التأسيس الثاني للإخوان المسلمين 3/4 .. ضمّ العناصر

3266
عدد القراءات

2018-02-01

خرج الإخوان المسلمون من السجون، في آخر عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وبداية عهد الرئيس أنور السادات،  ولم يكن لديهم طموح كبير في العودة إلى المشهد السياسي أو الدعوي، إلّا أنّ الأجواء الدولية والأوضاع المصرية، كانت تحتاج إلى فكر جديد ومشروع جديد، فخطاب القومية تعثّر، وخطاب الاشتراكية انهزم في المواجهة مع "إسرائيل"، فأصبحا مشروعين لا يصلحان للعهد الجديد، ولرغبة الرئيس السادات في أن يتميّز عن سابقه، ولرغبة أمريكا في تنامي الخطاب الإسلامي الجهادي، لحاجتها إلى متطوعين في مناطق الاشتباك مع الاتحاد السوفيتي وقتها، تمّ الإفراج عن مكوّنات الخطاب الإسلامي الجديد، ولأنّ التنظيمات لا يكفيها خطاب عام إعلامي، لتقوم بمهمتها؛ بل تحتاج دائماً إلى أفراد مؤمنين، يقومون بنشره في أوساط المجتمع؛ لهذا سمحت الدولة المصرية للشباب الجامعي، أن يكوّنوا، فيما بينهم، جماعات أو جمعيات أو أسراً دينية، على أمل أن يساعد المناخ الرحب، وهذا الانتماء الجديد في تكوين الوعي الإسلامي المقصود، وكما يقول الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح، في كتاب "شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية"، إنّ السادات لم يكن يضع العراقيل أمام التيار الشبابي الإسلامي، وكان يقبل هفواتهم، لما يحقق ذلك من توازن في موازين القوى المجتمعية، بين سياسات دولة عبدالناصر، وتوجّهات دولة السادات الجديدة، فانبرى أعضاء الإخوان القدامى، المختبئون في الجمعية الشرعية، وأنصار السنة المحمدية، بهذا الدور، فأشاعوا أنّ الاشتراكية والقومية هما سبب الهزيمة.

 أعضاء الإخوان القدامى المختبئون في الجمعية الشرعية وأنصار السنة المحمدية أشاعوا أنّ الاشتراكية والقومية هما سبب الهزيمة

وللحقّ، فقد كانت الهزيمة أمام "إسرائيل" قاسية على المصريين، والعالم العربي ككل، وهذا ما أعطى الإخوان فرصة للحديث بحريّة، والتستّر وراء الخطاب الديني الذي تبنّته الدولة المصرية الرسمية، فقد كان الشيخ الغزالي يخطب في مسجد "عمرو بن العاص"، كما كان للشيخ سيد سابق دروس دينية فقهية، كانت كلّها تصبّ في توفير أجواء دينية إسلامية، ولم يكن الهدف في هذه المرحلة ضمّ العناصر، بقدر ما كان الهدف إثارة تساؤل الشباب وتوليد الحيرة لديهم، ليتهيّأ الشاب ويتقبّل الإجابات الإخوانية، التي تدعوه للانضمام إليهم في النهاية، فالشاب القلق الحائر الذي لا يعرف إلى ماذا ينتمي، ولا إلى أيّ فكر يتبع، تسهل تهدئته بإجابات سطحية، أسهلها وجوب العمل مع جماعة إسلامية، وهذا ما أشار إليه الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح في كتابه المذكور، فقد اعتاد الإخوان أن يصلّوا في المساجد التي يؤمّها عدد كبير من الشباب، ويفضّل أن يكون الخطيب من الإخوان، وبعد خطبته الكبيرة والقوية عن عظمة الإسلام، وخطر غيابه عن حياة المسلمين، وأنّ الهزيمة تتنزل على من يعادي الفكر الإسلامي، وأنّ النصر وعد الله لمن يتبع خطى الإسلام، يقوم أحد الإخوان الكبار، وهو الدكتور أحمد الملط، ويسأل الشيخ الغزالي: وما العمل، يا مولانا؟ فيجيب مولانا: هذا دوركم أنتم، وهذا ما يجب أن تجيبوا عنه.  يقصد الإخوان، وهي حيلة مشهورة ومعروفة لتوصيل إجابات بعينها للحاضرين، أنتج الحراك والنشاط الإسلامي سيولة فكرية، وانتماءات مزدوجة، أو غير محسومة، لدى كثيرين، خاصةً الشباب، فظهرت حالات التديّن الفردي والتدين الجماعي، وإن كان في جماعات صغيرة.

الشاب القلق الحائر الذي لا يعرف إلى ماذا ينتمي ولا إلى أيّ فكر يتبع تسهل تهدئته بإجابات سطحية

لم يكن الانتماء إلى جماعات إسلامية مزعجاً للدولة المصرية، ولم تكن ترغب في إخافة الشباب، فلم يكن مطلوب ضبط عنفوانهم الحركي، فهذه الفورة الإسلامية صالحة لضخّ شباب مجاهد في مناطق الجهاد الإسلامي المحتملة، فغضّت أجهزة الدولة الطرف عنهم، رغم حماقات البعض منهم، وطوال فترة ما بين ١٩٦٨ وحتى ١٩٧٣، كانت تحرّكات الإخوان محدودة، وتنظيم لقاءاتهم بسيطة، ولم يكن التنظيم يملك أعداداً كبيرة، ولا يملك روافد شبابية، ربّما لتخوّف حسن الهضيبي، المرشد وقتها، وربّما لأنّ الإخوان، بطريقتهم التقليدية المعهودة، لم تكن تشبع رغبات الشباب في الانطلاق، وامتلاك قراراتهم بأنفسهم، إلى أن حدثت قضية الفنية العسكرية؛ إذ انخرط كثير من شباب الحركة الإسلامية فيها، التي كانت كافية لأن ينقلب السادات على التيار الإسلامي كلّه، فحياته أصبحت خطراً، كانت الفنية العسكرية عملاً طائشاً بكلّ المعايير، إلّا أنّه أظهر ما ينويه الإسلاميون بالسادات، وكانت نقطة أظهرت خطورة اللعب بورقة التيار الإسلامي غير المنظم، فرئيس الدولة نفسه في مرمى هذه الجماعات. الغريب أنّ السادات، لم يقم بالتضييق على التيار الإسلامي؛ بل على العكس، سمح بتدليل الشباب في الجماعة الإسلامية، ربّما فكّر، مع بعض معاونيه، في ترشيد الأجواء الإسلامية التي صنعها بنفسها، لم ينتصف عقد السبعينيات، إلّا وأمراء الجماعة الإسلامية قد أصبحوا نجوماً وأبطالاً لدى الشباب، فيذكر أبو الفتوح، أنّه عندما قُبض عليه، في مطلع العام 1974، كانت بحوزته منشورات، فاقتاده الضابط، والقوة التي معه، إلى قسم الشرطة، وعندما علم رئيس الجامعة، جاء مسرعاً، وتوسّط للإفراج عنه، وبعد تفاهمات مع المسؤولين في قسم السيدة، سمح له المأمور بالخروج، إلّا أنّ عبد المنعم رفض الخروج، إلّا والمنشورات معه، وبعد شدٍّ وجذبٍ وتهديدٍ ووعيدٍ من عبد المنعم، حصل على منشوراته، وذهب إلى الجامعة منتصراً منتشياً كبطلٍ معارضٍ، تلك البطولة أعطتها له الدولة الرسمية، فانتزع إعجاب الشباب، والحكومة لم تكن عاجزة أمام هؤلاء الأمراء، فلديها الخشونة الكافية للتعامل معهم، على الأقل كما تعاملت مع الطلاب الشيوعيين والناصريين واليساريين، الذين نظّموا اعتصام الكعكة الحجرية الشهير، في ميدان التحرير، عام 1972، وهو الاعتصام الذي شاركت فيه مجموعة كبيرة من الطلاب، إضافة إلى مجموعة أخرى من الشعراء والكتَّاب والمثقفين، واستمر الاعتصام لمدة 48 ساعة تقريباً، الأمر الذي دفع بأجهزة الأمن إلى اقتحام الميدان، وتفريق المعتصمين، وإنهاء الأزمة، كان واضح للجميع أنّ اتجاهات الدولة نحو التيار الإسلامي الوليد هي الرعاية، لهذا تحمّلته كثيراً، رغم كلّ شيء، وتكوّنت الجماعات الإسلامية بأمراء طلاب، خبراتهم محدودة وضعيفة، يملؤهم الزهو بخضوع الدولة لهم، فنظّموا رحلات العمرة إلى السعودية، وتمّ استقبالهم في المملكة، على اعتبارهم أمراء للجماعات الإسلامية، وتشرّبوا الفكر السلفي، وحملوا قضاياه معهم، وتبنّوا أفكاره، وظهر هذا في زيّهم، والرأي العام الذي شغلوا به الجامعة في السبعينيات، وعندما زاد الأمر عن حدّه، تدخّلت الدولة لضبط وترشيد الحالة الإسلامية، فجاء اتفاق السادات الشهير مع عمر التلمساني، المرشد الثالث للإخوان المسلمين.

تكوّنت الجماعات الإسلامية بأمراء طلاب خبراتهم محدودة وضعيفة يملؤهم الزهو بخضوع الدولة لهم

وحول المعلومات التي تؤرّخ بداية الانخراط الفعلي لكوادر الجماعة الإسلامية، داخل الأطر التنظيمية الإخوانية، يقول أبو الفتوح: إنّ قادة وأمراء الجماعة الإسلامية، انضموا في نهايات عام 1974، ولأسباب لم يذكرها أبو الفتوح، كتم القادة انضمامهم للإخوان طوال الأعوام الخمسة التالية، قد يكون هذا الإخفاء بوحي من رجال التنظيم السري، الذين التقى بهم أبو الفتوح، فقد التقى، أولاً، بكمال السنانيري، ثم بالحاج عباس السيسي، وفي المرتين كان اللقاء يتم بشكل سري مبالغ فيه، رغم أنّ الأجواء لم تكن تستدعي كلّ هذه السرية والبوليسية، في إعداد اللقاءات، ربما يبرّر أبو الفتوح ذلك بقوله: "خشينا أن نواجه بعنف من قبل النظام"، وهو مبرّر غير كافٍ، فالنظام هو الذي فتح الطريق بالفعل أمام قادة الإخوان للتواجد، وهو الذي سمح للجماعة الإسلامية، المنتشرة في جميع جامعات مصر، بالعمل، وأعطاها الحرية الكاملة. وفي كل الأحوال؛ لم يتردّد الإخوان في ضمّ الشباب، أمراء الجماعات، إلى صفوفهم التنظيمية، وسرعان ما أصبحوا أعضاء في جماعة الإخوان؛ إذ كانوا يعدّون أنفسهم بديلاً للسلطة، استكمل الإخوان عدة التأسيس الثاني، بملء فراغات التنظيم بأفراد جدد، وبأعداد وفيرة. وهذه المرة، لم يتعب الإخوان في ضمّ القادة، وأصبح من السهل بعدها إقناع الأفراد، التابعين للأمراء، بالانضمام إلى الإخوان، وهذا ما تمّ فعلاً، وبشكل علني، عام 1979م، بانضمام كثير من أعضاء الجماعة الإسلامية إلى الإخوان، أصبحنا أمام الجماعة الجديدة للإخوان المسلمين، جديدة في الهيئة، وفي الشكل، وفي القضايا التي تتبنّاها، كانت الصفة المشتركة بين القادة التاريخيين والأعضاء الجدد؛ هي ميل الجميع إلى التغيير بالقوة، والتعالي على المجتمع، على اعتبارهم فاقدين للفهم، أو لديهم خلل في العقيدة، أو منحلّي السلوك.

اقرأ المزيد...

الوسوم: