاكات التركية، والتوقف عن تهديد الأمن القومي العربي.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

عندما أضعف العثمانيون العقل ليستسلم للخرافة!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

وليد فكري

"إذا ضعف العقل استسلم للخرافة" هكذا تقول الحكمة المأثورة، وهو قول منطقي، فالعقل السوي يتجه تلقائيًا لمعالجة الأمور بالمنطق والعلم والمعرفة والتجارب والخبرات، وهي العناصر التي تعطيه القوة، أما إذا افتقدها فإنه لا يجد ما يتعامل به مع المشكلات والتحديات فيستسلم للخرافات والأباطيل".

أدرك المسلمون هذه الحقيقة، فعملوا على تقوية وتدعيم العقل أمام وحش الخرافة، فأنتج ذلك حركة علمية عظيمة امتدت من بغداد شرقًا إلى قرطبة غربًا مرورًا بدمشق والقاهرة والقيروان وغيرها من حواضر العرب والمسلمين.

لم تخلُ الحياة من تحديات فردية وجماعية، ولكن دائمًا ما كان الإنسان يهرع إلى العلم والفكر والمنطق لمعالجة تلك التحديات.. ولأن الحاجة هي أم الاختراع، فقد كان التحدي غالبًا ما ينقشع عن إنتاج علمي أو فكري أو ابتكار يضيف للحضارة العربية الإسلامية وللحضارة الإنسانية كلها.

لم تَخلُ حياة الناس-مع ذلك-من بعض من يؤمنون بالخرافات ويميلون إليها اعتناقًا وتطبيقًا، ولكنهم لم يمثلوا ظاهرة ولا "نمط حياة شائع".

بقي هذا هو حال الحضارة العربية والإسلامية، حتى داهمها العثمانيون!

أعداء الحضارة:

لم يُعَرف من المسلمين قوم يعادون العِلم كالعثمانيين، ومما يُدهِش أن أحد أبرز رموزهم "محمد الثاني" المعروف بـ"الفاتح" كان إضافة لكونه حاكمًا وقائدًا عسكريًا، رجل علم.. فقد كان مثقفًا مطلعًا شغوفًا بالعلوم المختلفة ومطالعتها والاشتغال بها.

وبرغم أي سلبيات للفاتح والعثمانيين فإنني أعتقد أن منهجه في تبني العلم لو كان قد وجد من يتبناه من بعده لاختلف الحال، ولكني أجدني ملتزمًا قاعدة صارمة في علم التاريخ هي أنه لا يوجد فيه "ماذا لو".

ما جرى أن ورثة محمد الثاني لم يكونوا بشغفه نفسه بالعلوم والثقافة، ربما لأنه-الفاتح-كان يمثل "نموذجًا غريبًا" بالنسبة للبيت العثماني القائم أصلًا على القتال والغزو وليس على فكرة "بناء الحضارة".

فالفكر العثماني قد ارتبط بعملية التوسع، فحتى العلوم التي برع فيها بعض العثمانيون كان منطلقها الحرب والقتال والغزو وتوسيع الإمبراطورية (ويمكننا هنا تشبيههم بدولة أشور العراقية القديمة التي قامت فنونها العلمية على المنطق نفسه فكانت أحط حضاريًا من قرينتها البابلية مثلًا).

كان لقب السلطان العثماني يتبعه لقب "الغازي"، فكانت طاقاتهم موجهة للغزو وليس للبناء، وانعكس ذلك على مظاهر حياتهم، ففنونهم ملفقة، وآدابهم ملفقة، وكل ما يتفاخرون به إنما هو تلفيق من هنا وهناك أشبه بنموذج رجل يجمع بين الثراء وانعدام الذوق فهو يشتري كل ثمين وغالي ويضعه في منزله بغض النظر عن تناسق ما يضع (مع فارق طبعًا أن العثمانيين لم يشتروا وإنما نهبوا!).

وثمة ظاهرة هنا باعثة على التأمل، فالمغول كانوا كأبناء عمومتهم العثمانيين شعبًا بدويًا مقاتلًا تقوم حياته على الغزو والتوسع.. اكتسحوا ما أمامهم فوجدوا أنفسهم يحكمون شعوبًا ذات حضارة ومعارف وعلوم، فسرعان ما تأثر المغول بتلك النماذج الحضارية-حتى أن من حكموا فيها بلادًا إسلامية قد اعتنقوا الإسلام بل وتعصبوا له-وتبنوها وطوروها إلى حد أننا نستطيع أن نصف دولهم في مناطق كالهند وفارس والعراقين وغرب آسيا بـ"حضارة المغول المسلمين".

هذا لأن "رعاية الحضارة مسؤولية".. فالمغول واجهوا أنفسهم بحقيقة أنهم "قوم أقوياء شجعان بلا حضارة" فقرروا تبني المظاهر الحضارية ورعايتها (في تناقض غريب مع قيامهم بتدمير مركز حضاري جليل مثل بغداد).

أما العثمانيون فقد كانوا أكثر صلفًا من أن يعترفوا بذلك، فقد كانوا ينظرون للشعوب بفوقية شديدة باعتبار أن "هؤلاء عبيدنا"، فبدلًا من أن يستمروا في رعاية الموروثات الحضارية لتلك الشعوب، كانوا يدمرونها بالإهمال المتعمد... كمن يسابقك في مضمار فلما لم يستطع أن يسبقك تعمد عرقلتك لتساويه بطئًا وخيبة!.

تطويع الرعية بالجهل والمرض:

في أغنية مقدمة المسلسل المصري "رفاعة الطهطاوي"-والتي للأسف لا أعرف اسم كاتبها-يدور حوار بين مصري وحاكم عثماني فيقول المصري: "ليه بس يا باش تُرك ليه تحرمنا نور المعرفة؟" فيرد العثماني "نحن نريدكم صُماً بُكماً بَجَماً.. لأن من يتعلم يفهم ويتكلم يخرج على تقاليد ونحن لا نريد تعليما نريد بَلَماً".

لم يكتفِ العثمانيون بكونهم "دولة تأخذ ولا تعطي" فحسب بل عملوا على إضعاف المحتوى الحضاري للشعوب التي حكموها بحيث يجعلون في كل منهم "شغل في نفسه" بمرض أو جهل.. فبينما كنت تسمع عن المدارس والجامعات في اسطنبول وما حولها كانت تلك المشروعات في الولايات الخاضعة لاحتلالهم تُترَك لـ"أهل الخير" أو لو تصادف أن حكم هذه الولاية أو تلك والٍ محب للعلم.. وأقصى ما يستطيع هؤلاء أن يفعلوه هو بناء مدرسة بدائية أو كُتّاب بائس لتحفيظ القرآن.. وبعد أن كانت مدن العراق والشام ومصر تتيه على العالم بجامعاتها صار الجهل يضرب بأطنابه في جنباتها.

والجهل لا يأتي وحده، فإنه دائمًا ما يصطحب رفيقه المرض فيضربان حلقة حول المجتمع: يبتلى بالمرض فيتداوى بالجهل فيزداد مرضًا فيطلب مزيدًا من الجهل وهكذا.

والعثماني راضٍ عن هذا، فما دامت الرعية منشغلة بأمراضها وأوبئتها ومنكفئة على نفسها بجهلها وعزلتها فهذا خير من رعية مستنيرة تدرك علو قامتها على قامة محتلها الغاشم.

ولنأخذ نموذج القاهرة التي كانت في العصر المملوكي ملتقى العلماء في المجالات المختلفة، فقد شاع فيها الجهل حتى أن زائرًا أجنبيًا شكا أنه لا يجد من يصلح ولو تروس ساعة بسيطة إلا لو كان أجنبيًا.. وتحول البيمارستان المنصوري إلى سجن للمرضى العقليين يعاملون فيه كالوحوش الضارية.. واندثرت علوم الفلك والفيزياء والكيمياء والطب.. وتدهور الأدب حتى صار جل ما فيه هو كتابة قصيدة تُقرأ من الاتجاهين أو بعض مدائح الأمراء والعلماء.

شيوع الخرافات:

بالتالي فقد شاعت بين الناس ظاهرتان: الأولى هي "فقدان الأمل في الحياة" وبالتالي الاتجاه للتصوف ليس بشكله المتحضر الراقي القائم على التأمل والتفكر والتقرب إلى الله ولكن بشكله الخزعبلي المليء بالضلالات والخرافات والممارسات الشاذة كالسير عاريًا أو حلق الحواجب وشعر الوجه أو لبس الطراطير ذات القرون أو إيذاء الجسد وما شابه.. نفسيًا يمكننا تفسير ذلك بأنه هروب من الواقع أشبه بمن يدمن مخدرًا ليفصله عن واقعه البائس.

الظاهرة الأخرى كانت اللجوء للشعوذة وتقديس المشعوذين.. فقد أصبحت الشعوذة تجارة رابحة سعى الكثيرون للانتفاع بها.. فهذا رجل يدعي الانجذاب وتكشف "الحضرة الإلهية" له حتى أنه يسير عاريًا ومن خلفه موكب من المريدين.. وهذه امرأة تدعي توزيع الكرامات وهي تجمع الناس وتصطنع الهذيان-باعتبارها تخاطب ما وراء الحجاب-وتهذي بألفاظ بذيئة تركية وعربية ثم تلقي النبوءات.. وهذا الشيخ "صادومة" الذي يكتب للنساء تعاويذ على مواضع العفة منهن لـ"زيادة تعلق السيد والزوج بهن" (وهي واقعة ألهمت صديقي الكاتب أحمد مراد روايته الفيل الأزرق).. بل إن الأمر بلغ حد تقديس البعض عنزة باعتبارها قد بوركت بوصية للسيدة نفيسة حيث زارت شيخًا في نومه وأوصته بها.

هذا التهافت على الخرافات تحول من حالات فردية إلى ظاهرة من ظاهرة إلى "نمط حياة".. والعثمانيون راضون ما دام من يدعي كرامة أو خوارق لا يجمع الأتباع طلبًا للوثوب على السلطة ولا يحرض على عصيان أو منع ضريبة (ومن كان يفعل ذلك فقط كان العثمانيون يتصدون له ويحاكمونه بتهمة الهرطقة في الدين!).

بل وقد بلغ إيمان الناس بالخرافات أنه قد شاع ذات مرة أن القيامة ستقوم يوم كذا .. فأخذ الناس في الانقسام بين مصلين ضارعين طالبين للرحمة بينهم راح بعضهم الآخر ينهمك في العربدة و"نأخذ حظًا".. ثم جاء اليوم الموعود ولم تقم القيامة فشاع أن الإمام الشافعي والسيد البدوي قد شفعا في المسلمين عند الله و"أقنعاه" ألا يقيم القيامة!.

لو أن القارئ يعتقد بما سبق مبالغة فإنني أحيله لما كتب المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" ليدرك أن ما سبق هو "غيض من فيض".

وعلى أي حال فإنني أضع "أوراق القضية" بيد القارئ.. فما سبق هو الادعاء.. والأدلة في الكتاب المذكور، وفي كتب مؤرخي العصر المملوكي السابق للعثمانيين كالمقريزي وابن تغري بردي وابن إياس... فلينظر وليتأمل ليدرك بُعد الشقة بين ذلك العربي الذي كان إذا مرض يطلب الطب وإذا أراد لنفسه خيرًا اجتهد في أسبابه، وذلك الذي إذا مرض طلب مشعوذًا وإذا أراد لنفسه خيرًا طلب من يصنع له سحرًا أو يكتب له تعويذة وطلسمًا!

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية